🕌 تَارِكُ الصَّلاةِ... حَصَادُ النَّدَامَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ
#خطبة_جمعة #تارك_الصلاة #فضل_الصلاة #الخوف_من_الله #إيمانيات #عقوبة_تارك_الصلاة #رقائق
إِنَّ الحَمدَ للهِ، الحَمدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ الصَّلاةَ عِمَادَ الدِّينِ، وَقُرَّةَ عُيُونِ المُوَحِّدِينَ، وَمِفتاحَ الفَلاحِ لِلمُؤمِنِينَ. وَأَشهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، رَفَعَ قَدرَ مَن سَجَدَ لَهُ، وَأَذَلَّ مَنِ استَكبَرَ عَن عِبَادَتِهِ. وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ المُصَلِّينَ، وَقُدوَةُ الخَاشِعِينَ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعدُ:
عِبادَ اللهِ، تَخَيَّلُوا مَعِي رَجُلًا يُبنى لَهُ قَصرٌ عَظِيمٌ فِي الجَنَّةِ خَمسَ مَرَّاتٍ كُلَّ يَومٍ، وَهُوَ يَأبَى إِلَّا أَن يَهْدِمَهُ بِيَدِهِ! هَذَا لَيسَ خَيَالًا، بَل هُوَ حَالُ الكَثِيرِينَ بَينَنَا اليَومَ. سَنَقِفُ فِي جُمُعَتِنَا هَذِهِ مَعَ أَعظَمِ مُصِيبَةٍ يُمكِنُ أَن تَحِلَّ بِبَيتٍ مِن بُيُوتِ المُسلِمِينَ، مُصِيبَةٌ أَكبَرُ مِنَ الفَقرِ، وَأَشَدُّ مِنَ المَرَضِ المُمِيتِ، مُصِيبَةٌ سَبَبُهَا الفَرَاغُ مِنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. فَمَا هِيَ حَقِيقَةُ تَارِكِ الصَّلاةِ فِي مِيزَانِ السَّمَاءِ؟ وَمَا هِيَ العُقُوبَةُ الَّتِي تَنتَظِرُهُ؟ وَكَيفَ يَعيشُ بَينَنَا مَن قَطَعَ الصِّلَةَ بِخَالِقِهِ؟ الجَوَابُ سَيُزَلزِلُ قُلُوبَ الغَافِلِينَ، فَأَعِيرُونِي القُلُوبَ وَالأَسمَاعَ.
يَا أَهْلَ هَذِهِ القَرْيَةِ الطَّيِّبَةِ، يَا مَن تَستَيقِظُونَ فِي صَبَاحَاتِكُمُ البَاكِرَةِ تَسْعَوْنَ عَلَى أَرْزَاقِكُمْ، وَتَخْرُجُونَ إِلَى حُقُولِكُمْ وَمَزَارِعِكُمْ وَمَتَاجِرِكُمْ. تَتَحَمَّلُونَ بَرْدَ الشِّتَاءِ القَارِسِ، وَحَرَّ الصَّيفِ اللَّافِحِ، كُلُّ ذَلِكَ لِكَي تَحْصُدُوا ثَمَرَةَ أَتعَابِكُمْ، وَلِكَي تُطْعِمُوا أَبنَاءَكُمْ لُقْمَةَ الحَلَالِ. وَهَذَا عَمَلٌ شَرِيفٌ يُؤْجَرُ عَلَيهِ المُؤمِنُ. وَلَكِن... دَعُونِي أَسأَلُكُم بِاللهِ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاءَ بِلا عَمَدٍ: كَيفَ يَهُونُ عَلَى أَحَدِنَا أَن يَستَيقِظَ قَبلَ طُلُوعِ الشَّمسِ لِيَسْقِيَ زَرْعَهُ أَو لِيَرْعَى مَاشِيَتَهُ، وَيَثْقُلُ عَلَيهِ أَن يَستَيقِظَ لِيَقِفَ بَينَ يَدَي رَبِّهِ فِي صَلاةِ الفَجْرِ خَمسَ دَقَائِقَ فَقَطْ؟! أَيُعقَلُ أَن تَكُونَ أَشجَارُنَا وَمَحَاصِيلُنَا أَغلَى عِندَنَا مِنْ وُقُوفِنَا بَينَ يَدَيِ المَلِكِ الجَبَّارِ؟!
يَقُولُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ الكَرِيمِ مُحَذِّرًا تَحْذِيرًا تَهْتَزُّ لَهُ الجِبَالُ: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [سورة مريم: 59]. تَأَمَّلُوا يَا رَعَاكُمُ اللهُ... لَم يَقُلِ اللهُ: تَرَكُوا الصَّلاةَ، بَل قَالَ: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾. وَإِضَاعَتُهَا أَن تُؤَخِّرَهَا عَن وَقْتِهَا لِأَجْلِ عَمَلٍ فِي الحَقلِ، أَو لِأَجْلِ بَيعٍ وَشِرَاءٍ، أَو لِأَجْلِ نَومٍ عَمِيقٍ. فَإِذَا كَانَ الوَيلُ وَالـ "غَيُّ" — وَهُوَ وَادٍ خَبِيثٌ فِي جَهَنَّمَ بَعِيدُ القَعرِ شَدِيدُ الحَرِّ — مُعَدًّا لِمَن أُضَاعَهَا عَن وَقتِهَا، فَكَيفَ بِمَن تَرَكَهَا بِالكُلِّيَّةِ؟! كَيفَ بِمَن لَا يَعرِفُ المَسْجِدَ إِلَّا يَوْمَ الجُمُعَةِ، أَو رُبَّمَا لَا يَعْرِفُهُ أَبَدًا؟!
وَاسْمَعُوا لِهَذَا الحَدِيثِ العَظِيمِ، فَإِنَّ فِيهِ كَنْزًا يَحِلُّ كَثِيرًا مِنْ أُمُورِنَا، وَهُوَ وَاللهِ مِيزَانٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَمَا فِي الصَّحِيحِ: «العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ). يَا سُبْحَانَ اللهِ! كَلِمَةٌ حَاسِمَةٌ قَاطِعَةٌ مِن فَمِ أَصْدَقِ مَن نَطَقَ بِالضَّادِ ﷺ. الصَّلاةُ هِيَ الحَدُّ الفَاصِلُ. هِيَ الجَوَازُ الَّذِي تَعْبُرُ بِهِ إِلَى رَحْمَةِ اللهِ. فَإِن قَطَعْتَ الصَّلاةَ، فَبِأَيِّ شَيءٍ تَلْقَى اللهَ غَدًا؟!
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ، يُتَرْجِمُهُ ذَلِكَ الْمَشْهَدُ المُرعِبُ الَّذِي سَيَجْمَعُنَا اللهُ فِيهِ يَوْمَ المَحْشَرِ. يَقُولُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيهِ: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلَحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ» (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ). مَعنَى هَذَا الحَدِيثِ أَنَّ المَلَائِكَةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَنْ تَسْأَلَكَ عَنْ صَدَقَاتِكَ الْكَثِيرَةِ، وَلَنْ تَسْأَلَكَ عَنْ أَخْلَاقِكَ الْحَسَنَةِ مَعَ جِيرَانِكَ، وَلَنْ تَسْأَلَكَ عَنْ عَمَلِكَ وَكَدْحِكَ، قَبْلَ أَنْ تُفْتَحَ صَحِيفَةُ الصَّلَاةِ! فَإِن كَانَتْ صَحِيفَةُ الصَّلَاةِ بَيضَاءَ فَارِغَةً، رُدَّتْ عَلَيكَ بَاقِي الأَعْمَالِ، وَحَبِطَ كُلُّ شَيءٍ. قَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَهُوَ عَلَى فِرَاشِ المَوْتِ يَئِنُّ مِنْ طَعْنَتِهِ: "لَا حَظَّ فِي الْإِسْلَامِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ". كَلِمَةٌ صَاعِقَةٌ مِنْ فَارُوقِ الْأُمَّةِ، يُعْلِنُ فِيهَا أَنَّ الَّذِي لَا يُصَلِّي لَا نَصِيبَ لَهُ فِي رَحْمَةِ اللهِ الـمُهْدَاةِ لِلْمُسْلِمِينَ.
