لِأَنَّهُ اللهُ: استِشعَارُ مُرَاقَبَةِ اللهِ فِي العَلَاقَاتِ الزَّوجِيَّةِ: مُحَاضَرَةٌ إِيمَانِيَّةٌ تَربَوِيَّةٌ لِلنِّسَاءِ وَالفَتَيَاتِ فِي فِقهِ الإِحسَانِ الزَّوجِيِّ وَرِعَايَةِ المِيثَاقِ الغَلِيظِ
الحَمدُ للهِ السَّمِيعِ البَصِيرِ، الرَّقِيبِ الخَبِيرِ، الَّذِي لَا تَخفَى عَلَيهِ خَافِيَةٌ فِي الأَرضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، يَعلَمُ السِّرَّ وَأَخفَى، وَيَسمَعُ تَحَاوُرَ الزَّوجَينِ خَلفَ الأَبوَابِ المُوصَدَةِ فِي جُنحِ الدُّجَى، وَيُحصِي مَثَاقِيلَ الذَّرِّ مِنَ البِرِّ وَالوَفَاءِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً تُوقِظُ فِي القُلُوبِ نُورَ المُرَاقَبَةِ وَحَلَاوَةَ الإِحسَانِ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، أَوفَى الأَزوَاجِ عَهدًا، وَأَعظَمُهُم خَشيَةً لِرَبِّهِ فِي أَهلِهِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَأُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ الطَّاهِرَاتِ الحَافِظَاتِ لِلغَيبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ، وَأَصحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا أَخَوَاتِي الكَرِيمَاتِ، وَيَا بَنَاتِي العَفِيفَاتِ الغَالِيَاتِ، يَا أَمِينَاتِ البُيُوتِ وَحَافِظَاتِ المِيثَاقِ الغَلِيظِ: أُوصِيكُنَّ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمُرَاقَبَتِهِ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ؛ فَإِنَّ مُرَاقَبَةَ اللهِ هِيَ الحِصنُ الأَعظَمُ الَّذِي يَحمِي العَلَاقَةَ الزَّوجِيَّةَ مِن عَوَاصِفِ الهَوَى وَالأَثَرَةِ وَالظُّلمِ، وَهِيَ الكِيميَاءُ الإِيمَانِيَّةُ الَّتِي تُحَوِّلُ تَفَاصِيلَ الحَيَاةِ اليَومِيَّةِ فِي البَيتِ إِلَى مَعَارِجَ تَرقَى بِهَا المَرأَةُ المُؤمِنَةُ إِلَى أَعلَى الفَرَادِيسِ؛ يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾.
أَيَّتُهَا الأُختُ المُسلِمَةُ، وَأَيَّتُهَا الفَتَاةُ المُقبِلَةُ عَلَى بِنَاءِ أُسرَتِهَا: لَو سَأَلنَا أَنفُسَنَا سُؤَالًا عَمِيقًا: بِمَاذَا تَمتَازُ العَلَاقَةُ الزَّوجِيَّةُ عَن سَائِرِ العَلَاقَاتِ وَالعُقُودِ البَشَرِيَّةِ فِي هَذِهِ الدُّنيَا؟
إِنَّ جَمِيعَ العُقُودِ وَالمُعَامَلَاتِ بَينَ النَّاسِ — مِن بَيعٍ وَشِرَاءٍ وَشَرِكَةٍ وَوَظِيفَةٍ — تَجرِي فِي العَلَنِ، وَتَضبِطُهَا الأَورَاقُ الرَّسمِيَّةُ، وَتَحرسُهَا الكَامِيرَاتُ وَالشُّهُودُ وَاللَّوَائِحُ وَالمَحَاكِمُ! أَمَّا العَلَاقَةُ الزَّوجِيَّةُ وَحدَهَا فَهِيَ العَلَاقَةُ الَّتِي تَجرِي أَدَقُّ تَفَاصِيلِهَا وَأَخطَرُ مَوَاقِفِهَا خَلفَ الأَبوَابِ المُغلَقَةِ وَالسَّتَائِرِ المُسدَلَةِ؛ حَيثُ لَا يَحضُرُ أَبٌ وَلَا أُمٌّ، وَلَا يَرَى قَاضٍ وَلَا شَاهِدٌ! هُنَاكَ فِي غُرفَةِ البَيتِ، حِينَ تَنفَرِدُ الزَّوجَةُ بِزَوجِهَا، أَو تَبقَى وَحدَهَا فِي غِيبَتِهِ، مَنِ الحَارِسُ الَّذِي يَمنَعُ الظُّلمَ؟ وَمَنِ الرَّقِيبُ الَّذِي يَحفَظُ الحُقُوقَ؟ وَمَنِ الجَزَاءُ الَّذِي يَدفَعُ إِلَى الإِحسَانِ حِينَ يُقَصِّرُ الطَّرَفُ الآخَرُ؟
لَا يَوجَدُ هُنَاكَ إِلَّا حَارِسٌ وَاحِدٌ، وَجَوَابٌ وَاحِدٌ يَملَأُ الكِيَانَ: «لِأَنَّهُ اللهُ»! لِأَنَّ اللهَ هُوَ الرَّقِيبُ الشَّهِيدُ، السَّمِيعُ البَصِيرُ، الَّذِي لَا يَغِيبُ عَن بَيتِنَا لَحظَةً وَاحِدَةً!
