من مكتبة مِداد الخطيب

أَعمَالٌ جَلِيلَةٌ يُكتَبُ لِصَاحِبِهَا أَجرُ قِيَامِ لَيلَةٍ: مُحَاضَرَةٌ إِيمَانِيَّةٌ وَعِلمِيَّةٌ عَن تِجَارَةِ الأُجُورِ المُضَاعَفَةِ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الصَّحِيحَةِ

مشاركة
أَعمَالٌ جَلِيلَةٌ يُكتَبُ لِصَاحِبِهَا أَجرُ قِيَامِ لَيلَةٍ: مُحَاضَرَةٌ إِيمَانِيَّةٌ وَعِلمِيَّةٌ عَن تِجَارَةِ الأُجُورِ المُضَاعَفَةِ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الصَّحِيحَةِ الحَمدُ للهِ ذِي الفَضلِ العَظِيمِ وَالإِحسَانِ العَمِيمِ، وَالجُودِ الوَاسِعِ وَالكَرَمِ المُقِيمِ، الَّذِي فَتَحَ لِعِبَادِهِ المُؤمِنِينَ أَبوَابَ التِّجَارَةِ الرَّابِحَةِ مَعَهُ، وَضَاعَفَ لَهُمُ الحَسَنَاتِ عَلَى الأَعمَالِ اليَسِيرَةِ فِي الأَعمَارِ القَصِيرَةِ، فَكَانَ بِالمُؤمِنِينَ رَؤُوفًا رَحِيمًا، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ الشَّاكِرِينَ الذَّاكِرِينَ، وَأَثنِي عَلَيهِ الخَيرَ كُلَّهُ إِلهَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً تَشرَحُ الصُّدُورَ، وَتُضِيءُ القُبُورَ، وَتُبَلِّغُ صَاحِبَهَا مَنَازِلَ الأَبرَارِ يَومَ النُّشُورِ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، الَّذِي كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ شُكرًا لِرَبِّهِ وَمَولَاهُ، وَدَلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَزَائِنِ الأُجُورِ العَظِيمَةِ وَالمِنَحِ الرَّبَّانِيَّةِ الكَرِيمَةِ، فَمَا تَرَكَ خَيرًا يُقَرِّبُ إِلَى الجَنَّةِ إِلَّا بَيَّنَهُ لَنَا وَحَثَّنَا عَلَيهِ، وَلَا شَرًّا يُقَرِّبُ إِلَى النَّارِ إِلَّا حَذَّرَنَا مِنهُ وَنَهَانَا عَنهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّاهِرِينَ، وَصَحَابَتِهِ المُتَهَجِّدِينَ القَانِتِينَ، وَعَلَى التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. أَمَّا بَعدُ، فَيَا أَيُّهَا الإِخوَةُ المؤمِنُونَ، وَيَا أَيُّهَا الأَحِبَّةُ المُقبِلُونَ عَلَى مَوَائِدِ العِلمِ وَالإِيمَانِ: السَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَطِبتُم وَطَابَ مَجلِسُكُم، وَأَسأَلُ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى كَمَا جَمَعَنَا فِي هَذَا المَجلِسِ المُبَارَكِ لِنَتَدَارَسَ كُنُوزَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ أَن يَكتُبَنَا عِندَهُ فِي دِيوَانِ القَانِتِينَ الذَّاكِرِينَ، وَأَن يَرزُقَنَا العِلمَ النَّافِعَ وَالعَمَلَ الصَّالِحَ المُتَقَبَّلَ. أَيُّهَا الأَحِبَّةُ فِي اللهِ: إِنَّ مِن أَعظَمِ مَا يَتحَسَّرُ عَلَيهِ المُؤمِنُ الصَّادِقُ حِينَ يَنظُرُ فِي سِيَرِ الأَنبِيَاءِ وَالصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ أَن يَرَى تِلكَ المَقَامَاتِ العَالِيَةَ الَّتِي بَلَغُوهَا بِقِيَامِ اللَّيلِ وَالتَّهَجُّدِ بَينَ يَدَيِ اللهِ فِي جَوفِ الظَّلَامِ؛ فَقِيَامُ اللَّيلِ هُوَ شَرَفُ المُؤمِنِ، وَرَوضَةُ المُحِبِّينَ، وَدَأبُ الصَّالِحِينَ، وَهُوَ المَدرَسَةُ الَّتِي تَخرَّجَ فِيهَا أَولِيَاءُ اللهِ المُتَّقُونَ الَّذِينَ مَدَحَهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ الذَّارِيَاتِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ۝ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، وَأَثنَى عَلَيهِم فِي سُورَةِ السَّجدَةِ فَقَالَ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ۝ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وَوَعَدَ سُبحَانَهُ القَانِتَ السَّاجِدَ فِي اللَّيلِ بِالرَّحمَةِ وَالفَوزِ فِي سُورَةِ الزُّمَرِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنَ المُسلِمِينَ قَد يَعجِزُونَ عَن قِيَامِ اللَّيلِ كُلِّهِ أَو جُلِّهِ؛ إِمَّا لِضَعفِ أَبدَانِهِم، أَو لِمَرَضٍ أَلمَّ بِهِم، أَو لِشِدَّةِ تَعَبِهِم وَكَدحِهِم فِي النَّهَارِ فِي طَلَبِ الرِّزقِ الحَلَالِ وَإِطعَامِ العِيَالِ، أَو لِغَلَبَةِ النَّومِ عَلَيهِم. فَهَل يُحرَمُ هَؤُلَاءِ مِن شَرَفِ القَائِمِينَ وَأَجرِ المُتَهَجِّدِينَ؟ كَلَّا وَاللهِ! فَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِفَضلِهِ وَكَرَمِهِ وَرَحمَتِهِ بِهَذِهِ الأُمَّةِ المَرحُومَةِ — الَّتِي هِيَ أَقصَرُ الأُمَمِ أَعمَارًا وَأَكثَرُهَا أُجُورًا — قَد شَرَعَ لَنَا عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَعمَالًا صَالِحَةً جَلِيلَةً، مَن حَافَظَ عَلَيهَا وَأَتَى بِهَا كَمَا أَرشَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كُتِبَ لَهُ فِي صَحِيفَةِ حَسَنَاتِهِ أَجرُ قِيَامِ لَيلَةٍ كَامِلَةٍ، بَل وَيُدرِكُ بِبَعضِهَا دَرَجَةَ القَائِمِ الَّذِي لَا يَفتُرُ وَالصَّائِمِ الَّذِي لَا يُفطِرُ! إِنَّهَا تِجَارَةُ الأَكيَاسِ العُقَلَاءِ، وَغَنِيمَةُ الأَعمَارِ لِأَهلِ الإِيمَانِ وَالتُّقَى؛ فَتَعَالَوا بِنَا أَيُّهَا الأَحِبَّةُ نَستَعرِضُ فِي هَذِهِ المُحَاضَرَةِ سَبعَةَ أَعمَالٍ عَظِيمَةٍ ثَبَتَت بِهَا الأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، يُكتَبُ لِصَاحِبِهَا أَجرُ قِيَامِ لَيلَةٍ أَو دَرَجَةُ قَائِمِ اللَّيلِ، لِنَعضَّ عَلَيهَا بِالنَّوَاجِذِ وَلَا نُفَرِّطَ فِي شَيءٍ مِنهَا. العَمَلُ الأَوَّلُ: المُحَافَظَةُ عَلَى صَلَاتَيِ العِشَاءِ وَالفَجرِ فِي جَمَاعَةٍ أَيُّهَا الإِخوَةُ المؤمِنُونَ: إِنَّ أَوَّلَ هَذِهِ الأَعمَالِ وَأَعظَمَهَا وَأَوثَقَهَا: أَن يُحَافِظَ المُسلِمُ كُلَّ يَومٍ عَلَى أَدَاءِ صَلَاةِ العِشَاءِ وَصَلَاةِ الفَجرِ فِي جَمَاعَةِ المَسجِدِ! فَقَد رَوَى الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أَبِي عَمرَةَ قَالَ: دَخَلَ عُثمَانُ بنُ عَفَّانَ المَسجِدَ بَعدَ صَلَاةِ المَغرِبِ، فَقَعَدَ وَحدَهُ، فَقَعَدتُ إِلَيهِ، فَقَالَ: يَا ابنَ أَخِي، سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَن صَلَّى العِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصفَ اللَّيلِ، وَمَن صَلَّى الصُّبحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيلَ كُلَّهُ». وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ — وَقَالَ التِّرمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ —: «مَن شَهِدَ العِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ لَهُ قِيَامُ نِصفِ لَيلَةٍ، وَمَن صَلَّى العِشَاءَ وَالفَجرَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ لَهُ كَقِيَامِ لَيلَةٍ». اللهُ أَكبَرُ! تَأَمَّلُوا يَا عِبَادَ اللهِ سَعَةَ كَرَمِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ: صَلَاةُ العِشَاءِ فِي جَمَاعَةٍ لَا تَستَغرِقُ مِنكَ عَشرَ دَقَائِقَ أَو رُبعَ سَاعَةٍ، وَصَلَاةُ الفَجرِ فِي جَمَاعَةٍ مِثلُ ذَلِكَ، فَمَجمُوعُ الوَقتِ لَا يَتَجَاوَزُ نِصفَ سَاعَةٍ مِن أَربَعٍ وَعِشرِينَ سَاعَةً، وَمَعَ ذَلِكَ إِذَا صَلَّيتَ العِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ نِمتَ عَلَى فِرَاشِكَ، ثُمَّ استَيقَظتَ فَصَلَّيتَ الفَجرَ فِي جَمَاعَةٍ، كَتَبَ اللهُ لَكَ فِي صَحِيفَتِكَ أَجرَ مَن قَامَ اللَّيلَ كُلَّهُ مِن أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ رَاكِعًا سَاجِدًا قَانِتًا! وَلِمَاذَا خُصَّت هَاتَانِ الصَّلَاتَانِ بِهَذَا الفَضلِ العَظِيمِ؟ لِأَنَّ صَلَاةَ العِشَاءِ تَأتِي فِي وَقتِ الرَّاحَةِ وَالسُّكُونِ بَعدَ عَنَاءِ النَّهَارِ، وَصَلَاةَ الفَجرِ تَأتِي فِي وَقتِ لَذَّةِ النَّومِ وَطِيبِ الفِرَاشِ، فَكَانَتِ المُحَافَظَةُ عَلَيهِمَا فِي المَسجِدِ عُنْوَانَ الإِيمَانِ الصَّادِقِ وَالبَرَاءَةِ مِنَ النِّفَاقِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «لَيسَ صَلَاةٌ أَثقَلَ عَلَى المُنَافِقِينَ مِنَ الفَجرِ وَالعِشَاءِ، وَلَو يَعلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوهُمَا وَلَو حَبوًا». وَلهَذَا كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم يُقَدِّمُونَ شُهُودَ صَلَاةِ الفَجرِ وَالعِشَاءِ فِي الجَمَاعَةِ عَلَى قِيَامِ اللَّيلِ كُلِّهِ نَافِلَةً؛ فَقَد رَوَى الإِمَامُ مَالِكٌ فِي «المُوَطَّأِ» بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَقَدَ سُلَيمَانَ بنَ أَبِي حَثمَةَ فِي صَلَاةِ الصُّبحِ، فَغَدَا عُمَرُ إِلَى السُّوقِ — وَمَسكَنُ سُلَيمَانَ بَينَ السُّوقِ وَالمَسجِدِ النَّبَوِيِّ — فَمَرَّ عَلَى الشِّفَاءِ أُمِّ سُلَيمَانَ فَقَالَ لَهَا: «لَم أَرَ سُلَيمَانَ فِي الصُّبحِ!» فَقَالَت: إِنَّهُ بَاتَ يُصَلِّي فَغَلَبَتهُ عَينَاهُ! فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَلِمَتَهُ الذَّهَبِيَّةَ الفَقِيهَةَ: «لَأَن أَشهَدَ صَلَاةَ الصُّبحِ فِي جَمَاعَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِن أَن أَقُومَ لَيلَةً!». فَيا خَسَارَةَ مَن يَسهَرُ اللَّيلَ كُلَّهُ عَلَى القِيلِ وَالقَالِ وَالهَوَاتِفِ وَالشَّاشَاتِ، أَو حَتَّى مَن يَقُومُ جُزءًا مِنَ اللَّيلِ، ثُمَّ يَنَامُ عَن صَلَاةِ الفَجرِ فِي جَمَاعَةٍ فَيُضَيِّعُ الفَرِيضَةَ وَيَخسَرُ أَجرَ قِيَامِ اللَّيلِ كُلِّهِ! العَمَلُ الثَّانِي: قِيَامُ التَّرَاوِيحِ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنصَرِفَ وَأَمَّا العَمَلُ الثَّانِي مِنَ الأَعمَالِ الَّتِي نَصَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ فَاعِلَهَا يُكتَبُ لَهُ قِيَامُ لَيلَةٍ: فَهُوَ إِتمَامُ صَلَاةِ القِيَامِ وَالتَّرَاوِيحِ فِي شَهرِ رَمَضَانَ وَالتَّهَجُّدِ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَفرُغَ الإِمَامُ مِن صَلَاتِهِ وَوِترِهِ! فَقَد رَوَى أَصحَابُ السُّنَنِ الأَربَعَةِ: أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابنُ مَاجَه، وَصَحَّحَهُ التِّرمِذِيُّ وَابنُ خُزَيمَةَ وَابنُ حِبَّانَ وَالأَلبَانِيُّ، عَن أَبِي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: صُمنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ رَمَضَانَ، فَلَم يَقُم بِنَا شَيئًا مِنَ الشَّهرِ حَتَّى بَقِيَ سَبعٌ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيلِ، فَلَمَّا كَانَتِ السَّادِسَةُ لَم يَقُم بِنَا، فَلَمَّا كَانَتِ الخَامِسَةُ قَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ شَطرُ اللَّيلِ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَو نَفَّلتَنَا قِيَامَ هَذِهِ اللَّيلَةِ! فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيلَةٍ»، وَفِي لَفظٍ: «إِنَّهُ مَن قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيلَةٍ». انظُرُوا يَا عِبَادَ اللهِ إِلَى هَذِهِ المِنحَةِ النَّبَوِيَّةِ العَظِيمَةِ: الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم طَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَن يُطِيلَ بِهِمُ الصَّلَاةَ حَتَّى يَستَغرِقُوا اللَّيلَ كُلَّهُ، فَبَشَّرَهُمُ النَّبِيُّ الرَّحِيمُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُم لَا يَحتَاجُونَ إِلَى إِجهَادِ أَنفُسِهِم طَوَالَ اللَّيلِ، بَل مَن صَبَرَ مَعَ إِمَامِهِ فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ أَوِ القِيَامِ — وَلَو كَانَت سَاعَةً وَاحِدَةً — حَتَّى يُسَلِّمَ الإِمَامُ مِن وِترِهِ وَيَنصَرِفَ، كَتَبَ اللهُ لَهُ أَجرَ قِيَامِ تِلكَ اللَّيلَةِ كَامِلَةً حَتَّى يَطلُعَ الفَجرُ، وَإِن كَانَ نَائِمًا عَلَى فِرَاشِهِ بَقِيَّةَ اللَّيلِ! وَلهَذَا نَبَّهَ عُلَمَاؤُنَا الأَجلَّاءُ — كَالإِمَامِ أَحمَدَ وَالشَّيخِ ابنِ بَازٍ وَالشَّيخِ ابنِ عُثَيمِينَ رَحِمَهُمُ اللهُ — عَلَى غَبَنِ وَخَسَارَةِ مَن يُصَلِّي مَعَ الإِمَامِ رَكعَتَينِ أَو أَربَعًا ثُمَّ يَخرُجُ مِنَ المَسجِدِ قَبلَ أَن يُتِمَّ الإِمَامُ صَلَاتَهُ؛ لِأَنَّهُ يَحرِمُ نَفسَهُ بِاستِعجَالِ دَقَائِقَ مَعدُودَةٍ مِن أَن يُكتَبَ لَهُ قِيَامُ لَيلَةٍ كَامِلَةٍ! العَمَلُ الثَّالِثُ: قِرَاءَةُ مِئَةِ آيَةٍ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ فِي لَيلَةٍ وَأَمَّا العَمَلُ الثَّالِثُ الَّذِي يَغفُلُ عَنهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ مَعَ يَسَارَتِهِ وَسُهُولَتِهِ وَعَظِيمِ أَجرِهِ: فَهُوَ أَن يَقرَأَ المُسلِمُ فِي لَيلَتِهِ مِئَةَ آيَةٍ مِن كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ — سَوَاءٌ قَرَأَهَا فِي صَلَاتِهِ أَو خَارِجَ الصَّلَاةِ مِنَ المُصحَفِ أَو عَن ظَهرِ قَلبٍ —! فَقَد رَوَى الإِمَامُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي «السُّنَنِ الكُبرَى» وَ«عَمَلِ اليَومِ وَاللَّيلَةِ»، وَالدَّارِمِيُّ فِي سُنَنِهِ، بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ — كَمَا قَرَّرَهُ الحَافِظُ العِرَاقِيُّ وَالأَلبَانِيُّ وَغَيرُهُمَا — عَنِ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَن قَرَأَ بِمِئَةِ آيَةٍ فِي لَيلَةٍ كُتِبَ لَهُ قُنُوتُ لَيلَةٍ». وَمَا مَعنَى «قُنُوتُ لَيلَةٍ»؟ قَالَ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ وَشُرَّاحُ الحَدِيثِ: أَي كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيلَةٍ وَعِبَادَتُهَا وَطَاعَتُهَا! وَيَعضُدُ هَذَا الحَدِيثَ مَا رَوَاهُ الإِمَامُ ابنُ خُزَيمَةَ وَابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيهِمَا وَالحَاكِمُ فِي «المُستَدرَكِ» عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن قَرَأَ فِي لَيلَةٍ مِئَةَ آيَةٍ لَم يُكتَب مِنَ الغَافِلِينَ»، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانِيُّ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَن قَامَ بِعَشرِ آيَاتٍ لَم يُكتَب مِنَ الغَافِلِينَ، وَمَن قَامَ بِمِئَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ القَانِتِينَ، وَمَن قَامَ بِأَلفِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ المُقَنطِرِينَ». تَأَمَّلُوا يَا أَحِبَّتِي فِي اللهِ: كَم تَستَغرِقُ قِرَاءَةُ مِئَةِ آيَةٍ مِن كِتَابِ اللهِ؟ إِذَا فَتَحتَ المُصحَفَ الشَّرِيفَ عَلَى سُورَةِ الصَّافَّاتِ أَو سُورَةِ الشُّعَرَاءِ أَو سُورَةِ الوَاقِعَةِ أَو سُورَةِ الرَّحمَنِ أَو جُزءِ عَمَّ، فَإِنَّكَ تَقرَأُ مِئَةَ آيَةٍ فِي عَشرِ دَقَائِقَ أَو أَقَلَّ! عَشرُ دَقَائِقَ فَقَط تَقضِيهَا مَعَ كِتَابِ رَبِّكَ قَبلَ نَومِكَ أَو بَعدَ صَلَاةِ المَغرِبِ أَوِ العِشَاءِ، فَيُمحَى اسمُكَ مِن دِيوَانِ الغَافِلِينَ، وَيُكتَبُ اسمُكَ فِي دِيوَانِ القَانِتِينَ، وَيُكتَبُ لَكَ قُنُوتُ لَيلَةٍ كَامِلَةٍ! وَيُضَافُ إِلَى ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحَيِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ عَن أَبِي مَسعُودٍ البَدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن قَرَأَ بِالآيَتَينِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي لَيلَةٍ كَفَتَاهُ». قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ وَالحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ رَحِمَهُمَا اللهُ فِي شَرحِ مَعنَى «كَفَتَاهُ»: قِيلَ: كَفَتَاهُ مِن قِيَامِ اللَّيلِ، وَقِيلَ: كَفَتَاهُ مِنَ الشَّيطَانِ، وَقِيلَ: كَفَتَاهُ مِنَ الآفَاتِ وَالسُّوءِ، وَيَجُوزُ أَن يُرَادَ جَمِيعُ ذَلِكَ! العَمَلُ الرَّابِعُ: عَقدُ النِّيَّةِ الصَّادِقَةِ عِندَ النَّومِ عَلَى قِيَامِ اللَّيلِ أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: مَا أَعظَمَ تِجَارَةَ النِّيَّاتِ فِي الإِسلَامِ! هَبْ أَنَّ مُسلِمًا صَادِقًا يُحِبُّ قِيَامَ اللَّيلِ وَيَشتَاقُ إِلَى مُنَاجَاةِ رَبِّهِ فِي السَّحَرِ، فَأَخَذَ بِأَسبَابِ الاستِيقَاظِ وَضَبَطَ مُنَبِّهَهُ وَأَوَى إِلَى فِرَاشِهِ وَقَلبُهُ عَازِمٌ بِنِيَّةٍ صَادِقَةٍ عَلَى أَن يَقُومَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيلِ، لَكِنَّ التَّعَبَ غَلَبَهُ وَالنَّومَ أَثقَلَ جُفُونَهُ فَلَم يَستَيقِظْ إِلَّا عِندَ أَذَانِ الفَجرِ؛ فَمَاذَا يُكتَبُ لَهُ عِندَ أَكرَمِ الأَكرَمِينَ؟ اسمَعُوا إِلَى هَذِهِ البِشَارَةِ النَّبَوِيَّةِ الَّتِي تَملَأُ القُلُوبَ حُبًّا للهِ وَشَوقًا إِلَيهِ؛ فَقَد رَوَى النَّسَائِيُّ وَابنُ مَاجَه فِي سُنَنِهِمَا، وَابنُ خُزَيمَةَ فِي صَحِيحِهِ، وَالحَاكِمُ فِي «المُستَدرَكِ» وَصَحَّحَهُ هُوَ وَالذَّهَبِيُّ وَالمُنذِرِيُّ وَالأَلبَانِيُّ، عَن أَبِي الدَّردَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَبلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن أَتَى فِرَاشَهُ وَهُوَ يَنوِي أَن يَقُومَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيلِ، فَغَلَبَتهُ عَينَاهُ حَتَّى أَصبَحَ، كُتِبَ لَهُ مَا نَوَى، وَكَانَ نَومُهُ صَدَقَةً عَلَيهِ مِن رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ». وَرَوَى مَالِكٌ فِي «المُوَطَّأِ» وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنِ امرِئٍ تَكُونُ لَهُ صَلَاةٌ بِلَيلٍ فَغَلَبَهُ عَلَيهَا نَومٌ، إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ أَجرَ صَلَاتِهِ، وَكَانَ نَومُهُ صَدَقَةً عَلَيهِ». سُبحَانَكَ يَا رَبَّنَا مَا أَكرَمَكَ وَأَرحَمَكَ! العَبدُ نَائِمٌ عَلَى فِرَاشِهِ يَرتَاحُ بَدَنُهُ، وَالمَلَائِكَةُ تَكتُبُ لَهُ أَجرَ قِيَامِ اللَّيلِ كَامِلًا غَيرَ مَنقُوصٍ، وَيَكُونُ نَومُهُ صَدَقَةً تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيهِ! فَلَا تَنَمْ أَيُّهَا المُسلِمُ لَيلَةً وَاحِدَةً فِي عُمُرِكَ إِلَّا وَأَنتَ عَاقِدٌ النِّيَّةَ الصَّادِقَةَ فِي قَلبِكَ عَلَى القِيَامِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَإِنِ استَيقَظتَ فَقَد وُفِّقتَ لِلنُّورِ وَالأَجرِ، وَإِن غَلَبَتك عَينَاكَ كُتِبَ لَكَ أَجرُ مَا نَوَيتَ بِلَا تَعَبٍ وَلَا نَصَبٍ! العَمَلُ الخَامِسُ: السَّعيُ عَلَى الأَرمَلَةِ وَالمِسكِينِ وَكَفَالَتُهُمَا إِخوَةَ الإِيمَانِ: لَم يَجعَلِ الإِسلَامُ أَجرَ قِيَامِ اللَّيلِ مَحصُورًا فِي العِبَادَاتِ القَاصِرَةِ فِي المِحرَابِ فَحَسبُ، بَل