🕌 صلاةُ الفجرِ.. مِيزانُ القُلوبِ ومِفتاحُ اليَوم
#خطبة_جمعة #صلاة_الفجر #فضل_الصلاة #المحافظة_على_الصلاة #إيمانيات #رقائق
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ اللَّيلَ لِباسًا والنَّهارَ مَعاشًا، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَه، جَعَلَ صَلاةَ الفَجرِ مِيزانًا لِلقُلوبِ، وفُرقانًا بَينَ الإيمانِ الصَّادقِ والنِّفاقِ، وأشهَدُ أنَّ نَبيَّنا محمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، أندَى العالَمينَ صَوتًا بالقُرآنِ في غَسَقِ الدُّجى، وأعظَمُهُم شَوقًا للوُقوفِ بَينَ يَدَي رَبِّهِ إذا نامَتِ العُيون، صلَّى اللهُ عَليهِ وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تَسليمًا كَثيرًا.
أمَّا بَعد:
أَيُّها المُسلِمون، دَعوني أبدَأُ مَعكُم اليَومَ بتَساؤلاتٍ تَقُضُّ المَضاجِع وتَهُزُّ الوِجدان: هذهِ الفَريضَةُ التي هِيَ مِن أعظَمِ فَرائضِ الإسلام.. كَيفَ حالُنا مَعَها اليَوم؟ أيُعقَلُ أن نَنامَ عَنها يَومًا بَعدَ يَوم، وكَأنَّ شَيئًا لَم يَكُن؟ أيُعقَلُ أن تَمتَلِئَ شَوارعُنا وطُرُقاتُنا في السَّابِعَةِ صَباحًا سَعيًا خَلفَ الرِّزقِ والدُّنيا والدِّراسَة، بَينَما تَبكي مَساجِدُنا في الرَّابِعَةِ والنِّصفِ فَجرًا مِن قَسوَةِ الهَجرِ وخُلُوِّ الصُّفوف؟ كَيفَ نأمَنُ مَكرَ اللهِ ونَحنُ نَرُدُّ نِداءَهُ كُلَّ يَوم: "الصَّلاةُ خَيرٌ مِنَ النَّوم"، فَنَختارُ النَّومَ على الوُقوفِ بَينَ يَدَيِ المَلِكِ الجَبَّار؟!
يا عِبادَ الله، إنَّ صَلاةَ الفَجرِ لَيسَت مُجَرَّدَ رَكَعاتٍ تُؤَدَّى في بِدايَةِ اليَوم، بَل هيَ "مِقياسُ الحَرارَةِ" الحَقيقيُّ لإيمانِ العَبد. لَقَد سَمَّاها اللهُ قُرآنًا، فَقالَ سُبحانَهُ في مُحكَمِ التَّنزيل: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: 78].
تَأمَّلوا هَذا الوَصفَ الرَّبَّانيَّ العَجيب.. لم يَقُل "صَلاةَ الفَجر"، بَل قالَ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾. ولماذا؟ لِأنَّ المَلائِكَةَ، مَلائِكَةَ اللَّيلِ ومَلائِكَةَ النَّهارِ، يَجتَمِعونَ في هَذِهِ اللَّحظَةِ لِيَشهَدوا قِراءَتك، ولِيَكتُبوا اسمَكَ في دِيوانِ الصَّادقين. فَأينَ اسمُكَ في ذَلكَ الدِّيوان؟
إنَّ تَركَ الفَجرِ أو النَّومَ عَنها لَيسَ خَطَأً بَسيطًا نَستَغفِرُ مِنهُ ونَمضي، بَل هُوَ جَرَسُ إنذارٍ مُخيفٍ يَدُقُّ في عُمقِ القَلب. واسمَعوا لِهَذا الحَديثِ الَّذي يَجعَلُ المُؤمِنَ يَرتَجِف. قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «أَثقَلُ الصَّلَاةِ علَى المُنَافِقِينَ صَلَاةُ العِشَاءِ، وصَلَاةُ الفَجْرِ، ولو يَعْلَمُونَ ما فِيهِما لَأَتَوْهُما ولو حَبْوًا» (متفق عليه).
