فَضلُ النَّوَافِلِ وَمَنزِلَةُ التَّطَوُّعِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن أَسرَارِ القُرُبَاتِ وَثَمَرَاتِ الاستِكثَارِ مِنَ الطَّاعَاتِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ
الحَمدُ للهِ الَّذِي فَتَحَ لِعِبَادِهِ أَبوَابَ الخَيرَاتِ وَالقُرُبَاتِ، وَضَاعَفَ لَهُم بِفَضلِهِ وَكَرَمِهِ الأُجُورَ وَالحَسَنَاتِ، وَجَعَلَ الفَرَائِضَ أَسَاسًا لِلدِّينِ وَعِمَادًا لِلنَّجَاةِ، وَشَرَعَ النَّوَافِلَ سُلَّمًا لِلمَحَبَّةِ وَمِرقَاةً لِأَعلَى الدَّرَجَاتِ، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى حَمدَ الشَّاكِرِينَ، وَنَستَعِينُهُ استِعَانَةَ المُخبِتِينَ، وَنَستَغفِرُهُ استِغفَارَ التَّائِبِينَ المُنِيبِينَ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، المَلِكُ الحَقُّ المُبِينُ، القَائِلُ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ تَرغِيبًا لِلطَّائِعِينَ وَتَشوِيقًا لِلمُتَطَوِّعِينَ: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِن خَلقِهِ وَخَلِيلُهُ، كَانَ أَعبَدَ النَّاسِ لِرَبِّهِ، وَأَخشَاهُم لِمَولَاهُ، وَأَقوَمَهُم بِحَقِّ طَاعَتِهِ فِي سِرِّهِ وَنَجوَاهُ، غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَمَا زَادَهُ ذَلِكَ إِلَّا إِقبَالًا عَلَى النَّوَافِلِ، وَتَهَجُّدًا فِي جُنحِ اللَّيَالِي الفَوَاضِلِ، حَتَّى تَفَطَّرَتْ قَدَمَاهُ الشَّرِيفَتَانِ وَهُوَ يَقُولُ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا»، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الأَطهَارِ، وَأَصحَابِهِ الأَبرَارِ الَّذِينَ كَانُوا فُرسَانًا بِالنَّهَارِ، رُهبَانًا بِاللَّيلِ يَتَسَابَقُونَ فِي مَيَادِينِ التَّطَوُّعِ وَالاستِغفَارِ، وَعَلَى مَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ مَا تَعَاقَبَ اللَّيلُ وَالنَّهَارُ.
أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم أَيُّهَا المُسلِمُونَ وَنَفسِي المِقصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَهِيَ الزَّادُ الَّذِي لَا يَنفَدُ، وَالذُّخرُ الَّذِي لَا يَبِيدُ، وَالعُروَةُ الوُثقَى الَّتِي مَنِ استَمسَكَ بِهَا نَجَا وَفَازَ فَوْزًا عَظِيمًا؛ كَمَا أَمَرَنَا رَبُّنَا جَلَّ جَلَالُهُ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ فَقَالَ: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
أَيُّهَا المُؤمِنُونَ، يَا عُمَّارَ بُيُوتِ اللهِ:
إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِحِكمَتِهِ البَالِغَةِ وَرَحمَتِهِ الوَاسِعَةِ لَم يَجعَلْ طَرِيقَ السَّيرِ إِلَيهِ ضَيِّقًا مَحدُودًا، وَلَم يَحصُرْ مَيَادِينَ التَّقَرُّبِ إِلَى جَنَابِهِ فِي الفَرَائِضِ المَكتُوبَةِ وَحدَهَا؛ بَل أَحَاطَ تِلكَ الفَرَائِضَ العِظَامَ بِرِيَاضٍ غَنَّاءَ، وَبَسَاتِينَ فَيحَاءَ مِنَ النَّوَافِلِ وَالمَندُوبَاتِ وَالقُرُبَاتِ وَالتَّطَوُّعَاتِ، يَتَنَافَسُ فِيهَا المتَنَافِسُونَ، وَيَستَبِقُ فِي مِضمَارِهَا المُشمِّرُونَ، وَيَرتَقِي فِي مَعَارِجِهَا المُحسِنُونَ؛ كَمَا وَصَفَ اللهُ سُبحَانَهُ خَواصَّ عِبَادِهِ فِي سُورَةِ فَاطِرٍ فَقَالَ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾.
