لِأَنَّهُ اللهُ: إِتقَانُ العَمَلِ فِي البَيتِ وَالأُسرَةِ: مُحَاضَرَةٌ إِيمَانِيَّةٌ تَربَوِيَّةٌ لِلنِّسَاءِ وَالفَتَيَاتِ فِي فِقهِ الإِحسَانِ وَاحتِسَابِ الأَعمَالِ المَنزِلِيَّةِ وَالأُسَرِيَّةِ
الحَمدُ للهِ العَلِيمِ الحَكِيمِ، المُتقِنِ الخَبِيرِ، الَّذِي أَحسَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلَقَهُ، وَكَتَبَ الإِحسَانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، وَجَعَلَ إِتقَانَ العَمَلِ قُربَةً إِلَيهِ وَمِيزَانًا لِلفَوزِ يَومَ العَرضِ عَلَيهِ، لَا يَضِيعُ عِندَهُ عَمَلُ عَامِلٍ مِن ذَكَرٍ أَو أُنثَى، وَلَا يَعزُبُ عَنهُ مِثقَالُ ذَرَّةٍ فِي الأَرضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً تَبعَثُ فِي النُّفُوسِ هِمَّةَ الإِنجَازِ وَرُوحَ الاحتِسَابِ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ المُحسِنِينَ، وَقُدوَةُ العَامِلِينَ المُتقِنِينَ فِي بَيتِهِ وَأُمَّتِهِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَأُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ وَبَنَاتِهِ وَالصَّحَابِيَّاتِ العَامِلَاتِ المُخلِصَاتِ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا أَخَوَاتِي الكَرِيمَاتِ، وَيَا بَنَاتِي الفَتَيَاتِ الغَالِيَاتِ، يَا مَلِكَاتِ البُيُوتِ وَصَانِعَاتِ الحَضَارَةِ وَحَاضِنَاتِ الأَجيَالِ: أُوصِيكُنَّ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمُرَاقَبَتِهِ وَالإِحسَانِ فِي كُلِّ شَأنٍ مِن شُؤُونِ الحَيَاةِ؛ فَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى جَعَلَ الدُّنيَا مَيدَانَ ابتِلَاءٍ وَاختِبَارٍ، لَا بِكَثرَةِ الأَعمَالِ الصُّورِيَّةِ فَحَسبُ، بَل بِإِحسَانِهَا وَإِتقَانِهَا وَإِخلَاصِهَا لِوَجهِهِ الكَرِيمِ؛ يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ المَلكِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾.
أَيَّتُهَا الأُختُ المُسلِمَةُ، وَأَيَّتُهَا الفَتَاةُ النَّبِيلَةُ: مِن أَخطَرِ المَكَايِدِ الفِكرِيَّةِ الَّتِي رَوَّجَت لَهَا الحَدَاثَةُ المَادِّيَّةُ فِي عَصرِنَا الحَاضِرِ أَنَّهَا هَوَّنَت مِن شَأنِ «عَمَلِ المَرأَةِ فِي بَيتِهَا وَأُسرَتِهَا»، وَصَوَّرَتهُ فِي الإِعلَامِ وَالدِّرَامَا عَلَى أَنَّهُ «رُوتِينٌ مُملٌّ»، وَ«عَمَلٌ هَامِشِيٌّ غَيرُ مُنتِجٍ»! حَتَّى أَصبَحَت بَعضُ النِّسَاءِ وَالفَتَيَاتِ تَستَحيِي إِذَا سُئِلَت عَن عَمَلِهَا أَن تَقُولَ بِفَخرٍ وَاعتِزَازٍ: «أَنَا رَبَّةُ بَيتٍ وَمُرَبِّيَةُ أَجيَالٍ»!
تَوَقَّفِي يَا أَمَةَ اللهِ وَتَأَمَّلِي بِعَقلِكِ وَفِطرَتِكِ: إِن كَانَ مَن يَصنَعُ الآلَاتِ فِي المَصَانِعِ أَو يُدِيرُ الأَورَاقَ فِي المَكَاتِبِ يُسَمَّى مُنتِجًا وَعَظِيمًا، فَمَاذَا نُسَمِّي المَرأَةَ الَّتِي تَصنَعُ «الإِنسَانَ نَفسَهُ»؟! المَرأَةَ الَّتِي تُدِيرُ مَملَكَةَ الأُسرَةِ، وَتَصنَعُ السَّكِينَةَ النَّفسِيَّةَ لِزَوجِهَا، وَتَبنِي عُقُولَ أَطفَالِهَا وَأَجسَادَهُم وَأَخلَاقَهُم؟!