يا لَلَّهِ العَجَب! الرَّسولُ ﷺ لا يَتَحَدَّثُ عَنِ العُصاة، بَل يَتَحَدَّثُ عَن "المُنافِقين". هَكَذا كانَ الصَّحابَةُ رِضوانُ اللهِ عَليهِم يَزِنونَ الرِّجال. قالَ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رَضيَ اللهُ عَنه: "ولَقَد رَأَيتُنا وما يَتَخَلَّفُ عَنها إلَّا مُنافِقٌ مَعلومُ النِّفاق، أو مَريض". هَل نُدرِكُ حَجمَ الكارِثَة؟ أنَّ الَّذي يَنامُ عَن صَلاةِ الفَجرِ مُتَعَمِّدًا قَد شابَهَ المُنافِقينَ في أظهَرِ صِفاتِهِم؟
دَعوني أنقُلُكُم لِلَحظَةٍ، إلى قِصَّةٍ تَهتَزُّ لَها الجِبال، قِصَّةٍ لِرَجُلٍ عَرَفَ قَدرَ هَذِهِ الصَّلاة، حتَّى والمَوتُ يُحيطُ بِه.
إنَّهُ أميرُ المُؤمِنينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عَنه. طُعِنَ عُمَرُ بخِنجَرٍ مَسمومٍ في صَلاةِ الفَجر، نَزَفَ دَمُهُ، وغابَ عَنِ الوَعي، وحَمَلَهُ الصَّحابَةُ إلى بَيتِه. بَقِيَ في غَيبوبَتِهِ طَويلًا، والناسُ يَبكونَ حَولَه، يُحاوِلونَ إيقاظَهُ فَلا يَستَيقِظ. حَتَّى قالَ بَعضُهُم: "إن كُنتُم تُريدونَ أن توقِظوه، فَاذكُروا لَهُ الصَّلاة، فَإنَّهُ لا يُوقِظُهُ شَيءٌ كالصَّلاة".
فاقترَبوا مِنهُ وهُوَ في سَكَراتِ المَوتِ والجِراحِ تَنزِف، وصرخوا في أذنه: "يا أميرَ المُؤمِنين، الصَّلاة! قَد أسفَرَ الصُّبح!".
فَماذا حَدَث؟ فَتَحَ عُمَرُ عَينَيهِ المُثقَلَتَينِ، والمَوتُ يَدنو مِنه، وقالَ كَلِمَتَهُ الخالِدَة: "نَعَم، ولا حَظَّ في الإسلامِ لِمَن تَرَكَ الصَّلاة". ثُمَّ تَوَضَّأَ وصَلَّى وجُرحُهُ يَثعَبُ دَمًا!
سُبحانَ الله! رَجُلٌ مَطعون، أمعاؤُهُ مُمَزَّقَة، ودَمُهُ يَسيل، ويَخافُ أن تَفوتَهُ الصَّلاة. ونَحنُ اليَوم، في كامِلِ صِحَّتِنا، في أسِرَّتِنا الوَثيرَة، تَحتَ أغطِيَتِنا الدَّافِئَة، نَسمَعُ النِّداءَ يَشُقُّ عِنانَ السَّماءِ: "حَيَّ عَلى الصَّلاة"، فَنَمدُّ أيديَنا.. لا لِنَتَوَضَّأ، بَل لِنُسكِتَ المُنَبِّهَ ونَعودَ لِلنَّوم! فأيُّ عُذرٍ لَنا بَينَ يَدَيِ الله؟
يا مَعاشِرَ المُصَلِّين، إنَّ التَّخَلُّفَ عَنِ الفَجرِ لَيسَ مُشكلَةً في الأجسادِ الَّتي تَعِبَت، بَل هيَ مُشكلَةٌ في القُلوبِ الَّتي قَسَت.
يقولُ اللهُ تَعالى كاشِفًا هَذا السِّرَّ الرَّهيب: ﴿وَلَوْ
أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة: 46].
آيةٌ تَجعَلُ القَلبَ يَرتَجِف! ﴿كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ﴾.. هَل تَخَيَّلتَ يَومًا أنَّ نَومَكَ عَن صَلاةِ الفَجرِ لَيسَ لِأنَّكَ مُرهَق، بَل لِأنَّ ذُنوبَكَ قَيَّدَتك، ولِأنَّ اللهَ لم يُرِدْ أن يَسمَعَ صَوتَكَ في ذَلكَ الوَقتِ المُبارَك؟
جاءَ رَجُلٌ إلى الحَسَنِ البَصريِّ رَحِمَهُ اللهُ يَشكو حالَه، قال: "يا أبا سَعيد، إنِّي أبيتُ مُعافًى، وأُحِبُّ قيامَ اللَّيلِ وصلاةَ الفَجر، وأُعِدُّ طَهوري، فَما بالي لا أقوم؟". فنَظَرَ إليهِ الحَسَنُ نَظرَةَ الطَّبيبِ الخَبيرِ بأدواءِ القُلوب، وقال: "يا ابنَ أخي، قَيَّدَتكَ خَطاياك!".