فَالمُقتَصِدُ هُوَ الَّذِي يَكتَفِي بِأَدَاءِ الوَاجِبَاتِ وَتَركِ المُحَرَّمَاتِ، وَأَمَّا السَّابِقُ بِالخَيرَاتِ فَهُوَ ذَلِكَ العَبدُ العَاشِقُ لِطَاعَةِ مَولَاهُ، الَّذِي لَا تَشبَعُ رُوحُهُ مِنَ السُّجُودِ، وَلَا يَمَلُّ لِسَانُهُ مِنَ الذِّكرِ، وَلَا تَنقَبِضُ يَدُهُ عَنِ البَذلِ؛ إِذَا فَرَغَ مِن فَرِيضَةٍ أَتبَعَهَا بِنَافِلَةٍ، وَإِذَا خَرَجَ مِن طَاعَةٍ دَخَلَ فِي طَاعَةٍ، مُمْتَثِلًا أَمرَ رَبِّهِ جَلَّ وَعَلَا حِينَ قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي سُورَةِ الشَّرحِ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾.
عِبَادَ اللهِ:
كَم مِن مُسلِمٍ اليَومَ يَسأَلُ نَفسَهُ أَو يُحَدِّثُ بِهَا الشَّيطَانُ فَيَقُولُ: «مَا دَامَتِ النَّافِلَةُ غَيرَ وَاجِبَةٍ، وَلَا إِثمَ عَلَى تَارِكِهَا، فَلِمَاذَا أُتعِبُ نَفسِي بِالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَالوترِ، وَقِيَامِ اللَّيلِ، وَصِيَامِ التَّطَوُّعِ، وَصَدَقَاتِ النَّفلِ؟!».
وَهَذَا لَعَمرُ اللهِ هُوَ الغَبْنُ الفَاحِشُ، وَالخُسرَانُ المُبِينُ، وَالحِرمَانُ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ مَن لَم يَعرِفْ أَسرَارَ النَّوَافِلِ وَحِكَمَهَا العَظِيمَةَ فِي شَرِيعَةِ الإِسلَامِ!
تَعَالَوا بِنَا أَيُّهَا الأَحِبَّةُ نَفتَحْ خَزَائِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ المطَهَّرَةِ، لِنَرَى مَاذَا يَربَحُ المُحَافِظُ عَلَى النَّوَافِلِ، وَمَاذَا يَخسَرُ المُفرِّطُ فِيهَا الزَّاهِدُ فِي غَنَائِمِهَا!
إِنَّ أَوَّلَ سِرٍّ مِن أَسرَارِ النَّوَافِلِ وَأَعظَمَ ثَمَرَةٍ مِن ثَمَرَاتِهَا: أَنَّهَا الطَّرِيقُ المَوْصِلُ إِلَى مَحَبَّةِ اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ وَوِلَايَتِهِ الخَاصَّةِ!
أَتَدرِي مَا مَعنَى أَن يُحِبَّكَ اللهُ؟! أَن يُحِبَّكَ خَالِقُ الأَكوَانِ، وَمُدَبِّرُ الأَزمَانِ، وَمَالِكُ المُلْكِ الدَّيَّانُ!
اسْمَعُوا بآذَانِ قُلُوبِكُم إِلَى هَذَا الحَدِيثِ القُدسِيِّ الجَلِيلِ الَّذِي سَمَّاهُ العُلَمَاءُ «حَدِيثَ الوَلِيِّ»، وَالَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ».
