من مكتبة مِداد الخطيب

فَضلُ صَلَاةِ النَّافِلَةِ وَالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ: خطبةُ جُمُعَةٍ جَامِعَةٌ عَن أَثَرِهَا فِي نَيلِ مَحَبَّةِ اللهِ وَجَبرِ نَقصِ الفَرَائِضِ وَالتَّحذِيرِ مِنَ التَّسَاهُلِ فِيهَا

مشاركة
فَضلُ صَلَاةِ النَّافِلَةِ وَالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ: خطبةُ جُمُعَةٍ جَامِعَةٌ عَن أَثَرِهَا فِي نَيلِ مَحَبَّةِ اللهِ وَجَبرِ نَقصِ الفَرَائِضِ وَالتَّحذِيرِ مِنَ التَّسَاهُلِ فِيهَا الحَمدُ للهِ الكَرِيمِ الوَهَّابِ، الرَّحِيمِ التَّوَّابِ، الَّذِي شَرَعَ لِعِبَادِهِ الفَرَائِضَ لِتَكُونَ أَصلًا لِلدِّينِ وَعِمَادًا لِلإِسلَامِ، وَأَتبَعَهَا بِالنَّوَافِلِ وَالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ لِتَكُونَ سُورًا يَحمِي الفَرِيضَةَ، وَجَابِرًا يَسُدُّ خَلَلَهَا، وَمِرقَاةً تَرفَعُ العَبدَ إِلَى مَقَامِ المَحَبَّةِ الإِلَهِيَّةِ وَالوَلَايَةِ الرَّبَّانِيَّةِ وَدَارِ السَّلَامِ، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ عَلَى مَا يَسَّرَ مِن أَبوَابِ الخَيرَاتِ، وَفَتَحَ مِن خَزَائِنِ البَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، وَنَشكُرُهُ عَلَى تَوفِيقِهِ لِأَهلِ السُّجُودِ وَالقُنُوتِ وَالمُحَافَظَةِ عَلَى الطَّاعَاتِ، كَمَا أَثنَى عَلَى أَولِيَائِهِ الأَبرَارِ فِي سُورَةِ السَّجدَةِ حِينَ قَالَ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ يَدعُونَ رَبَّهُم خَوفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقنَاهُم يُنفِقُونَ ۝ فَلَا تَعلَمُ نَفسٌ مَّا أُخفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعمَلُونَ﴾. وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةَ تَوحِيدٍ وَإِخلَاصٍ وَخُشُوعٍ، يَحيَا بِهَا القَلبُ فِي لَذَّةِ السُّجُودِ وَالرُّكُوعِ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ العَابِدِينَ، وَسَيِّدُ المتَطَوِّعِينَ القَانِتِينَ، الَّذِي غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَكَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ الشَّرِيفَتَانِ، وَكَانَ يُحَافِظُ عَلَى السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ فِي الحَضَرِ، وَيَتَعَاهَدُ رَكعَتَيِ الفَجرِ وَالوِترَ فِي الحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَيَقُولُ لِأَصحَابِهِ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبدًا شَكُورًا»، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ الَّذِينَ كَانُوا يَتَسَابَقُونَ إِلَى السَّوَارِي لِصَلَاةِ النَّافِلَةِ تَسَابُقَ الظِّمَاءِ إِلَى المَاءِ الزُّلَالِ، وَعَلَى التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ المَآلِ. أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ: أُوصِيكُم وَنَفسِي المَقَصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَسَارِعُوا إِلَى مَغفِرَتِهِ وَمَرضَاتِهِ، وَاغتَنِمُوا أَنفَاسَ أَعمَارِكُم فِي التَّزَوُّدِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالسُّجُودِ قَبلَ أَن يُطوَى بِسَاطُ العُمرِ، وَيَتَمَنَّى المَرءُ فِي قَبرِهِ لَو يُؤذَنُ لَهُ أَن يَركَعَ رَكعَتَينِ خَفِيفَتَينِ يَزيدُ بِهِمَا فِي مِيزَانِ حَسَنَاتِهِ فَلَا يُمَكَّنُ مِن ذَلِكَ، كَمَا أَمَرَنَا رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي خِتَامِ سُورَةِ العَلَقِ بِقَولِهِ الكَرِيمِ: ﴿كَلَّا لَا تُطِعهُ وَاسجُد وَاقتَرِب﴾. أَيُّهَا المُسلِمُونَ: إِنَّ التَّاجِرَ الحَصِيفَ فِي هَذِهِ الدُّنيَا لَا يَكتَفِي بِحِفظِ رَأسِ مَالِهِ الأَصلِيِّ فَقَط، بَل يَسعَى لَيلًا وَنَهَارًا إِلَى تَنمِيَتِهِ بِالأَربَاحِ؛ لِأَنَّهُ يَعلَمُ أَنَّ مَنِ اكتَفَى بِرَأسِ المَالِ وَحدَهُ فَقَد تَأكُلُهُ الخَسَائِرُ وَالنَّوَائِبُ حَتَّى يَنقُصَ رَأسُ المَالِ نَفسُهُ! وَهَكَذَا شَأنُ العَبدِ المُؤمِنِ مَعَ رَبِّهِ فِي تِجَارَةِ الآخِرَةِ؛ فَإِنَّ الفَرَائِضَ الخَمسَ هِيَ رَأسُ المَالِ الَّذِي لَا يَصِحُّ إِسلَامُ المَرءِ إِلَّا بِهِ، وَأَمَّا صَلَاةُ النَّافِلَةِ وَالتَّطَوُّعِ — وَعَلَى رَأسِهَا السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ التَّابِعَةُ لِلفَرَائِضِ — فَهِيَ الرِّبحُ العَظِيمُ، وَالحِصنُ المَنِيعُ الَّذِي يَصُونُ رَأسَ المَالِ، وَيَرفَعُ صَاحِبَهُ مِن مَرتَبَةِ المُقتَصِدِينَ إِلَى مَقَامِ السَّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ! وَمَعَ عَظَمَةِ هَذَا البَابِ يَا عِبَادَ اللهِ، فَإِنَّكَ تَرَى اليَومَ فِي مَسَاجِدِ المُسلِمِينَ مَشهَدًا يُحزِنُ القَلبَ وَيَدعُو إِلَى الوَقفَةِ الجَادَّةِ؛ تَرَى كَثِيرًا مِنَ المُصَلِّينَ يَدخُلُونَ المَسجِدَ عِندَ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ أَو بَعدَ أَن يَركَعَ الإِمَامُ فَلَا يُصَلُّونَ سُنَّةً قَبلِيَّةً، ثُمَّ مَا إِن يُسَلِّمَ الإِمَامُ التَّسلِيمَةَ الثَّانِيَةَ حَتَّى يَثِبُوا مِن أَمَاكِنِهِم مُسرِعِينَ إِلَى الأَبوَابِ كَأَنَّهُم كَانُوا فِي سِجنٍ فَأُطلِقَ سَرَاحُهُم، فَلَا يَجلِسُونَ لِأَذكَارِ الصَّلَاةِ، وَلَا يَركَعُونَ السُّنَّةَ الرَّاتِبَةَ البَعدِيَّةَ لَا فِي المَسجِدِ وَلَا فِي بُيُوتِهِم! فَكَيفَ زَهِدَ هَؤُلَاءِ فِي هَذَا الكَنزِ النَّبَوِيِّ العَظِيمِ؟ وَلِمَاذَا استَهَانُوا بِرَكَعَاتٍ يَسِيرَةٍ لَا تَستَغرِقُ مِن وَقتِ الإِنسَانِ إِلَّا دَقَائِقَ مَعدُودَةً، بَينَمَا ثَمَرَتُهَا عِندَ اللهِ مَحَبَّةُ الرَّحمَنِ، وَقُصُورٌ فِي الجِنَانِ، وَجَبرٌ لِنَقصِ الفَرَائِضِ يَومَ يُنصَبُ المِيزَانُ؟ تَعَالَوْا بِنَا أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ نَعيشُ مَعَ فَضلِ صَلَاةِ النَّافِلَةِ عُمُومًا، وَالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ وَالتَّوَابِعِ لِلفَرَائِضِ خُصُوصًا، وَنَتَأَمَّلُ فِي أَسْرَارِهَا وَآثَارِهَا وَأَقوَالِ السَّلَفِ وَالأَئِمَّةِ فِيهَا: أَوَّلًا: إِنَّ صَلَاةَ النَّافِلَةِ وَالإِكثَارَ مِنَ السُّجُودِ هِيَ خَيرُ مَا اشتَغَلَ بِهِ العَبدُ فِي دُنيَاهُ، وَهِيَ مَهرُ مُرَافَقَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الفِردَوسِ الأَعلَى! لَقَد أَخبَرَ الصَّادِقُ المَصدُوقُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الصَّلَاةَ هِيَ أَفضَلُ الأَعمَالِ البَدَنِيَّةِ الَّتِي يَتَقَرَّبُ بِهَا العَبدُ إِلَى رَبِّهِ بَعدَ التَّوحِيدِ؛ فَقَد أَخرَجَ ابنُ مَاجَه وَأَحمَدُ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن ثَوبَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «استَقِيمُوا