عِبَادَةُ التَّفَكُّرِ فِي خَلقِ اللهِ: مَنزِلَتُهَا وَأَجرُهَا العَظِيمُ وَأَثَرُهَا فِي تَعزِيزِ اليَقِينِ وَمَعرِفَةِ الخَالِقِ العَلِيمِ
الحَمدُ للهِ الفَاطِرِ البَدِيعِ، الخَالِقِ القَدِيرِ السَّمِيعِ، الَّذِي أَقَامَ السَّمَاوَاتِ السَّبعَ بِغَيرِ عَمَدٍ تَرَونَهَا، وَبَسَطَ الأَرضَ عَلَى مَاءٍ جَمَدٍ فَأَرسَى بِالجِبَالِ الشَّوَامِخِ مُتُونَهَا، وَأَجرَى فِي مَلَكُوتِهِ الفَسِيحِ أَفلَاكَهُ وَنُجُومَهُ، وَأَودَعَ فِي كُلِّ ذَرَّةٍ مِن ذَرَّاتِ الوُجُودِ آيَةً نَاطِقَةً بِوَحْدَانِيَّتِهِ، وَشَاهِدًا عَدلًا عَلَى سَابِغِ حِكمَتِهِ وَبَاهِرِ قُدرَتِهِ، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ مَن نَظَرَ فِي الكَونِ بِعَينِ البَصِيرَةِ فَأَبصَرَ جَلَالَ الصَّانِعِ وَرَاءَ جَمَالِ الصَّنعَةِ، وَتَأَمَّلَ فِي دَقَائِقِ الخَلقِ فَخَرَّ قَلبُهُ سَاجِدًا قَبلَ أَن تَسجُدَ الجَبهَةُ وَالرُّكبَة، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةَ يَقِينٍ رَاسِخٍ لَا تَزعَزِعُهُ الشُّبُهَاتُ، وَلَا تَعصِفُ بِهِ تَقَلُّبَاتُ الأَزمِنَةِ وَالأَوقَاتِ، نَصَبَ الآيَاتِ فِي الآفَاقِ وَالأَنفُسِ لِيَستَدِلَّ بِهَا أُولُو الأَلبَابِ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ وَإِلَهِيَّتِهِ، وَفَتَحَ لِقُلُوبِ العَارِفِينَ مَيَادِينَ الفِكرِ وَالنَّظَرِ لِيَرتَقُوا فِي مَعَارِجِ مَحَبَّتِهِ وَخَشيَتِهِ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِن خَلقِهِ وَخَلِيلُهُ، كَانَ أَعظَمَ النَّاسِ تَفَكُّرًا فِي مَلَكُوتِ رَبِّهِ، وَأَطوَلَهُم فِكرَةً، وَأَعمَقَهُم عِبرَةً، وَأَخشَاهُم للهِ فِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ، كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيلِ فَيَقرَأُ آيَاتِ الآفَاقِ وَعَينَاهُ تَذرِفَانِ مِن خَشيَةِ المَلِكِ الخَلَّاق، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الأَطهَارِ، وَأَصحَابِهِ السَّادَةِ الأَبرَارِ، الَّذِينَ جَمعُوا بَينَ نُورِ الوَحيِ المَتلُوِّ وَتَدَبُّرِ الكَونِ المَنظُورِ، وَعَلَى مَن سَارَ عَلَى نَهجِهِم وَاهتَدَى بِهُدَاهُم إِلَى يَومِ البَعثِ وَالنُّشُور، أَمَّا بَعد:
فَيَا أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ، وَيَا أَيَّتُهَا الأَخَوَاتُ المُؤمِنَاتُ، يَا طُلَّابَ الحَقِّ وَالبَاحِثِينَ عَن بَردِ اليَقِينِ وَحَيَاةِ القُلُوب:
إِنَّنَا نَلتَقِي فِي هَذِهِ السَّاعَةِ الإِيمَانِيَّةِ المُبَارَكَةِ لِنَتَذَاكَرَ مَعًا فَرِيضَةً عَظِيمَةً مِن فَرَائِضِ القُلُوبِ وَالعُقُولِ، وَعِبَادَةً جَلِيلَةً كَادَت أَن تَندَرِسَ مَعَالِمُهَا فِي حَيَاةِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ تَحتَ رُكَامِ الضَّجِيجِ المَادِّيِّ، وَإِيقَاعِ الحَيَاةِ المُتَسَارِعِ، وَانشِغَالِ الأَبصَارِ بِالشَّاشَاتِ الصَّغِيرَةِ عَنِ التَّأَمُّلِ فِي آيَاتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ الكَبِيرَة!
إِنَّهَا عِبَادَةٌ لَا تَحتَاجُ إِلَى سَفَرٍ بَعِيدٍ، وَلَا إِلَى نَفَقَةٍ مَالِيَّةٍ، وَلَا إِلَى جُهدٍ بَدَنِيٍّ شَاقٍّ؛ وَلَكِنَّهَا مَعَ ذَلِكَ تَرفَعُ صَاحِبَهَا فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَى مَنَازِلِ الصِّدِّيقِينَ وَالرَّبَّانِيِّينَ، وَتَفتَحُ لِقَلبِهِ أَبوَابًا مِنَ المَعرِفَةِ بِاللهِ، وَاليَقِينِ بِوَعدِهِ وَوَعِيدِهِ، مَا لَا يَنَالُهُ الغَافِلُ فِي سِنِينَ طِوَالٍ! إِنَّهَا عِبَادَةُ التَّفَكُّرِ فِي خَلقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ تِلكَ السِّيَاحَةُ الرُّوحِيَّةُ وَالعَقلِيَّةُ فِي مَلَكُوتِ اللهِ الأَعظَم، الَّتِي كَانَت مِفتَاحَ نُبُوَّةِ الأَنبِيَاءِ، وَدَأبَ الأَولِيَاءِ وَالأَصفِيَاءِ، وَمِنهَاجَ أُولِي الأَلبَابِ وَالنُّهَى.
أَيُّهَا الأَحِبَّةُ فِي الله: لَقَد وَضَعَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَينَ أَيدِينَا كِتَابَينِ عَظِيمَينِ لَا يَنفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنِ الآخَرِ: «كِتَابًا مَسطُورًا مَتلُوًّا» وَهُوَ القُرآنُ الكَرِيمُ، وَ«كِتَابًا مَنظُورًا مَشهُودًا» وَهُوَ هَذَا الكَونُ الفَسِيحُ بِسَمَائِهِ وَأَرضِهِ وَأَفلَاكِهِ وَبِحَارِهِ وَجِبَالِهِ وَأَنفُسِنَا الَّتِي بَينَ جُنُوبِنَا! وَكَأَنَّ آيَاتِ القُرآنِ الكَرِيمِ هِيَ الأَصَابِعُ النُّورَانِيَّةُ الَّتِي تُشِيرُ لِلعَقلِ البَشَرِيِّ إِلَى صَفَحَاتِ الكَونِ المَنظُورِ، لِتَقُولَ لَهُ: انظُر، وَتَأَمَّل، وَتَفَكَّر، وَاعتَبِر؛ لِتَعرِفَ مَن خَلَقَكَ، وَمَن رَزَقَكَ، وَمَن دَبَّرَ أَمرَكَ، فَتَعبُدَهُ عَن حُبٍّ وَتَعظِيمٍ وَيَقِين!