اللهُ أَكبَرُ عِبَادَ اللهِ! تَأَمَّلُوا دِقَّةَ هَذَا البَيَانِ الإِلَهِيِّ العَظِيمِ: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ»؛ فَأَدَاءُ الفَرَائِضِ هُوَ الأَصلُ الأَوَّلُ وَالأَاسَاسُ المَتِينُ الَّذِي لَا يُقبَلُ بِنَاءٌ بِدُونِهِ، وَلَكِنَّ النَّاسَ يَشتَرِكُونَ فِي أَدَاءِ الفَرَائِضِ؛ فَمِنهُم مَن يُؤَدِّيهَا خَوفًا مِنَ العِقَابِ، وَمِنهُم مَن يُؤَدِّيهَا عَادَةً مَعَ النَّاسِ؛ فَإِذَا جَاءَ مَيدَانُ النَّوَافِلِ تَمَيَّزَ المُحِبُّ الصَّادِقُ المشتَاقُ إِلَى رَبِّهِ! فَهُوَ لَا يُصَلِّي الرَّوَاتِبَ وَلَا يَقُومُ اللَّيلَ وَلَا يَصُومُ الهَوَاجِرَ إِلَّا شَوقًا إِلَى رِضَا اللهِ وَرَغبَةً فِيمَا عِندَهُ؛ «وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ»!
فَإِذَا نَالَ العَبدُ هَذِهِ المَحَبَّةَ الرَّبَّانِيَّةَ بِنَوَافِلِهِ، فَمَاذَا يَكُونُ جَزَاؤُهُ؟ يَحفَظُ اللهُ عَلَيهِ جَوَارِحَهُ كُلَّهَا وَيُسَدِّدُهَا؛ فَلَا يَسمَعُ بِأُذُنِهِ إِلَّا مَا يُرضِي اللهَ، وَلَا يَنظُرُ بِبَصَرِهِ إِلَّا إِلَى مَا أَحَلَّ اللهُ، وَلَا يَبطِشُ بِيَدِهِ إِلَّا فِي الحَقِّ، وَلَا يَخطُو بِقَدَمِهِ إِلَّا إِلَى الخَيرِ، ثُمَّ يُصبِحُ مُجَابَ الدَّعوَةِ، مَحفُوظَ الجَنَابِ: «وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ»! أَفَيَزهَدُ عَاقِلٌ بَعدَ هَذَا فِي رَكعَتَينِ يَركَعُهُمَا أَو صَدَقَةٍ يَتَطَوَّعُ بِهَا أَو يَومٍ يَصُومُهُ للهِ؟!
وَأَمَّا السِّرُّ الثَّانِي مِن أَسرَارِ النَّوَافِلِ عِبَادَ اللهِ: فَهُوَ أَنَّهَا الجَابِرُ وَالمُرَمِّمُ لِمَا يَقَعُ فِي فَرَائِضِنَا مِنَ النَّقصِ وَالخَلَلِ وَالغَفلَةِ يَومَ القِيَامَةِ!
مَن مِنَّا يَا عِبَادَ اللهِ يَضمَنُ أَنَّهُ أَدَّى صَلَوَاتِهِ الخَمسَ بِخُشُوعِهَا الكَامِلِ وَحُضُورِ قَلبِهَا التَّامِّ؟! أَلسنَا نَدخُلُ فِي الصَّلَاةِ فَيَسرَحُ الذِّهنُ فِي أَودِيَةِ الدُّنيَا وَهُمُومِهَا وَتِجَارَاتِهَا، حَتَّى يَنصَرِفَ الوَاحِدُ مِنَّا مِن صَلَاتِهِ وَلَم يُكتَبْ لَهُ مِنهَا إِلَّا نِصفُهَا أَو ثُلُثُهَا أَو رُبُعُهَا أَو عُشرُهَا كَمَا أَخبَرَ الصَّادِقُ المَصدُوقُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؟!