غَيرَ أَنَّ السُّؤَالَ الجَوهَرِيَّ الَّذِي نَطرَحُهُ اليَومَ هُوَ: مَا الَّذِي يَنقُلُ أَعمَالَ البَيتِ وَالأُسرَةِ اليَومِيَّةَ — مِن طَهيٍ وَتَنظِيفٍ وَتَرتِيبٍ وَرِعَايَةٍ وَتَدبِيرٍ — مِن عَادَةٍ مُرهِقَةٍ تَبعَثُ عَلَى الكَلَلِ وَالسَّأَمِ إِلَى عِبَادَةٍ مُشرِقَةٍ تَملَأُ القَلبَ بِاللَّذَّةِ وَالإِتقَانِ وَالجَمَالِ؟
إِنَّهُ ذَلِكَ الشِّعَارُ العَظِيمُ الَّذِي تَدُورُ عَلَيهِ سِلسِلَتُنَا: «لِأَنَّهُ اللهُ»! حِينَ تُتقِنِينَ كُلَّ عَمَلٍ فِي بَيتِكِ وَأُسرَتِكِ لَا لِأَجلِ مَدحِ الزَّوجِ أَو ثَنَاءِ الضُّيُوفِ فَحَسبُ، بَل لِأَنَّ اللهَ المُحسِنَ الكَرِيمَ يُحِبُّ الإِحسَانَ وَالإِتقَانَ، وَيَرَى كُلَّ لَمسَةِ جَمَالٍ وَنِظَامٍ تَصنَعِينَهَا فِي مَملَكَتِكِ!
تَعَالَينَ أَخَوَاتِي الكَرِيمَاتِ نَقِفْ فِي المِحوََرِ الأَوَّلِ مَعَ: التَّأصِيلِ القُرآنِيِّ البَاهِرِ لِفَرِيضَةِ الإِتقَانِ وَالإِحسَانِ فِي العَمَلِ وَتَشرِيفِ مَهمَّةِ المَرأَةِ فِي بَيتِهَا.
حِينَ نَنظُرُ فِي كِتَابِ اللهِ العَزِيزِ، نَجِدُ أَنَّ اللهَ جَلَّ جَلَالُهُ وَصَفَ صُنعَهُ فِي الكَونِ كُلِّهِ بِالإِتقَانِ وَالإِحسَانِ؛ فَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ النَّملِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾، وَقَالَ فِي سُورَةِ السَّجدَةِ: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾. تَأَمَّلْنَ كَيفَ خَتَمَ اللهُ آيَةَ الإِتقَانِ فِي سُورَةِ النَّملِ بِقَولِهِ: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾؛ أَي كَمَا أَتقَنَ اللهُ صُنعَ كُلِّ شَيءٍ فِي هَذَا الكَونِ لِأَجلِكُم، فَإِنَّهُ خَبِيرٌ بِأَفعَالِكُم وَأَعمَالِكُم: هَل تُتقِنُونَهَا وَتُحسِنُونَهَا أَم تُهمِلُونَهَا وَتُضَيِّعُونَهَا؟!
وَأَعلَنَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَحَبَّتَهُ العُظمَى لِأَهلِ الإِحسَانِ وَالإِتقَانِ، وَضَمِنَ لَهُم عَدَمَ ضَيَاعِ مِثقَالِ ذَرَّةٍ مِن تَعَبِهِم؛ فَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ الكَهفِ: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾، وَقَالَ جَلَّ شَأنُهُ فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ مُبَشِّرًا النِّسَاءَ وَالرِّجَالَ مَعًا: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾.
وَفِي سُورَةِ الأَحزَابِ حَدَّدَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ المَيدَانَ الأَوَّلَ وَالمَملَكَةَ العُظمَى لِعَمَلِ المَرأَةِ وَإِبدَاعِهَا وَإِتقَانِهَا فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. فَجَعَلَ قَرَارَ المَرأَةِ فِي بَيتِهَا وَقِيَامَهَا عَلَى شُؤُونِهِ مَقرُونًا بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَطَاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ؛ لِتَعلَمَ كُلُّ امرَأَةٍ مُسلِمَةٍ أَنَّ عَمَلَهَا المُتقَنَ فِي بَيتِهَا هُوَ عُبُودِيَّةٌ خَالِصَةٌ لِرَبِّ العَالَمِينَ!
أَخَوَاتِي الفَاضِلَاتِ: إِذَا انتَقَلنَا إِلَى المِحوََرِ الثَّانِي مِن مُحَاضَرَتِنَا، وَهُوَ: شَوَاهِدُ الفِطرَةِ السَّوِيَّةِ وَحَقَائِقُ عِلمِ النَّفسِ التَّربَوِيِّ وَالأُسَرِيِّ فِي أَثَرِ إِتقَانِ العَمَلِ المَنزِلِيِّ وَالأُسَرِيِّ؛ فَإِنَّنَا نَقفُ أَمَامَ حَقَائِقَ عِلمِيَّةٍ مَدهِشَةٍ تَكشِفُ لَنَا قِيمَةَ مَا تَصنَعُهُ المَرأَةُ المُتقِنَةُ فِي بَيتِهَا:
الحَقِيقَةُ الأُولَى: أَنَّ الفِطرَةَ الإِنسَانِيَّةَ السَّوِيَّةَ تَرتَاحُ إِلَى «النِّظَامِ وَالجَمَالِ وَالطَّهَارَةِ» وَتَنفِرُ مِنَ الفَوضَى وَالإِهمَالِ؛ وَقَد أَثبَتَت أَبحَاثُ عِلمِ النَّفسِ البِيئِيِّ وَالأُسَرِيِّ أَنَّ البَيتَ المُرتَّبَ النَّظِيفَ المُنَظَّمَ يُخَفِّضُ مُستَوَى هُرمُونِ التَّوَتُّرِ (الكُورتِيزُول) فِي الدَّمِ لَدَى جَمِيعِ أَفرَادِ الأُسرَةِ، وَيَمنَحُ الدِّمَاغَ شُعُورًا بِالأَمَانِ وَالهُدُوءِ وَالقُدرَةِ عَلَى التَّركِيزِ، بَينَمَا البَيتُ الفَوضَوِيُّ المُهمَلُ يُوَلِّدُ الضَّجَرَ وَالعَصَبِيَّةَ وَكَثرَةَ الشِّجَارِ وَالرَّغبَةَ فِي الهُرُوبِ مِنَ المَنزِلِ!