تَعَالَينَ أَخَوَاتِي الكَرِيمَاتِ نَقِفْ فِي المِحوََرِ الأَوَّلِ مَعَ: الفَلسَفَةِ القُرآنِيَّةِ المُعجِزَةِ فِي رَبطِ الأَحكَامِ وَالعَلَاقَاتِ الزَّوجِيَّةِ بِمُرَاقَبَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
إِنَّ المَرأَةَ المُتَدَبِّرَةَ لِكِتَابِ اللهِ تَكتَشِفُ سِرًّا عَجِيبًا يَأخُذُ بِالأَلبَابِ: وَهُوَ أَنَّ جَمِيعَ آيَاتِ الأُسرَةِ وَالزَّوَاجِ وَالعِشرَةِ وَالنَّفَقَةِ وَالطَّلَاقِ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ قَد خُتِمَت بِأَسمَاءِ اللهِ الحُسنَى الدَّالَّةِ عَلَى الإِحَاطَةِ وَالعِلمِ وَالرَّقَابَةِ!
أَوَّلًا: سَمَّى اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَقدَ الزَّوَاجِ تَسمِيَةً لَم يُطلِقهَا إِلَّا عَلَى عَهدِ النُّبُوَّةِ وَالتَّوحِيدِ، فَسَمَّاهُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: «مِيثَاقًا غَلِيظًا»؛ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. وَإِنَّمَا كَانَ مِيثَاقًا غَلِيظًا لِأَنَّهُ عَهدٌ مَوثَّقٌ بِاسمِ اللهِ وَكَلِمَتِهِ، وَاللهُ سُبحَانَهُ هُوَ الكَفِيلُ وَالرَّقِيبُ عَلَيهِ!
ثَانِيًا: انظُرْنَ إِلَى مَطلَعِ سُورَةِ المُجَادَلَةِ، حِينَ جَاءَتِ الصَّحَابِيَّةُ الجَلِيلَةُ خَولَةُ بِنتُ ثَعلَبَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا تَشتَكِي مَا جَرَى بَينَهَا وَبَينَ زَوجِهَا أَوسِ بنِ الصَّامِتِ فِي بَيتِهِمَا؛ فَمَاذَا أَنزَلَ اللهُ تَعَالَى؟ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. يَا اللهُ! تَوَقَّفْنَ طَوِيلًا عِندَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾! كُلُّ حِوَارٍ يَدُورُ بَينَ الزَّوجَينِ فِي غُرفَتِهِمَا، كُلُّ هَمسَةٍ، كُلُّ كَلِمَةِ حَنَانٍ أَو كَلِمَةِ قَسوَةٍ، كُلُّ دَمعَةٍ تَجرِي فِي الظَّلَامِ: اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ يَسمَعُهَا وَيُبصِرُهَا!
ثَالِثًا: حِينَ تَحَدَّثَ القُرآنُ الكَرِيمُ عَن خَصَائِصِ الزَّوجَاتِ الصَّالِحَاتِ قَالَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾؛ فَجَعَلَ أَعظَمَ وِسَامٍ لِلمَرأَةِ الصَّالِحَةِ أَنَّهَا «حَافِظَةٌ لِلغَيبِ»؛ أَي تَحفَظُ حَقَّ اللهِ وَحَقَّ زَوجِهَا حِينَ يَغِيبُ عَن نَظَرِهَا؛ لِأَنَّهَا تَستَشعِرُ أَنَّ عَينَ اللهِ لَا تَغِيبُ! وَحِينَ خَاطَبَ الأَزوَاجَ حَذَّرَهُم مِن ظُلمِ النِّسَاءِ بِتَذكِيرِهِم بِعُلُوِّهِ وَكِبرِيَائِهِ فَقَالَ: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾، وَحِينَ أَمَرَ الزَّوجَينِ بِحِفظِ المَعْرُوفِ حَتَّى عِندَ الخِلَافِ خَتَمَ الآيَةَ بِمُرَاقَبَةِ بَصَرِهِ فَقَالَ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
أَخَوَاتِي الفَاضِلَاتِ: إِذَا انتَقَلنَا إِلَى المِحوََرِ الثَّانِي مِن مُحَاضَرَتِنَا، وَهُوَ: شَوَاهِدُ الفِطرَةِ السَّوِيَّةِ وَحَقَائِقُ عِلمِ النَّفسِ التَّربَوِيِّ وَالأُسَرِيِّ فِي أَثَرِ استِشعَارِ مُرَاقَبَةِ اللهِ بَينَ الزَّوجَينِ؛ فَإِنَّنَا نَضَعُ أَيدِيَنَا عَلَى العِلَاجِ الجِذرِيِّ لِأَكثَرِ المُشكِلَاتِ الزَّوجِيَّةِ المُعَاصِرَةِ:
أَوَّلًا: يُقَرِّرُ عُلَمَاءُ النَّفسِ الأُسَرِيِّ أَنَّ العَلَاقَاتِ الزَّوجِيَّةَ تَنقَسِمُ إِلَى نَوعَينِ:
النَّوعُ الأَوَّلُ: «العَلَاقَةُ النَّفعِيَّةُ المَشرُوطَةُ» (المُقَايَضَةُ)؛ حَيثُ يَتَعَامَلُ كُلُّ طَرَفٍ مَعَ الآخَرِ بِمَنطِقِ السُّوقِ: «إِنِ ابتَسَمَ لِي ابتَسَمتُ لَهُ، وَإِن عَبَسَ عَبَستُ، وَإِن قَصَّرَ فِي حَقِّي قَصَّرتُ فِي حَقِّهِ وَانتَقَمتُ لِنَفسِي»! وَهَذَا النَّوعُ مِنَ العَلَاقَاتِ سَرِيعُ الانهِيَارِ وَالاحتِرَاقِ عِندَ أَوَّلِ أَزمَةٍ أَو فُتُورٍ!
