من مكتبة مِداد الخطيب

🕌 الزَّكَاةُ... مِنَ الإِغَاثَةِ إِلَى التَّمْكِينِ

مشاركة
🕌 الزَّكَاةُ... مِنَ الإِغَاثَةِ إِلَى التَّمْكِينِ #خطبة_جمعة #الزكاة #التمكين_المالي #الصدقة #فقه_المال #الاقتصاد_الإسلامي #التكافل الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ في أموالِ الأغنياءِ حَقّاً مَعلومًا لِلسَّائِلِ والمَحروم، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ الزَّكاةَ قَنطرةً للعبورِ، وطَهارةً للصُّدورِ، وحِصناً للأموالِ من التَّلَفِ والبَوار. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، أرحَمُ الخَلقِ بالخَلق، وأعظَمُ مَن واسى الفُقراءَ وأغناهُم، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: نُخرجُ زكاةَ أموالنا كلَّ عام... ونرى نَفسَ الوجوهِ المُحتاجةِ تَطلُبُ في كلِّ عام! فهل سألتم أنفسَكم يوماً: أين الخَلَل؟ هل الزَّكاةُ مجردُ دُريهماتٍ تَسُدُّ جوعَ يومٍ، ثم يعودُ الفقيرُ ليَمدَّ يده في الغد؟ أم أنها قُوَّةٌ اقتصاديةٌ هائلة، قادرةٌ على انتشالِ أمةٍ كاملةٍ من قاعِ الحاجةِ إلى قِمَّةِ الإنتاج؟ بين الإغاثةِ العابرةِ والتمكينِ الدائمِ.. حكمةٌ ربانيةٌ عظيمة، وقصةٌ نبويةٌ غابت عن كثيرٍ منّا، ستُغيِّرُ نظرتكم لهذا الركنِ العظيم إلى الأبد.. فما هي؟ الجوابُ بَينَ أيديكُم اليوم. أيها المسلمون، إنَّنا نقفُ اليومَ أمامَ ركنٍ عظيمٍ من أركانِ هذا الدين. ركنٌ قَرَنَهُ اللهُ بالصلاةِ في ثمانيةٍ وعشرينَ موضعاً في كتابه! ركنٌ قاتَلَ دونه أبو بكرٍ الصديقُ رضي الله عنه جيوشاً بأكملها وقال كلمتَهُ التي زلزلت التاريخ: "واللهِ لأقاتلنَّ من فرّقَ بين الصلاةِ والزكاة!". إنها الزكاة... الكلمةُ التي تحملُ في جذرها اللغويِّ معنيَين عظيمين: "النَّماء" و"الطَّهارة". واسمعوا لربِّكم تبارك وتعالى وهو يخاطبُ نبيَّهُ ﷺ، ليُبيِّنَ لنا حقيقةَ هذا المال المقتطع، يقول جل جلاله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: 103]. تأملوا... لم يقل اللهُ "تُفقرهم"، ولم يقل "تُنقصهم". بل قال: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم﴾. وكأن الغنيَّ المتشبثَ بمالهِ فيه داءٌ لا يشفيه إلا العطاء! يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مبيناً هذا السر: "الزكاة طهارةٌ للنفسِ من شُحِّها وبُخلِها، وطهارةٌ للمالِ من دَخَنِهِ وحرامِه". إنها عمليةُ غسيلٍ ربانية للقلوبِ قبل الجيوب! فالعينُ التي تنظرُ إلى الزكاةِ على أنها "غرامةٌ مالية" أو "ضريبةٌ موجعة"، عينٌ لم تُبصر نورَ الإيمان. يا من تخافُ على مالك من النقصان، واسمعوها من فمِ الصادق المصدوق ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، حيث يقسمُ قائلاً: «ما نَقَصَت صَدَقةٌ من مال» (رواه مسلم). كيف تنقصُ وربُّ الأسبابِ هو الذي يخلفها؟ كيف تنقصُ والله عز وجل يقول: ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: 39]. يضاعفها لك في الدنيا بركةً وحفظاً ودفعاً للبلاء، وفي الآخرة جبالاً من الحسنات. هل استشعرنا يوماً أن الزكاة ليست تنازلاً عن المال، بل هي أعظم استثمارٍ آمنٍ في بنكِ السماءِ الذي لا يُفلس أبداً؟ عباد الله، دعونا ننتقل الآن إلى زاويةٍ أعمق. زاويةٍ يغفلُ عنها كثيرٌ من المزكّين والمؤسساتِ الخيرية اليوم. ما هو الهدفُ الأسمى للزكاة؟ هل الهدفُ أن نُطعمَ الفقيرَ صحناً من الأرزِ اليومَ، ليبحثَ عنه غداً؟ هل الهدفُ مجرد "الإغاثة" العابرة؟ لنجب على هذا، تعالوا معي نرجع بقلوبنا وعقولنا 1400 سنة إلى الوراء، إلى مسجد رسول الله ﷺ في المدينة المنورة. لنتأمل هذا المشهد العجيب الذي رواه أنس بن مالك رضي الله عنه. جاء رجلٌ من الأنصارِ إلى النبي ﷺ يسأله ويطلبُ الصدقة، فالرجلُ معدمٌ فقير. هنا، لو أعطاه النبي ﷺ تمراتٍ أو دراهم، لكانت إغاثةً مؤقتة. لكن المعلمَ الأعظمَ ﷺ أراد أن يعطينا درساً في "التمكين". قال له النبي ﷺ: «أمَا في بيتِك شيء؟». قال الرجل: بلى، حِلْسٌ (بساط خشن) نلبسُ بعضَه ونبسُطُ بعضَه، وقَدَحٌ نشربُ فيه الماء. تخيلوا! هذا كل ما يملكه في الدنيا! بساط وكوب ماء. قال له ﷺ: «ائتِني بهما». فأتاه بهما. فأخذهما رسول الله ﷺ بيده الكريمة وقال أمام الصحابة: «مَن يشتري هذين؟». قال رجل: أنا آخذهما بدرهم. قال ﷺ: «مَن يزيدُ على درهم؟». فأعطاه رجلٌ درهمين. فأخذ النبي ﷺ الدرهمين، وأعطاهما للأنصاري، وقال له: «اشترِ بأحدهما طعاماً فانبذه إلى أهلك، واشترِ بالآخر قَدُوماً (فأساً) فأتني به». فاشترى فأساً وأتى به. فماذا فعل قائد الأمة ﷺ؟ أخذ الفأس، ووضع فيه عوداً خشبياً بيده الشريفة ليثبته! نبيُّ الأمةِ يصنعُ أداةَ عملٍ لفقير! ثم قال له: «اذهب فاحتطب وبِع، ولا أُرَيَنَّكَ خمسة عشر يوماً». ذهب الرجل، واحتطب وباع، ثم جاء بعد خمسة عشر يوماً وقد أصاب عشرة دراهم! فاشترى ببعضها ثياباً وببعضها طعاماً. فنظر إليه النبي ﷺ مبتسماً وقال كلمته الخالدة: «هذا خيرٌ لك من أن تجيء المسألةُ نُكتةً في وجهك يوم القيامة» (رواه أبو داود). الله أكبر! تأملوا هذا المنهج. النبي ﷺ لم يُعطه سمكة، بل علّمه كيف يصطاد! حوّله من شخصٍ عالةٍ يَنتظر الإغاثة، إلى شخصٍ منتجٍ يكفي بيته، وربما يزكي هو في العام القابل! هذا هو الانتقال من الإغاثةِ العابرةِ إلى التمكينِ المستدام. أيها الإخوة الأفاضل، إن إطعامَ الجائعِ من أعظم القربات، ولا شك في ذلك، يقول الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8]. ولكن مقاصد الشريعة في الزكاة تتجاوز سدَّ الرمق الموقت. الشريعة تريد القضاء على الفقر من جذوره. لذلك وضع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قاعدةً ذهبيةً في فقه الزكاة، تكتب بماء الذهب، قال فيها: "إذا أَعطيتم فأَغْنُوا". قاعدة من ثلاث كلمات، تختصر نظريات الاقتصاد الحديثة! لا تعطِ الفقيرَ ما يسدُّ رمقه لأيام ثم يرجع للفقر، بل أعطهِ من الزكاةِ ما يكفيه ليفتحَ دكاناً، أو يشتريَ أدواتِ حرفته، أو يتعلمَ مهنةً تُغنيه طوال عمره. وقد صرح علماء الأمة بهذا الفقه الراقي. يقول الإمام الماوردي الشافعي رحمه الله في تحديد ما يُعطى للفقير من الزكاة: "يُعطى ما يُخرجه من حد الفقر إلى حد الغنى... فإن كان محترفاً، أُعطي ما يشتري به آلات حرفته، قلّت قيمتها أو جلّت". أي أننا نعطيه رأس مالٍ يكفيه ليعمل ويستغني. وهذا الفقه العظيم هو الذي أنتج معجزةً اقتصاديةً في عهد الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله. ففي ظرف ثلاثين شهراً فقط (سنتين ونصف)، كان جامعو الزكاة يطوفون بأموال الزكاة في أرجاء الدولة المترامية الأطراف، فلا يجدون فقيراً يأخذها! لماذا؟ لأن عمر لم يكن يوزع دراهم معدودة، بل كان يستخدم الزكاة لـ "التمكين". كان يقضي ديون الغارمين، ويزوج الشباب ليعفهم، ويعطي للناس ما يعينهم على الزراعة والتجارة، حتى تحول المجتمع كله إلى مجتمع منتج، وصدق فيهم قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: 8]، فأعطاهم الله الغنى بعد الفقر الساحق! ومن هنا، معاشر المصلين، تبرز أهمية "العمل المؤسسي" في توجيه الزكاة اليوم. إن الإسلام العظيم، حين شرع الزكاة، لم يتركها لاجتهادات الأفراد العشوائية فقط، بل أسس لها نظاماً مؤسسياً مُحكماً. استمعوا لقوله جل وعلا وهو يُعدد مصارف الزكاة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: 60]. تأملوا الصنف الثالث: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾. هذا إقرارٌ قرآني بضرورة وجود جهازٍ، ومؤسسةٍ، وفرقِ عملٍ، تخطط وتجمع وتوزع. وحين بعث النبي ﷺ معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن، قال له: «فأعْلِمهم أنَّ اللهَ افتَرَضَ عليهم صدقةً في أموالهم تُؤخَذُ من أغنيائهم وتُرَدُّ على فُقَرائهم» (متفق عليه). هناك أخذٌ منظمٌ ورَدٌّ مدروس. في زماننا هذا، تتعقد أسباب الفقر. قد يخرجُ أحدنا مئة دينار لفقير، فيأكل بها يومين وتنتهي. لكن ماذا لو اجتمعت هذه الملايين في مؤسسات زكوية رسمية وموثوقة، تديرها بعقلية "التمكين التنموي"؟ تخيلوا أن مؤسسة الزكاة تأخذ هذه الأموال.. وبدلاً من شراء سلال غذائية تستهلك في أسبوع، تقوم بـ: تأسيس مركز تدريب مهني، يخرّج ألف شاب وفتاة كل عام بشهادة وحرفة، فينقذ ألف أسرة من الفقر للأبد! توفير مكائن خياطة للأرامل، ليعملن من بيوتهن بشرف وعفة! دفع أقساط جامعية لطالبٍ مسكينٍ ذكي، ليتخرج طبيباً أو مهندساً يعول عائلته الممتدة! تمويل مشاريع متناهية الصغر للشباب العاطل، ليتحولوا من طالبي صدقة إلى دافعي زكاة! هذا هو الفهم العميق لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: 267]. الإنفاق الذي يصنع طيبَ الأثر وطيبَ الثمر. يا أهل الغنى، ويا من بسط الله لكم في الأرزاق! إن المال الذي بين أيديكم هو مال الله، استخلفكم فيه لينظر كيف تعملون. والزكاة ليست مِنّةً تتفضلون بها، بل هي حقٌ ثابتٌ للفقير في ذمتكم، إن لم تخرجوه، فقد خلطتم الحلال بالحرام، وأهلكتم أموالكم. واسمعوا لهذا الوعيد الشديد الذي يزلزل القلوب، لكل من بخل بزكاة ماله، يقول الجبار جل جلاله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ۝ يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: 34-35]. يا سبحان الله! الجبهة التي شحَّت بالمال وتكبرت، والجنب الذي استدار عن الفقير وأعرض، والظهر الذي ولى هارباً من السائل... كلها تُكوى بصحائف النار المحماة! ويقول النبي ﷺ محذراً تارك الزكاة بأسلوب تتصدع له الجبال: «مَن آتاهُ اللَّهُ مالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ، مُثِّلَ له مالُهُ يَومَ القِيامَةِ شُجاعًا أقْرَعَ (حية عظيمة مسمومة)، له زَبِيبَتانِ يُطَوَّقُهُ يَومَ القِيامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بلِهْزِمَتَيْهِ (يعني بشِدْقَيْهِ) ثُمَّ يقولُ: أنا مالُكَ أنا كَنْزُكَ» (رواه البخاري). أيعقل أن يترك أحدكم ركن الإسلام، ويعرض ماله للحق، ونفسه للعذاب، وهو قادر على أن يجعل من هذا المال شجرة وارفة تظلل اليتامى وتنتشل البائسين وتصنع أمة قوية مكينة؟ بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً كثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، شَرَع لنا من الأحكام ما فيه صَلاح دُنيانا وأُخرانا. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، أعظمُ مَن أقامَ العَدل وأرسى صُروحَ التَّكافُل، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين. أمَّا بعدُ: عباد الله، وقفنا في خطبتنا الأولى مع حقيقة الزكاة، وكيف جعلها الله طهارةً للنفوس ونماءً للأموال. ثم تأملنا الهدي النبوي العظيم في تحويل الفقير من متلقٍّ عاجز للإغاثة اليومية، إلى إنسانٍ منتجٍ مُمَكَّن، وختمنا بضرورة دعم العمل المؤسسي الذي يعظم أثر هذه الشعيرة، ويبني المستشفيات والمدارس ويدعم الحرف المهنية. والآن، إخواني، بقي السؤال الأهم الذي سيحدد إن كانت هذه الخطبة ستثمر في حياتنا: كيف نطبق فقه الزكاة والتمكين في واقعنا اليوم؟ وأوصيكم بخَمسٍ قبل أن أنزل من منبري: الأولى (قَلبيَّة): أخرج زكاتك بطيب نفسٍ، واستشعر في قلبك أنها شكرٌ للمنعم جل جلاله لا ضريبة ولا خسارة. تذكر قول الله: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ﴾ [المزمل: 20]. أنت لا تعطي الفقير، بل تضع مالك في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير! الثانية (لِسانيَّة): إياك ثم إياك أن تُتبع زكاتك أو صدقتك بالمن والأذى. لا تُذلّ مسكيناً بكلمة، ولا تكسر قلب فقير بتفضّل. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ﴾ [البقرة: 264]. ابتسم في وجه من تعطيه، فهو الذي يغسل ذنوبك بمالك. الثالثة (عَمَليَّة): احسب زكاتك بدقةٍ متناهية. لا تُخرجها بالتقريب العشوائي. اجلس الليلة، واجرد أموالك وتجارتك وعروضك. الجنيه الواحد الناقص قد يحبس مالك عن البركة، وقد يفصل بين الحلال والحرام. استعن بأهل العلم إن أشكل عليك الحساب. الرابعة (اجتماعيَّة): ابحث في دائرتك عن "المتعففين". هناك أسرٌ من أقاربك أو جيرانك طُويت عليهم جدران بيوتهم، يتضورون حاجةً ولا يمدون أيديهم لكرامتهم! هؤلاء وصفهم الله بقوله: ﴿تَحْسَبُهُمُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: 273]. تفقدوهم بصمت وادفعوا لهم بلطف. الخامسة (موضوعيَّة): وجّه جزءاً من زكواتك وصدقاتك العامة لدعم "مشاريع التمكين" عبر المؤسسات الموثوقة والجمعيات الرسمية. لا تكتفِ بتوزيع الطعام فقط. ادفع لجمعية تدرب الشباب، أو تكفل طالباً جامعياً، أو تشتري أدوات حرفية لأرملة. كن شريكاً في صناعة إنسان منتج، فذلك أدوم لأجرك وأعظم لنفع أمتك. فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن المال ودائع، وأن الأعمار تُطوى، وأن صدقة السر تطفئ غضب الرب، وصنائع المعروف تقي مصارع السوء كما أخبر نبيكم ﷺ. ثم صلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة عليه، القائل: «اتقوا النار ولو بشق تمرة»، وقد قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم اجعلنا ممن إذا أُعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أنعمت عليه بمالٍ أنفقه في سبيلك وابتغاء مرضاتك. اللهم طهِّر أموالنا من الحرام والشبهات، وطهِّر قلوبنا من الشح والبخل والرياء. اللهم اكتب لنا نماءً في أرزاقنا، وبركة في أعمارنا، وسعةً في دورنا. اللهم اغنِ فقراء المسلمين، واجبر كسر المكسورين، واقض الدين عن المدينين، ونفس كرب المكروبين في كل مكان. اللهم وفق العاملين على الزكاة والمؤسسات الخيرية، وسددهم في أداء الأمانة، واجعلهم مفاتيح للخير مغاليق للشر. اللهم اجعلنا من صناع المعروف، ومن الذين يمشون في حوائج الناس فتقضي حوائجهم برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم احفظ على المسلمين أمنهم وإيمانهم، واجمع كلمتهم على الحق والهدى يا رب العالمين. عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون. وأقم الصلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.