الحَقِيقَةُ الثَّانِيَةُ فِي عِلمِ النَّفسِ التَّربَوِيِّ: أَنَّ «إِتقَانَ الأُمِّ فِي بَيتِهَا هُوَ المَدرَسَةُ الأُولَى لِتَعَلُّمِ الجَودَةِ وَالانضِبَاطِ لَدَى الأَطفَالِ»! فَالطِّفلُ وَالفَتَاةُ اللذَانِ يَنشَآَنِ فِي بَيتٍ يَرَيَانِ فِيهِ أُمَّهُمَا تُتقِنُ كُلَّ مَا تَمَسُّهُ يَدَاهَا: فَمَوعِدُ الطَّعَامِ مَضبُوطٌ، وَالمَطبَخُ نَظِيفٌ مُتَلَألِئٌ، وَالمَلَابِسُ مَطوِيَّةٌ مُعَطَّرَةٌ، وَالأَوقَاتُ مُقَسَّمَةٌ بِحِكمَةٍ بَينَ العِبَادَةِ وَالعَمَلِ وَالمُذَاكَرَةِ؛ يَتَشَرَّبَانِ تِلقَائِيًّا «ثَقَافَةَ الإِتقَانِ وَالنِّظَامِ»، فَتَرَاهُمَا مُتقِنَينِ فِي كِتَابَةِ وَاجِبَاتِهِمَا، مُنَظَّمَينِ فِي حَقَائِبِهِمَا، نَاجِحَينِ فِي حَيَاتِهِمَا العِلمِيَّةِ وَالعَمَلِيَّةِ!
الحَقِيقَةُ الثَّالِثَةُ فِي عِلمِ النَّفسِ الإِيجَابِيِّ: الفَرقُ الهَائِلُ فِي الأَثَرِ النَّفسِيِّ بَينَ مَن تَعمَلُ بِـ«عَقلِيَّةِ السُّخرَةِ وَالإِجبَارِ» وَمَن تَعمَلُ بِـ«عَقلِيَّةِ الرِّسَالَةِ وَالاحتِسَابِ»! فَالمَرأَةُ الَّتِي تَقُومُ إِلَى أَعمَالِ بَيتِهَا وَهِيَ تَتَذَمَّرُ وَتَشعُرُ أَنَّهَا خَادِمَةٌ مَظلُومَةٌ تَستَنزِفُ طَاقَتَهَا النَّفسِيَّةَ قَبلَ طَاقَتِهَا الجَسَدِيَّةِ؛ أَمَّا المَرأَةُ المُؤمِنَةُ الَّتِي تَستَحضِرُ أَنَّهَا تَعمَلُ «لِأَنَّهُ اللهُ» الَّذِي استَخلَفَهَا فِي هَذِهِ الأُسرَةِ، فَإِنَّهَا تَشعُرُ بِـ«لَذَّةِ الإِنجَازِ التَّعَبُّدِيِّ»، فَيَفرِزُ جَسَدُهَا هُرمُونَاتِ السَّعَادَةِ وَالرِّضَا، وَتَرَى بَيتَهَا مِحرَابًا تُصَفُّ فِيهِ الحَسَنَاتُ كَمَا تُصَفُّ الدُّرَرُ!
أَيَّتُهَا المَرأَةُ المُؤمِنَةُ: تَعَالَي نَستَمِعْ فِي المِحوََرِ الثَّالِثِ إِلَى الأَدِلَّةِ القَطعِيَّةِ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ المُطَهَّرَةِ فِي فَرِيضَةِ إِتقَانِ العَمَلِ وَعَظِيمِ ثَوَابِ خِدمَةِ البَيتِ وَالأُسرَةِ:
فَفِي مُسنَدِ أَبِي يَعلَى وَشُعَبِ الإِيمَانِ لِلبَيهَقِيِّ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُم عَمَلًا أَن يُتقِنَهُ». اللهُ أَكبَرُ يَا أَخَوَاتِي! كَلِمَةٌ نَبَوِيَّةٌ تَستَحِقُّ أَن تُكتَبَ بِمَاءِ الذَّهَبِ فِي كُلِّ رُكنٍ مِن أَركَانِ البَيتِ: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُم عَمَلًا أَن يُتقِنَهُ»! فَحِينَ تُتقِنِينَ إِعدَادَ وَجبَةِ الطَّعَامِ لِزَوجِكِ وَأَولَادِكِ، وَحِينَ تُتقِنِينَ تَنظِيفَ بَيتِكِ، وَحِينَ تُتقِنِينَ تَدرِيسَ طِفلِكِ وَتَربِيَتَهُ، فَأَنتِ تَتَعَرَّضِينَ مُبَاشَرَةً لِمَحَبَّةِ اللهِ جلَّ جَلَالُهُ!
وَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسلِمٍ عَن شَدَّادِ بنِ أَوسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحسَانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ». شَمِلَ قَولُهُ: «عَلَى كُلِّ شَيءٍ» كُلَّ حَرَكَةٍ وَصَنعَةٍ وَمَهَمَّةٍ دَاخِلَ البَيتِ وَخَارِجَهُ!
وَمَا هُوَ الأَجرُ الَّذِي يَنتَظِرُ المَرأَةَ وَالرَّجُلَ فِي كُلِّ مَا يَبذُلَانِهِ فِي بَيتِهِمَا وَأُسرَتِهِمَا إِذَا احتَسَبَا ذَلِكَ عِندَ اللهِ؟
فِي الصَّحِيحَينِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ عَن سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: «وَإِنَّكَ لَن تُنفِقَ نَفَقَةً تَبتَغِي بِهَا وَجهَ اللهِ إِلَّا أُجِرتَ عَلَيهَا، حَتَّى مَا تَجعَلُ فِي فِي امرَأَتِكَ»! وَفِي مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ وَالأَدَبِ المُفرَدِ لِلبُخَارِيِّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ المِقدَامِ بنِ مَعدِي كَرِبَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا أَطعَمتَ نَفسَكَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَمَا أَطعَمتَ وَلَدَكَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَمَا أَطعَمتَ زَوجَتَكَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَمَا أَطعَمتَ خَادِمَكَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ». قَالَ العُلَمَاءُ: وَكَذَلِكَ المَرأَةُ إِذَا صَنَعَتِ الطَّعَامَ وَهَيَّأَتهُ لِزَوجِهَا وَأَولَادِهَا وَضُيُوفِهَا تَبتَغِي بِهِ وَجهَ اللهِ، كُتِبَ لَهَا بِكُلِّ لُقمَةٍ صَدَقَةٌ وَأَجرٌ عَظِيمٌ!
وَانظُرْنَ إِلَى الوَصفِ النَّبَوِيِّ الجَامِعِ لِإِتقَانِ المَرأَةِ فِي بَيتِهَا تَربِيَةً وَإِدَارَةً؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «خَيرُ نِسَاءٍ رَكِبنَ الإِبِلَ صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيشٍ؛ أَحنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرعَاهُ عَلَى زَوجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ». تَأَمَّلْنَ فِي هَذَينِ الرُّكنَينِ اللذَينِ استَحَقَّت بِهِمَا المَرأَةُ وِسَامَ الخَيرِيَّةِ النَّبَوِيَّةِ:
الرُّكنُ الأَوَّلُ: «أَحنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ»؛ أَي قِمَّةُ الإِتقَانِ فِي الرِّعَايَةِ التَّربَوِيَّةِ وَالعَاطِفِيَّةِ وَالصِّحِّيَّةِ لِلأَطفَالِ!
وَالرُّكنُ الثَّانِي: «وَأَرعَاهُ عَلَى زَوجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ»؛ أَي قِمَّةُ الإِتقَانِ وَالأَمَانَةِ فِي إِدَارَةِ مَالِ البَيتِ وَمَواردِهِ وَصِيَانَتِهِ مِنَ التَّبذِيرِ وَالضَّيَاعِ!