ومِنَ العَجائِبِ في زَمانِنا، أنَّ الشَّابَّ أو الرَّجُلَ مِنَّا ضَبَطَ مَواعيدَ حَياتِهِ كُلَّها بِمِيزانِ الذَّهَب، إلَّا مَوعِدَهُ مَعَ الله. لَو أنَّ لِأحَدِنا رِحلَةَ طَيَرانٍ في الرَّابِعَةِ فَجرًا، لَضَبَطَ ثَلاثَةَ مُنَبِّهات، ولَأَوصى أهلَ البَيتِ بإيقاظِه، ولَرُبَّما لم يَنَمْ لَيلَتَهُ قَلَقًا مِن أن تَفوتَهُ الطَّائِرَة. لَو أنَّ طالِبًا عِندَهُ اختِبارٌ مَصيريٌّ، أو مُوَظَّفًا عِندَهُ مَوعِدٌ مَع مُديرِهِ يَتَرَتَّبُ عليه تَرقيَة، لَوَجَدتَهُ واقِفًا عَلى قَدَمَيهِ قَبلَ المَوعِدِ بِساعَة.
يَقولُ اللهُ تَعالى مُعاتِبًا هَذا الصِّنفَ مِنَ البَشَر: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: 16-17]. فَيا لَلحَسرَة! نَثِقُ بِمُديرِ شَرِكَةٍ ونَخافُ مِن خَصمِ رَواتِبِنا، ولا نَثِقُ بوَعدِ خالِقِ السَّماواتِ والأرضِ ولا نَخافُ مِن خَصمِ حَسَناتِنا!
يا عِبادَ الله، ألا تَتَفَكَّرونَ فيما يَخسَرُهُ النَّائِمُ عَن صَلاةِ الفَجر؟
لَقَد خَسِرَ الحِفظَ والأمانَ الرَّبَّاني. قالَ النَّبيُّ ﷺ: «مَن صَلَّى الصُّبحَ فَهوَ في ذِمَّةِ الله» (رواه مسلم). في ذِمَّةِ اللهِ! أي في حِفظِهِ وَعِنايَتِهِ وضَمانِه. النَّائِمُ عَنِ الفَجرِ يَخرُجُ مِن بَيتِهِ مَكشوفًا، بِلا حِمايَةٍ مِن رَبِّ العالَمين، قَد رَفَعَ اللهُ عَنهُ غِطاءَ الأمان.
وخَسِرَ النُّورَ التَّامَّ يَومَ تَدلَهِمُّ الخُطوبُ عَلى الصِّراط. قالَ الصَّادِقُ المَصدوقُ ﷺ: «بَشِّرِ المَشَّائينَ في الظُّلَمِ إلى المَساجِدِ، بالنُّورِ التَّامِّ يَومَ القِيامَة» (رواه أبو داود). تَخَيَّلوا تِلكَ الشَّوارِعَ المُظلِمَةَ البارِدَة، عِندَما تَخرُجُ مِن بَيتِكَ تَجُرُّ خُطاكَ إلى المَسجِد، كُلُّ خُطوَةٍ في ذَلكَ الظَّلامِ تَتَحَوَّلُ إلى نُورٍ يَسطَعُ بَينَ يَدَيكَ يَومَ لا يَنفَعُ مالٌ ولا بَنون.
بَل واسمَعوا لِهَذِهِ الخَسارَةِ الَّتي تَقصِمُ الظَّهر. النَّائِمُ عَنِ الفَجرِ قَد سَمَحَ لِلشَّيطانِ أن يَعقِدَ عَلى رَأسِهِ، وأن يَبولَ في أُذُنِه! قالَ ﷺ: «يَعقِدُ الشَّيطانُ على قافِيَةِ رَأسِ أحَدِكُم إذا هُوَ نامَ ثَلاثَ عُقَد... فَإنِ استَيقَظَ فَذَكَرَ اللهَ انحَلَّت عُقدَة، فَإن تَوَضَّأ انحَلَّت عُقدَة، فَإن صَلَّى انحَلَّت عُقدَة، فَأصبَحَ نَشيطًا طَيِّبَ النَّفس، وإلَّا أصبَحَ خَبيثَ النَّفسِ كَسلان» (متفق عليه).