وَأَمَّا النَّوعُ الثَّانِي فَهُوَ: «العَلَاقَةُ التَّعَبُّدِيَّةُ القِيَمِيَّةُ» النَّابِعَةُ مِن استِشعَارِ مُرَاقَبَةِ اللهِ؛ حَيثُ تَقُولُ الزَّوجَةُ المُؤمِنَةُ فِي قَرَارَةِ نَفسِهَا: «أَنَا أُحسِنُ إِلَى زَوجِي وَأَقُومُ بِحَقِّهِ تَعَبُّدًا للهِ الَّذِي يَرَانِي؛ فَأَنَا أُعَامِلُ اللهَ فِيهِ قَبلَ أَن أُعَامِلَهُ هُوَ»!
ثَانِيًا: إِنَّ استِشعَارَ مُرَاقَبَةِ اللهِ فِي العَلَاقَةِ الزَّوجِيَّةِ يَحمِي المَرأَةَ مِن أَخطَرِ دَاءٍ نَفسِيٍّ يُصِيبُ الزَّوجَاتِ، وَهُوَ دَاءُ «الاحتِرَاقِ العَاطِفِيِّ بِسَبَبِ انتِظَارِ الشُّكرِ مِنَ المَخلُوقِ»! فَكَم مِن زَوجَةٍ تَبذُلُ وَتَتعَبُ ثُمَّ إِذَا غَفَلَ زَوجُهَا يَومًا عَن شُكرِهَا أُصِيبَت بِالإِحبَاطِ وَالكَآبَةِ وَالنَّدَمِ عَلَى مَا قَدَّمَت! أَمَّا المَرأَةُ الَّتِي تَستَشعِرُ مُرَاقَبَةَ اللهِ وَتَعمَلُ بِشِعَارِ «لِأَنَّهُ اللهُ»، فَإِنَّهَا تَعلَمُ أَنَّ كُلَّ كَأسِ مَاءٍ، وَكُلَّ بَسمَةٍ، وَكُلَّ لَحظَةِ صَبرٍ قَد سُجِّلَت لَهَا عِندَ مَن لَا يَضِلُّ وَلَا يَنسَى؛ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الإِنسَانِ عَلَى لِسَانِ الأَبرَارِ: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾؛ فَيَمتَلِئُ قَلبُهَا بِالرِّضَا وَالغِنَى النَّفسِيِّ، ثُمَّ تَرَى مِن بَرَكَةِ اللهِ أَنَّ اللهَ يُلقِي مَحَبَّتَهَا وَتَقدِيرَهَا فِي قَلبِ زَوجِهَا!
ثَالِثًا: فِي عِلمِ النَّفسِ التَّربَوِيِّ، يُعَدُّ استِشعَارُ مُرَاقَبَةِ اللهِ بَينَ الزَّوجَينِ أَعظَمَ مَصنَعٍ لِتَربِيَةِ الأَبنَاءِ الأَسْوِيَاءِ؛ لِأَنَّ الطِّفلَ الَّذِي يَنشَأُ بَينَ أَبٍ وَأُمٍّ يَتَّقِي كُلٌّ مِنهُمَا اللهَ فِي صَاحِبِهِ، فَلَا يَسمَعُ شَتِيمَةً، وَلَا يَرَى خِيَانَةً وَلَا كَذِبًا وَلَا ظُلمًا، يَنشَأُ سَوِيَّ الفِطرَةِ، مُطمَئِنَّ النَّفسِ، مُعَظِّمًا لِلحُقُوقِ وَالأَمَانَاتِ!
أَيَّتُهَا المَرأَةُ المُؤمِنَةُ: تَعَالَي نَستَمِعْ فِي المِحوََرِ الثَّالِثِ إِلَى الأَدِلَّةِ القَطعِيَّةِ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ المُطَهَّرَةِ الَّتِي تُؤَصِّلُ مُرَاقَبَةَ اللهِ فِي الحَيَاةِ الزَّوجِيَّةِ:
فَفِي الصَّحِيحَينِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ فِي حَدِيثِ جِبرِيلَ المَشهُورِ، لَمَّا سَأَلَ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ نَبِيَّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: مَا الإِحسَانُ؟ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَن تَعبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِن لَم تَكُن تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». وَمِن أَعظَمِ مَيَادِينِ الإِحسَانِ أَن تَستَحضِرَ الزَّوجَةُ فِي بَيتِهَا مَعَ زَوجِهَا أَنَّ اللهَ يَرَاهَا؛ فَتُحسِنَ العِشرَةَ، وَتَصدُقَ الحَدِيثَ، وَتَحفَظَ الأَمَانَةَ!
وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كُلُّكُم رَاعٍ وَكُلُّكُم مَسؤُولٌ عَن رَعِيَّتِهِ؛ الأَمِيرُ رَاعٍ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهلِ بَيتِهِ، وَالمَرأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيتِ زَوجِهَا وَوَلَدِهِ، فَكُلُّكُم رَاعٍ وَكُلُّكُم مَسؤُولٌ عَن رَعِيَّتِهِ». تَأَمَّلِي يَا أُختِي الكَرِيمَةَ فِي قَولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «وَمَسؤُولَةٌ عَن رَعِيَّتِهَا»! مَنِ السَّائِلُ يَومَ القِيَامَةِ؟ إِنَّهُ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ! سَيَسأَلُكِ عَن أَمَانَةِ بَيتِ زَوجِكِ، وَمَالِهِ، وَعِرضِهِ، وَأَولَادِهِ: كَيفَ حَفِظتِ هَذِهِ الرَّعِيَّةَ فِي حُضُورِهِ وَمَغِيبِهِ؟
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَمُستَدرَكِ الحَاكِمِ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَربَعٌ مَن أُعطِيَهُنَّ فَقَد أُعطِيَ خَيرَ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ: قَلبٌ شَاكِرٌ، وَلِسَانٌ ذَاكِرٌ، وَبَدَنٌ عَلَى البَلَاءِ صَابِرٌ، وَزَوجَةٌ لَا تَبغِيهِ خَونًا فِي نَفسِهَا وَلَا مَالِهِ»!
وَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسلِمٍ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حَذَّرَ أَشدَّ التَّحذِيرِ مِمَّن يَنسَى مُرَاقَبَةَ اللهِ فَيَفشِي أَسرَارَ الفِرَاشِ وَالعَلَاقَةِ الخَاصَّةِ بَينَ الزَّوجَينِ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِن أَشَرِّ النَّاسِ عِندَ اللهِ مَنزِلَةً يَومَ القِيَامَةِ، الرَّجُلَ يُفضِي إِلَى امرَأَتِهِ، وَتُفضِي إِلَيهِ، ثُمَّ يَنشُرُ سِرَّهَا»!
أَخَوَاتِي وَبَنَاتِي الغَالِيَاتِ: تَعَالَينَ فِي المِحوََرِ الرَّابِعِ نَستَلهِمْ أَروَعَ النَّمَاذِجِ الحَيَّةِ مِن حَيَاةِ أُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ وَالصَّحَابِيَّاتِ الجَلِيلَاتِ رَضِيَ اللهُ عَنهُنَّ فِي استِشعَارِ مُرَاقَبَةِ اللهِ فِي حَيَاتِهِنَّ الزَّوجِيَّةِ:
النَّمُوذَجُ الأَوَّلُ: الصَّحَابِيَّةُ الجَلِيلَةُ خَولَةُ بِنتُ ثَعلَبَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا؛ تَأَمَّلْنَ فِي مَوقِفِهَا العَجِيبِ مَعَ زَوجِهَا أَوسِ بنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَأَحمَدُ وَذَكَرَهُ أَئِمَّةُ التَّفسِيرِ؛ كَانَ أَوسٌ رَجُلًا كَبِيرَ السِّنِّ قَد دَخَلَ فِيهِ ضَجَرُ الشَّيخُوخَةِ، فَغَضِبَ يَومًا عَلَى زَوجَتِهِ خَولَةَ فَقَالَ لَهَا كَلِمَةَ الظِّهَارِ: «أَنتِ عَلَيَّ كَظَهرِ أُمِّي»! ثُمَّ نَدِمَ بَعدَ سَاعَةٍ، فَلَمَّا خَلَا بِهَا فِي البَيتِ أَرَادَهَا عَن نَفسِهَا وَقَالَ: لَم يَرَنَا أَحَدٌ وَلَم يَسمَعْ بِنَا أَحَدٌ! فَمَاذَا فَعَلَت خَولَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا فِي تِلكَ الخَلوَةِ الزَّوجِيَّةِ الَّتِي لَا يَعلَمُ بِهَا إِلَّا اللهُ؟ هَل تَسَاهَلَت فِي حُكمِ اللهِ؟ كَلَّا وَاللهِ! بَلِ امتنَعَت مِنهُ وَقَالَت بِقَلبٍ يَرتَجِفُ مِن مُرَاقَبَةِ اللهِ: «كَلَّا وَالَّذِي نَفسُ خَولَةَ بِيَدِهِ، لَا تَخلُصُ إِلَيَّ وَقَد قُلتَ مَا قُلتَ حَتَّى يَحكُمَ اللهُ وَرَسُولُهُ فِينَا»! ثُمَّ خَرَجَت إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ تَسأَلُهُ وَتَشتَكِي إِلَى اللهِ حَالَهَا وَضَعفَ صِبيَتِهَا؛ تَقُولُ أُمُّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ وَسُنَنِ النَّسَائِيِّ: «تَبَارَكَ الَّذِي وَسِعَ سَمعُهُ الأَصوَاتَ كُلَّهَا؛ إِنَّ المُجَادِلَةَ لَتَشتَكِي إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا فِي نَاحِيَةِ البَيتِ يَخفَى عَلَيَّ بَعضُ كَلَامِهَا، فَأَنزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾»! لَمَّا رَاقَبَتِ اللهَ فِي خَلوَةِ بَيتِهَا، جَعَلَ اللهُ لَهَا وَلِنِسَاءِ المُسلِمِينَ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ فَرَجًا وَمَخرَجًا بِآيَاتِ الكَفَّارَةِ!