أَخَوَاتِي وَبَنَاتِي الغَالِيَاتِ: تَعَالَينَ فِي المِحوََرِ الرَّابِعِ نَعِشْ مَعَ نَمَاذِجَ حَيَّةٍ خَالِدَةٍ مِن حَيَاةِ بَيتِ النُّبُوَّةِ وَأُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ وَالصَّحَابِيَّاتِ رَضِيَ اللهُ عَنهُنَّ فِي إِتقَانِ العَمَلِ فِي البَيتِ وَالأُسرَةِ:
النَّمُوذَجُ الأَوَّلُ: سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهلِ الجَنَّةِ، وَبَضعَةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَاطِمَةُ الزَّهرَاءُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا؛ هَل كَانَت بِنتُ سَيِّدِ الخَلقِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ تَعِيشُ فِي بَيتِ زَوجِهَا عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حَيَاةَ الدَّعَةِ وَالكَسَلِ وَالإِهمَالِ؟ حَاشَا وَكَلَّا! لَقَد قَسَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ العَمَلَ بَينَهُمَا، فَجَعَلَ عَلَى فَاطِمَةَ خِدمَةَ دَاخِلِ البَيتِ، وَعَلَى عَلِيٍّ خِدمَةَ خَارِجِ البَيتِ؛ وَفِي الصَّحِيحَينِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ وَمُسنَدِ أَحمَدَ أَنَّ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا كَانَت تَطحَنُ بِالرَّحَى بِيَدِهَا الشَّرِيفَةِ حَتَّى مَجَلَت يَدَاهَا — أَي غَلُظَ جِلدُ يَدِهَا مِن أَثَرِ الطَّحنِ —، وَتَستَقِي بِالقِربَةِ حَتَّى أَثَّرَ فِي نَحرِهَا، وَتَقُمُّ البَيتَ — أَي تَكنُسُهُ وَتُنَظِّفُهُ — حَتَّى اغبَرَّت ثِيَابُهَا، وَتُوقِدُ تَحتَ القِدرِ! فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ سَبيٌ، ذَهَبَت فَاطِمَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا تَسأَلُ أَبَاهَا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ خَادِمًا يُعِينُهَا، فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَيتِهَا وَقَد دَخَلَت مَعَ عَلِيٍّ فِي فِرَاشِهِمَا، فَقَالَ لَهُمَا: «أَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيرٍ مِمَّا سَأَلتُمَاهُ؟ إِذَا أَخَذتُمَا مَضَاجِعَكُمَا فَكَبِّرَا اللهَ أَربَعًا وَثَلَاثِينَ، وَاحمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيرٌ لَكُمَا مِمَّا سَأَلتُمَاهُ»! قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «فَمَا تَرَكتُهُنَّ مُنذُ سَمِعتُهُنَّ مِن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ»!
اُنظُرْنَ يَا أَخَوَاتِي إِلَى هَذَا الدَّرسِ النَّبَوِيِّ العَظِيمِ: لَم يَأمُرْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِتَركِ عَمَلِ البَيتِ، بَل أَقرَّهَا عَلَى كَدحِهَا وَإِتقَانِهَا، وَأَمدَّهَا بِـ«طَاقَةِ الذِّكرِ وَالتَّسبِيحِ» الَّتِي تُذهِبُ عَنِ البَدَنِ التَّعَبَ وَتَملَأُ القَلبَ بِالقُوَّةِ وَالنَّشَاطِ!
النَّمُوذَجُ الثَّانِي: أُمُّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةُ الصِّدِّيقَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا فِي مَوقِفٍ عَجِيبٍ يُصَوِّرُ لَنَا كَيفَ كَانَ شِعَارُ «لِأَنَّهُ اللهُ» يَحكُمُ أَدَقَّ تَفَاصِيلِ عَمَلِهَا! فَقَد أَخرَجَ ابنُ أَبِي شَيبَةَ وَالبَيهَقِيُّ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا كَانَت إِذَا أَرَادَت أَن تَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ أَو دِينَارٍ لِلفُقَرَاءِ، غَسَلَتهُ وَطَيَّبَتهُ بِالمِسكِ وَالطِّيبِ قَبلَ أَن تُخرِجَهُ! فَقِيلَ لَهَا: يَا أُمَّ المُؤمِنِينَ، لِمَ تُطَيِّبِينَ الدَّرَاهِمَ وَإِنَّمَا يَأخُذُهَا الفَقِيرُ فَيَشتَرِي بِهَا طَعَامًا؟ فَقَالَت رَضِيَ اللهُ عَنهَا كَلِمَتَهَا الخَالِدَةَ: «إِنِّي قَرَأتُ فِي كِتَابِ اللهِ: ﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾، وَإِنَّهَا تَقَعُ فِي يَدِ اللهِ قَبلَ أَن تَقَعَ فِي يَدِ السَّائِلِ، فَأُحِبُّ أَن تَقَعَ فِي يَدِ رَبِّي وَهِيَ طَيِّبَةٌ»! اللهُ أَكبَرُ! تَأَمَّلْنَ فِي هَذَا الفِقهِ: حَتَّى الدِّرهَمُ تُطَيِّبُهُ وَتُتقِنُ إِخرَاجَهُ؛ لِأَنَّهُ للهِ!
النَّمُوذَجُ الثَّالِثُ: أُمُّ المُؤمِنِينَ زَينَبُ بِنتُ جَحشٍ رَضِيَ اللهُ عَنهَا؛ كَانَت امرَأَةً صَنَاعَ اليَدَينِ، مُتقِنَةً لِلعملِ وَالإِنتَاجِ فِي بَيتِهَا؛ فَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَزوَاجِهِ: «أَسرَعُكُنَّ لَحَاقًا بِي أَطوَلُكُنَّ يَدًا»؛ قَالَت عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: «فَكَانَت أَطوَلَنَا يَدًا زَينَبُ؛ لِأَنَّهَا كَانَت تَعمَلُ بِيَدِهَا وَتَتَصَدَّقُ»! كَانَت رَضِيَ اللهُ عَنهَا تَدبَغُ الجِلدَ فِي بَيتِهَا، وَتَخرِزُهُ وَتُتقِنُ صَنعَتَهُ، ثُمَّ تَتَصَدَّقُ بِعَائِدِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ!