فَإِذَا وَقَفَ العَبدُ بَينَ يَدَيِ اللهِ يَومَ الحِسَابِ، وَنُشِرَتِ الدَّوَاوِينُ، وَوُضِعَتِ المَوَازِينُ، وَجِيءَ بِصَلَاتِهِ المَفرُوضَةِ فَوُجِدَتْ نَاقِصَةً مُخرَّقَةً؛ مِن أَينَ يُكمَّلُ هَذَا النَّقصُ، وَبِمَاذَا يُرقَعُ هَذَا الخَرقُ؟!
اسْمَعُوا إِلَى هَذَا الحَدِيثِ العَظِيمِ الَّذِي أَخرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابنُ مَاجَه بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، فَإِنِ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنَ الفَرِيضَةِ؟ ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ»!
فَيَا مَن يَكتَفِي بِالفَرِيضَةِ وَيَفِرُّ مِنَ المَسجِدِ عَقِبَ السَّلَامِ فِرَارَ السَّلِيمِ مِنَ الأَجرَبِ، لَا يَركَعُ سُنَّةً رَاتِبَةً وَلَا يُوتِرُ بِلَيلٍ وَلَا يُصَلِّي ضُحًى؛ بِمَاذَا سَتَجبُرُ نَقصَ فَرَائِضِكَ يَومَ يَقُولُ المَلِكُ الجَبَّارُ لِمَلَائِكَتِهِ: «انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنَ الفَرِيضَةِ»؟! أَيُّ حَسرَةٍ سَتَغشَى العَبدَ حِينَئِذٍ إِذَا فُتِّشَ فِي صَحِيفَتِهِ فَلَم يُوجَدْ لَهُ رَصِيدٌ مِنَ التَّطَوُّعِ يُرَمِّمُ بِهِ ثُغُورَ فَرَائِضِهِ مِن صَلَاةٍ وَزَكَاةٍ وَصِيَامٍ؟!
وَأَمَّا السِّرُّ الثَّالِثُ مِن أَسرَارِ النَّوَافِلِ يَا عِبَادَ اللهِ: فَهُوَ أَنَّهَا السُّورُ الحَصِينُ وَالسِّيَاجُ الوَاقِي الَّذِي يَحمِي الفَرَائِضَ مِنَ الضَّيَاعِ!
إِنَّ النَّفسَ البَشَرِيَّةَ يَعتَرِيهَا الفُتُورُ وَالكَسَلُ؛ فَمَن كَانَ مُحَافِظًا عَلَى النَّوَافِلِ وَالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ، إِذَا فَتَرَتْ هِمَّتُهُ يَومًا مَا أَو عَرَضَ لَهُ شَاغِلٌ، تَقَاعَسَ عَنِ النَّافِلَةِ فَبَقِيَتْ فَرِيضَتُهُ سَالِمَةً مَحفُوظَةً؛ وَأَمَّا مَن لَم يَكُنْ لَهُ حَظٌّ مِنَ النَّوَافِلِ أَصلًا، وَجَعَلَ الفَرَائِضَ هِيَ خَطَّ دِفَاعِهِ الأَوَّلَ وَالأَخِيرَ، فَإِنَّهُ إِذَا فَتَرَ أَو كَسِلَ فَرَّطَ فِي الفَرِيضَةِ ذَاتِهَا وَضَيَّعَهَا!
يُضَافُ إِلَى ذَلِكَ أَنَّ النَّوَافِلَ وَكَثرَةَ السُّجُودِ هِيَ المَهرُ الغَالِي لِمُرَافَقَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الفِردَوسِ الأَعلَى مِنَ الجَنَّةِ! فَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسلِمٍ عَن رَبِيعَةَ بنِ كَعبٍ الأَسلَمِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: كُنتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَيتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ لِي: «سَلْ»، فَقُلتُ: أَسأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الجَنَّةِ! قَالَ: «أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟»، قُلتُ: هُوَ ذَاكَ! قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ»!
وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ أَيضًا عَن مَعدَانَ بنِ أَبِي طَلحَةَ اليَعمَرِيِّ قَالَ: لَقِيتُ ثَوبَانَ مَولَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَقُلتُ: أَخبِرنِي بِعَمَلٍ أَعمَلُهُ يُدخِلُنِي اللهُ بِهِ الجَنَّةَ، أَو قَالَ: قُلتُ: بِأَحَبِّ الأَعمَالِ إِلَى اللهِ، فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلتُهُ فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلتُهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: سَأَلتُ عَن ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ، فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلَّا رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً»!
إِخوَةَ الإِيمَانِ:
تَعَالَوا نَتَجَوَّلْ سَوِيًّا فِي رِيَاضِ النَّوَافِلِ المُتنَوِّعَةِ الَّتِي شَرَعَهَا اللهُ لَنَا فِي يَومِنَا وَلَيلَتِنَا، لِنَرَى كَم مِنَ الكُنُوزِ وَالقُصُورِ فِي الجَنَّةِ نُضَيِّعُهَا بِغَفلَتِنَا وَتَفرِيطِنَا!
أَوَّلُ تِلكَ الرِّيَاضِ وَأَشرَفُهَا: نَوَافِلُ الصَّلَوَاتِ؛ فَلَيسَ فِي أَعمَالِ البَدَنِ بَعدَ التَّوحِيدِ عَمَلٌ أَفضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ؛ وَفِي مُقَدِّمَةِ نَوَافِلِ الصَّلَاةِ «السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ» التَّابِعَةُ لِلفَرَائِضِ؛ وَهِيَ ثِنتَا عَشرَةَ رَكعَةً فِي اليَومِ وَاللَّيلَةِ: رَكعَتَانِ قَبلَ الفَجرِ، وَأَربَعٌ قَبلَ الظُّهرِ وَرَكعَتَانِ بَعدَهَا، وَرَكعَتَانِ بَعدَ المَغرِبِ، وَرَكعَتَانِ بَعدَ العِشَاءِ.
أَتَدرُونَ مَا جَزَاءُ مَن وَاظَبَ عَلَى هَذِهِ الرَّكَعَاتِ اليَسِيرَةِ الَّتِي لَا تَأخُذُ مِن يَومِكَ إِلَّا دَقَائِقَ مَعدُودَةً؟ اسْمَعُوا إِلَى مَا رَوَاهُ الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ أُمِّ حَبِيبَةَ زَوجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّي لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا غَيْرَ فَرِيضَةٍ إِلَّا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الجَنَّةِ».
قِفُوا عِندَ تَعقِيبِ الرُّوَاةِ الكِرَامِ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ؛ قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: «فَمَا بَرِحْتُ أُصَلِّيهِنَّ بَعْدُ»، وَقَالَ الرَّاوِي عَنهَا عَنبَسَةُ بنُ أَبِي سُفيَانَ: «فَمَا بَرِحْتُ أُصَلِّيهِنَّ بَعْدُ»، وَقَالَ الرَّاوِي عَنهُ عَمرُو بنُ أَوسٍ: «مَا بَرِحْتُ أُصَلِّيهِنَّ بَعْدُ»، وَقَالَ النُّعمَانُ بنُ سَالِمٍ: «مِثْلَ ذَلِكَ»!
هَكَذَا كَانَ السَّلَفُ يَتَلَقَّونَ وَعدَ الصَّادِقِ المَصدُوقِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؛ سَمِعُوا بِبَيتٍ فِي الجَنَّةِ فَعَضُّوا عَلَى الرَّوَاتِبِ بِالنَّوَاجِذِ طِيلَةَ أَعمَارِهِم! وَآكَدُ هَذِهِ الرَّوَاتِبِ رَكعَتَا سُنَّةِ الفَجرِ اللَّتَانِ قَالَ فِيهِمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: «رَكْعَتَا الفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»!