وَمِن هُنَا فَسَنَطُوفُ بِقُلُوبِنَا وَأَرواحِنَا فِي هَذِهِ المُحَاضَرَةِ حَولَ مَحَاوِرَ أَربَعَةٍ كُبرَى تَستَوعِبُ هَذَا المَوضُوعَ الجَلِيلَ مِن جَمِيعِ جَوَانِبِه:
المِحوَرُ الأَوَّلُ: حَقِيقَةُ عِبَادَةِ التَّفَكُّرِ، وَمَنزِلَتُهَا فِي القُرآنِ وَالسُّنَّةِ، وَعَظِيمُ أَجرِهَا عِندَ اللهِ وَعِندَ السَّلَفِ الصَّالِح.
وَالمِحوَرُ الثَّانِي: مَيَادِينُ التَّفَكُّرِ الكُبرَى فِي الكِتَابِ المَنظُورِ بَينَ عَجَائِبِ الآفَاقِ وَأَسرَارِ الأَنفُس.
وَالمِحوَرُ الثَّالِثُ: أَثَرُ التَّفَكُّرِ وَأَهَمِّيَّتُهُ البَالِغَةُ فِي تَعزِيزِ اليَقِينِ وَتَرسِيخِ الإِيمَانِ وَهَدمِ شُبُهَاتِ الإِلحَادِ وَالحَيرَة.
وَالمِحوَرُ الرَّابِعُ: كَيفَ يُفضِي التَّفَكُّرُ فِي المَخلُوقَاتِ إِلَى مَعرِفَةِ الخَالِقِ سُبحَانَهُ بِأَسمَائِهِ الحُسنَى وَصِفَاتِهِ العُلَى، مَعَ الضَّابِطِ الشَّرعِيِّ لِلتَّفَكُّرِ وَالوَسَائِلِ العَمَلِيَّةِ لِإِحيَاءِ هَذِهِ العِبَادَةِ فِي حَيَاتِنَا اليَومِيَّة.
المِحوَرُ الأَوَّلُ: حَقِيقَةُ عِبَادَةِ التَّفَكُّرِ، وَمَنزِلَتُهَا فِي القُرآنِ وَالسُّنَّةِ، وَعَظِيمُ أَجرِهَا عِندَ اللهِ
أَيُّهَا الحَاضِرُونَ الكِرَام: مَا هُوَ التَّفَكُّرُ الَّذِي جَعَلَهُ الإِسلَامُ مِن أَجَلِّ العِبَادَاتِ القَلبِيَّة؟
التَّفَكُّرُ فِي لُغَةِ العَرَبِ وَاصطِلَاحِ العُلَمَاءِ هُوَ: «إِعمَالُ الخَاطِرِ وَتَصرِيفُ القَلبِ فِي تَأَمُّلِ دَلَائِلِ الخَلقِ لِلوُصُولِ بِهَا إِلَى مَعَارِفِ الحَقِّ»؛ أَي أَنَّهُ لَيسَ مُجَرَّدَ نَظرَةِ العَينِ العَابِرَةِ الَّتِي يَشتَرِكُ فِيهَا المُؤمِنُ وَالغَافِلُ، بَل وَيَشتَرِكُ فِيهَا الإِنسَانُ وَالحَيَوَان! فَكَم مِن إِنسَانٍ يَرَى الشَّمسَ تَطلُعُ كُلَّ صَبَاحٍ وَتَغرُبُ كُلَّ مَسَاءٍ، وَيَرَى السَّحَابَ يَنسَاقُ فِي الفَضَاءِ، وَيَرَى النَّبَاتَ يَشُقُّ التُّرَابَ، وَيَنظُرُ فِي المِرآةِ إِلَى وَجهِهِ وَعَينَيهِ كُلَّ يَومٍ، ثُمَّ يَمُرُّ عَلَى هَذِهِ المُعجِزَاتِ البَاهِرَةِ مَرَّ الكِرَامِ الغَافِلِينَ الَّذِينَ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِيهِم فِي سُورَةِ يُوسُف:
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾.
إِنَّ الفَرقَ بَينَ «النَّظَرِ العَابِرِ» وَ«التَّفَكُّرِ العِبَادِيِّ» هُوَ أَنَّ التَّفَكُّرَ عُبُورٌ مِنَ الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ إِلَى الحِكمَةِ البَاطِنَةِ، وَانتِقَالٌ مِنَ الأَثَرِ إِلَى المُؤَثِّرِ، وَمِنَ الصَّنعَةِ إِلَى الصَّانِعِ، وَمِنَ المَخلُوقِ الضَّعِيفِ إِلَى الخَالِقِ العَظِيمِ سُبحَانَهُ!
وَلِهَذَا حِينَ نَتَصَفَّحُ آيَاتِ القُرآنِ الكَرِيمِ نَجِدُ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَد أَعلَى شَأنَ التَّفَكُّرِ وَالتَّدَبُّرِ وَالنَّظَرِ وَالِاعتِبَارِ فِي مِئَاتِ الآيَاتِ؛ فَتَارَةً يَأمُرُ بِالنَّظَرِ وَالسَّيرِ فِي الأَرضِ كَمَا قَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ العَنكَبُوت:
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وَتَارَةً يَجعَلُ غَايَةَ إِنزَالِ الكِتَابِ هِيَ إِيقَاظَ الفِكرِ كَمَا قَالَ جَلَّ شَأنُهُ فِي سُورَةِ النَّحل:
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
وَتَارَةً يَختِمُ آيَاتِهِ الكَونِيَّةَ بِقَولِهِ سُبحَانَهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، أَو ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، أَو ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾، أَو ﴿لِأُولِي النُّهَى﴾.
وَإِذَا أَرَدنَا أَن نَعرِفَ قَدرَ هَذِهِ العِبَادَةِ وَمَنزِلَتَهَا فِي مِيزَانِ النُّبُوَّةِ، فَلْنَقِفْ خَاشِعِينَ أَمَامَ ذَلِكَ المَشهَدِ النَّبَوِيِّ المَهِيبِ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرطِ مُسلِمٍ، وَأَصلُهُ فِي الصَّحِيحَينِ، عَن عَطَاءٍ قَالَ: دَخَلتُ أَنَا وَعُبَيدُ بنُ عُمَيرٍ عَلَى أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا، فَقَالَ عُبَيدُ بنُ عُمَيرٍ: أَخبِرِينَا بِأَعجَبِ شَيءٍ رَأَيتِهِ مِن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ! فَسَكَتَتْ ثُمَّ قَالَتْ: لَمَّا كَانَ لَيلَةٌ مِنَ اللَّيَالِي قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، ذَرِينِي أَتَعَبَّدُ اللَّيلَةَ لِرَبِّي»، قُلتُ: وَاللهِ إِنِّي لَأُحِبُّ قُربَكَ، وَأُحِبُّ مَا يَسُرُّكَ! قَالَتْ: فَقَامَ فَتَطَهَّرَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَلَم يَزَلْ يَبكِي حَتَّى بَلَّ حِجرَهُ، ثُمَّ بَكَى فَلَم يَزَلْ يَبكِي حَتَّى بَلَّ لِحيَتَهُ، ثُمَّ بَكَى فَلَم يَزَلْ يَبكِي حَتَّى بَلَّ الأَرضَ! فَجَاءَ بِلَالٌ يُؤذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَلَمَّا رَآهُ يَبكِي قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ تَبكِي وَقَد غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟! قَالَ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبدًا شَكُورًا؟! لَقَد نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيلَةَ آيَةٌ، وَيلٌ لِمَن قَرَأَهَا وَلَم يَتَفَكَّرْ فِيهَا»، ثُمَّ تَلَا قَولَ اللهِ تَعَالَى فِي خَوَاتِيمِ سُورَةِ آلِ عِمرَان:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، ثُمَّ أَقبَلَ سُبحَانَهُ يَصِفُ حَالَ هَؤُلَاءِ الأَبرَارِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَينَ ذِكرِ اللِّسَانِ وَالجَنَانِ، وَفِكرِ العَقلِ وَالوِجدَانِ فَقَالَ:
﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
اللهُ أَكبَرُ يَا عِبَادَ الله! تَأَمَّلُوا هَذَا الوَعِيدَ النَّبَوِيَّ الشَّدِيدَ الَّذِي يَهُزُّ القُلُوبَ الحَيَّة: «وَيلٌ لِمَن قَرَأَهَا وَلَم يَتَفَكَّرْ فِيهَا»؛ أَي وَيلٌ لِمَن مَرَّتْ هَذِهِ الآيَاتُ عَلَى لِسَانِهِ أَو سَمعِهِ، وَمَرَّتْ مَشَاهِدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَاللَّيلِ وَالنَّهَارِ أَمَامَ عَينَيهِ، فَلَم يَتَحَرَّكْ عَقلُهُ بِالتَّفَكُّرِ، وَلَم يَخشَعْ قَلبُهُ بِالتَّعظِيمِ، وَلَم يَهتِفْ لِسَانُهُ قَائِلًا: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾!