النَّمُوذَجُ الرَّابِعُ: الصَّحَابِيَّةُ الجَلِيلَةُ أُمُّ سُلَيمٍ وَالصَّحَابِيَّةُ الجَلِيلَةُ أَسمَاءُ بِنتُ عُمَيسٍ وَأَسمَاءُ بِنتُ أَبِي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُنَّ؛ كَيفَ جَمَعنَ بَينَ إِتقَانِ إِدَارَةِ البُيُوتِ وَطَهيِ الطَّعَامِ وَتَفَقُّدِ الأَولَادِ وَإِكرَامِ ضُيُوفِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ! وَتَذَكَّرْنَ قِصَّةَ امرَأَةِ أَبِي طَلحَةَ (أُمِّ سُلَيمٍ) فِي الصَّحِيحَينِ حِينَ جَاءَ أَبُو طَلحَةَ بِضَيفِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الجَائِعِ، وَلَم يَكُنْ فِي البَيتِ إِلَّا قُوتُ صِبيَانِهَا الصِّغَارِ؛ فَكَيْفَ أَحسَنَتِ التَّدبِيرَ وَالإِتقَانَ؟ نَوَّمَت صِبيَانَهَا بِلُطفٍ، وَهَيَّأَتِ الطَّعَامَ، وَقَامَت إِلَى السِّرَاجِ كَأَنَّهَا تُصلِحُهُ فَأَطفَأَتهُ، وَجَعَلَت تُرِي الضَّيفَ أَنَّهَا تَأكُلُ مَعَ زَوجِهَا فِي الظَّلَامِ حَتَّى شَبِعَ الضَّيفُ وَبَاتَا طَاوِيَينِ؛ فَعَجِبَ اللهُ مِن صَنِيعِهِمَا وَأَنزَلَ فِيهِمَا قُرآنًا يُتلَى فِي سُورَةِ الحَشرِ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾!
أَيَّتُهَا الأَخَوَاتُ وَالبَنَاتُ الكَرِيمَاتُ: كَيفَ نُتَرجِمُ «إِتقَانَ العَمَلِ فِي البَيتِ وَالأُسرَةِ» إِلَى مَنهَجِ حَيَاةٍ يَومِيٍّ فِي بُيُوتِنَا؟
إِلَيكُنَّ سِتَّةَ مَجَالَاتٍ عَمَلِيَّةٍ لِتحقِيقِ الإِتقَانِ الأُسَرِيِّ تَحتَ شِعَارِ «لِأَنَّهُ اللهُ»:
المَجَالُ الأَوَّلُ: «إِتقَانُ النِّيَّةِ وَتَجدِيدُ الاحتِسَابِ كُلَّ صَبَاحٍ»؛ عَوِّدِي قَلبَكِ يَا أَمَةَ اللهِ حِينَ تَستَيقِظِينَ كُلَّ يَومٍ أَن تَنوِي بِكُلِّ عَمَلٍ تَعمَلِينَهُ فِي بَيتِكِ التَّقَرُّبَ إِلَى اللهِ؛ فَحِينَ تَدخُلِينَ المَطبَخَ تَقُولِينَ فِي قَلبِكِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُتقِنُ هَذَا الطَّعَامَ لِأُقَوِّيَ أَهلِي عَلَى طَاعَتِكَ وَأُدخِلَ السُّرُورَ عَلَيهِم ابتِغَاءَ وَجهِكَ»، وَحِينَ تُرتِّبِينَ الغُرَفَ تَحتَسِبِينَ قَولَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ: «الطُّهُورُ شَطرُ الإِيمَانِ»؛ فَتَتَحَوَّلُ سَاعَاتُ يَومِكِ كُلُّهَا إِلَى صَحَائِفَ مِنَ الحَسَنَاتِ الجَارِيَةِ!
المَجَالُ الثَّانِي: «إِتقَانُ إِدَارَةِ الوَقتِ وَاستِثمَارُ بَرَكَةِ البُكُورِ»؛ إِنَّ مِن أَكبَرِ آفَاتِ البُيُوتِ المُعَاصِرَةِ السَّهَرَ الطَّوِيلَ عَلَى الهَوَاتِفِ بِاللَّيلِ، وَالنَّومَ إِلَى الضُّحَى أَوِ الظَّهِيرَةِ بِالنَّهَارِ؛ فَتَضِيعُ البَرَكَةُ وَيَتَرَاكَمُ العَمَلُ وَيَعُمُّ التَّوَتُّرُ! جَرِّبِي أَن تَبدَئِي يَومَكِ بَعدَ صَلَاةِ الفَجرِ، فَتَنَالِي دَعوَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا»؛ فَسَاعَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ العَمَلِ فِي الصَّبَاحِ البَاكِرِ تُنجِزِينَ فِيهَا مَا لَا يُنجَزُ فِي أَربَعِ سَاعَاتٍ مِن بَقِيَّةِ النَّهَارِ!
