من مكتبة مِداد الخطيب

سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ... نِدَاءُ السَّمَاءِ لِلْقُلُوبِ الْمُنْكَسِرَةِ

مشاركة
🕌 سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ... نِدَاءُ السَّمَاءِ لِلْقُلُوبِ الْمُنْكَسِرَةِ #خطبة_جمعة #الصلاة #الخشوع #سمع_الله_لمن_حمده #أسماء_الله_الحسنى #السميع #رقائق #إيمانيات الحمدُ للهِ السَّميعِ البَصيرِ، القَريبِ المُجيبِ، الذي يَسمَعُ دَبيبَ النَّملَةِ السَّوداءِ على الصَّخرَةِ الصَّمَّاءِ في اللَّيلَةِ الظَّلماءِ. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ الصَّلاةَ صِلَةً بَينَهُ وبَينَ عِبادِه، يَسمَعُ شَكواهُم، ويَرفَعُ بَلواهُم، ويُجيبُ دُعاءَهُم. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أخشَى النَّاسِ لِرَبِّه، وأقوَمُهُم بَينَ يَدَيهِ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تَسليمًا كَثيرًا. أمَّا بَعدُ: عبادَ الله، جُملَةٌ واحِدَةٌ نُكَرِّرُها في صَلَواتِنا كُلَّ يَومٍ عَشَراتِ المَرَّات. جُملَةٌ تَحفَظونَها جميعًا، وتَنطِقُ بها ألسِنَتُكُم في كُلِّ رَكعَة. لكِنِّي أَعِدُكُم اليَومَ... أنَّكُم بَعدَ أن تَسمَعوا سِرَّ هذه الجُملَةِ، وتَغوصوا في عُمقِها، لَن تَنطِقوا بِها مَرَّةً أُخرَى كما كُنتُم تَنطِقونَها في السَّابِق. سَتَتَغَيَّرُ صَلاتُكُم، وسَيَتَغَيَّرُ وُقوفُكُم، بَل وسَتَتَغَيَّرُ نَظرَتُكُم لِهُمومِكُم كُلِّها. فما هي هذه الجُملَة؟ وما السِّرُّ المَطوِيُّ بَينَ حُروفِها؟ أيُّها الإخوةُ الأحبَّة، تَأمَّلوا مَعي هذا المَشهَدَ الذي يَتَكَرَّرُ في حَياتِكُم كُلَّ يَوم. أنتَ تَقِفُ بَينَ يَدَي رَبِّكَ، ثُمَّ تَركَع. الرُّكوعُ غايَةُ الخُضوع. تَحني ظَهرَكَ، وتُطَأطِئُ رَأسَكَ، وتَستَشعِرُ ضَعفَكَ وقِلَّةَ حيلَتِك. أنتَ في هذه اللَّحظَةِ تُمَثِّلُ الانكِسارَ التَّامَّ لِلخالِقِ جَلَّ جَلالُه. ثُمَّ ماذا يَحدُث؟ يَأمُرُكَ الشَّرعُ أن تَرفَعَ رَأسَكَ. وفي لَحظَةِ الرَّفعِ هذه، لَحظَةِ ارتِفاعِ الظَّهرِ بَعدَ انحِنائِه، وانجِبارِ الكَسرِ بَعدَ خُضوعِه، لا تُكَبِّرُ كما تَفعَلُ في بَقيَّةِ حَرَكاتِ الصَّلاة! بَل تَنطِقُ بِشِعارٍ عَظيمٍ، ونِداءٍ جَليل: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». تَوقَّفوا هُنا. لِماذا «سَمِعَ»؟ ولِماذا في هذا المَوضِعِ تَحديدًا؟ هَل سَأَلتُم أنفُسَكُم يَومًا هذا السُّؤال؟ لماذا لا نَقولُ "اللهُ أكبَر" عِندَ الرَّفعِ مِن الرُّكوع كما نَقولُها عِندَ النُّزولِ إلَيهِ أو النُّزولِ لِلسُّجود؟ إنَّ كَلِمَةَ "سَمِعَ" هُنا، لا تَعني مُجَرَّدَ إدراكِ الصَّوت. فاللهُ سُبحانَهُ وتَعالى يَسمَعُ كُلَّ صَوتٍ؛ يَسمَعُ مَن حَمِدَهُ ومَن كَفَرَ بِه، ويَسمَعُ المُؤمِنَ والكافِر. قالَ تَعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]. لكِنَّ السَّمعَ في قَولِنا «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» هو سَمعُ القَبولِ والإجابَة. المَعنَى: أجابَ اللهُ دُعاءَ مَن حَمِدَه، وتَقَبَّلَ اللهُ ثَناءَ مَن أثنَى عَلَيه. يَقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ مُبَيِّنًا هذا السِّرَّ العَظيم: "السَّمعُ يُرادُ بِهِ سَمعُ القَبولِ والإجابَةِ، كَقَولِ الخَليلِ عليهِ السَّلام: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، أي: مُجيبُهُ وقابِلُه. فَقَولُ المُصَلِّي: سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَهُ، أي: أجابَ اللهُ دُعاءَهُ وقَبِلَ حَمدَه". يا لَعَظَمَةِ هذا الدِّين! أنتَ تَخرُجُ مِن رُكوعِكَ، مِن انحِنائِكَ، فتُعلِنُ لِنَفسِكَ ولِلكَونِ كُلِّهِ أنَّ الخالِقَ العَظيمَ، مَلِكَ المُلوكِ، قَد أقبَلَ عَلَيكَ، وأصغَى إلَيكَ، وتَقَبَّلَ مِنكَ. واسمَعوا إلى هذا الحَديثِ القُدسيِّ الجَليلِ الذي تَقشَعِرُّ لَهُ الأبدانُ وتَرقُصُ لَهُ القُلوب. يَقولُ النَّبيُّ ﷺ فيما يَرويهِ عَن رَبِّهِ عَزَّ وجَلّ: «قَسَمتُ الصَّلاةَ بَيني وبَينَ عَبدي نِصفَينِ، ولِعَبدي ما سَأل... فإذا قالَ: الحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمينَ، قالَ اللهُ تَعالى: حَمِدَني عَبدي» [رواه مسلم]. اللهُ جَلَّ جَلالُهُ يُجيبُكَ أنتَ... أنتَ بِشَخصِكَ، بِاسمِكَ، بِصَوتِكَ الضَّعيف. السَّماواتُ السَّبعُ تُفتَحُ لِصَوتِك، والرَّبُّ العَظيمُ يُعلِنُ في المَلأِ الأعلَى: حَمِدَني عَبدي! أيُّها المُؤمِنون، نَحنُ نَعيشُ اليَومَ في عالَمٍ مُزدَحِمٍ صاخِب. عالَمٌ فيهِ مَلايينُ الحِساباتِ، ومِلياراتُ الصَّفَحاتِ، يَتَكَلَّمُ فيهِ الجَميعُ في نَفسِ اللَّحظَة، ولا أحَدَ يَسمَعُ أحَدًا. كم مِن إنسانٍ يَنامُ في اللَّيلِ ومِلءُ قَلبِهِ هُمومٌ لا يَستَطيعُ أن يَبوحَ بِها لأقرَبِ النَّاسِ إلَيه! يَبتاعُ النَّاسُ المَظاهِرَ، وتَبقَى آلامُ القُلوبِ سِرًّا بَينَ الأضالِع. لكِن عِندَما تَقِفُ في الصَّلاة، وتَقولُ مِن أعمَاقِ قَلبِك: "سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَه"... أنتَ تَتَحَدَّى قَسوَةَ هذا العالَم. أنتَ تُعلِنُ أنَّ هُناكَ سَمعًا لا يَغفُل، وعَينًا لا تَنام. ولِتَعرِفوا مَدَى قُربِ هذا السَّمعِ الإلهيِّ، تَعالَوا نَنتَقِل مَعًا أربَعَةَ عَشَرَ قَرنًا إلى الوَراء. إلى غُرفَةٍ