فَتَحَ بَابًا عَظِيمًا مِن أَبوَابِ العِبَادَاتِ المُتَعَدِّيَةِ الَّتِي يَنتَفِعُ بِهَا الخَلقُ وَتَجبُرُ كَسرَ الضُّعَفَاءِ، فَجَعَلَ القَائِمَ بِهَا فِي مَنزِلَةِ مَن يَقُومُ اللَّيلَ كُلَّهُ لَا يَفتُرُ وَيَصُومُ النَّهَارَ كُلَّهُ لَا يُفطِرُ! فَقَد رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «السَّاعِي عَلَى الأَرمَلَةِ وَالمِسكِينِ كَالمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوِ القَائِمِ اللَّيلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ»، وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ مُسلِمٍ: «وَأَحسِبُهُ قَالَ: وَكَالقَائِمِ لَا يَفتُرُ، وَكَالصَّائِمِ لَا يُفطِرُ». تَأَمَّلُوا هَذَا الوَصفَ النَّبَوِيَّ العَجِيبَ: «كَالقَائِمِ لَا يَفتُرُ»! لَو أَنَّ إِنسَانًا أَرَادَ أَن يَقُومَ اللَّيلَ كُلَّهُ بِلَا فُتُورٍ وَلَا رَاحَةٍ لَعَجَزَ بَدَنُهُ وَانقَطَعَت قُوَّتُهُ، وَلَكِنَّ الَّذِي يَسعَى عَلَى الأَرمَلَةِ الَّتِي فَقَدَت زَوجَهَا وَمُعِيلَهَا، وَيَسعَى عَلَى المِسكِينِ الفَقِيرِ الَّذِي ضَاقَت بِهِ الحَيَاةُ، فَيَقضِي حَوَائِجَهُم، وَيُنْفِقُ عَلَيهِم، وَيَتَفَقَّدُ طَعَامَهُم وَدَوَاءَهُم وَإِيجَارَ مَسكَنِهِم، يَكتُبُ اللهُ لَهُ ثَوَابَ المُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَثَوَابَ القَائِمِ بِاللَّيلِ الَّذِي لَا يَفتُرُ عَنِ الصَّلَاةِ لَحظَةً وَاحِدَةً، وَثَوَابَ الصَّائِمِ بِالنَّهَارِ الَّذِي لَا يُفطِرُ يَومًا وَاحِدًا! قَالَ الإِمَامُ ابنُ بَطَّالٍ رَحِمَهُ اللهُ فِي شَرحِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ: «مَن عَجَزَ عَنِ الجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَعَن قِيَامِ اللَّيلِ وَصِيَامِ النَّهَارِ، فَلْيَعمَلْ بِهَذَا الحَدِيثِ، وَلْيَسعَ عَلَى الأَرَامِلِ وَالمَسَاكِينِ؛ لِيُحشَرَ يَومَ القِيَامَةِ فِي جُملَةِ المُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالصَّائِمِينَ وَالقَائِمِينَ مِن غَيرِ أَن يَخطُوَ فِي ذَلِكَ خُطوَةً أَو يَنصَبَ فِيهِ بَدَنُهُ!». العَمَلُ السَّادِسُ: التَّحَلِّي بِحُسنِ الخُلُقِ مَعَ عِبَادِ اللهِ وَأَمَّا العَمَلُ السَّادِسُ الَّذِي يَرفَعُ صَاحِبَهُ إِلَى دَرَجَةِ قَائِمِ اللَّيلِ صَائِمِ النَّهَارِ وَإِن لَم يَكُن كَثِيرَ نَافِلَةٍ: فَهُوَ حُسنُ الخُلُقِ! فَقَد رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، وَالإِمَامُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ، وَابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالحَاكِمُ فِي «المُستَدرَكِ» وَصَحَّحَهُ هُوَ وَالذَّهَبِيُّ وَالأَلبَانِيُّ، عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَت: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ المُؤمِنَ لَيُدرِكُ بِحُسنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ القَائِمِ»، وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحمَدَ وَابنِ حِبَّانَ: «دَرَجَةَ قَائِمِ اللَّيلِ صَائِمِ النَّهَارِ». وَلِمَاذَا أَدرَكَ صَاحِبُ الخُلُقِ الحَسَنِ دَرَجَةَ قَائِمِ اللَّيلِ صَائِمِ النَّهَارِ؟ قَالَ العُلَمَاءُ المُحَقِّقُونَ: لِأَنَّ القَائِمَ فِي اللَّيلِ وَالصَّائِمَ فِي النَّهَارِ يُجَاهِدُ نَفسَهُ وَحدَهَا فِي أَوقَاتٍ مَحدُودَةٍ، أَمَّا صَاحِبُ الخُلُقِ الحَسَنِ فَهُوَ يُجَاهِدُ نَفسَهُ وَشَيطَانَهُ وَغَضَبَهُ وَطَبَائِعَ النَّاسِ المُختَلِفَةِ طَوَالَ النَّهَارِ وَاللَّيلِ؛ فَيَصبِرُ عَلَى جَفَاءِ الجَاهِلِ، وَيَبتَسِمُ فِي وَجهِ أَهلهِ وَجِيرَانِهِ، وَيَكظِمُ غَيظَهُ عِندَ الإِسَاءَةِ، وَيَكُفُّ أَذَاهُ، وَيَبذُلُ نَدَاهُ؛ فَلَمَّا طَالَت مُجَاهَدَتُهُ لِنَفسِهِ فِي مُعَامَلَةِ الخَلقِ، رَفَعَهُ اللهُ بِحُسنِ خُلُقِهِ إِلَى دَرَجَةِ القَائِمِينَ بِاللَّيلِ الصَّائِمِينَ بِالنَّهَارِ! فَيَا مَن تُرِيدُ أَجرَ قِيَامِ اللَّيلِ: حَسِّنْ خُلُقَكَ مَعَ وَالِدَيكَ، وَمَعَ زَوجَتِكَ وَأَولَادِكَ، وَمَعَ جِيرَانِكَ وَزُمَلَائِكَ، وَطَهِّرْ لِسَانَكَ وَقَلبَكَ؛ فَإِنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ وَكُلَّ حِلمٍ وَصَفحٍ تَرتَقِي بِهِ فِي دَرَجَاتِ القَائِمِينَ الصَّائِمِينَ! العَمَلُ السَّابِعُ: التَّبكِيرُ إِلَى الجُمُعَةِ بِآدَابِهَا وَالمُرَابَطَةُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأَمَّا العَمَلُ السَّابِعُ فَهُوَ أَعظَمُ هَذِهِ الأَعمَالِ مُضَاعَفَةً فِي الأَجرِ؛ إِذ لَا يُكتَبُ لِصَاحِبِهِ قِيَامُ لَيلَةٍ وَاحِدَةٍ فَحَسبُ، بَل يُكتَبُ لَهُ بِكُلِّ خُطوَةٍ يَخطُوهَا إِلَى المَسجِدِ أَجرُ قِيَامِ سَنَةٍ كَامِلَةٍ وَصِيَامِهَا! فَقَد رَوَى أَصحَابُ السُّنَنِ الأَربَعَةِ: أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابنُ مَاجَه، وَالإِمَامُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ، وَصَحَّحَهُ ابنُ خُزَيمَةَ وَابنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ وَالنَّوَوِيُّ وَالأَلبَانِيُّ، عَن أَوسِ بنِ أَوسٍ الثَّقَفِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَن غَسَّلَ يَومَ الجُمُعَةِ وَاغتَسَلَ، ثُمَّ بَكَّرَ وَابتَكَرَ، وَمَشَى وَلَم يَركَب، وَدَنَا مِنَ الإِمَامِ فَاستَمَعَ وَلَم يَلغُ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ أَجرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا». قَالَ أَئِمَّةُ الحَدِيثِ: لَا يُعلَمُ فِي الشَّرِيعَةِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ فِيهِ هَذَا الثَّوَابُ العَظِيمُ المُرَتَّبُ عَلَى الخُطُوَاتِ مِثلُ هَذَا الحَدِيثِ! خَمسَةُ شُرُوطٍ يَسِيرَةٍ يَومَ الجُمُعَةِ: الغُسلُ وَالتَّنظُّفُ، وَالتَّبكِيرُ فِي أَوَّلِ الوَقتِ وإِدرَاكُ أَوَّلِ الخُطبَةِ، وَالمَشيُ عَلَى الأَقدَامِ بِلَا رُكُوبٍ لِمَن قَدَرَ عَلَيهِ، وَالدُّنُوُّ مِنَ الإِمَامِ، وَالِاستِمَاعُ وَالإِنصَاتُ دُونَ لَغوٍ أَو عَبَثٍ؛ فَإِذَا حَقَّقتَ هَذِهِ الشُّرُوطَ الخَمسَةَ وَمشَيتَ مِن بَيتِكَ إِلَى المَسجِدِ مِئَةَ خُطوَةٍ أَو أَلفَ خُطوَةٍ، كَانَ لَكَ بِكُلِّ خُطوَةٍ وَاحِدَةٍ أَجرُ سَنَةٍ كَامِلَةٍ قُمتَ لَيَالِيَهَا كُلَّهَا وَصُمتَ أَيَّامَهَا كُلَّهَا! وَكَذَلِكَ مَن رَابَطَ لَيلَةً فِي سَبِيلِ اللهِ يَحرُسُ ثُغُورَ المُسلِمِينَ وَأَمنَهُم وَأَوطَانَهُم؛ فَقَد رَوَى الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن سَلمَانَ الفَارِسِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «رِبَاطُ يَومٍ وَلَيلَةٍ خَيرٌ مِن صِيَامِ شَهرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِن مَاتَ جَرَى عَلَيهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعمَلُهُ، وَأُجرِيَ عَلَيهِ رِزقُهُ، وَأَمِنَ الفَتَّانَ». وقفةٌ تَربَوِيَّةٌ وَفِقهِيَّةٌ لَا بُدَّ مِنهَا أَيُّهَا الإِخوَةُ الفُضَلَاءُ: قَبلَ أَن نَختِمَ هَذِهِ المُحَاضَرَةَ، لَا بُدَّ أَن نَقِفَ وَقفَةً فِقهِيَّةً وَتَربَوِيَّةً دَقِيقَةً نَبَّهَ عَلَيهَا عُلَمَاءُ السُّنَّةِ وَأَئِمَّةُ التَّربِيَةِ: هَل مَعنَى حُصُولِ أَجرِ قِيَامِ لَيلَةٍ بِهَذِهِ الأَعمَالِ الجَلِيلَةِ أَن يَترُكَ المُسلِمُ قِيَامَ اللَّيلِ الفِعلِيَّ وَيَهجُرَ الوِترَ وَالتَّهَجُّدَ بِالكُلِّيَّةِ؟ الجَوَابُ: كَلَّا وَحَاشَا! فَإِنَّ الأَئِمَّةَ قَرَّرُوا أَنَّ تَرتِيبَ ثَوَابِ قِيَامِ لَيلَةٍ عَلَى هَذِهِ الأَعمَالِ هُوَ مِن بَابِ مُضَاعَفَةِ الأَجرِ وَتَكثِيرِ الحَسَنَاتِ فِي المِيزَانِ تَكرِيمًا مِنَ اللهِ لِعِبَادِهِ، وَلَكِنَّ لِقِيَامِ اللَّيلِ الفِعلِيِّ وَالخَلوَةِ بِاللهِ فِي جَوفِ اللَّيلِ أَنوَارًا خَاصَّةً، وَأَسرَارًا قَلبِيَّةً، وَإِجَابَةً لِلدُّعَاءِ فِي وَقتِ النُّزُولِ الإِلَهِيِّ فِي الثُّلُثِ الأَخِيرِ مِنَ اللَّيلِ لَا يَنَالُ كَمَالَهَا إِلَّا مَن قَامَ وَصَلَّى وَدَعَا وَاستَغفَرَ! فَالمُؤمِنُ الكَيِّسُ الفَطِنُ يَجمَعُ بَينَ الحُسنَيَينِ: فَيَحرِصُ عَلَى جَمِيعِ هَذِهِ الأَعمَالِ السَّبعَةِ كُلَّ يَومٍ وَلَيلَةٍ لِيَتَضَاعَفَ رَصِيدُهُ مِن أُجُورِ قِيَامِ اللَّيَالِي وَالسِّنِينَ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَترُكُ حَظَّهُ مِن قِيَامِ اللَّيلِ الفِعلِيِّ وَلَو بِرَكَعَاتٍ قَلِيلَةٍ يُوتِرُ بِهَا قَبلَ نَومِهِ أَو قُبَيلَ الفَجرِ؛ عَمَلًا بِوَصِيَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِعَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا فِي الصَّحِيحَينِ: «يَا عَبدَ اللهِ، لَا تَكُن مِثلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيلِ». فَيَا أَيُّهَا الأَحِبَّةُ فِي اللهِ: هَا هِيَ أَبوَابُ التِّجَارَةِ الرَّابِحَةِ مَعَ اللهِ مَفتُوحَةٌ أَمَامَكُم اللَّيلَةَ: حَافِظُوا عَلَى صَلَاتَيِ العِشَاءِ وَالفَجرِ فِي جَمَاعَةِ المَسجِدِ. وَاصبِرُوا مَعَ الإِمَامِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ حَتَّى يَنصَرِفَ. وَاقرَؤُوا كُلَّ لَيلَةٍ مِئَةَ آيَةٍ مِن كِتَابِ اللهِ وَآيَتَي آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ. وَاعقِدُوا النِّيَّةَ الصَّادِقَةَ كُلَّ لَيلَةٍ عِندَ النَّومِ عَلَى قِيَامِ اللَّيلِ. وَاسعَوا فِي خِدمَةِ الأَرَامِلِ وَالمَسَاكِينِ وَالمُحتَاجِينَ. وَتَخَلَّقُوا بِأَحسَنِ الأَخلَاقِ مَعَ الأَهلِ وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ. وَبَكِّرُوا إِلَى الجُمُعَةِ مَاشِينَ خَاشِعِينَ مُنصِتِينَ؛ تَفُوزُوا بِأُجُورِ القَانِتِينَ القَائِمِينَ، وَتَلقَوا رَبَّكُم يَومَ القِيَامَةِ بِصَحَائِفَ تَفيضُ بِالنُّورِ وَالحَسَنَاتِ! اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ، أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ، وَاكتُبنَا عِندَكَ مِنَ القَانِتِينَ القَائِمِينَ الذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ. اللَّهُمَّ اجعَل قُرَّةَ أَعيُنِنَا فِي الصَّلَاةِ، وَارزُقنَا لَذَّةَ المُنَاجَاةِ فِي جَوفِ اللَّيلِ، وَحَبِّب إِلَينَا صَلَاةَ الجَمَاعَةِ وَتِلَاوَةَ القُرآنِ، وَاستَعمِلنَا فِي جَبرِ الخَوَاطِرِ وَالسَّعيِ عَلَى الأَرَامِلِ وَالمَسَاكِينِ، وَاهدِنَا لِأَحسَنِ الأَخلَاقِ لَا يَهدِي لِأَحسَنِهَا إِلَّا أَنتَ. اللَّهُمَّ تَقَبَّل مِنَّا صَالِحَ الأَعمَالِ، وَضَاعِف لَنَا الحَسَنَاتِ، وَتَجَاوَز عَنِ السَّيِّئَاتِ، وَاختِم لَنَا بِالصَّالِحَاتِ، وَاجعَل خَيرَ أَعمَارِنَا أَوَاخِرَهَا، وَخَيرَ أَعمَالِنَا خَوَاتِمَهَا، وَخَيرَ أَيَّامِنَا يَومَ نَلقَاكَ فِيهِ وَأَنتَ رَاضٍ عَنَّا يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا وَحَبِيبِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ، وَالسَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.