لَكِن دَعُونِي أَسأَلُكُم أَيُّهَا الإِخوَةُ: هَل سَأَلتُم أَنفُسَكُم يَومًا لِمَاذَا جَعَلَ اللهُ الصَّلاةَ بِهَذِهِ المَنزِلَةِ العَظِيمَةِ؟ لِمَاذَا فُرِضَتِ الزَّكَاةُ فِي الأَرضِ، وَفُرِضَ الصِّيَامُ فِي الأَرضِ، وَفُرِضَ الحَجُّ فِي الأَرضِ... لَكِن لَمَّا أَرَادَ اللهُ أَن يَفْرِضَ الصَّلاةَ، أَسْرَى بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاوَاتِ العُلَى، حَتَّى سَمِعَ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ، وَكَلَّمَهُ الرَّبُّ جَلَّ جَلَالُهُ مُبَاشَرَةً بِدُونِ وَاسِطَةِ أَمِينِ الوَحْيِ جِبْرِيلَ؟ لِمَاذَا؟!
لِأَنَّ الصَّلَاةَ مَسْأَلَةٌ كَبِيرَةٌ يَا عِبَادَ اللهِ! هِيَ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ. إِذَا قَطَعْتَهُ.. كَيْفَ تَعِيشُ؟! كَيْفَ تَتَنَفَّسُ؟ كَيْفَ يَرْزُقُكَ اللهُ؟ كَيْفَ يُبَارِكُ لَكَ فِي مَالِكَ وَأَوْلَادِكَ وَأَنْتَ هَارِبٌ مِنْهُ مُسْتَكْبِرٌ عَنْ سُجُودِكَ لَهُ؟! قَالَ الإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ كَلِمَةً تُرْعِبُ مَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ: "لَا يَخْتَلِفُ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ عَمْدًا مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ، وَأَنَّ إِثْمَهُ عِنْدَ اللهِ أَعْظَمُ مِنْ إِثْمِ قَتْلِ النَّفْسِ، وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ، وَمِنْ إِثْمِ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ!" يَا لَلْمُصِيبَةِ! كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَرْتَعِدُ إِذَا سَمِعَ أَنَّ فُلَانًا سَرَقَ أَو قَتَلَ، وَلَكِنَّهُ لَا يَرْتَعِدُ إِذَا رَأَى جَارَهُ أَوِ ابْنَهُ لَا يُصَلِّي! مَعَ أَنَّ ذَنبَ تَارِكِ الصَّلاةِ عِندَ المَلِكِ الدَّيَّانِ أَكْبَرُ وَأَشَدُّ.
وَتَأَمَّلُوا مَعِي، يَا مَعَاشِرَ الصَّالِحِينَ، هَذِهِ القِصَّةَ المُؤَثِّرَةَ الَّتِي جَمَعَتْ خُلَاصَةَ حُبِّ النَّبِيِّ ﷺ لِهَذِهِ الْفَرِيضَةِ. حِينَ رَقَدَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى فِرَاشِ الْمَوْتِ، وَاشْتَدَّ بِهِ الْوَجَعُ، وَبَدَأَتْ سَكَرَاتُ الْمَوْتِ تَنْزِلُ بِهِ... بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي ﷺ... مَاذَا كَانَتْ آخِرُ كَلِمَاتِهِ؟ هَل أَوْصَى بِالجُيُوشِ؟ هَل أَوْصَى بِالْأَمْوَالِ وَالكُنُوزِ؟ يَصِفُ لَنَا الصَّحَابَةُ الْمَشْهَدَ، وَهُوَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ بِصُعُوبَةٍ بَالِغَةٍ بَعْدَ أَنْ ثَقُلَ لِسَانُهُ، وَيَقُولُ بِصَوْتٍ خَافِتٍ يَكَادُ يُسْمَعُ: «الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ.. وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه وَأَحْمَدُ). يُكَرِّرُهَا وَيُوصِي بِهَا أُمَّتَهُ وَهُوَ يُفَارِقُ الدُّنْيَا. فَكَيْفَ يَسَعُ مُسْلِمًا يَدَّعِي حُبَّ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يُضَيِّعُ آخِرَ وَصِيَّةٍ لَفَظَهَا بِأَنْفَاسِهِ الْأَخِيرَةِ؟! إِنْ كُنْتَ حَقًّا تُحِبُّ النَّبِيَّ ﷺ، فَلِمَاذَا تَتْرُكُ سُنَّتَهُ وَوَصِيَّتَهُ؟ وَإِنْ كُنْتَ لَا تُحِبُّهُ، فَمَنْ تُحِبُّ إِذَنْ؟!