صَغيرَةٍ في مَكَّة، أو رُبَّما زاوِيَةٍ في المَدينَة. هُناكَ امرَأةٌ ضَعيفَةٌ اسمُها خَولَةُ بِنتُ ثَعلَبَة رَضِيَ اللهُ عَنها. حَصَلَ خِلافٌ بَينَها وبَينَ زَوجِها أوسِ بنِ الصَّامِت، فَظاهَرَ مِنها (أي قَطَعَ عِلاقَتَهُ بِها). ضاقَت بِها الدُّنيا، وجاءَت إلى رَسولِ اللهِ ﷺ تَشتَكي إلَيهِ حالَها، وتُجادِلُه، وتَقول: "يا رَسولَ الله، أكَلَ شَبابي، ونَثَرتُ لَهُ بَطني، حَتَّى إذا كَبِرَ سِنِّي وانقَطَعَ وَلَدي ظاهَرَ مِنِّي! اللَّهُمَّ إنِّي أشكو إلَيك". كانَت أُمُّ المُؤمِنينَ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنها في نَفسِ الغُرفَة، تَغسِلُ شَعرَها أو تَعمَلُ في شَأنِها. والمَكانُ ضَيِّقٌ جِدًّا. تَقولُ عائِشَةُ عَن هذا المَشهَد: "تَبارَكَ الذي وَسِعَ سَمعُهُ كُلَّ شَيء! إنِّي لأسمَعُ كَلامَ خَولَةَ بِنتِ ثَعلَبَةَ ويَخفَى عَلَيَّ بَعضُه، وهي تَشتَكي زَوجَها إلى رَسولِ اللهِ ﷺ... فَما بَرِحَت حَتَّى نَزَلَ جِبريلُ بِهَؤُلاءِ الآيات". أيُّ آيات؟ إنَّها الآياتُ التي تَعرِفونَها في بِدايَةِ سورَةِ المُجادَلَة: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: 1]. يا سُبحانَ الله! عائِشَةُ مَعَها في نَفسِ الحُجرَةِ ولا تَسمَعُ كُلَّ كَلامِها لِشِدَّةِ خُفوتِ صَوتِها وبُكائِها، ورَبُّ العِزَّةِ مِن فَوقِ سَبعِ سَماواتٍ يَسمَعُ شَكواها، ويُنزِلُ قُرآنًا يُتلَى إلى يَومِ القِيامَةِ تَطييبًا لِخاطِرِها! فَيا أيُّها المَهموم... يا مَن غُلِّقَت دونَكَ الأبواب. يا مَن ظَلَمَكَ القَريبُ وتَخَلَّى عَنكَ الصَّديق. يا مَن تَنامُ ودُموعُكَ على وِسادَتِك لا يَعلَمُ بِها أحَد. إذا رَفَعتَ رَأسَكَ مِنَ الرُّكوع وقُلتَ: "سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَه"، فاستَحضِر هذا المَشهَد. استَحضِر أنَّ اللهَ الذي سَمِعَ هَمسَ خَولَةَ مِن فَوقِ السَّماواتِ السَّبع، يَسمَعُ أنينَ قَلبِكَ الآن. ... تَأمَّلوا مَعي هذا السِّرَّ الآخَر. لِماذا قُرِنَ السَّمعُ هُنا بِـ "الحَمد" تَحديدًا؟ لم يَقُل: سَمِعَ اللهُ لِمَن دَعاه، أو سَمِعَ اللهُ لِمَن شَكاه، بَل «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». لأنَّ الحَمدَ في أوقاتِ الرَّخاءِ سَهلٌ يَفعَلُهُ كُلُّ أحَد. لكِنَّ الحَمدَ حَقًّا، الحَمدَ الذي يُزَلزِلُ أبوابَ السَّماء، هو الحَمدُ الذي يَخرُجُ مِن قَلبٍ مَكسور. أن تَكونَ مُبتَلًى في صِحَّتِك، أو مَضيَّقًا عَلَيكَ في رِزقِك، أو مَهمومًا في وَلَدِك... ثُمَّ تَقِفُ بَينَ يَدَيِ الله، تَحني ظَهرَكَ لَه، وتَرفَعُ رَأسَكَ وتَقولُ مِن صَميمِ قَلبِك: الحَمدُ لله. رَبَّنا ولَكَ الحَمد! هذا الحَمدُ، يوجِبُ المَزيدَ والمُكافَأة، لِأنَّ الخالِقَ جَلَّ وعَلا قَد تَعَهَّدَ بِذلِكَ في قَولِه: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]. ومَن حَمِدَ اللهَ وقَد سَمِعَهُ الله، فَماذا يَنتَظِرُ غَيرَ الفَرَجِ والعَطاء؟ واسمَعوا إلى هذا الحَدَثِ العَجيبِ الذي وَقَعَ في مَسجِدِ النَّبيِّ ﷺ. صَلَّى رَسولُ اللهِ ﷺ يَومًا بِالنَّاس، فَلَمَّا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكوعِ وقال: «سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَه»، كانَ هُناكَ صَحابيٌّ جَليلٌ اسمُهُ رِفاعَةُ بنُ رافِعٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يُصَلِّي خَلفَه. لم يَكتَفِ رِفاعَةُ بِأن يَقولَ: رَبَّنا ولَكَ الحَمد، بَل فاضَ قَلبُهُ بِحُبِّ اللهِ وتَعظيمِه، فَقالَ مِن خَلفِ النَّبيِّ ﷺ بِصَوتٍ مَسموع: «رَبَّنا ولَكَ الحَمدُ حَمدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيهِ». انتَهَت الصَّلاة. فالتَفَتَ النَّبيُّ ﷺ إلى أصحابِهِ وقال: «مَنِ المُتَكَلِّم؟». سَكَتَ رِفاعَةُ رَهبَةً! فَأعادَها النَّبيُّ ﷺ: «مَنِ المُتَكَلِّم؟». فَقالَ رِفاعَة: أنا يا رَسولَ الله. أتَدرونَ ماذا قالَ لَهُ الصَّادِقُ المَصدوقُ ﷺ؟ قالَ كَلِمَةً تَقطَعُ نِياطَ القُلوب: «لَقَد رَأيتُ بِضعَةً وثَلاثينَ مَلَكًا يَبتَدِرونَها أَيُّهُم يَكتُبُها أوَّلُ!» [رواه البخاري]. يا لَلعَجَب! كَلِماتٌ بَسيطَة... حَمدٌ خَرَجَ مِن قَلبٍ صادِق. لم يَنتَهِ الصَّحابيُّ مِن نُطقِها حَتَّى فُتِحَت لَها السَّماء، ونَزَلَ أكثَرُ مِن ثَلاثينَ مَلَكًا، كُلُّ واحِدٍ مِنهُم يَتَسابَقُ ويَتَزاحَمُ: أنا أُريدُ أن أصعَدَ بِهذا الحَمدِ إلى رَبِّ العالَمين! لِماذا؟ لأنَّ العَبدَ نَطَقَ بِها في لَحظَةِ اتِّصالٍ مُباشِر: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». فَلَمَّا سَمِعَهُ الله، تَسابَقَت المَلائِكَةُ لِحَملِ هَدِيَّتِه. أيُّها الإخوَةُ الأفاضِل، كم ضَيَّعنا مِن هذه الفَرَحَةِ بِسَبَبِ غَفلَةِ قُلوبِنا! نَركَعُ ونَرفَعُ ونَحنُ نُفَكِّرُ في مَشاغِلِ الدُّنيا. يَنطِقُ اللِّسانُ، والقَلبُ ساهٍ لاهٍ. يَقولُ التَّابِعيُّ الجَليلُ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ الله: "كُلُّ صَلاةٍ لا يَحضُرُ فيها
القَلبُ فهي إلى العُقوبَةِ أسرَع". ويَقولُ الإمامُ ابنُ تَيميَّةَ رَحِمَهُ الله: "الصَّلاةُ حَياةُ القُلوب، ومَن قَتَلَ حَياتَهُ بِالغَفلَةِ فَقَد جَنَى على نَفسِه". إنَّ اللهَ تَعالى يَقولُ في كِتابِه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]. وأيُّ ذِكرٍ أعظَمُ مِن أن يُعلِنَ الإمامُ أو أن تُعلِنَ أنتَ لِنَفسِكَ في الصَّلاة: اللهُ سَمِيعٌ لِمَن يَحمَدُه... فَتَرُدَّ أنتَ بِيَقين: رَبَّنا ولَكَ الحَمد! فَيا كُلَّ مَكروب... ويا كُلَّ مَديون... ويا كُلَّ مَظلوم... ويا كُلَّ مَريض. إذا أثقَلَت كاهِلَكَ الدُّنيا، فاركَع لِرَبِّك. حُطَّ حُمولَتَكَ في رُكوعِك، ثُمَّ ارفَع رَأسَكَ وقُلها مِن أعماقِك: سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَه. حَمِدَهُ في المَرَض، حَمِدَهُ في الفَقر، حَمِدَهُ في الفَقد، حَمِدَهُ في كُلِّ حال. ثِق أنَّ الذي سَمِعَكَ سَيُبدِلُ ضيقَكَ سَعَة، وخَوفَكَ أمنًا. أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنب، فاستَغفِروهُ وتوبوا إلَيه، إنَّهُ هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيهِ كما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضَى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بَعدُ: عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأُولَى مَعَ عَظَمَةِ نِداءِ الرَّفعِ مِنَ الرُّكوع «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، وكَيفَ أنَّها لَيسَت مُجَرَّدَ استِماعٍ لِلصَّوت، بَل هي سَمعُ إجابَةٍ وقَبول. وتَدَبَّرنا كَيفَ تَتَزاحَمُ المَلائِكَةُ لِحَملِ حَمدِ العَبد، وكَيفَ وسِعَ سَمعُ اللهِ شَكوَى خَولَةَ مِن فَوقِ سَبعِ سَماوات. والآن، وبَعدَ أن عَرَفنا هذا السِّرَّ العَظيم، السُّؤالُ الذي يَفرِضُ نَفسَهُ: كَيفَ نُحَوِّلُ هذا الشُّعورَ إلى واقِعٍ نَعيشُهُ اليَوم؟ كَيفَ نُتَرجِمُ حَمدَنا إلى خُطُوات؟ أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري هذا، احفَظوها واعمَلوا بِها: الأُولى (قَلبيَّة): استَحضِر في القَلبِ رَحمَةَ اللهِ وأنتَ تَرفَعُ مِن رُكوعِك. اليَومَ في صَلاةِ الجُمُعَة، أو في صَلاةِ العَصر، عِندَما تَنطِقُ أو تَسمَعُ الإمامَ يَقولُ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، لا تَجعَلها تَمُرُّ مُرورَ الكِرام. استَحضِر في قَلبِكَ شُعورَ المَريضِ الذي يوجَهُهُ الطَّبيبُ لِلشِّفاء، قُل في نَفسِك: رَبِّي يَسمَعُني الآن ويُقِلُّ عَثرَتي، فَيَفيضُ قَلبُكَ بِاليَقين. الثَّانِيَة (لِسانيَّة): جَدِّد في ألفاظِ الحَمد. لا تَقتَصِر عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ وتَجعَلها عادَةً جامِدَة. مَرَّةً قُل: "رَبَّنا ولَكَ الحَمد"، ومَرَّةً قُل ما استَبقَت إلَيهِ المَلائِكَة: "رَبَّنا ولَكَ الحَمدُ حَمدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيه"، ومَرَّةً قُل كَما وَرَدَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ: "مِلءَ السَّماواتِ ومِلءَ الأرضِ ومِلءَ ما بَينَهُما ومِلءَ ما شِئتَ مِن شَيءٍ بَعد". هذا التَّنويعُ يُوقِظُ اللِّسانَ والقَلبَ مَعًا. الثَّالِثَة (عَمَليَّة فِعليَّة): اجعَلِ الحَمدَ مَنهَجَ حَياتِكَ خَارِجَ الصَّلاة. لا يُعقَلُ أن تَقولَ للهِ في المَسجِدِ "رَبَّنا ولَكَ الحَمد"، فإذا خَرَجتَ إلى السُّوقِ أو البَيتِ تَذَمَّرتَ وشَكَوتَ الخالِقَ لِلمَخلوق! المُؤمِنُ الحَقيقيُّ هو الذي إذا رَأى نِعمَةً حَمِد، وإذا رَأى بَلاءً صَبَرَ وحَمِد، فَقَد قالَ ﷺ: «أفضَلُ الدُّعاءِ الحَمدُ لله» [رواه الترمذي]. فليَكُنِ اليَومُ بِدايَةً لِلِسانٍ لا يَفتُرُ عَن شُكرِ النِّعَم. الرَّابِعَة (اجتِماعِيَّة): كَما تَتَمَنَّى أن يَسمَعَكَ اللهُ وأنتَ في قِمَّةِ حُزنِك، كُن سَمعًا لِمُصابِ إخوانِك. إذا شَكا إلَيكَ مَهموم، أو بَكى عِندَكَ مَكروب، أو أرادَكَ والِداكَ لِيَتَحَدَّثا إلَيك... فاستَمِع أوسَعَ الاستِماع، ولا تُقاطِع. مَن كانَ في حاجَةِ أخيهِ، أو واسَى مُنكَسِرًا، كانَ اللهُ في حاجَتِهِ وجَبَرَ كَسرَه. الخامِسَة (مَوضوعيَّة): إيَّاكَ أن تَرفَعَ رَأسَكَ مِن رُكوعٍ أو سُجودٍ وفي قَلبِكَ يَأسٌ مِن إجابَةِ الله. اليَأسُ سوءُ ظَنٍّ بِالرَّبّ. اللهُ سَميعٌ قَريب، ولَو تَأخَّرَت الإجابَةُ فَلِحِكمَةٍ يُدَبِّرُها، ولَطيفٍ صُنعٍ يُهَيِّئُه. ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: 62]. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ مَن عَرَفَ اللهَ بِأسمائِهِ وصِفاتِه، وعاشَ مَعاني صَلاتِه، هانَت عَلَيهِ مَتاعِبُ الدُّنيا الدَّنِيَّة. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلاةِ عَلَيهِ فَقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا
تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحَمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن تَبِعَهُم بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين. 🤲 الدعاء: اللَّهُمَّ يا سَميعَ الدُّعاء، يا مُجيبَ المُضطَرِّين، يا قَريبًا مِمَّن دَعاه... إنَّا حَمِدناكَ فاقبَل حَمدَنا، وسَألناكَ فَلا تَرُدَّ أيديَنا. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن إذا قامَ بَينَ يَدَيكَ خَشَعَ قَلبُه، وإذا ذَكَرَكَ فاضَت عَينُه، وإذا حَمِدَكَ فُتِحَت لَهُ أبوابُ سَماواتِك. اللَّهُمَّ لا تَجعَلنا مِنَ الغافِلينَ في صَلَواتِنا، وارزُقنا لَذَّةَ المُناجاةِ، وحَلاوَةَ القُربِ مِنك. اللَّهُمَّ إنَّا نَشكو إلَيكَ ضَعفَ قُوَّتِنا، وقِلَّةَ حيلَتِنا. اللَّهُمَّ مَن كانَ مِنَّا مَهمومًا فَفَرِّج هَمَّه، ومَن كانَ مَديونًا فاقضِ دَينَه، ومَن كانَ مَريضًا فاشفِهِ وعافِه، ومَن كانَ مَكسورَ القَلبِ فاجبُر كَسرَهُ جَبرًا يَليقُ بِعَظَمَتِك. اللَّهُمَّ أصلِح أحوالَ المُسلِمينَ في كُلِّ مَكان، واحفَظ إخوانَنا المُستَضعَفينَ والمَظلومين، اللَّهُمَّ كُن لَهُم مُعينًا ونَصيرًا، واكشِف عَنِ الأُمَّةِ الغُمَّة. اللَّهُمَّ اغفِر لِآبائِنا وأُمَّهاتِنا، وارحَمهُم كَما رَبَّونا صِغارًا. اللَّهُمَّ اختِم بِالصَّالِحاتِ أعمالَنا، وتَوَفَّنا وأنتَ راضٍ عَنَّا غَيرَ غَضبان. عِبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربَى، ويَنهَى عَنِ الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.