النَّمُوذَجُ الثَّانِي: أُمُّ المُؤمِنِينَ زَينَبُ بِنتُ جَحشٍ رَضِيَ اللهُ عَنهَا فِي مَوقِفٍ نَادِرٍ يَكتَبُ بِمَاءِ الذَّهَبِ فِي مُرَاقَبَةِ اللهِ عِندَ الغَيرَةِ وَالمُنَافَسَةِ الزَّوجِيَّةِ! فَفِي الصَّحِيحَينِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ فِي حَادِثَةِ الإِفكِ، لَمَّا رَمَى المُنَافِقُونَ الصِّدِّيقَةَ بِنتَ الصِّدِّيقِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا بِالبُهتَانِ، تَقُولُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: «وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَسأَلُ زَينَبَ بِنتَ جَحشٍ عَن أَمرِي، فَقَالَ: يَا زَينَبُ، مَاذَا عَلِمتِ أَو رَأَيتِ؟» وَكَانَت زَينَبُ هِيَ الضَّرَّةَ الوَحِيدَةَ الَّتِي تُسَامِي عَائِشَةَ وَتُنَافِسُهَا فِي المَنزِلَةِ عِندَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؛ فَلَو كَانَتِ المَرأَةُ تَتَّبِعُ هَوَى الغَيرَةِ البَشَرِيَّةِ لَكَانَت فُرصَةً سَانِحَةً لِإِسقَاطِ مُنَافِسَتِهَا بِكَلِمَةٍ أَو إِشَارَةٍ! لَكِن مَاذَا صَنَعَت زَينَبُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا؟ استَحضَرَت مُرَاقَبَةَ اللهِ السَّمِيعِ البَصِيرِ وَقَالَت: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَحمِي سَمعِي وَبَصَرِي، وَاللهِ مَا عَلِمتُ إِلَّا خَيرًا»! قَالَت عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: «وَهِيَ الَّتِي كَانَت تُسَامِينِي مِن أَزوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَعَصَمَهَا اللهُ بِالوَرَعِ»! اللهُ أَكبَرُ! «فَعَصَمَهَا اللهُ بِالوَرَعِ»!
النَّمُوذَجُ الثَّالِثُ: مَدرَسَةُ النُّبُوَّةِ مَعَ أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا فِي غَرسِ مُرَاقَبَةِ اللهِ فِي أَدَقِّ الخَوَاطِرِ الزَّوجِيَّةِ؛ فَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مِن عِندِ عَائِشَةَ لَيلًا إِلَى البَقِيعِ لِيَستَغفِرَ لِأَهلِهِ، فَظَنَّت عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا بِدَافِعِ الغَيرَةِ الفِطرِيَّةِ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى بَعضِ نِسَائِهِ، فَانطَلَقَت فِي أَثَرِهِ، فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ رَبَّى قَلبَهَا عَلَى استِشعَارِ عِلمِ اللهِ وَمُرَاقَبَتِهِ، فَقَالَ لَهَا: «لَتُخبِرِينِي أَو لَيُخبِرَنِّي اللَّطِيفُ الخَبِيرُ»! فَأَخبَرَتهُ بِمَا وَقَعَ فِي نَفسِهَا، فَلَهَدَ فِي صَدرِهَا لَهدَةً خَفِيفَةً وَقَالَ لَهَا الكَلِمَةَ التَّربَوِيَّةَ العَظِيمَةَ: «أَظَنَنتِ أَن يَحِيفَ اللهُ عَلَيكِ وَرَسُولُهُ؟» قَالَت عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا وَقَدِ استَنَارَ قَلبُهَا بِنُورِ هَذِهِ المُرَاقَبَةِ: «مَهمَا يَكتُمِ النَّاسُ يَعلَمهُ اللهُ»!