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، هَلْ سَأَلْتُمْ أَنْفُسَكُمْ يَوْمًا: مَا الَّذِي يَمْنَعُ الشَّابَّ الْقَوِيَّ، أَوِ الرَّجُلَ الصَّحِيحَ الْمُعَافَى فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ مِنْ أَنْ يَرْكَعَ لِلَّهِ؟ خَرَجْتُ ذَاتَ يَوْمٍ أَتَأَمَّلُ أَحْوَالَ النَّاسِ، فَرَأَيْتُ شَابًّا مَفْتُولَ العَضَلَاتِ، يَقِفُ تَحْتَ الشَّمْسِ الحَارِقَةِ فِي أَرْضِهِ، يَقْلِبُ التُّرَابَ، وَيَحْمِلُ الْأَثْقَالَ عَشَرَ سَاعَاتٍ مُتَوَاصِلَةٍ بِلَا تَعَبٍ! شَابٌّ أَعْطَاهُ اللهُ الصِّحَّةَ وَالْعَافِيَةَ. سَمِعَ النِّدَاءَ مِنْ مِئْذَنَةِ المَسْجِدِ يُدَوِّي كَلِمَاتٍ تَشُقُّ عَنَانَ السَّمَاءِ: "حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ.. حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ". فَمَا حَرَّكَ سَاكِنًا، بَلْ مَسَحَ العَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ وَأَكْمَلَ عَمَلَهُ كَأَنَّ النِّدَاءَ لَا يُعْنِيهِ!
سُبْحَانَ اللهِ! هَذَا الشَّابُّ، فِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ... بَلْ رُبَّمَا قَرِيبًا جِدًّا... سَيُؤْتَى بِهِ إِلَى هَذَا الْمَسْجِدِ نَفْسِهِ. سَيُدْخِلُونَهُ عَبْرَ هَذَا الْبَابِ. لَكِنَّهُ لَنْ يَدْخُلَ مَاشِيًا عَلَى قَدَمَيْهِ لِيَرْكَعَ... بَلْ سَيَدْخُلُ مَحْمُولًا عَلَى أَعْنَاقِ الرِّجَالِ دَاخِلَ خَشَبَةٍ جَامِدَةٍ. سَيُوضَعُ فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ الَّذِي هَجَرَهُ عُمُرًا طَوِيلًا، لِيُصَلِّيَ النَّاسُ عَلَيْهِ صَلَاةً لَا رُكُوعَ فِيهَا وَلَا سُجُودَ! دَخَلَ المَسْجِدَ مَيِّتًا لِيُصَلَّى عَلَيْهِ، بَعْدَ أَنْ رَفَضَ أَنْ يَدْخُلَهُ حَيًّا لِيُصَلِّيَ لِلَّهِ! أَيُّ حَسْرَةٍ هَذِهِ؟ أَيُّ خِذْلَانٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَسْجُدَ جَبْهَتُكَ لِلتُّرَابِ رَغْمًا عَنْكَ فِي القَبْرِ، وَقَدْ أَبَيْتَ أَنْ تَسْجُدَ لَهُ طَوْعًا فَوْقَ الْأَرْضِ؟
قَالَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ، يُصَوِّرُ حَسْرَةَ هَؤُلَاءِ فِي الْآخِرَةِ، فِي صُورَةٍ تُرْتَعِدُ لَهَا الْفَرَائِصُ: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۖ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [سورة القلم: 42-43]. تَأَمَّلُوا يَا عِبَادَ اللهِ، يَأْمُرُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالسُّجُودِ... فَيُحَاوِلُونَ أَنْ يَسْجُدُوا فَلَا يَنْحَنِي مِنْهُمْ مِفْصَلٌ! تَصِيرُ ظُهُورُهُمْ طَبَقَةً وَاحِدَةً كَأَنَّهَا الْحَدِيدُ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فِي الدُّنْيَا وَهُمْ فِي صِحَّةٍ وَعَافِيَةٍ، وَهُمْ فِي مَزَارِعِهِمْ وَأَسْوَاقِهِمْ، فَاسْتَكْبَرُوا. فَحُرِمُوا مِنْ لَذَّةِ السُّجُودِ يَوْمَ يَتَمَنَّاهَا الْخَلَائِقُ!