ثُمَّ انظُرُوا إِلَى صَلَاةِ الضُّحَى؛ تِلكَ الصَّلَاةُ الَّتِي هَجَرَهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي زَحمَةِ الأَعمَالِ وَالوظَائِفِ وَالأَسوَاقِ، مَعَ أَنَّ رَكعَتَينِ مِنهَا تَعدِلَانِ ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ صَدَقَةً عَن كُلِّ مِفصَلٍ مِن مَفَاصِلِ جَسَدِكَ؛ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى»!
ثُمَّ صَلَاةُ الوِترِ وَقِيَامُ اللَّيلِ، الَّذِي هُوَ شَرَفُ المُؤمِنِ، وَخَلوَةُ المُحِبِّينَ، وَدَأبُ الصَّالِحِينَ؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ السَّجدَةِ مُثنِيًا عَلَى أَهلِ اللَّيلِ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ المُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ».
وَثَانِي تِلكَ الرِّيَاضِ الغَنَّاءِ: نَوَافِلُ الصِّيَامِ؛ فَالصَّومُ جُنَّةٌ وَحِصنٌ حَصِينٌ مِنَ النَّارِ، وَلَا عِدلَ لَهُ فِي كَسرِ شَهوَةِ النَّفسِ وَتَصفِيَةِ الرُّوحِ؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا بَاعَدَ اللَّهُ بِذَلِكَ اليَوْمِ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا»! فَمَا أَجمَلَ أَن يَكُونَ لِلمُؤمِنِ نصِيبٌ مِن صِيَامِ الاِثنَينِ وَالخَمِيسِ، أَو صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِن كُلِّ شَهرٍ، أَو صِيَامِ سِتٍّ مِن شَوَّالٍ، وَيَومِ عَرَفَةَ، وَيَومِ عَاشُورَاءَ!
وَثَالِثُ تِلكَ الرِّيَاضِ: نَوَافِلُ الصَّدَقَاتِ وَالمَعرُوفِ وَالذِّكرِ؛ فَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ تُطفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَتَدفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ، وَتُطَهِّرُ القَلبَ مِنَ الشُّحِّ، وَتَستَظِلُّ بِهَا الرُّوحُ يَومَ الحَشرِ؛ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. وَكُلُّ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، وَإِمَاطَةِ أَذًى عَنِ الطَّرِيقِ، وَتَبَسُّمٍ فِي وَجهِ أَخِيكَ، وَإِعَانَةٍ لِمَلهُوفٍ، وَتَفرِيجِ كُربَةٍ عَن مَكرُوبٍ، وَتَسبِيحَةٍ وَاستِغفَارٍ وَتِلَاوَةِ آيَةٍ مِن كِتَابِ اللهِ؛ كُلُّ ذَلِكَ مِن نَوَافِلِ الخَيرِ الَّتِي تَثقُلُ بِهَا المَوَازِينُ، وَتَرفَعُ صَاحِبَهَا إِلَى مَنَازِلِ المُقَرَّبِينَ!
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🕌 الخطبة الثانية
الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ العَلِيُّ الأَعلَى، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المُصطَفَى، وَحَبِيبُهُ المُجتَبَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَهلِ البِرِّ وَالتُّقَى، وَمَن سَارَ عَلَى نَهجِهِم وَاهتَدَى.
أَمَّا بَعدُ: فَيَا عِبَادَ اللهِ، اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى، وَاعلَمُوا أَنَّ مِمَّا لَا يَتِمُّ الحَدِيثُ عَنِ النَّوَافِلِ إِلَّا بِهِ: بَيَانَ قَاعِدَتَينِ عَظِيمَتَينِ مِن قَوَاعِدِ فِقهِ الأَعمَالِ وَالمُوَازَنَاتِ فِي الشَّرِيعَةِ الإِسلَامِيَّةِ:
القَاعِدَةُ الأُولَى: أَنَّ الفَرضَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّفلِ دَائِمًا وَأَبَدًا، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمُسلِمٍ أَن يَنشَغِلَ بِنَافِلَةٍ فَيُضَيِّعَ بِسَبَبِهَا فَرِيضَةً أَو وَاجِبًا!