النَّمُوذَجُ الرَّابِعُ: الصَّحَابِيَّةُ الجَلِيلَةُ هِندُ بِنتُ عُتبَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا بَعدَ إِسلَامِهَا؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ أَنَّ زَوجَهَا أَبَا سُفيَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَانَ فِيهِ شُحٌّ فِي النَّفَقَةِ، وَكَانَ مَالُهُ تَحتَ يَدِهَا فِي البَيتِ تَستَطِيعُ أَن تَأخُذَ مِنهُ مَا شَاءَت دُونَ عِلمِهِ! لَكِنَّهَا لَمَّا استَشعَرَت مُرَاقَبَةَ اللهِ، خَافَت أَن تَأخُذَ دِرهَمًا وَاحِدًا بِغَيرِ حَقٍّ، فَجَاءَت إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ تَستَفتِيهِ لِتَبرَأَ ذِمَّتُهَا أَمَامَ اللهِ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «خُذِي مَا يَكفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعرُوفِ»! قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى شِدَّةِ وَرَعِهَا وَمُرَاقَبَتِهَا للهِ فِي مَالِ زَوجِهَا!
وَهَذَا إِمَامُ أَهلِ السُّنَّةِ أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ رَحِمَهُ اللهُ، عَاشَ مَعَ زَوجَتِهِ الصَّالِحَةِ عَبَّاسَةَ بِنتِ الفَضلِ ثَلَاثِينَ سَنَةً، فَلَمَّا مَاتَت قَالَ رَحِمَهُ اللهُ وَهُوَ يَترَحَّمُ عَلَيهَا: «أَقَامَت مَعِي أُمُّ صَالِحٍ ثَلَاثِينَ سَنَةً، فَمَا اختَلَفتُ أَنَا وَهِيَ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ»! لِمَاذَا؟ لِأَنَّ مُرَاقَبَةَ اللهِ كَانَت هِيَ الحَكَمَ بَينَهُمَا فِي كُلِّ كَلِمَةٍ!
أَيَّتُهَا الأَخَوَاتُ وَالبَنَاتُ الفَاضِلَاتُ: كَيفَ نُنزِّلُ «مُرَاقَبَةَ اللهِ» تَنزِيلًا عَمَلِيًّا فِي عَلَاقَاتِنَا الزَّوجِيَّةِ المُعَاصِرَةِ؟
إِلَيكُنَّ سِتَّةَ مَوَاطِنَ عَمَلِيَّةٍ تَمتَحِنُ فِيهَا المَرأَةُ المُسلِمَةُ صِدقَ مُرَاقَبَتِهَا للهِ مَعَ زَوجِهَا:
المَوطِنُ الأَوَّلُ: مُرَاقَبَةُ اللهِ فِي «سَاعَةِ الخِلَافِ وَالغَضَبِ»؛ فَإِنَّ الإِيمَانَ الحَقِيقِيَّ لَا يَظهَرُ فِي سَاعَاتِ الرِّضَا وَالصَّفَاءِ فَقَط، بَل يَظهَرُ عِندَ الغَضَبِ! إِذَا وَقَعَ خِلَافٌ بَينَكِ وَبَينَ زَوجِكِ، فَتَذَكَّرِي أَنَّ اللهَ ثَالِثُكُمَا يَسمَعُ وَيَرَى؛ فَإِيَّاكِ وَالفُجُورَ فِي الخُصُومَةِ، وَإِيَّاكِ وَالكَذِبَ أَو تَضخِيمَ الأَخطَاءِ عِندَ الشَّكوَى لِلأَهلِ، وَإِيَّاكِ وَجَحدَ إِحسَانِهِ السَّابِقِ؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ مِن خِصَالِ المُنَافِقِ: «وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ»، أَمَّا المُؤمِنَةُ المُرَاقِبَةُ للهِ فَتَعدِلُ وَتَنصِفُ حَتَّى وَهِيَ غَاضِبَةٌ!
المَوطِنُ الثَّانِي: مُرَاقَبَةُ اللهِ فِي «غِيبَةِ الزَّوجِ وَفِي عَالَمِ الهَوَاتِفِ وَالشَّاشَاتِ»؛ حِينَ يَخرُجُ زَوجُكِ إِلَى عَمَلِهِ أَو سَفَرِهِ، فَأَنتِ مُؤتَمَنَةٌ بِأَمَانِ اللهِ عَلَى نَفسِكِ وَبَيتِكِ وَهَاتِفِكِ؛ فَلَا تَدخُلُ البَيتَ مَن يَكرَهُ دُخُولَهَا، وَلَا تَتَسَاهَلُ الزَّوجَةُ أَوِ الفَتَاةُ فِي مُحَادَثَةٍ خَاصَّةٍ أَو تَوَاصُلٍ مَعَ رَجُلٍ أَجنَبِيٍّ عَلَى مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ بِحُجَّةِ الزَّمَالَةِ أَوِ الاستِشَارَةِ الخَفِيَّةِ، بَل تَقُولُ لِنَفسِهَا: إِن كَانَ زَوجِي لَا يَرَى هَاتِفِي، فَإِنَّ رَبَّ زَوجِي يَرَى قَلبِي وَبَصَرِي؛ لِأَنَّهُ اللهُ!