وَاسْمَعُوا لِهَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي إِذَا تَأَمَّلْتُمُوهَا لَنْ تَبْقَوْا كَمَا كُنْتُمْ. يَقُولُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ حِوَارٍ سَيَقَعُ بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [سورة المدثر: 42-43].
لَاحِظُوا... وَهَذِهِ لَطِيفَةٌ عَظِيمَةٌ... أَهْلُ الجَنَّةِ يَسْأَلُونَ أَهْلَ النَّارِ: مَا الَّذِي أَدْخَلَكُمْ جَهَنَّمَ الْمُحْرِقَةَ؟ مَا كَانَتْ إِجَابَتُهُمُ الْأُولَى؟ هَلْ قَالُوا سَرَقْنَا؟ هَلْ قَالُوا قَتَلْنَا؟ هَلْ قَالُوا زَنَيْنَا؟ لَا! أَوَّلُ ذَنْبٍ ذَكَرُوهُ وَهُوَ سَبَبُ هَلَاكِهِمْ الأَكْبَرِ: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾. تَرْكُ الصَّلَاةِ كَانَ بَابَ الْجَحِيمِ الَّذِي دَخَلُوا مِنْهُ إِلَى سَقَرَ الَّتِي لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ.
وَمِنَ الْعَجَائِبِ، أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَقُولُ لَكَ: "أَنَا قَلْبِي طَيِّبٌ، وَأُسَاعِدُ النَّاسَ، وَأُطْعِمُ الْمَسَاكِينَ، فَلَا يَضُرُّنِي أَنِّي لَا أُصَلِّي". وَنَقُولُ لَهُ كَمَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "يَا ابْنَ آدَمَ، إِذَا هَانَتْ عَلَيْكَ صَلَاتُكَ فَمَا الَّذِي يَعِزُّ عَلَيْكَ مِنْ دِينِكَ؟" كَيْفَ يَكُونُ قَلْبُكَ طَيِّبًا وَأَنْتَ قَاطِعٌ لِحَبْلِ الْوِدِّ مَعَ خَالِقِ هَذَا القَلْبِ؟! أَيُّ خَيْرٍ فِيكَ وَأَنْتَ تَأْكُلُ رِزْقَ اللهِ صَبَاحَ مَسَاءَ ثُمَّ لَا تَشْكُرُهُ بِسَجْدَةٍ كَمَا أَمَرَكَ؟! يَقُولُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [سورة النساء: 103]. وَيَقُولُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [سورة العنكبوت: 45]. لَا دِينَ بِلَا صَلَاةٍ، كَمَا أَنَّهُ لَا حَيَاةَ لِلْجَسَدِ بِلَا رَأْسٍ.
عِبَادَ اللهِ، تَفَقَّدُوا أَبْنَاءَكُمْ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ، تَفَقَّدُوا بُيُوتَكُمْ! إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي لَا تُقَامُ فِيهِ الصَّلَاةُ هُوَ بَيْتٌ مَلْعُونٌ، مَنْزُوعُ الْبَرَكَةِ، قَاسِيَةٌ قُلُوبُ أَهْلِهِ، كَثِيرَةٌ مَشَاكِلُهُ! كَمْ مِنْ أَبٍ يَبْكِي مِنْ عُقُوقِ وَلَدِهِ، وَلَوْ سَأَلْتَهُ عَنْ صَلَاةِ وَلَدِهِ لَقَالَ لَكَ: "هُوَ لَا يُصَلِّي". يَا عَبْدَ اللهِ! لَقَدْ تَمَرَّدَ عَلَى خَالِقِهِ وَعَصَاهُ، أَفَتَرْجُو أَنْ يُطِيعَكَ أَنْتَ؟! عَلِّمُوهُمْ حُبَّ السُّجُودِ قَبْلَ أَنْ تُعَلِّمُوهُمْ كَيْفَ يَحْرُثُونَ الْأَرْضَ، فَإِنَّ حَرْثَ الدُّنْيَا يَفْنَى، وَأَمَّا سَجْدَةُ الْفَجْرِ فَهِيَ الْبَاقِيَةُ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
***
🔷 الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ:
عِبَادَ اللهِ، تَحَدَّثْنَا فِي خُطْبَتِنَا الْأُولَى عَنْ عَظَمَةِ الصَّلَاةِ الَّتِي فُرِضَتْ فِي السَّمَاءِ، وَوَقَفْنَا مَعَ خُطُورَةِ تَرْكِهَا وَالْوَعِيدِ الشَّدِيدِ لِمَنْ هَجَرَهَا، ثُمَّ تَدَبَّرْنَا مَشْهَدَ حَسْرَةِ تَارِكِ الصَّلَاةِ يَوْمَ تُقْبَضُ رُوحُهُ وَيُدْخَلُ المَسْجِدَ جُثَّةً هَامِدَةً. وَالْآنَ، نَحْنُ أَمَامَ السُّؤَالِ الأَهَمِّ الَّذِي يُحَدِّدُ مَصِيرَنَا: مَاذَا نَصْنَعُ بِمَا سَمِعْنَا؟ كَيْفَ نُنْقِذُ أَنْفُسَنَا وَأَهْلِينَا قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَانِ؟
وَأُوصِيكُمْ بِخَمْسٍ قَبْلَ أَنْ أَنْزِلَ مِنْ مِنْبَرِي، فَخُذُوهَا بِقُوَّةٍ:
الأُولَى (قَلْبِيَّةٌ): جَدِّدُوا فِي قُلُوبِكُمُ النِّيَّةَ الصَّادِقَةَ لِلتَّوْبَةِ الآنَ، وَلَا تَقُولُوا "سَنُصَلِّي غَدًا"، فَإِنَّ سِلْعَةَ إِبْلِيسَ الرَّائِجَةَ هِيَ التَّسْوِيفُ، وَاللهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مَتَى مَا أَقْبَلْتَ إِلَيْهِ بِصِدْقٍ.
الثَّانِيَةُ (لِسَانِيَّةٌ): أَكْثِرُوا مِنْ دُعَاءِ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ طَوَالَ يَوْمِكُمْ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾، فَإِنَّ هَذَا الدُّعَاءَ حِصْنٌ لَكَ وَلِأَبْنَائِكَ.
الثَّالِثَةُ (عَمَلِيَّةٌ): مَنْ كَانَ قَاطِعًا لِلصَّلَاةِ فَلْيَقُمْ مِنْ مَقَامِهِ هَذَا وَلْيَجْعَلْ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ هَذِهِ بِدَايَةَ عَهْدٍ جَدِيدٍ مَعَ اللهِ، خُطْوَةٌ وَاحِدَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ أُمْنِيَّةٍ نَائِمَةٍ.