وَأَمَّا عَن عَظِيمِ أَجرِ هَذِهِ العِبَادَةِ وَثَوَابِهَا عِندَ اللهِ تَعَالَى؛ فَقَد أَدرَكَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَأَئِمَّةُ السَّلَفِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم أَنَّ التَّفَكُّرَ هُوَ رُوحُ العِبَادَاتِ، وَأَنَّ سَاعَةً وَاحِدَةً يَخلُو فِيهَا العَبدُ بِفِكرِهِ مُتَأَمِّلًا فِي عَظَمَةِ خَالِقِهِ وَبَدِيعِ صُنعِهِ وَحَقِيقَةِ دُنيَاهُ وَآخِرَتِهِ قَد تَفُوقُ فِي مِيزَانِ اللهِ نَوَافِلَ كَثِيرَةً مِنَ الأَعمَالِ البَدَنِيَّةِ الخَالِيَةِ مِن حُضُورِ القَلبِ!
فَقَد ثَبَتَ عَن أُمِّ الدَّردَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّهَا سُئِلَتْ: مَا كَانَ أَفضَلُ عِبَادَةِ أَبِي الدَّردَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ؟ فَقَالَتْ: «التَّفَكُّرُ وَالِاعتِبَارُ»! وَرُوِيَ عَن أَبِي الدَّردَاءِ وَعَنِ الحَسَنِ البَصرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّهُمَا قَالَا هَذِهِ الكَلِمَةَ المَأثُورَةَ الجَلِيلَةَ (وَهِيَ مِن كَلَامِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَلَيسَتْ حَدِيثًا مَرفُوعًا): «تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيرٌ مِن قِيَامِ لَيلَةٍ»!
وَقَالَ الإِمَامُ الحَسَنُ البَصرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «إِنَّ أَهلَ العَقلِ لَم يَزَالُوا يَعُودُونَ بِالذِّكرِ عَلَى الفِكرِ، وَبِالفِكرِ عَلَى الذِّكرِ، حَتَّى استَنطَقُوا القُلُوبَ فَنَطَقَتْ بِالحِكمَةِ».
وَقَالَ الخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ الزَّاهِدُ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ رَحِمَهُ اللهُ: «الفِكرَةُ فِي نِعَمِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِن أَفضَلِ العِبَادَةِ».
وَقَالَ الإِمَامُ بِشرُ بنُ الحَارِثِ الحَافِي رَحِمَهُ اللهُ كَلِمَةً تُكتَبُ بِمَاءِ الذَّهَب: «لَو تَفَكَّرَ النَّاسُ فِي عَظَمَةِ اللهِ تَعَالَى مَا عَصَوا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ»!
وَلِهَذَا عَقَدَ الإِمَامُ الرَّبَّانِيُّ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ العَظِيمِ «مِفتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ» فُصُولًا بَدِيعَةً فِي شَرَفِ التَّفَكُّرِ وَثَمَرَاتِهِ، فَقَالَ رَحِمَهُ اللهُ: «التَّفَكُّرُ هُوَ مَبدَأُ كُلِّ خَيرٍ وَمِفتَاحُهُ، فَهُوَ الَّذِي يَنقُلُ مِن مَوتِ الفِطنَةِ إِلَى حَيَاةِ اليَقَظَةِ، وَمِنَ المَكَارِهِ إِلَى المَحَابِّ، وَمِنَ الرَّغبَةِ وَالحِرصِ إِلَى الزُّهدِ وَالقَنَاعَةِ، وَمِن سِجنِ الدُّنيَا إِلَى فَضَاءِ الآخِرَةِ، وَمِن ضِيقِ الجَهلِ إِلَى سَعَةِ العِلمِ، وَمِن مَرَضِ الشَّهوَةِ وَالإِخلَادِ إِلَى هَذِهِ الدَّارِ إِلَى شِفَاءِ الإِنَابَةِ إِلَى اللهِ وَالتَّجَافِي عَن دَارِ الغُرُورِ، وَمِن مُصِيبَةِ العَمَى وَالصَّمَمِ وَالبَكَمِ إِلَى نِعمَةِ البَصَرِ وَالسَّمعِ وَالفِقهِ عَنِ اللهِ وَالعَقلِ عَنهُ، وَمِن أَمرَاضِ الشُّبُهَاتِ إِلَى بَردِ اليَقِينِ وَثَلجِ الصُّدُورِ»!
أَيُّهَا الإِخوَةُ الفُضَلَاء: لِمَاذَا نَالَ التَّفَكُّرُ هَذَا الأَجرَ العَظِيمَ وَهَذِهِ المَنزِلَةَ الرَّفِيعَةَ؟
لِأَنَّ عِبَادَةَ الجَوَارِحِ قَد يَعرِضُ لَهَا الفُتُورُ أَوِ العَادَةُ، أَمَّا عِبَادَةُ التَّفَكُّرِ فَهِيَ عَمَلُ القَلبِ وَالعَقلِ مُبَاشَرَةً؛ وَبِهَا يَتحَوَّلُ صَمتُ المُؤمِنِ إِلَى عِبَادَةٍ، وَنَظَرُهُ إِلَى السَّمَاءِ وَالأَرضِ إِلَى تَسبِيحٍ وَعِبرَةٍ، وَبِهَا يَجمَعُ العَبدُ بَينَ شُهُودِ المِنَّةِ وَإِجلَالِ المُنْعِمِ، فَيُصَحِّحُ نِيَّتَهُ، وَيُحيِي قَلبَهُ، وَيُضَاعِفُ أَجرَ سَائِرِ طَاعَاتِهِ؛ إِذْ شَتَّانَ بَينَ مَن يَركَعُ وَيَسجُدُ وَقَلبُهُ غَافِلٌ عَن جَلَالِ مَن يَسجُدُ لَهُ، وَبَينَ مَن مَلَأَ التَّفَكُّرُ فُؤَادَهُ بِعَظَمَةِ اللهِ فَإِذَا قَالَ: «اللهُ أَكبَرُ» أَبصَرَ بِقَلبِهِ كِبرِيَاءَ مَن خَضَعَتْ لَهُ السَّمَاوَاتُ وَالأَرضُ طَوعًا وَكَرهًا!