لَقَد سَطَّرَ الصِّدِّيقُ الأَكبَرُ أَبُو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي وَصِيَّتِهِ الخَالِدَةِ لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عِندَ مَوتِهِ هَذَا المِيزَانَ الدَّقِيقَ فَقَالَ: «وَاعْلَمْ أَنَّ لِلَّهِ عَمَلًا بِالنَّهَارِ لَا يَقْبَلُهُ بِاللَّيْلِ، وَأَنَّ لِلَّهِ عَمَلًا بِاللَّيْلِ لَا يَقْبَلُهُ بِالنَّهَارِ، وَأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ نَافِلَةً حَتَّى تُؤَدَّى الفَرِيضَةُ».
وَنَقَلَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ العَسقَلَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي «فَتحِ البَارِي» عِندَ شَرحِ حَدِيثِ الوَلِيِّ كَلِمَةً جَامِعَةً لِبَعضِ الأَكَابِرِ مِن أَئِمَّةِ السَّلَفِ قَالُوا فِيهَا: «مَنْ شَغَلَهُ الفَرْضُ عَنِ النَّفْلِ فَهُوَ مَعْذُورٌ، وَمَنْ شَغَلَهُ النَّفْلُ عَنِ الفَرْضِ فَهُوَ مَغْرُورٌ»!
نَعَم وَاللهِ، إِنَّهُ لَمَغرُورٌ مَخدُوعٌ ذَلِكَ الَّذِي يَسهَرُ اللَّيلَ فِي قِيَامٍ أَو تَهَجُّدٍ أَوِ اعتِكَافٍ، ثُمَّ يَنَامُ عَن صَلَاةِ الفَجرِ المَكتُوبَةِ حَتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ! وَإِنَّهُ لَمَغرُورٌ ذَلِكَ الَّذِي يَتَبَرَّعُ بِالأَموَالِ فِي وُجُوهِ النَّفلِ وَالمَبَرَّاتِ لِيُقَالَ جَوَادٌ كَرِيمٌ، وَهُوَ يَمطُلُ الدَّائِنِينَ حُقُوقَهُم، أَو يَأكُلُ أُجُورَ العُمَّالِ وَالأُجَرَاءِ، أَو يُقَصِّرُ فِي النَّفَقَةِ الوَاجِبَةِ عَلَى زَوجَتِهِ وَأَولَادِهِ! وَإِنَّهُ لَمَغرُورٌ ذَلِكَ الموَظَّفُ الَّذِي يَترُكُ مَصَالِحَ المُرَاجِعِينَ وَيُعطِّلُ العَمَلَ الوَاجِبَ الَّذِي يَتَقَاضَى عَلَيهِ أَجرًا، بِحُجَّةِ أَنَّهُ مَشغُولٌ بِقِرَاءَةِ وِردِهِ مِنَ القُرآنِ أَوِ الأَذكَارِ فِي وَقتِ الدَّوَامِ الرَّسمِيِّ! فَاللهُ تَعَالَى لَا يُتَقَرَّبُ إِلَيهِ بِالنَّافِلَةِ عَلَى حِسَابِ تَضيِيعِ الفَرِيضَةِ وَالحُقُوقِ الوَاجِبَةِ!
وَالقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ عِبَادَ اللهِ: الِاقتِصَادُ فِي السُّنَّةِ وَالمُدَاوَمَةُ عَلَى النَّافِلَةِ وَإِن قَلَّتْ!
فَلا تَحمِلْ نَفسَكَ فِي سَاعَةِ الحَمَاسَةِ مَا لَا تُطِيقُ فَتَنقَطِعَ عَنِ الطَّرِيقِ؛ بَل خُذْ مِنَ النَّوَافِلِ مَا تَقوَى عَلَى المُدَاوَمَةِ عَلَيهِ طِيلَةَ عُمُرِكَ؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الجَنَّةَ، وَأَنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ». وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «يَا عَبْدَ اللَّهِ، لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ»!