الرَّابِعَةُ (اجْتِمَاعِيَّةٌ): إِذَا عُدْتُمْ إِلَى بُيُوتِكُمْ الْيَوْمَ، فَلَا تَسْأَلُوا أَبْنَاءَكُمْ عَنِ الطَّعَامِ أَوَّلًا، بَلِ اسْأَلُوهُمْ عَنِ الصَّلَاةِ! حَمِّسُوهُمْ وَأَيْقِظُوهُمْ كَمَا تُوقِظُونَهُمْ لِلْمَدَارِسِ وَالْمَزَارِعِ.
الخَامِسَةُ (مَوْضُوعِيَّةٌ): لَا تَجْعَلُوا أَسْوَاقَكُمْ وَتِجَارَتَكُمْ وَحُقُولَكُمْ شُغْلًا عَنْ نِدَاءِ اللهِ. إِذَا سَمِعْتُمُ "اللهُ أَكْبَرُ" فَدَعُوا كُلَّ شَيْءٍ، فَإِنَّ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى.
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ هِيَ الَّتِي تَحْمِلُكُمْ عَلَى تَعْظِيمِ شَعَائِرِهِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي وَقْتِهَا.
ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، عَمَلًا بِقَوْلِ رَبِّكُمْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلِّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
🤲 الدعاء
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا وَأَهْلِينَا مِنْ مُقِيمِي الصَّلَاةِ الَّذِينَ لَا يُفَرِّطُونَ فِيهَا حَتَّى نَلْقَاكَ.
اللَّهُمَّ رُدَّ شَبَابَنَا وَأَبْنَاءَنَا إِلَى الْمَسَاجِدِ رَدًّا جَمِيلًا، وَحَبِّبْ إِلَيْهِمُ الْإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِهِمْ، وَكَرِّهْ إِلَيْهِمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ.
اللَّهُمَّ مَنْ كَانَ مِنَّا قَاطِعًا لِلصَّلَاةِ، أَوْ مُتَهَاوِنًا فِيهَا، فَاهْدِ قَلْبَهُ هَذِهِ السَّاعَةَ، وَارْزُقْهُ تَوْبَةً نَصُوحًا تَمْحُو بِهَا مَا سَلَفَ مِنْ تَقْصِيرِهِ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ قَرْيَتَنَا هَذِهِ وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ عَامِرَةً بِذِكْرِكَ، مَلِيئَةً بِرَحْمَتِكَ، وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا الْبَرَكَاتِ فِي أَرْزَاقِنَا وَأَوْلَادِنَا.
اللَّهُمَّ ارْحَمْ أَمْوَاتَنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا إِلَيْكَ، وَاجْعَلْ قُبُورَهُمْ رِيَاضًا مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَاخْتِمْ لَنَا بِخَاتِمَةِ السَّعَادَةِ أَجْمَعِينَ.
عِبَادَ اللهِ، إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ، وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فَاذْكُرُوا اللهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
***
✍️ إِلَى هُنَا تَنْتَهِي الخُطْبَةُ، وَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الخَطِيبُ الكَرِيمُ — فَهَذِهِ مَادَّةٌ صَاغَهَا نَمُوذَجُ ذَكَاءٍ اصْطِنَاعِيٍّ يُعِينُكَ لَا يُغْنِيكَ، وَالخَطَأُ وَارِدٌ فِي كُلِّ نِتَاجٍ آلِيٍّ. فَاقْرَأْهَا قَبْلَ أَنْ تَصْعَدَ، وَحَقِّقْ آيَاتِهَا وَأَحَادِيثَهَا مِنْ مَصَادِرِهَا، وَأَلْبِسْهَا ثَوْبَ تَجْرِبَتِكَ وَبَصْمَةَ قَلْبِكَ وَعَيْشَ لُغَتِكَ. المِنْبَرُ أَمَانَةٌ يَسْأَلُكَ اللهُ عَنْهَا، وَمَا يُلْقَى عَلَيْهِ يَحْمِلُهُ صَاحِبُهُ وَحْدَهُ. وَإِنْ أَرَدْتَ تَطْوِيرَهَا فَاكْتُبْ طَلَبَكَ وَاضِحًا مُفَصَّلًا — فَإِنَّ الإِجَابَةَ بِقَدْرِ السُّؤَالِ.