المِحوَرُ الثَّانِي: مَيَادِينُ التَّفَكُّرِ الكُبرَى فِي الكِتَابِ المَنظُورِ بَينَ عَجَائِبِ الآفَاقِ وَأَسرَارِ الأَنفُس
أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ وَالأَخَوَاتُ المُؤمِنَات: إِذَا أَرَدنَا أَن نُبحِرَ بِقُلُوبِنَا وَعُقُولِنَا فِي مَيَادِينِ التَّفَكُّرِ، فَأَينَ نَتَفَكَّر؟
لَقَد لَخَّصَ القُرآنُ الكَرِيمُ مَيَادِينَ التَّفَكُّرِ المَشهُودَةِ فِي مَيدَانَينِ عَظِيمَينِ لَا تُحصَى عَجَائِبُهُمَا: «مَيدَانِ الآفَاقِ الكَونِيَّةِ الكُبرَى»، وَ«مَيدَانِ النَّفسِ الإِنسَانِيَّةِ الصُّغرَى»؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ فُصِّلَت:
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
وَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الذَّارِيَاتِ نِداءً يَقرَعُ القُلُوبَ وَالأَبصَار:
﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.
تَعَالَوا بِنَا أَوَّلًا نَرفَعْ أَبصَارَنَا وَبَصَائِرَنَا إِلَى «مَيدَانِ الآفَاقِ العُلوِيَّةِ وَالسُّفلِيَّةِ»:
انظُرْ -أَيُّهَا الإِنسَانُ- إِلَى هَذِهِ السَّمَاءِ المَرفُوعَةِ فَوقَكَ سَقفًا مَحفُوظًا، بِلَا عَمَدٍ تَرَاهَا مِن تَحتِهَا، وَلَا سَلَاسِلَ تَشُدُّهَا مِن فَوقِهَا! كَيفَ رَفَعَهَا اللهُ سُبحَانَهُ وَزَيَّنَهَا بِالمَصَابِيحِ وَالكَوَاكِبِ وَالنُّجُومِ وَالمَجَرَّاتِ السَّابِحَةِ فِي فَضَاءٍ يَذهَلُ العَقلُ البَشَرِيُّ أَمَامَ أَبعَادِهِ؟!
إِنَّ العِلمَ الحَدِيثَ يَقِفُ اليَومَ مَدهُوشًا حَائِرًا وَهُوَ يَرصُدُ مِئَاتِ المِليَارَاتِ مِنَ المَجَرَّاتِ، وَفِي كُلِّ مَجَرَّةٍ مِئَاتُ المِليَارَاتِ مِنَ النُّجُومِ وَالشُّمُوسِ وَالكَوَاكِبِ، كُلُّهَا تَجرِي بِسُرعَاتٍ هَائِلَةٍ فِي مَدَارَاتٍ مَرسُومَةٍ بِدِقَّةٍ رِيَاضِيَّةٍ مُعجِزَةٍ، لَا يَصطَدِمُ نَجمٌ بِنَجمٍ، وَلَا يَختَلُّ مَدَارٌ عَن مَدَارٍ؛ كَمَا قَالَ الخَالِقُ العَلِيمُ فِي سُورَةِ يس:
﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾.
مَنِ الَّذِي أَمسَكَ هَذِهِ الأَجرَامَ العِظَامَ فِي الفَضَاءِ أَن تَزُولَ أَو تَهوِيَ؟ استَمِعْ إِلَى الجَوَابِ الإِلَهِيِّ فِي سُورَةِ فَاطِر:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾.
ثُمَّ اعْلَمْ يَا عَبدَ اللهِ أَنَّ هَذَا الكَونَ الفَسِيحَ كُلَّهُ بِمَجَرَّاتِهِ وَسَمَاوَاتِهِ السَّبعِ مَا هُوَ إِلَّا خَلقٌ صَغِيرٌ أَمَامَ كُرسِيِّ الرَّحمَنِ وَعَرشِهِ العَظِيمِ؛ فَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ وَالبَيهَقِيُّ عَن أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَا السَّمَاوَاتُ السَّبعُ فِي الكُرسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلقَاةٍ بِأَرضٍ فَلَاةٍ، وَفَضلُ العَرشِ عَلَى الكُرسِيِّ كَفَضلِ تِلكَ الفَلَاةِ عَلَى تِلكَ الحَلْقَةِ»! فَسُبحَانَ مَن هَذَا خَلقُهُ، فَكِيفَ بِعَظَمَتِهِ وَكِبرِيَائِهِ جَلَّ فِي عُلَاه؟!
ثُمَّ اهْبِطْ بِفِكرِكَ إِلَى هَذِهِ الأَرضِ الَّتِي تَمشِي عَلَى ظَهرِهَا؛ تَأَمَّلْ كَيفَ ذَلَّلَهَا اللهُ لَكَ، وَجَعَلَهَا مِهَادًا وَفِرَاشًا وَقَرَارًا؛ لَو كَانَتْ صَلبَةً كَالحَدِيدِ وَالصَّخرِ الأَصَمِّ لَمَا استَطَعتَ أَن تَحرُثَ فِيهَا زَرعًا وَلَا أَن تَشقَّ فِيهَا نَهرًا وَلَا أَن تَحفِرَ فِيهَا قَبرًا! وَلَو كَانَتْ رِخوَةً غَائِصَةً كَالرِّمَالِ المُتَحَرِّكَةِ أَوِ الوَحلِ لَمَا استَقَرَّ عَلَيهَا بُنيَانٌ وَلَا ثَبَتَتْ عَلَيهَا قَدَمٌ! وَلَكِنَّ الحَكِيمَ الخَبِيرَ قَدَّرَ كَثَافَتَهَا وَجَاذِبِيَّتَهَا وَغِلَافَهَا الجَوِّيَّ وَبُعدَهَا عَنِ الشَّمسِ بِمِيزَانٍ دَقِيقٍ لَوِ اختَلَّ قَيدَ أُنمُلَةٍ لَاحْتَرَقَتِ الأَرضُ أَو تَجَمَّدَتْ وَفَنِيَتْ عَلَيهَا الحَيَاة!
تَأَمَّلْ فِي هَذِهِ الحَبَّةِ اليَابِسَةِ الصَّغِيرَةِ تَرمِيهَا فِي جَوفِ التُّرَابِ المَيِّتِ الأَسوَدِ، ثُمَّ تَسقِيهَا بِمَاءٍ وَاحِدٍ لَا لَونَ لَهُ وَلَا طَعمَ وَلَا رَائِحَةَ؛ فَمَنِ الَّذِي يَفلِقُ تِلكَ الحَبَّةَ فِي ظُلُمَاتِ التُّرَابِ بِلَا آلَةٍ وَلَا مِبضَعٍ؟ وَمَنِ الَّذِي يُخرِجُ مِنهَا سَاقًا خَضرَاءَ نَاضِرَةً، وَأَورَاقًا مُتَنَاسِقَةً، وَأَزهَارًا زَاكِيَةً، وَثِمَارًا مُختَلِفًا أَلوَانُهَا وَطُعُومُهَا وَرَوَائِحُهَا؛ هَذَا حُلوٌ كَالعَسَلِ، وَهَذَا حَامِضٌ، وَهَذَا أَحمَرُ، وَهَذَا أَصفَرُ، وَالتُّربَةُ وَاحِدَةٌ، وَالمَاءُ وَاحِدٌ، وَالشَّمسُ وَاحِدَة؟! استَمِعْ إِلَى رَبِّكَ وَهُوَ يُوقِظُ فِكرَكَ فِي سُورَةِ الرَّعد:
﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
ثُمَّ عُدْ بِبَصِيرَتِكَ مِن آفَاقِ الكَونِ إِلَى «مَيدَانِ النَّفسِ الإِنسَانِيَّةِ» الَّتِي بَينَ جَنبَيكَ: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾!