وَللهِ دَرُّ القَائِلِ يَستَنهِضُ الهِمَمَ لِاغتِنَامِ الأَنفَاسِ بِالزَّادِ الصَّالِحِ قَبلَ الرَّحِيلِ:
تَزَوَّدْ مِنَ التَّقْوَى فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي ... إِذَا جَنَّ لَيْلٌ هَلْ تَعِيشُ إِلَى الفَجْرِ
فَكَمْ مِنْ فَتًى أَمْسَى وَأَصْبَحَ ضَاحِكًا ... وَقَدْ نُسِجَتْ أَكْفَانُهُ وَهُوَ لَا يَدْرِي
وَكَمْ مِنْ صَحِيحٍ مَاتَ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ ... وَكَمْ مِنْ سَقِيمٍ عَاشَ حِينًا مِنَ الدَّهْرِ
فَيا عِبَادَ اللهِ:
رَتِّبُوا لِأَنفُسِكُم مِنَ اليَومِ وِردًا ثَابِتًا مِنَ النَّوَافِلِ لَا تَتَنَازَلُونَ عَنهُ فِي حَضَرٍ وَلَا سَفَرٍ؛ حَافِظُوا عَلَى السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ الثِّنتَي عَشرَةَ رَكعَةً، وَلَا تَبِيتُوا لَيلَةً إِلَّا وَقَد أَوتَرتُم وَلَو بِرَكعَةٍ أَو ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، وَصَلُّوا رَكعَتَيِ الضُّحَى كُلَّ صَبَاحٍ شُكرًا للهِ عَلَى عَافِيَةِ أَجسَادِكُم، وَاجعَلُوا لَكُم حَظًّا مِن صِيَامِ التَّطَوُّعِ وَلَو ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِن كُلِّ شَهرٍ، وَصَدَقَةً خَفِيَّةً، وَوِردًا يَومِيًّا مِن كِتَابِ اللهِ وَأَذكَارِ الصَّبَاحِ وَالمَسَاءِ؛ تَلقَوا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ عَنكُم رَاضٍ، وَتَفُوزُوا بِمَحَبَّتِهِ وَوِلَايَتِهِ وَجَنَّتِهِ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾.
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ عَلَى السِّرَاجِ المُنِيرِ وَالبَشِيرِ النَّذِيرِ، كَمَا أَمَرَكُمُ اللهُ فِي كِتَابِهِ الكَرِيمِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: أَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُم بِرَحمَتِكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ، وَشُكرِكَ، وَحُسنِ عِبَادَتِكَ، اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَينَا الإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهْ إِلَينَا الكُفرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصيَانَ، وَاجعَلنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ.
اللَّهُمَّ ارزُقنَا حُبَّكَ، وَحُبَّ مَن يُحِبُّكَ، وَحُبَّ كُلِّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنَا إِلَى حُبِّكَ، وَاجعَلنَا مِمَّن يَتَقَرَّبُ إِلَيكَ بِالفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ حَتَّى تُحِبَّهُ وَتَتَوَلَّاهُ يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ.
اللَّهُمَّ اجبُرْ كَسرَنَا، وَتَقَبَّلْ طَاعَاتِنَا، وَتَجَاوَزْ عَن تَقصِيرِنَا وَخَلَلِنَا فِي صَلَوَاتِنَا وَعِبَادَاتِنَا، وَثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ وَطَاعَتِكَ حَتَّى نَلقَاكَ وَأَنتَ رَاضٍ عَنَّا.
اللَّهُمَّ اغفِرْ لِلمُسلِمِينَ وَالمُسلِمَاتِ، وَالمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ، الأَحيَاءِ مِنهُم وَالأَموَاتِ، وَأَصلِحْ أَحوَالَ المُسلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
فَضلُ النَّوَافِلِ وَمَنزِلَةُ التَّطَوُّعِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن أَسرَارِ القُرُبَاتِ وَثَمَرَاتِ الاستِكثَارِ مِنَ الطَّاعَاتِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.