وَلَن تُحصُوا، وَاعلَمُوا أَنَّ خَيرَ أَعمَالِكُمُ الصَّلَاةُ»! وَانظُرُوا يَا عِبَادَ اللهِ إِلَى ذَلِكَ المَوقِفِ النَّبَوِيِّ الخَالِدِ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن رَبِيعَةَ بنِ كَعبٍ الأَسلَمِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ — وَكَانَ شَابًّا فَقِيرًا مِن أَهلِ الصُّفَّةِ يَخدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ — قَالَ: كُنتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ لِي: «سَل»! فَقُلتُ: أَسأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الجَنَّةِ! قَالَ: «أَو غَيرَ ذَلِكَ؟» قُلتُ: هُوَ ذَاكَ! فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الكَلِمَةَ الحَاسِمَةَ الَّتِي تَرسُمُ طَرِيقَ المُرَافَقَةِ فِي الجَنَّةِ: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفسِكَ بِكَثرَةِ السُّجُودِ»! وَسَأَلَ مَعدَانُ بنُ أَبِي طَلحَةَ اليَعمَرِيُّ ثَوبَانَ مَولَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ: أَخبِرنِي بِعَمَلٍ أَعمَلُهُ يُدخِلُنِي اللهُ بِهِ الجَنَّةَ؟ فَقَالَ ثَوبَانُ: سَأَلتُ عَن ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «عَلَيكَ بِكَثرَةِ السُّجُودِ للهِ، فَإِنَّكَ لَا تَسجُدُ للهِ سَجدَةً إِلَّا رَفَعَكَ اللهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنكَ بِهَا خَطِيئَةً»! ثَانِيًا: إِنَّ التَّقَرُّبَ إِلَى اللهِ بِالنَّوَافِلِ بَعدَ أَدَاءِ الفَرَائِضِ هُوَ الطَّرِيقُ الأَعظَمُ لِنَيلِ «مَحَبَّةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ» وَمعِيَّتِهِ الخَاصَّةِ! أَتُرِيدُ يَا عَبدَ اللهِ أَن يُحِبَّكَ اللهُ؟ لَيسَ الشَّأنُ فِي أَن تُحِبَّ أَنتَ اللهَ فَحَسبُ، بَلِ الشَّأنُ كُلُّ الشَّأنِ فِي أَن يُحِبَّكَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ! فَبِمَاذَا تَنَالُ هَذِهِ المَحَبَّةَ العُظمَى؟ استَمِع بِقَلبِكَ إِلَى أَعظَمِ حَدِيثٍ قُدسِيٍّ فِي شَأنِ أَولِيَاءِ اللهِ؛ رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللهَ قَالَ: مَن عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَد آذَنتُهُ بِالحَربِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبدِي بِشَيءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افتَرَضتُ عَلَيهِ، وَمَا يَزَالُ عَبدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحبَبتُهُ كُنتُ سَمعَهُ الَّذِي يَسمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبطِشُ بِهَا، وَرِجلَهُ الَّتِي يَمشِي بِهَا، وَإِن سَأَلَنِي لَأُعطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ استَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ»! اللهُ أَكبَرُ! تَأَمَّلُوا يَا عِبَادَ اللهِ فِي هَذَا التَّدرُّجِ الإِيمَانِيِّ العَجِيبِ: العَبدُ يُؤَدِّي الفَرَائِضَ الخَمسَ أَوَّلًا، ثُمَّ لَا يَكتَفِي بِذَلِكَ، بَل «مَا يَزَالُ يَتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ بِالنَّوَافِلِ»؛ يَركَعُ قَبلَ الفَرضِ وَبَعدَهُ، وَيُوتِرُ فِي لَيلِهِ، وَيُسَبِّحُ ضُحَاهُ، وَيُداوِمُ عَلَى ذَلِكَ دُونَ انقِطَاعٍ «حَتَّى يُحِبَّهُ اللهُ»! فَإِذَا أَحَبَّهُ اللهُ صَارَ فِي كَنَفِ اللهِ وَتَوفِيقِهِ وَتَسدِيدِهِ؛ يَحفَظُ اللهُ سَمعَهُ وَبَصَرَهُ وَيَدَهُ وَرِجلَهُ فَلَا تَتَحَرَّكُ إِلَّا فِي مَرضَاتِهِ، وَيَصِيرُ مُجَابَ الدَّعوَةِ، مَحفُوظَ الجَنَابِ مِن كُلِّ شَرٍّ يَستَعِيذُ بِاللهِ مِنهُ! أَفَيُفرِّطُ عَاقِلٌ فِي هَذِهِ المَنزِلَةِ العَلِيَّةِ مِن أَجلِ دَقَائِقَ يَستَعجِلُ فِيهَا الخُرُوجَ مِنَ المَسجِدِ؟ ثَالِثًا: إِنَّ النَّوَافِلَ وَالسُّنَنَ الرَّوَاتِبَ هِيَ الجَابِرُ الوَحِيدُ لِنَقصِ الفَرَائِضِ وَخَلَلِهَا يَومَ الحِسَابِ! مَن مِنَّا يَا عِبَادَ اللهِ يَستَطِيعُ أَن يَزعُمَ أَنَّهُ يُؤَدِّي صَلَوَاتِهِ الخَمسَ المَفرُوضَةَ كَامِلَةَ الخُشُوعِ وَالحُضُورِ مِن أَوَّلِ التَّكبِيرِ إِلَى التَّسلِيمِ بِلَا نَقصٍ وَلَا سَهوٍ وَلَا غَفلَةٍ؟ لَقَد أَخبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحمَدُ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ عَن عَمَّارِ بنِ يَاسِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا عُشرُ صَلَاتِهِ، تُسعُهَا، ثُمنُهَا، سُبعُهَا، سُدسُهَا، خُمسُهَا، رُبعُهَا، ثُلُثُهَا، نِصفُهَا»! فَإِذَا جَاءَ يَومُ القِيَامَةِ، وَهُوَ اليَومُ الَّذِي يَكُونُ أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبدُ فِيهِ صَلَاتُهُ المَفرُوضَةُ، فَوُجِدَ فِي فَرَائِضِنَا هَذَا النَّقصُ الكَبِيرُ مِن أَثَرِ السَّهوِ وَحَدِيثِ النَّفسِ أَوِ التَّقصِيرِ فِي إِتمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَمَا الَّذِي يَسُدُّ هَذَا الخَلَلَ وَيُنقِذُ العَبدَ مِنَ الخَسَارَةِ وَالهَلَاكِ؟ إِنَّهَا صَلَاةُ النَّافِلَةِ وَالتَّطَوُّعِ! اسْمَعُوا إِلَى هَذَا الحَدِيثِ العَظِيمِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ وَتَمِيمٍ الدَّارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ النَّاسُ بِهِ يَومَ القِيَامَةِ مِن أَعمَالِهِمُ الصَّلَاةُ، قَالَ: يَقُولُ رَبُّنَا جَلَّ وَعَزَّ لِمَلَائِكَتِهِ وَهُوَ أَعلَمُ: انظُرُوا فِي صَلَاةِ عَبدِي أَتَمَّهَا أَم نَقَصَهَا؟ فَإِن كَانَت تَامَّةً كُتِبَت لَهُ تَامَّةً، وَإِن كَانَ انتَقَصَ مِنهَا شَيئًا قَالَ: انظُرُوا هَل لِعَبدِي مِن تَطَوُّعٍ؟ فَإِن كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ قَالَ: أَتِمُّوا لِعَبدِي فَرِيضَتَهُ مِن تَطَوُّعِهِ، ثُمَّ تُؤخَذُ الأَعمَالُ عَلَى ذَاكُم»! فَبِاللهِ عَلَيكُم، مَاذَا يَصنَعُ يَومَ القِيَامَةِ مَن جَاءَ وَفَرَائِضُهُ نَاقِصَةٌ مُخرَّقَةٌ، فَقِيلَ لِلمَلَائِكَةِ: «انظُرُوا هَل لِعَبدِي مِن تَطَوُّعٍ؟»، فَنَظَرُوا فِي صَحِيفَتِهِ فَلَم يَجِدُوا سُنَّةً قَبلِيَّةً وَلَا بَعدِيَّةً وَلَا وِترًا وَلَا ضُحًى يَجبُرُونَ بِهِ نَقصَ فَرِيضَتِهِ؟ أَيُّ حَسرَةٍ وَأَيُّ نَدَامَةٍ تَكُونُ فِي ذَلِكَ المَوقِفِ الرَّهِيبِ؟ رَابِعًا: تَفصِيلُ فَضلِ «السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ» وَالنَّوَافِلِ التَّابِعَةِ لِلفَرَائِضِ وَأَسْرَارِهَا العَظِيمَةِ! إِنَّ أَعظَمَ النَّوَافِلِ وَأَوكَدَهَا يَا عِبَادَ اللهِ هِيَ «السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ»؛ وَسُمِّيَت رَوَاتِبَ لِدَوَامِهَا وَتَرتِيبِهَا مَعَ الصَّلَوَاتِ الخَمسِ المَفرُوضَةِ؛ قَبلَهَا لِتُهَيِّئَ القَلبَ لِلدُّخُولِ فِي الفَرِيضَةِ بِخُشُوعٍ وَحُضُورٍ بَعدَ أَن كَانَ مَشغُولًا بِأَمرِ الدُّنيَا، وَبَعدَهَا لِتَجبُرَ مَا وَقَعَ فِي الفَرِيضَةِ مِن قُصُورٍ أَو غَفلَةٍ! وَعَدَدُ الرَّوَاتِبِ المُؤَكَّدَةِ اثنَتَا عَشرَةَ رَكعَةً فِي اليَومِ وَاللَّيلَةِ: رَكعَتَانِ قَبلَ الفَجرِ، وَأَربَعُ رَكَعَاتٍ قَبلَ الظُّهرِ بَتَسلِيمَتَينِ وَرَكعَتَانِ بَعدَهَا، وَرَكعَتَانِ بَعدَ المَغرِبِ، وَرَكعَتَانِ بَعدَ العِشَاءِ. فَمَا جَزَاءُ مَن حَافَظَ عَلَى هَذِهِ الرَّكَعَاتِ الاثنَتَي عَشرَةَ فِي يَومِهِ وَلَيلَتِهِ؟ اسْمَعُوا إِلَى مَا رَوَاهُ الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ أُمِّ حَبِيبَةَ رَملَةَ بِنتِ أَبِي سُفيَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَت: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِن عَبدٍ مُسلِمٍ يُصَلِّي للهِ كُلَّ يَومٍ ثِنتَي عَشرَةَ رَكعَةً تَطَوُّعًا غَيرَ فَرِيضَةٍ إِلَّا بَنَى اللهُ لَهُ بَيتًا فِي الجَنَّةِ»! تَأَمَّلُوا مَاذَا قَالَ رُوَاةُ هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَقِبَ سَمَاعِهِم لِهَذِهِ البِشَارَةِ النَّبَوِيَّةِ: قَالَت أُمُّ حَبِيبَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: «فَمَا تَرَكتُهُنَّ مُنذُ سَمِعتُهُنَّ مِن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ»! وَقَالَ أَخُوهَا عَنبَسَةُ بنُ أَبِي سُفيَانَ رَحِمَهُ اللهُ — وَقَد حَدَّثَ بِهَذَا الحَدِيثِ وَهُوَ عَلَى فِرَاشِ المَوتِ حِرصًا عَلَى نَفعِ المُسلِمِينَ —: «فَمَا تَرَكتُهُنَّ مُنذُ سَمِعتُهُنَّ مِن أُمِّ حَبِيبَةَ»! وَقَالَ التَّابِعِيُّ عَمرُو بنُ أَوسٍ رَحِمَهُ اللهُ: «مَا تَرَكتُهُنَّ مُنذُ سَمِعتُهُنَّ مِن عَنبَسَةَ»! وَقَالَ النُّعمَانُ بنُ سَالِمٍ رَحِمَهُ اللهُ: «مَا تَرَكتُهُنَّ مُنذُ سَمِعتُهُنَّ مِن عَمرِو بنِ أَوسٍ»! أَرَأَيتُم يَا عِبَادَ اللهِ كَيفَ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَتَلَقَّونَ أَحَادِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؟ يَسمَعُ الوَاحِدُ مِنهُمُ الحَدِيثَ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَيَعَضُّ عَلَى تِلكَ السُّنَّةِ بِالنَّوَاجِذِ أَربَعِينَ أَو خَمسِينَ سَنَةً لَا يَترُكُهَا يَومًا وَاحِدًا حَتَّى يَلقَى اللهَ تَعَالَى! وَإِذَا نَظَرنَا فِي فَضَائِلِ هَذِهِ الرَّوَاتِبِ وَالتَّوَابِعِ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، وَجَدنَا عَجَبًا مِنَ الكَرَمِ الإِلَهِيِّ: انظُرُوا إِلَى «رَكعَتَيِ الفَجرِ»؛ أَي سُنَّةِ الصُّبحِ القَبلِيَّةِ! فَقَد ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «رَكعَتَا الفَجرِ خَيرٌ مِنَ الدُّنيَا وَمَا فِيهَا»، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «لَهُمَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنيَا جَمِيعًا»! رَكعَتَانِ خَفِيفَتَانِ تُصَلِّيهِمَا فِي ثَلَاثِ دَقَائِقَ أَو أَربَعٍ، تَقرَأُ فِي الأُولَى بَعدَ الفَاتِحَةِ سُورَةَ الكَافِرُونَ، وَفِي الثَّانِيَةِ سُورَةَ الإِخلَاصِ، هُمَا فِي مِيزَانِ اللهِ خَيرٌ مِنَ الدُّنيَا كُلِّهَا بِذَهَبِهَا وَفِضَّتِهَا وَمُلُوكِهَا وَقُصُورِهَا مِن أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا! وَلِذَلِكَ قَالَت عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ: «لَم يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَلَى شَيءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ مِنهُ تَعَاهُدًا عَلَى رَكعَتَيِ الفَجرِ»؛ فَلَم يَكُن يَدَعُهُمَا لَا فِي حَضَرٍ وَلَا فِي سَفَرٍ! وَانظُرُوا إِلَى سُنَّةِ الظُّهرِ القَبلِيَّةِ وَالبَعدِيَّةِ؛ إِذَا صَلَّيتَ أَربَعًا قَبلَ الظُّهرِ وَرَكعَتَينِ بَعدَهَا دَخَلتَ فِي أَصحابِ البَيتِ المَبنِيِّ فِي الجَنَّةِ، فَإِن زِدتَ رَكعَتَينِ أُخرَيَينِ بَعدَ الظُّهرِ فَصَارَت أَربَعًا قَبلَ الظُّهرِ وَأَربَعًا بَعدَهَا، نِلتَ تَحرِيمَ جَسَدِكَ عَلَى النَّارِ؛ كَمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أُمِّ حَبِيبَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن حَافَظَ عَلَى أَربَعِ رَكَعَاتٍ قَبلَ الظُّهرِ وَأَربَعٍ بَعدَهَا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ»! وَأَمَّا بَعدَ صَلَاةِ الجُمُعَةِ؛ فَقَد ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعدَهَا أَربَعًا»، وَكَانَ ابنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا إِذَا صَلَّى فِي المَسجِدِ بَعدَ الجُمُعَةِ صَلَّى أَربَعًا، وَإِذَا صَلَّى فِي بَيتِهِ صَلَّى رَكعَتَينِ اقتِدَاءً بِفِعلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي بَيتِهِ. وَمِنَ النَّوَافِلِ العَظِيمَةِ التَّابِعَةِ لِلفَرَائِضِ كَذَلِكَ: الصَّلَاةُ قَبلَ العَصرِ، وَالصَّلَاةُ بَينَ كُلِّ أَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَصَلَاةُ الوِترِ بَعدَ سُنَّةِ العِشَاءِ؛ فَقَد أَخرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «رَحِمَ اللهُ امْرَأً صَلَّى قَبلَ العَصرِ أَربَعًا»؛ وَيَا لَهَا مِن دَعوَةٍ نَبَوِيَّةٍ بِالرَّحمَةِ لِمَن حَافَظَ عَلَيهَا! وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مُغَفَّلٍ المُزَنِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بَينَ كُلِّ أَذَانَينِ صَلَاةٌ، بَينَ كُلِّ أَذَانَينِ صَلَاةٌ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: لِمَن شَاءَ»! وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: «كَانَ المُؤَذِّنُ إِذَا أَذَّنَ قَامَ نَاسٌ مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَبتَدِرُونَ السَّوَارِيَ حَتَّى يَخرُجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَهُم كَذَلِكَ يُصَلُّونَ الرَّكعَتَينِ قَبلَ المَغرِبِ»! بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ وَخَطِيئَةٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. 🕌 الخطبة الثانية الحَمدُ للهِ الَّذِي يَقبَلُ اليَسِيرَ مِنَ العَمَلِ وَيُثِيبُ عَلَيهِ الجَزِيلَ مِنَ الأَجرِ وَالنَّوَالِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الكَبِيرُ المُتَعَالِ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، القَائِلُ فِيمَا صَحَّ عَنهُ فِي الصَّحِيحَينِ: «أَحَبُّ الأَعمَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَدوَمُهَا وَإِن قَلَّ»، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ خَيرِ صَحبٍ وَآلٍ. أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى، وَاحذَرُوا أَشَدَّ الحَذَرِ مِن آفَتَينِ خَطِيرَتَينِ يَدخُلُ مِنهُمَا الشَّيطَانُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ المُصَلِّينَ لِيَحرِمَهُم كُنُوزَ النَّوَافِلِ وَالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ؛ الآفَةُ الأُولَى: التَّسَاهُلُ وَالتَّفرِيطُ فِي السُّنَنِ بِحُجَّةِ أَنَّهَا «سُنَّةٌ وَلَيسَت بِوَاجِبٍ»! وَالآفَةُ الثَّانِيَةُ: احتِقَارُ العَمَلِ اليَسِيرِ وَاستِصغَارُ الرَّكعَتَينِ الخَفِيفَتَينِ! فَيَا مَن يَقُولُ: «هَذِهِ سُنَّةٌ مُستَحَبَّةٌ وَلَيسَت فَرِيضَةً فَلَا ضَرَرَ فِي تَركِهَا»: اعْلَم يَا عَبدَ اللهِ أَنَّ السُّنَنَ الرَّوَاتِبَ هِيَ السُّورُ الحَامِي لِلفَرَائِضِ؛ وَمَتَى هَدَمَ الإِنسَانُ السُّورَ الخَارِجِيَّ لِلحِصنِ، أَوشَكَ العَدُوُّ أَن يَقتَحِمَ عَلَيهِ الحِصنَ الدَّاخِلِيَّ وَهُوَ الفَرِيضَةُ! استَمِعُوا إِلَى هَذِهِ القَاعِدَةِ التَّربَوِيَّةِ المَهِيبَةِ الَّتِي قَرَّرَهَا إِمَامُ أَهلِ السُّنَّةِ وَالمُجَاهِدُ الرَّبَّانِيُّ عَبدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى حِينَ قَالَ: «مَن تَهَاوَنَ بِالأَدَبِ عُوقِبَ بِحِرمَانِ السُّنَنِ، وَمَن تَهَاوَنَ بِالسُّنَنِ عُوقِبَ بِحِرمَانِ الفَرَائِضِ، وَمَن تَهَاوَنَ بِالفَرَائِضِ عُوقِبَ بِحِرمَانِ المَعرِفَةِ»! وصَدَقَ وَاللهِ ابنُ المُبَارَكِ! فَمَا تَكاسَلَ عَبدٌ عَن صَلَاةِ الفَجرِ فِي جَمَاعَةٍ أَو ضَيَّعَ الفَرَائِضَ إِلَّا كَانَت بِدَايَةُ انتِكَاسَتِهِ أَنَّهُ تَسَاهَلَ فِي الوِترِ وَرَكعَتَيِ الفَجرِ وَالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ، فَلَمَّا هَانَت عَلَيهِ السُّنَنُ هَانَت عَلَيهِ الفَرَائِضُ! وَانظُرُوا كَيفَ شَدَّدَ أَئِمَّةُ الفِقهِ وَالحَدِيثِ كَالإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَالإِمَامِ أَحمَدَ بنِ حَنبَلٍ رَحِمَهُمَا اللهُ فِي شَأنِ مَن يَعتَادُ تَركَ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ وَالوِترِ استِخفَافًا وَزُهدًا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؛ حَتَّى نَصَّ الفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَن دَاوَمَ عَلَى تَركِ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ बِلَا عُذرٍ فَهُوَ مَذمُومٌ نَاقِصُ الدِّينِ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لِزُهدِهِ فِي هَديِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ الإِمَامُ أَحمَدُ رَحِمَهُ اللهُ كَلِمَتَهُ المَشهُورَةَ: «مَن تَرَكَ الوِترَ عَمدًا فَهُوَ رَجُلُ سُوءٍ لَا يَنبَغِي أَن تُقبَلَ شَهَادَتُهُ»! وَإِيَّاكُم يَا عِبَادَ اللهِ أَن تَحتَقِرُوا هَذَا العَمَلَ اليَسِيرَ أَو تَستَقِلُّوا رَكعَتَينِ تَركَعُونَهُمَا فِي بُيُوتِكُم أَو فِي مَسَاجِدِكُم؛ فَإِنَّ الجِبَالَ الشَّامِخَةَ إِنَّمَا تَتَكَوَّنُ مِنَ الحَصَى الصِّغَارِ، وَإِنَّ البُحُورَ الزَّاخِرَةَ إِنَّمَا تَجتَمِعُ مِنَ القَطَرَاتِ المتَتَابِعَةِ! لَو صَلَّيتَ فِي كُلِّ يَومٍ اثنَتَي عَشرَةَ رَكعَةً مِنَ الرَّوَاتِبِ مَعَ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ لِلوِترِ، فَذَلِكَ خَمسَ عَشرَةَ رَكعَةً فِي اليَومِ، أَي أَربَعُ مِئَةٍ وَخَمسُونَ رَكعَةً فِي الشَّهرِ، وَأَكثَرُ مِن خَمسَةِ آلَافٍ وَأَربَعِ مِئَةِ رَكعَةٍ فِي السَّنَةِ الوَاحِدَةِ، فِيهَا أَكثَرُ مِن عَشرَةِ آلَافِ سَجدَةٍ للهِ تَعَالَى! أَفَيَستَهِينُ عَاقِلٌ بِعَشرَةِ آلَافِ سَجدَةٍ تُكتَبُ فِي صَحِيفَتِهِ كُلَّ عَامٍ، كُلُّ سَجدَةٍ مِنهَا تَرفَعُهُ دَرَجَةً وَتَحُطُّ عَنهُ خَطِيئَةً؟ وَلقَد أَحسَنَ الشَّاعِرُ الحَكِيمُ حِينَ حَذَّرَ مِنِ استِصغَارِ القَلِيلِ الدَّائِمِ وَبَيَّنَ عَظِيمَ أَثَرِهِ عِندَ اجتِمَاعِهِ فَقَالَ: لَا تَحقِرَنَّ صَغِيرَةً إِنَّ القُوَى ... تَنمُو بِجَمعِ القَطرِ حَتَّى تَزخَرَا فَالبَيتُ يُبنَى فِي الجِنَانِ بِرَكعَةٍ ... مَن دَامَ فِي سُبُلِ الهُدَى نَالَ الذُّرَى وَمِن جَمِيلِ فِقهِ السُّنَّةِ فِي الرَّوَاتِبِ يَا عِبَادَ اللهِ: أَنَّ الأَفضَلَ فِي السُّنَنِ وَالنَّوَافِلِ أَن يُصَلِّيَهَا المُسلِمُ فِي بَيتِهِ إِن ضَمِنَ أَلَّا يَنشَغِلَ عَنهَا؛ لِتَحلَّ البَرَكَةُ وَالنُّورُ فِي بَيتِهِ، وَلِيَقتَدِيَ بِهِ أَولَادُهُ وَأَهلُهُ؛ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن زَيدِ بنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فَإِنَّ أَفضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ المَرءِ فِي بَيتِهِ إِلَّا المَكتُوبَةَ»، وَفِي الصَّحِيحَينِ عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «اجعَلُوا مِن صَلَاتِكُم فِي بُيُوتِكُم وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا». وَأَمَّا مَن خَشِيَ إِذَا خَرَجَ مِنَ المَسجِدِ إِلَى سُوقِهِ أَو عَمَلِهِ أَو بَيتِهِ أَن يَنسَى الرَّاتِبَةَ أَو يَتَكَاسَلَ عَنهَا، فَليُصَلِّهَا فِي المَسجِدِ قَبلَ أَن يَخرُجَ حَتَّى لَا تَفُوتَهُ؛ وَإِن فَاتَتهُ رَاتِبَةٌ لِعُذرٍ أَو شُغلٍ شُرِعَ لَهُ قَضَاؤُهَا كَمَا قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ سُنَّةَ الظُّهرِ بَعدَ العَصرِ وَسُنَّةَ الفَجرِ بَعدَ طُلُوعِ الشَّمسِ. فَعَاهِدُوا اللهَ يَا عِبَادَ اللهِ مِن هَذِهِ الجُمُعَةِ المُبَارَكَةِ عَلَى إِحيَاءِ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ وَالنَّوَافِلِ فِي حَيَاتِكُم وَبُيُوتِكُم، وَقُولُوا كَمَا قَالَت أُمُّ حَبِيبَةَ وَالسَّلَفُ الأَبرَارُ: «وَاللهِ لَا نَترُكُهُنَّ أَبَدًا مَا حَيِينَا»! هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ عَلَى إِمَامِ المُصَلِّينَ وَقُدوَةِ القَانِتِينَ، كَمَا أَمَرَكُمُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ حِينَ قَالَ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ؛ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ، اللَّهُمَّ اجعَلنَا مِنَ المُحَافِظِينَ عَلَى الفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ وَالسُّنَنِ الرَّوَاتِبِ، وَاجبُر بِتَطَوُّعِنَا نَقصَ فَرَائِضِنَا، وَارزُقنَا بِهَا مَحَبَّتَكَ وَوَلَايَتَكَ وَقُربَكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ ابنِ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَأَهلِينَا بُيُوتًا فِي الجَنَّةِ، وَحَبِّب إِلَينَا الصَّلَاةَ وَالسُّجُودَ، وَارزُقنَا مُرَافَقَةَ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الفِردَوسِ الأَعلَى، وَاغفِر لِلمُسلِمِينَ وَالمُسلِمَاتِ الأَحيَاءِ مِنهُم وَالأَموَاتِ يَا رَبَّ العَالَمِينَ. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.