تَفَكَّرْ -يَا عَبدَ اللهِ- فِي خَلقِكَ؛ مِن أَيِّ شَيءٍ خُلِقتَ؟ مِن نُطفَةٍ مَهِينَةٍ لَا تُرَى بِالعَينِ المُجَرَّدَةِ! كَيفَ تَحَوَّلَتْ هَذِهِ القَطرَةُ فِي ظُلُمَاتِ الرَّحِمِ الثَّلَاثِ إِلَى عَلَقَةٍ، ثُمَّ إِلَى مُضغَةٍ، ثُمَّ شَقَّ المُصَوِّرُ البَدِيعُ فِيهَا السَّمعَ وَالبَصَرَ، وَنَسَجَ فِيهَا العِظَامَ الصُّلبَةَ لِتَكُونَ عِمَادًا لِلجَسَدِ، وَكَسَا العِظَامَ لَحمًا، وَمَدَّ فِيهَا آلَافَ الكِيلُومِترَاتِ مِنَ الأَوعِيَةِ الدَّمَوِيَّةِ وَالأَعصَابِ الدَّقِيقَةِ!
تَفَكَّرْ فِي هَذَا «القَلبِ» الصَّغِيرِ الَّذِي يَنبِضُ فِي صَدرِكَ نَحوَ مِئَةِ أَلفِ نَبضَةٍ فِي كُلِّ يَومٍ وَلَيلَةٍ، يَضُخُّ الدَّمَ إِلَى كُلِّ خَلِيَّةٍ فِي جَسَدِكَ وَأَنتَ نَائِمٌ غَافِلٌ، لَا يَستَأذِنُكَ فِي دَقَّاتِهِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ لِيرتَاحَ ثَانِيَةً وَاحِدَةً طِيلَةَ عُمُرِكَ! مَنِ الَّذِي حَرَّكَهُ وَحَفِظَ نَبضَهُ؟
تَفَكَّرْ فِي هَذِهِ «العَينِ» الَّتِي هِيَ شَحمَةٌ صَغِيرَةٌ فِي حَجمِ الحَصَاةِ، أَودَعَ اللهُ فِيهَا مَلَايِينَ الخَلَايَا البَصَرِيَّةِ، فَتَسَعُ بِطَرفَةٍ وَاحِدَةٍ رُؤيَةَ السَّمَاءِ وَالجِبَالِ وَالبِحَارِ، وَتُمَيِّزُ بَينَ آلَافِ الأَلوَانِ وَالظِّلَالِ، وَأَحَاطَهَا الحَكِيمُ الخَبِيرُ بِعِظَامِ الحَجَاجِ القَوِيَّةِ لِتَحمِيَهَا، وَبِالأَجفَانِ السَّرِيعَةِ لِتَمسَحَهَا، وَبِالأَهدَابِ لِتَرُدَّ عَنهَا الغُبَارَ، وَبِمَاءِ الدَّمعِ المَالِحِ لِيُطَهِّرَهَا وَيَحفَظَهَا!
تَفَكَّرْ فِي «لِسَانِكَ» وَ«شَفَتَيكَ» وَكَيفيَّةِ خُرُوجِ الحُرُوفِ وَالبَيَانِ، وَتَفَكَّرْ فِي «عَقلِكَ» وَ«ذَاكِرَتِكَ» الَّتِي تَختَزِنُ مَلَايِينَ الصُّوَرِ وَالكَلِمَاتِ وَالمَشَاعِرِ فِي حَيِّزٍ صَغِيرٍ مِنَ الدِّمَاغِ؛ أَلَا يَقتَضِي ذَلِكَ كُلُّهُ أَن نَخِرَّ للهِ سَاجِدِينَ شَاكِرِينَ وَنَحنُ نَتلُو قَولَهُ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الانفِطَار:
﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾؟!
المِحوَرُ الثَّالِثُ: أَثَرُ التَّفَكُّرِ وَأَهَمِّيَّتُهُ البَالِغَةُ فِي تَعزِيزِ اليَقِينِ وَهَدمِ شُبُهَاتِ الشَّكِّ وَالإِلحَادِ
أَيُّهَا الإِخوَةُ الكِرَام: لِمَاذَا يَحتَاجُ المُؤمِنُ فِي عَصرِنَا هَذَا -أَكثَرَ مِن أَيِّ عَصرٍ مَضَى- إِلَى إِحيَاءِ عِبَادَةِ التَّفَكُّرِ؟
لِأَنَّنَا نَعِيشُ فِي زَمَنٍ تَلَاطَمَتْ فِيهِ أَموَاجُ الشُّبُهَاتِ المَادِّيَّةِ، وَفَلسَفَاتِ الإِلحَادِ وَالعَبَثِيَّةِ الَّتِي تُحَاوِلُ أَن تَقطَعَ صِلَةَ المَخلُوقِ بِخَالِقِهِ، وَأَن تَنسُبَ هَذَا الإِتقَانَ الكَونِيَّ المُعجِزَ إِلَى «المُصَادَفَةِ العَميَاءِ» أَو «الطَّبِيعَةِ الصَّمَّاءِ»! وَكَثِيرٌ مِن شَبَابِ المُسلِمِينَ إِنَّمَا وَقَعُوا فِي فِخَاخِ الحَيرَةِ أَو ضَعفِ الإِيمَانِ لِأَنَّ إِيمَانَهُم كَانَ إِيمَانًا وِرَاثِيًّا تَقلِيدِيًّا بَارِدًا، لَم يُسقَ بِمَاءِ التَّفَكُّرِ، وَلَم يَتَجَذَّرْ فِي شِغَافِ القَلبِ بِشُهُودِ آيَاتِ اللهِ!
إِنَّ التَّفَكُّرَ فِي خَلقِ اللهِ هُوَ الطَّرِيقُ المَلَكِيُّ الَّذِي يَنقُلُ القَلبَ مِن «مَرتَبَةِ الإِيمَانِ النَّظَرِيِّ» إِلَى «مَقَامِ اليَقِينِ الرَّاسِخِ» الَّذِي لَا تَهُزُّهُ الرِّيَاحُ وَلَوِ اجتَمَعَ عَلَيهِ أَهلُ الأَرضِ جَمِيعًا!
تَأَمَّلُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- كَيفَ رَبَطَ القُرآنُ الكَرِيمُ بَينَ التَّفَكُّرِ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَبَينَ تَحصِيلِ «مَقَامِ اليَقِينِ» فِي قِصَّةِ إِمَامِ الحُنَفَاءِ وَخَلِيلِ الرَّحمَنِ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؛ حَيثُ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ الأَنعَام:
﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾.
لَقَد نَظَرَ الخَلِيلُ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ فِي مَلَكُوتِ الكَونِ، وَأَقَامَ الحُجَّةَ البُرهَانِيَّةَ السَّاطِعَةَ عَلَى قَومِهِ الَّذِينَ عَبَدُوا الكَوَاكِبَ وَالنُّجُومَ وَالشَّمسَ وَالقَمَرَ؛ فَبَيَّنَ لَهُم بِالتَّفَكُّرِ العَقلِيِّ الفِطرِيِّ أَنَّ هَذِهِ الأَجرَامَ مَعَ عِظَمِهَا وَضِيَائِهَا هِيَ مَخلُوقَاتٌ مُسَخَّرَةٌ مَقهُورَةٌ تَطلُعُ ثُمَّ تَأفُلُ وَتَغِيبُ، وَالإِلَهُ الحَقُّ لَا يَأفُلُ وَلَا يَغِيبُ وَلَا يَعتَرِيهِ النَّقصُ وَالزَّوَالُ، فَأَعلَنَ صَرخَةَ التَّوحِيدِ وَاليَقِينِ الخَالِدَة:
﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
وَإِنَّمَا يُعَزِّزُ التَّفَكُّرُ اليَقِينَ فِي قَلبِ العَبدِ مِن خِلَالِ أَربَعِ حَقَائِقَ إِيمَانِيَّةٍ كُبرَى:
الحَقِيقَةُ الأُولَى: أَنَّ التَّفَكُّرَ يَقضِي قَضَاءً مُبرَمًا عَلَى خُرَافَةِ الصُّدفَةِ وَالعَبَثِيَّةِ، وَيَغرِسُ فِي الفِطرَةِ ضَرُورَةَ وُجُودِ الخَالِقِ العَلِيمِ القَدِيرِ؛ وَهَذَا هُوَ البُرهَانُ القُرآنِيُّ الفِطرِيُّ الصَّاعِقُ الَّذِي صَاغَهُ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الطُّورِ فِي كَلِمَاتٍ قَلِيلَةٍ تُغْنِي عَن آلافِ المُجَلَّدَاتِ الفَلسَفِيَّة:
﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾.