المَوطِنُ الثَّالِثُ: مُرَاقَبَةُ اللهِ فِي «مَالِ الزَّوجِ وَكَسبِهِ»؛ فَالزَّوجَةُ التَّقِيَّةُ أَمِينَةٌ عَلَى مَالِ زَوجِهَا، لَا تُبَذِّرُ عَرَقَ جَبِينِهِ فِي الكَمَالِيَّاتِ وَالمُبَاهَاةِ الفَارِغَةِ، وَلَا تُرهِقُهُ بِالدُّيُونِ لِتُجَارِيَ المَظَاهِرَ، وَلَا تَأخُذُ مِن مَالِهِ شَيئًا بِغَيرِ إِذنِهِ إِلَّا مَا كَانَ مِنَ النَّفَقَةِ الوَاجِبَةِ بِالمَعرُوفِ إِذَا قَصَّرَ فِيهَا!
المَوطِنُ الرَّابِعُ: مُرَاقَبَةُ اللهِ فِي «كَتمِ أَسرَارِ البَيتِ وَالفِرَاشِ وَالعُيُوبِ»؛ كَم مِنِ امرَأَةٍ تَجلِسُ مَعَ صَدِيقَاتِهَا أَو أَخَوَاتِهَا فَتَجعَلُ عُيُوبَ زَوجِهَا وَخُصُوصِيَّاتِ بَيتِهَا فَاكِهَةَ المَجلِسِ، وَهِيَ تَنسَى أَنَّ ذَلِكَ مِن أَعظَمِ الخِيَانَةِ لِلأَمَانَةِ وَمِن أَكبَرِ الغِيبَةِ المُحَرَّمَةِ! المَرأَةُ الَّتِي تُرَاقِبُ اللهَ تَستُرُ عَيبَ زَوجِهَا كَمَا يَستُرُ الثَّوبُ البَدَنَ: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾!
المَوطِنُ الخَامِسُ: مُرَاقَبَةُ اللهِ فِي «أَهلِ الزَّوجِ وَأَرحَامِهِ»؛ إِذ تَعلَمُ الزَّوجَةُ المُؤمِنَةُ أَنَّ تَحرِيضَ الزَّوجِ عَلَى أُمِّهِ أَو أَبِيهِ أَو أَخَوَاتِهِ إِفسَادٌ فِي الأَرضِ وَقَطعٌ لِمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ؛ فَتَتَّقِي اللهَ فِيهِم، وَإِن رَأَت مِنهُم جَفَاءً أَو تَقصِيرًا صَبَرَت وَدَفَعَت بِالَّتِي هِيَ أَحسَنُ ابتِغَاءَ وَجهِ اللهِ!
المَوطِنُ السَّادِسُ: مُرَاقَبَةُ اللهِ عِندَ «الابتِلَاءِ أَو تَعَذُّرِ الحَيَاةِ الزَّوجِيَّةِ»؛ فَإِذَا ابتُلِيَ الزَّوجُ بِمَرَضٍ أَو فَقرٍ وَفَتْ لَهُ زَوجَتُهُ وَثَبَتَت مَعَهُ؛ وَحَتَّى لَو قُدِّرَ الفِرَاقُ وَالطَّلَاقُ عِندَ استِحَالَةِ العِشرَةِ، فَإِنَّ المَرأَةَ الَّتِي تُرَاقِبُ اللهَ لَا تَظلِمُ، وَلَا تَفتَرِي فِي المَحَاكِمِ، وَلَا تَحرِمُ الأَبَ مِن رُؤيَةِ أَولَادِهِ أَو تَزرَعُ الكَرَاهِيَةَ فِي قُلُوبِهِم، بَل تَمتَثِلُ أَمرَ رَبِّهَا البَصِيرِ: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾!