المَجَالُ الثَّالِثُ: «إِتقَانُ النَّظَافَةِ وَالجَمَالِ البَصَرِيِّ وَالرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ فِي البَيتِ»؛ اجعَلِي بَيتَكِ — مَهمَا كَانَ بَسِيطًا فِي أَثَاثِهِ — آيَةً فِي النَّظَافَةِ وَالتَّنسِيقِ وَالتَّهوِيَةِ وَالطِّيبِ؛ فَإِنَّ المَلَائِكَةَ الكِرَامَ تُحِبُّ الرَّائِحَةَ الطَّيِّبَةَ وَالمَكَانَ الطَّاهِرَ النَّظِيفَ، وَالزَّوجُ وَالأَولَادُ يَعشَقُونَ البَيتَ المُنَظَّمَ المُشرِقَ!
المَجَالُ الرَّابِعُ: «إِتقَانُ التَّدبِيرِ المَالِيِّ وَالاقتِصَادِيِّ لِلبَيتِ»؛ فَالْمَرأَةُ المُتقِنَةُ حَكِيمَةٌ فِي نَفَقَتِهَا، لَا تُلقِي بِبَقَايَا الطَّعَامِ فِي النُّفَايَاتِ، بَل تُحسِنُ تَقدِيرَ الكَمِّيَّاتِ وَحِفظَ النِّعمَةِ وَالتَّصَدُّقَ بِالفَائِضِ، وَتُرتِّبُ أَولَوِيَّاتِ الشِّرَاءِ بِمَا يَحفَظُ مِيزَانِيَّةَ الأُسرَةِ؛ امتِثَالًا لِقَولِ اللهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الفُرقَانِ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾.
المَجَالُ الخَامِسُ: «إِتقَانُ المُتَابَعَةِ التَّربَوِيَّةِ وَالغِذَائِيَّةِ لِلأَبنَاءِ»؛ فَلَا تَترُكِي أَطفَالَكِ لِلأَطعِمَةِ الضَّارَّةِ الجَاهِزَةِ كَسَلًا عَن إِعدَادِ الغِذَاءِ الصِّحِّيِّ النَّافِعِ فِي البَيتِ، وَلَا تُهمِلِي مُتَابَعَةَ صَلَاتِهِم وَقُرآنِهِم وَدِرَاسَتِهِم؛ فَإِنَّ كُلَّ دَقِيقَةٍ تَقضِينَهَا فِي تَعلِيمِ طِفلِكِ آيَةً أَو حَرفًا أَو خُلُقًا هِيَ بِذرَةٌ تُثمِرُ لَكِ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ!
المَجَالُ السَّادِسُ: «تَدرِيبُ البَنَاتِ الصَّغِيرَاتِ عَلَى مَهَارَاتِ البَيتِ وَحُبِّ الإِتقَانِ»؛ مِنَ الخَطَأِ التَّربَوِيِّ أَن تَمنَعَ الأُمُّ ابنَتَهَا مِن دُخُولِ المَطبَخِ أَوِ المُشَارَكَةِ فِي تَرتِيبِ البَيتِ بِحُجَّةِ التَّفرُّغِ الكَامِلِ لِلدِّرَاسَةِ، فَتَتَخَرَّجُ الفَتَاةُ مِنَ الجَامِعَةِ وَهِيَ لَا تُحسِنُ أَبسَطَ مَهَارَاتِ إِدَارَةِ الأُسرَةِ! بَلِ الصَّوَابُ أَن تُشرِكِي ابنَتَكِ مَعَكِ بِمَحَبَّةٍ وَتَشجِيعٍ، وَتَغرِسِي فِي نَفسِهَا أَنَّ إِتقَانَ شُؤُونِ البَيتِ شَرَفٌ وَعِبَادَةٌ وَفَنٌّ رَفِيعٌ!
وَلْنَختِمْ يَا أَخَوَاتِي الكَرِيمَاتِ بِقِصَّةٍ وَاقِعِيَّةٍ مُعَاصِرَةٍ مُلهِمَةٍ:
تَحكِي فَتَاةٌ جَامِعِيَّةٌ مُتَفَوِّقَةٌ أَنَّهَا لَمَّا تَزَوَّجَت وَرُزِقَت بِطِفلِهَا الأَوَّلِ، أَصَابَهَا شُعُورٌ بِالإِحبَاطِ وَالحُزنِ؛ إِذ كَانَت تَرَى أَنَّ يَومَهَا كُلَّهُ يَمضِي بَينَ إِعدَادِ الطَّعَامِ وَغَسلِ الأَوَانِي وَتَرتِيبِ الغُرَفِ وَإِرضَاعِ الصَّغِيرِ، فَقَالَت يَومًا لِجَدَّتِهَا العَالِمَةِ الحَكِيمَةِ وَهِيَ تَبكِي: «يَا جَدَّتِي، كُنتُ الأُولَى عَلَى كُلِّيَّتِي، وَأَشعُرُ اليَومَ أَنَّ حَيَاتِي تَضِيعُ فِي أَعمَالٍ رُوتِينِيَّةٍ بَسِيطَةٍ لَا قِيمَةَ لَهَا!»