وَلَقَد رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ -وَكَانَ قَد قَدِمَ المَدِينَةَ قَبلَ إِسلَامِهِ فِي فِدَاءِ أَسرَى بَدرٍ- قَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقرَأُ فِي المَغرِبِ بِالطُّورِ، فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾، قَالَ جُبَيرٌ: «كَادَ قَلبِي أَن يَطِيرَ»، وَفِي رِوَايَةٍ: «وَذَلِكَ أَوَّلُ مَا وَقَرَ الإِيمَانُ فِي قَلبِي»!
لِمَاذَا كَادَ قَلبُهُ أَن يَطِيرَ؟ لِأَنَّ الفِطرَةَ السَّلِيمَةَ حِينَ تُوَاجَهُ بِسُؤَالِ التَّفَكُّرِ تَعلَمُ بِبَدَاهَةِ العَقلِ أَنَّ الشَّيءَ لَا يُوجِدُ نَفسَهُ مِنَ العَدَمِ، وَأَنَّ العَدَمَ لَا يَخلُقُ شَيئًا؛ فَلَم يَبقَ إِلَّا أَن يَكُونَ وَرَاءَ هَذَا الخَلقِ خَالِقٌ عَظِيمٌ وَاجِبُ الوُجُودِ كَامِلُ القُدرَةِ وَالحِكمَةِ!
وَصدقَ ذَلِكَ الأَعرَابِيُّ الفَصِيحُ الَّذِي علَّمَ الفَلَاسِفَةَ مَنطِقَ الفِطرَةِ السَّلِيمَةِ حِينَ سُئِلَ: بِمَ عَرَفتَ رَبَّكَ؟ فَقَالَ بِبَدَاهَةٍ صَافِيَة: «البَعرَةُ تَدُلُّ عَلَى البَعِيرِ، وَالأَثَرُ يَدُلُّ عَلَى المَسِيرِ؛ فَسَمَاءٌ ذَاتُ أَبرَاجٍ، وَأَرضٌ ذَاتُ فِجَاجٍ، وَبِحَارٌ ذَاتُ أَموَاجٍ، أَلَا تَدُلُّ عَلَى اللَّطِيفِ الخَبِيرِ؟!».
الحَقِيقَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ التَّفَكُّرَ يُورِثُ اليَقِينَ الجَازِمَ بِتَوحِيدِ اللهِ وَبُطلَانِ الشِّركِ؛ فَإِنَّ مَن تَأَمَّلَ فِي وَحدَةِ النِّظَامِ الكَونِيِّ، وَتَكَامُلِ عَنَاصِرِ الوُجُودِ مِن أَصغَرِ ذَرَّةٍ إِلَى أَعظَمِ مَجَرَّةٍ، عَلِمَ قَطعًا أَنَّ مُدَبِّرَ هَذَا الكَونِ إِلَهٌ وَاحِدٌ أَحَدٌ فَرْدٌ صَمَدٌ؛ إِذْ لَو كَانَ فِي الكَونِ خَالِقَانِ أَو مُدَبِّرَانِ لَاختَلَّ النِّظَامُ وَفَسَدَ الوُجُودُ، كَمَا قَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الأَنبِيَاء:
﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.
الحَقِيقَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ التَّفَكُّرَ فِي الخَلقِ الأَوَّلِ وَفِي إِحيَاءِ الأَرضِ بَعدَ مَوتِهَا يُورِثُ اليَقِينَ التَّامَّ بِالبَعثِ وَالنُّشُورِ وَالدَّارِ الآخِرَةِ؛ فَالَّذِي أَنشَأَ هَذَا الإِنسَانَ مِن عَدَمٍ، وَالَّذِي يُحيِي الأَرضَ المَيِّتَةَ الهَامِدَةَ بِالمَطَرِ فَتَهتَزُّ وَتَربُو وَتُنبِتُ مِن كُلِّ زَوجٍ بَهِيجٍ، قَادِرٌ بِالأَولَى عَلَى إِحيَاءِ المَوتَى وَجَمعِ العِظَامِ الرَّمِيمِ لِيَومِ الحِسَابِ وَالجَزَاءِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ فُصِّلَت:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
الحَقِيقَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّ التَّفَكُّرَ يُورِثُ اليَقِينَ بِأَنَّ اللهَ مَا خَلَقَ هَذَا الكَونَ عَبَثًا وَلَا بَاطِلًا؛ فَمَن رَأَى أَنَّ اللهَ لَم يَخلُقْ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ وَلَا وَرَقَةَ شَجَرَةٍ وَلَا خَلِيَّةً فِي جَسَدٍ إِلَّا لِحِكمَةٍ بَالِغَةٍ وَغَايَةٍ مُتقَنَةٍ، أَيقَنَ قَطعًا أَنَّهُ يَستَحِيلُ عَلَى حِكمَةِ الحَكِيمِ العَلِيمِ أَن يَترُكَ الإِنسَانَ سُدًى بِلَا أَمرٍ وَلَا نَهيٍ وَلَا جَزَاءٍ وَلَا حِسَابٍ يُنصَفُ فِيهِ المَظلُومُ مِنَ الظَّالِمِ، وَيُجزَى فِيهِ المُحسِنُ بِإِحسَانِهِ وَالمُسِيءُ بِإِسَاءَتِهِ! وَلِهَذَا كَانَتْ نَتِيجَةُ تَفَكُّرِ أُولِي الأَلبَابِ هِيَ هَذَا الدُّعَاءَ الخَاشِع: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
المِحوَرُ الرَّابِعُ: كَيفَ يُفضِي التَّفَكُّرُ إِلَى مَعرِفَةِ الخَالِقِ بِأَسمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَمَا هُوَ ضَابِطُهُ الشَّرعِيُّ وَطَرِيقُ إِحيَائِهِ؟
أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ وَالأَخَوَاتُ المُؤمِنَات: إِنَّ أَشرَفَ ثَمَرَةٍ مِن ثَمَرَاتِ التَّفَكُّرِ عَلَى الإِطلَاقِ هِيَ «مَعرِفَةُ الخَالِقِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بِأَسمَائِهِ الحُسنَى وَصِفَاتِهِ العُلَى»!
فَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِنَّمَا خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ وَمَا بَينَهُمَا لِتَكُونَ مَظهَرًا لِآثَارِ أَسمَائِهِ وَصِفَاتِهِ؛ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي خِتَامِ سُورَةِ الطَّلَاقِ فِي آيَةٍ عَظِيمَةٍ تَربِطُ الخَلقَ بِالمَعرِفَةِ:
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾.