وَلْنَختِمْ يَا أَخَوَاتِي الكَرِيمَاتِ بِقِصَّةٍ وَاقِعِيَّةٍ مُعَاصِرَةٍ تَشهَدُ بِأَنَّ مَن رَاقَبَتِ اللهَ فِي زَوجِهَا جَعَلَ اللهُ لَهَا مِن بَعدِ عُسرٍ يُسرًا:
تَحكِي امرَأَةٌ مُؤمِنَةٌ صَالِحَةٌ أَنَّ زَوجَهَا أُصِيبَ بَعدَ عَشرِ سَنَوَاتٍ مِن زَوَاجِهِمَا بِمَرَضٍ شَدِيدٍ أَقعَدَهُ عَنِ العَمَلِ سَنَتَينِ كَامِلَتَينِ، وَمَعَ شِدَّةِ المَرَضِ وَضِيقِ ذَاتِ اليَدِ ضَاقَ صَدرُ الزَّوجِ وَصَارَ سَرِيعَ الغَضَبِ حَادَّ الطَّبعِ؛ فَكَانَت بَعضُ القَرِيبَاتِ وَالجَارَاتِ يُوسوِسنَ لَهَا قَائِلَاتٍ: «إِلَى مَتَى تَتحَمَّلِينَ مَرَضَهُ وَفَقرَهُ وَعَصَبِيَّتَهُ؟ اطلُبِي الطَّلَاقَ وَعِيشِي حَيَاتَكِ!» تَقُولُ هَذِهِ الزَّوجَةُ الأَصِيلَةُ: «كُنتُ كُلَّمَا سَمِعتُ هَذَا الكَلَامَ دَخَلتُ غُرفَتِي وَصَلَّيتُ رَكعَتَينِ وَقُلتُ: يَا رَبِّ، أَنتَ تَعلَمُ أَنَّهُ كَانَ كَرِيمًا مَعِي فِي صِحَّتِهِ وَغِنَاهُ، وَقَد أَخَذَ مِنِّي مِيثَاقًا غَلِيظًا بِاسمِكَ، فَوَعِزَّتِكَ لَا أَخُونُ عَهدَهُ وَلَا أَتَخَلَّى عَنهُ فِي مَرَضِهِ؛ لِأَنَّكَ أَنتَ اللهُ الَّذِي تَرَانِي! فَصَبَرتُ عَلَى خِدمَتِهِ وَتَمرِيضِهِ، وَكُنتُ أَبتَسِمُ فِي وَجهِهِ وَأَمسَحُ عَرَقَهُ وَأَقُولُ لَهُ: أَنتَ بَرَكَةُ بَيتِنَا وَتَاجُ رُؤُوسِنَا! فَمَا مَضَتِ السَّنَتَانِ حَتَّى مَنَّ اللهُ عَلَيهِ بِالشِّفَاءِ التَّامِّ، وَفَتَحَ اللهُ عَلَيهِ بَابًا مِنَ الرِّزقِ وَالتِّجَارَةِ أَضعَافَ مَا كَانَ عِندَهُ، فَكَانَ أَوَّلُ مَا فَعَلَهُ أَن سَجَدَ للهِ بَاكِيًا، ثُمَّ قَبَّلَ رَأسِي أَمَامَ أَولَادِنَا وَقَالَ: يَا أَبنَائِي، لَولَا اللهُ ثُمَّ وَفَاءُ أُمِّكُم وَمُرَاقَبَتُهَا للهِ فِيَّ مَا قُمتُ عَلَى قَدَمَيَّ، فَبَرُّوهَا فَإِنَّهَا جَنَّتِي فِي الدُّنيَا!»
هَكَذَا يَا أَخَوَاتِي وَبَنَاتِي تَصنَعُ مُرَاقَبَةُ اللهِ المُعجِزَاتِ فِي البُيُوتِ! فَاجعَلْنَ شِعَارَكُنَّ فِي كُلِّ كَلِمَةٍ وَنَظرَةٍ وَمَوقِفٍ مَعَ أَزوَاجِكُنَّ: «لِأَنَّهُ اللهُ الرَّقِيبُ الشَّهِيدُ»، تَحيَينَ حَيَاةً طَيِّبَةً فِي الدُّنيَا، وَتَفُزنَ بِرِضوَانِ اللهِ وَجَنَّتِهِ فِي الآخِرَةِ!
اللَّهُمَّ يَا سَمِيعُ يَا بَصِيرُ، يَا رَقِيبُ يَا خَبِيرُ، يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ، صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَزوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ وَذُرِّيَّتِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِينَ.
اللَّهُمَّ ارزُقنَا خَشيَتَكَ فِي الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ، وَكَلِمَةَ الحَقِّ فِي الرِّضَا وَالغَضَبِ، وَالقَصدَ فِي الفَقرِ وَالغِنَى، واملَأ بُيُوتَنَا بِنُورِ مُرَاقَبَتِكَ وَمَحَبَّتِكَ وَالسَّكِينَةِ وَالمَوَدَّةِ وَالرَّحمَةِ يَا رَبَّ العَالَمِينَ. اللَّهُمَّ اجعَلْ نِسَاءَ المُسلِمِينَ وَبَنَاتِهِم قَانِتَاتٍ حَافِظَاتٍ لِلغَيبِ بِمَا حَفِظتَ، وَأَعِنهُنَّ عَلَى رِعَايَةِ المِيثَاقِ الغَلِيظِ بِالإِحسَانِ وَالوَفَاءِ وَالصَّبرِ الجَمِيلِ، وَهَب لَنَا مِن أَزوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعيُنٍ وَاجعَلنَا لِلمُتَّقِينَ إِمَامًا.
سُبحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمدِكَ، أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ، أَستَغفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيكَ، وَالسَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.
من مكتبة مِداد الخطيب
لِأَنَّهُ اللهُ: استِشعَارُ مُرَاقَبَةِ اللهِ فِي العَلَاقَاتِ الزَّوجِيَّةِ: مُحَاضَرَةٌ إِيمَانِيَّةٌ تَربَوِيَّةٌ لِلنِّسَاءِ وَالفَتَيَاتِ فِي فِقهِ الإِحسَانِ الزَّوجِيِّ وَرِعَايَةِ المِيثَاقِ الغَلِيظِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.