فَابتَسَمَتِ الجَدَّةُ الحَكِيمَةُ، وَأَمسَكَت بِيَدِ حَفِيدَتِهَا وَقَالَت لَهَا: «يَا بُنَيَّتِي، مَن قَالَ لَكِ إِنَّ عَمَلَكِ فِي بَيتِكِ بَسِيطٌ أَو صَغِيرٌ؟ إِنَّ العَمَلَ يَكبُرُ وَيَعظُمُ بِعَظَمَةِ مَن تَعمَلِينَ لَهُ! أَنتِ لَا تَطبُخِينَ لِلجُدرَانِ، وَلَا تُنَظِّفِينَ لِلتُّرَابِ؛ أَنتِ تَعمَلِينَ بِأَمرِ مَلِكِ المُلُوكِ جلَّ جَلَالُهُ الَّذِي استَأْمَنَكِ عَلَى هَذَا الزَّوجِ وَهَذَا الطِّفلِ! جَرِّبِي يَا بُنَيَّتِي أَن تَكتُبِي فِي قَلبِكِ عَلَى بَابِ مَطبَخِكِ وَغُرفَتِكِ: (إِنِّي أُتقِنُ هَذَا العَمَلَ؛ لِأَنَّهُ اللهُ الَّذِي يُحِبُّ المُحسِنِينَ)، وَاجعَلِي لِسَانَكِ رَطبًا بِالتَّسبِيحِ وَالاستِغفَارِ وَأَنتِ تَعمَلِينَ، وَنَظِّمِي وَقتَكِ بَعدَ الفَجرِ، ثُمَّ أَخبِرِينِي مَاذَا تَجِدِينَ!»
تَقُولُ الشَّابَّةُ: «فَوَاللهِ لَقَد كَانَت تِلكَ الكَلِمَاتُ نُقطَةَ التَّحَوُّلِ فِي حَيَاتِي كُلِّهَا! انقَلَبَ شُعُورِي مِنَ المَلَلِ إِلَى الشَّغَفِ وَالإِبدَاعِ؛ صِرتُ أَتَفَنَّنُ فِي تَنظِيمِ بَيتِي وَإِعدَادِ طَعَامِ أُسرَتِي كَأَنَّنِي أُقَدِّمُ لوحَةً فَنِّيَّةً أَرجُو بِهَا مَحَبَّةَ اللهِ، وَبَارَكَ اللهُ لِي فِي وَقتِي بَعدَ الفَجرِ حَتَّى أَتَمَمتُ حِفظَ القُرآنِ الكَرِيمِ مَعَ أَطفَالِي فِي البَيتِ، وَتَخَرَّجَ أَبنَائِي مِن أَوَائِلِ الطُّلَّابِ خُلُقًا وَعِلمًا وَإِتقَانًا!»
هَذَا يَا أَخَوَاتِي وَبَنَاتِي هُوَ سِرُّ الإِتقَانِ حِينَ يَمتَزِجُ بِالإِيمَانِ: بَيتٌ كَالجَنَّةِ فِي الدُّنيَا، وَقُصُورٌ فِي الفِردَوسِ الأَعلَى فِي الآخِرَةِ! فَاحتَسِبْنَ وَأَتقِنَّ كُلَّ عَمَلٍ فِي بُيُوتِكُنَّ وَأُسَرِكُنَّ؛ لِأَنَّهُ اللهُ الَّذِي لَا يُضِيعُ أَجرَ مَن أَحسَنَ عَمَلًا!
اللَّهُمَّ يَا مُحسِنُ يَا كَرِيمُ، يَا عَلِيمُ يَا حَكِيمُ، يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ، صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَزوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ وَذُرِّيَّتِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِينَ.
اللَّهُمَّ ارزُقنَا الإِخلَاصَ فِي القَولِ وَالعَمَلِ، وَالإِحسَانَ وَالإِتقَانَ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ، وَاجعَلنَا مِنَ المُحسِنِينَ الَّذِينَ تُحِبُّهُم وَتَقبَلُ مِنهُم يَا رَبَّ العَالَمِينَ. اللَّهُمَّ بَارِك لِنِسَاءِ المُسلِمِينَ وَبَنَاتِهِم فِي أَوقَاتِهِنَّ وَأَعمَارِهِنَّ وَصِحَّتِهِنَّ وَبُيُوتِهِنَّ، وَاكتُبْ لَهُنَّ بِكُلِّ خُطوَةٍ وَكُلِّ قَطرَةِ عَرَقٍ فِي خِدمَةِ أُسَرِهِنَّ وَتربِيَةِ أَبنَائِهِنَّ دَرَجَاتٍ عُلَى فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَهَب لَنَا مِن أَزوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعيُنٍ وَاجعَلنَا لِلمُتَّقِينَ إِمَامًا.
سُبحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمدِكَ، أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ، أَستَغفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيكَ، وَالسَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.
من مكتبة مِداد الخطيب
لِأَنَّهُ اللهُ: إِتقَانُ العَمَلِ فِي البَيتِ وَالأُسرَةِ: مُحَاضَرَةٌ إِيمَانِيَّةٌ تَربَوِيَّةٌ لِلنِّسَاءِ وَالفَتَيَاتِ فِي فِقهِ الإِحسَانِ وَاحتِسَابِ الأَعمَالِ المَنزِلِيَّةِ وَالأُسَرِيَّةِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.