تَأَمَّلُوا قَولَهُ سُبحَانَهُ: ﴿لِتَعْلَمُوا﴾! فَالغَايَةُ مِن خَلقِ السَّمَاوَاتِ السَّبعِ وَالأَرَضِينَ السَّبعِ وَتَدبِيرِ الأَمرِ بَينَهُنَّ هِيَ أَن يَتَفَكَّرَ العِبَادُ فَيَعلَمُوا كَمَالَ قُدرَةِ اللهِ، وَإِحَاطَةَ عِلمِهِ بِكُلِّ شَيء!
حِينَ يَتَفَكَّرُ المُؤمِنُ فِي عَظَمَةِ المَجَرَّاتِ وَالسَّمَاوَاتِ وَالجِبَالِ وَالبِحَارِ، يَعرِفُ أَنَّ رَبَّهُ هُوَ «العَظِيمُ الكَبِيرُ القَوِيُّ القَادِرُ القَهَّارُ»؛ فَيَصغُرُ فِي عَينِهِ كُلُّ مَخلُوقٍ مَهمَا تَجَبَّرَ، وَلَا يَخشَى إِلَّا اللهَ وَحدَهُ!
وَحِينَ يَتَفَكَّرُ فِي دِقَّةِ صُنعِ الخَلِيَّةِ، وَتَنَاسُقِ الأَعضَاءِ، وَوَضعِ كُلِّ شَيءٍ فِي مَوضِعِهِ اللَّائِقِ بِهِ، يَعرِفُ أَنَّ رَبَّهُ هُوَ «الحَكِيمُ العَلِيمُ الخَبِيرُ المُتقِنُ» الَّذِي قَالَ عَن نَفسِهِ فِي سُورَةِ النَّمل:
﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾، فَيَرضَى عَن أَقدَارِ اللهِ وَأَحكَامِهِ الشَّرعِيَّةِ؛ لِعِلمِهِ أَنَّ مَن أَحكَمَ خَلقَ الكَونِ هَذَا الإِحكَامَ لَا يَقضِي قَضَاءً وَلَا يَشرَعُ شَرعًا إِلَّا عَن حِكمَةٍ بَالِغَةٍ وَعِلمٍ مُحِيط!
وَحِينَ يَتَفَكَّرُ فِي حُنُوِّ الأُمِّ عَلَى وَلِيدِهَا، وَفِي الطَّائِرِ يَحُومُ حَولَ فِرَاخِهِ الزُّغبِ الضِّعَافِ يُطعِمُهَا بِمِنقَارِهِ، وَفِي سَوقِ الرِّزقِ إِلَى دُودَةٍ عَميَاءَ فِي صَخرَةٍ صَمَّاءَ فِي قَاعِ البَحرِ الأَعمَقِ، يَعرِفُ أَنَّ رَبَّهُ هُوَ «الرَّحمَنُ الرَّحِيمُ الرَّزَّاقُ اللَّطِيفُ الرَّؤُوفُ الكَرِيمُ»، فَيَمتَلِئُ قَلبُهُ حُبًّا للهِ، وَطَمَأنِينَةً فِي رِزقِ اللهِ، وَثِقَةً بِوَكِيلِهِ وَمَولَاه!
وَحِينَ يَتَفَكَّرُ فِي جَمَالِ الأَزهَارِ، وَبَهجَةِ الرِّياضِ، وَتَغرِيدِ الأَطيَارِ، وَصَفَاءِ الأَنهَارِ، وَإِشرَاقِ الأَقْمَارِ، يَعرِفُ أَنَّ رَبَّهُ هُوَ «الجَمِيلُ البَدِيعُ المُصَوِّرُ»، فَيَشتَاقُ قَلبُهُ إِلَى النَّظَرِ إِلَى وَجهِ رَبِّهِ الكَرِيمِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيم!
وَللهِ دَرُّ القَائِلِ حِينَ نَظَرَ إِلَى صَفَحَاتِ الكَونِ فَقَرَأَ فِيهَا سُطُورَ التَّوحِيدِ وَالعَظَمَةِ فَقَال:
تَأَمَّلْ فِي نَبَاتِ الأَرضِ وَانظُرْ ... إِلَى آثَارِ مَا صَنَعَ المَلِيكُ
عُيُونٌ مِن لُجَينٍ شَاخِصَاتٌ ... بِأَحدَاقٍ هِيَ الذَّهَبُ السَّبِيكُ
عَلَى قُضُبِ الزَّبَرجَدِ شَاهِدَاتٌ ... بِأَنَّ اللهَ لَيسَ لَهُ شَرِيكُ
وَقَالَ الآخَرُ مُختَصِرًا فِقهَ التَّفَكُّرِ وَالِاستِدلَالِ فِي بَيتَينِ خَالِدَين:
فِيَا عَجَبًا كَيفَ يُعصَى الإِلَهُ ... أَم كَيفَ يَجحَدُهُ الجَاحِدُ
وَفِي كُلِّ شَيءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الوَاحِدُ
بَيدَ أَنَّ هُنَاكَ ضَابِطًا شَرعِيًّا عَقدِيًّا فِي غَايَةِ الأَهَمِّيَّةِ لَا بُدَّ أَن يَستَحضِرَهُ كُلُّ مُؤمِنٍ يَسلكُ طَرِيقَ التَّفَكُّرِ؛ أَلَا وَهُوَ: «أَنَّ مَيدَانَ التَّفَكُّرِ المَأمُورِ بِهِ شَرعًا هُوَ التَّفَكُّرُ فِي مَخلُوقَاتِ اللهِ وَآلَائِهِ وَآيَاتِهِ الكَونِيَّةِ وَالشَّرعِيَّةِ، وَأَمَّا ذَاتُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَكَيفِيَّةُ صِفَاتِهِ فَيَحرُمُ الخَوضُ فِيهَا بِالتَّكيِيفِ وَالتَّمثِيلِ وَالتَّخَيُّلِ»؛ لِأَنَّ العَقلَ البَشَرِيَّ المَحدُودَ قَاصِرٌ عَنِ الإِحَاطَةِ بِكَيفِيَّةِ ذَاتِ الخَالِقِ غَيرِ المَحدُودِ الَّذِي قَالَ عَن نَفسِهِ فِي سُورَةِ الشُّورَى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وَقَالَ فِي سُورَةِ طه: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾.
وَفِي الحَدِيثِ الحَسَنِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو نُعَيمٍ فِي الحِليَةِ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالأَصبَهَانِيُّ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ وَابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُم أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تَفَكَّرُوا فِي آلَاءِ اللهِ، وَلَا تَفَكَّرُوا فِي اللهِ»، وَفِي لَفظٍ: «تَفَكَّرُوا فِي خَلقِ اللهِ، وَلَا تَفَكَّرُوا فِي اللهِ»؛ فَإِذَا وَسْوَسَ الشَّيطَانُ لِأَحَدِكُم بِالسُّؤَالِ البَاطِلِ فَليَستَعِذْ بِاللهِ وَلْيَنتَهِ، وَلْيَصرِفْ فِكرَهُ إِلَى مَيدَانِهِ الفَسِيحِ النَّافِعِ فِي آيَاتِ اللهِ المَتلُوَّةِ وَالمَنظُورَة!
وَيَبقَى السُّؤَالُ العَمَلِيُّ الَّذِي نَختِمُ بِهِ هَذِهِ المُحَاضَرَةَ: كَيفَ نُحيِي عِبَادَةَ التَّفَكُّرِ فِي قُلُوبِنَا وَبُيُوتِنَا وَحَيَاتِنَا اليَومِيَّة؟
أَوَّلًا: بِأَن نَقتَطِعَ لِأَنفُسِنَا كُلَّ يَومٍ «خَلوَةً إِيمَانِيَّةً صَادِقَةً» وَلَو لِدَقَائِقَ مَعدُودَةٍ، نُغلِقُ فِيهَا الهَوَاتِفَ وَالشَّاشَاتِ، وَنَخرُجُ مِن ضَجِيجِ الصَّوَارِفِ وَالمُلهِيَاتِ، فَنَنظُرَ إِلَى السَّمَاءِ فِي جَوفِ اللَّيلِ أَو عِندَ الفَجرِ أَوِ الغُرُوبِ، وَنُحَرِّكَ قُلُوبَنَا بِالتَّأَمُّلِ فِي مَلَكُوتِ اللهِ وَتَسبِيحِهِ.
ثَانِيًا: بِأَن نَقرِنَ قِرَاءَتَنَا لِلقُرآنِ الكَرِيمِ بِتَدَبُّرِ الآيَاتِ الكَونِيَّةِ؛ فَكُلَّمَا مَرَرتَ بِآيَةٍ يَذْكُرُ اللهُ فِيهَا السَّمَاءَ أَوِ الأَرضَ أَوِ المَاءَ أَوِ النَّبَاتَ أَوِ الفُلْكَ أَوِ الأَنعَامَ أَو خَلقَ الإِنسَانِ، قِفْ عِندَهَا وَأَحضِرْ صُورَتَهَا فِي قَلبِكَ وَعَقلِكَ، وَاسأَلْ نَفسَكَ: مَا الشَّاهِدُ الإِيمَانِيُّ الَّذِي يُرِيدُ اللهُ مِنِّي أَن أُبصِرَهُ فِي هَذِهِ الآيَة؟
ثَالِثًا: بِأَن نُحَوِّلَ تَفَاصِيلَ حَيَاتِنَا اليَومِيَّةِ العَادِيَّةِ إِلَى مَحَطَّاتٍ لِلتَّفَكُّرِ؛ فَحِينَ تُوضَعُ أَمَامَكَ مَائِدَةُ الطَّعَامِ، تَذكَّرْ أَمرَ رَبِّكَ فِي سُورَةِ عَبَسَ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾؛ تَفَكَّرْ كَيفَ سَخَّرَ اللهُ السَّحَابَ وَالمَطَرَ وَالتُّرَابَ وَالشَّمسَ وَأَيدِيَ الزُّرَّاعِ وَالصُّنَّاعِ لِتَصِلَ هَذِهِ اللُّقمَةُ إِلَى فَمِكَ، ثُمَّ كَيفَ سَخَّرَ أَسنَانَكَ وَمَعِدَتَكَ لِتَحوِيلِهَا إِلَى دَمٍ وَطَاقَةٍ وَحَيَاة! وَحِينَ تَأوِي إِلَى فِرَاشِكَ، تَفَكَّرْ فِي آيَةِ النَّومِ وَاليَقَظَةِ، وَكَيفَ يَتَوَفَّى اللهُ الأَنفُسَ حِينَ مَوتِهَا وَالَّتِي لَم تَمُتْ فِي مَنَامِهَا.
رَابِعًا: بِأَن نُرَبِّيَ أَبنَاءَنَا وَبَنَاتِنَا مُنذُ الصِّغَرِ عَلَى عِبَادَةِ التَّفَكُّرِ؛ فَلَا نَكتَفِي بِتَلقِينِهِمُ المَعلُومَاتِ العِلمِيَّةَ الجَافَّةَ فِي دُرُوسِ العُلُومِ وَالفِيزِيَاءِ وَالأَحيَاءِ مَعزُولَةً عَنِ اللهِ، بَل نَربِطُ كُلَّ قَانُونٍ كَونِيٍّ وَكُلَّ ظَاهِرَةٍ طَبِيعِيَّةٍ بِخَالِقِهَا وَمُبدِعِهَا سُبحَانَهُ؛ فَنَقُولُ لِلطِّفلِ: انظُرْ كَيفَ خَلَقَ اللهُ النَّحلَةَ، وَكَيفَ هَدَى اللهُ الطَّيرَ، وَكَيفَ أَحكَمَ اللهُ الفَلَكَ؛ حَتَّى يَنشَأَ الجِيلُ وَالعِلمُ عِندَهُ خَادِمٌ لِلإِيمَانِ، وَمِرقَاةٌ لِليَقِينِ وَالعِرفَان!
فَيَا أَيُّهَا الإِخوَةُ وَالأَخَوَات: أَحيُوا قُلُوبَكُم بِعِبَادَةِ التَّفَكُّرِ، وَاجلُوا صَدَأَ الغَفلَةِ عَن بَصَائِرِكُم بِالنَّظَرِ فِي مَلَكُوتِ رَبِّكُم، وَاجعَلُوا مِن كُلِّ نَظرَةٍ عِبرَةً، وَمِن كُلِّ صَمتٍ فِكرَةً، وَمِن كُلِّ آيَةٍ زَادًا يَرفَعُكُم إِلَى مَنَازِلِ المُوقِنِينَ العَارِفِينَ بِاللهِ رَبِّ العَالَمِين.
اللَّهُمَّ يَا فَالِقَ الحَبِّ وَالنَّوَى، وَيَا مُنشِئَ الأَجسَادِ بَعدَ البِلَى، وَيَا نُورَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَمُدَبِّرَ الوَرَى، نَسأَلُكَ بِأَسمَائِكَ الحُسنَى وَصِفَاتِكَ العُلَى أَن تَفتَحَ بَصَائِرَ قُلُوبِنَا لِلتَّفَكُّرِ فِي آيَاتِكَ، وَالتَّدَبُّرِ فِي كِتَابِكَ، وَالِاعتِبَارِ بِمَخلُوقَاتِكَ.
اللَّهُمَّ ارزُقنَا إِيمَانًا صَادِقًا لَا يَرتَدُّ، وَيَقِينًا رَاسِخًا لَا يَنفَدُ، وَمَعرِفَةً بِكَ تَملَأُ قُلُوبَنَا هَيبَةً لَكَ وَحُبًّا وَتَعظِيمًا وَإِجلَالًا.
اللَّهُمَّ اجعَلْ نَظَرَنَا عِبرَةً، وَصَمتَنَا فِكرَةً، وَنُطقَنَا ذِكرًا، وَأَيقِظْ قُلُوبَنَا مِن رَقدَةِ الغَافِلِينَ، وَاحشُرنَا فِي زُمرَةِ أُولِي الأَلبَابِ المُوقِنِينَ، وَقِنَا بِرَحمَتِكَ عَذَابَ النَّارِ، وَأَدخِلنَا الجَنَّةَ مَعَ الأَبرَارِ يَا عَزِيزُ يَا غَفَّار.
اللَّهُمَّ احفَظْ عَلَى أَبنَائِنَا وَشَبَابِنَا دِينَهُم وَعَقِيدَتَهُم وَفِطرَتَهُم، وَاعصِمهُم مِن فِتَنِ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ، وَأَعِزَّ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِينَ، وَاجعَلْ هَذَا المَجلِسَ مَجلِسًا مَرحُومًا، وَتَفَرُّقَنَا مِن بَعدِهِ تَفَرُّقًا مَعصُومًا، وَلَا تَجعَلْ فِينَا وَلَا مَعَنَا شَقِيًّا وَلَا مَحرُومًا.
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِين.
من مكتبة مِداد الخطيب
عِبَادَةُ التَّفَكُّرِ فِي خَلقِ اللهِ: مَنزِلَتُهَا وَأَجرُهَا العَظِيمُ وَأَثَرُهَا فِي تَعزِيزِ اليَقِينِ وَمَعرِفَةِ الخَالِقِ العَلِيمِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.