وقد ذُكِرَ عِندَ النَّبيِّ ﷺ رَجُلٌ نامَ لَيلَهُ حَتَّى أصبَح، فَقالَ ﷺ بِكُلِّ وُضوح: «ذاكَ رَجُلٌ بالَ الشَّيطانُ في أُذُنَيه» (متفق عليه). أيُّ هَوانٍ بَعدَ هَذا الهَوان؟ أن يَجعَلَ الشَّيطانُ رأسَ المُسلِمِ مَرحاضًا لَهُ لِأنَّهُ استَسلَمَ لِفِراشِه؟
يا مَن آمنوا بِالله، إنَّ عُذرَ النَّومِ والتَّعَبِ عُذرٌ واهٍ لا يَصمُدُ أمامَ حَقائِقِ الشَّرع.
جاءَ رَجُلٌ أعمى، يَتَعَثَّرُ في الطُّرُقات، لَيسَ لَهُ قائِدٌ يَقودُهُ إلى المَسجِد، المَدينَةُ مُظلِمَة، والهَوامُّ والسِّباعُ في طَريقِه. مَن هُو؟ إنَّهُ عَبدُ اللهِ بنُ أُمِّ مَكتوم رَضيَ اللهُ عَنه. يَأتي يَطلُبُ رُخصَةً مِن رَسولِ اللهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ في بَيتِه. فَيَسألُهُ النَّبيُّ ﷺ سُؤالًا واحِدًا، سُؤالًا يَقطَعُ حُجَّةَ كُلِّ مُتَخاذِل: «هل تَسمَعُ النِّداءَ بالصَّلاة؟». قالَ: نَعَم. قالَ ﷺ: «فَأَجِب» (رواه مسلم).
نَبيُّ الرَّحمَةِ ﷺ لم يَرحَم عَمى ابنِ أُمِّ مَكتوم ولا ضَعفَهُ أمامَ عَظَمَةِ صَلاةِ الجَماعَةِ في الفَجر. فَما عُذرُ الشَّابِّ الصَّحيحِ، المُعافى في بَدَنِه، الَّذي يَملِكُ سَيَّارَةً ويَسكُنُ عَلى بُعدِ خُطُواتٍ مِنَ المَسجِد، ثُمَّ يَنام؟!
إخوَتي الكِرام، يَقولُ اللهُ تَعالى، وهُوَ يُصَوِّرُ لَنا خَطَرَ التَّفريطِ في الصَّلاة: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59]. وإضاعَةُ الصَّلاةِ لَيسَت فَقَط تَركَها بالكُلِّيَّة، بَل إخراجَها عَن وَقتِها. كَيفَ يَطيبُ لِمُسلِمٍ أن تَطلُعَ الشَّمسُ ولَم
يَسجُد لِرَبِّهِ سَجدَة؟ كيفَ يَبنِي حَياتَهُ عَلى مَعصِيَةٍ في أوَّلِ ساعَةٍ مِن نَهارِه؟
يَقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله: "نَومُ الصُّبحَةِ يَمنَعُ الرِّزق، لِأنَّ ذَلكَ وَقتٌ تُقسَمُ فيهِ الأرزاق".
فَيا مَن غَرَّتهُ الدُّنيا، ويا مَن ألهَتهُ الشَّهَوات، ويا مَن غَلَبَهُ النَّوم! أفيقوا قَبلَ فَواتِ الأوان. لا يَكونَنَّ فِراشُكَ أغلَى عِندَكَ مِن مَرضاةِ رَبِّك. إنَّ رَكعَتَيِ الفَجرِ سُنَّةً، قالَ عَنها النَّبيُّ ﷺ: «رَكعَتا الفَجرِ خَيرٌ مِنَ الدُّنيا وما فيها» (رواه مسلم). رَكعَتا السُّنَّةِ خَيرٌ مِنَ الكُرَةِ الأرضيَّةِ بِما حَوَت مِن ذَهَبٍ وقُصورٍ ومَناصِب.. فَكَيفَ بِالفَريضَة؟!
أقولُ قَولي هَذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فاستَغفِروهُ إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيهِ كما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ محمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، صلَّى اللهُ عَليهِ وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين.
أمَّا بَعد:
عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأُولى عَن فَضيحَةِ التَّخَلُّفِ عَن صَلاةِ الفَجر، ووَقَفنا مَع المِيزانِ الحَقيقيِّ الَّذي يَفصِلُ بَينَ الإيمانِ والنِّفاق. وعَرَفنا كَيفَ كانَ حِرصُ الصَّحابَةِ عَلَيها حَتَّى في سَكَراتِ المَوت، وكَيفَ نَخسَرُ في نَومِنا حِفظَ اللهِ ونُورَ يَومِ القِيامَة. والآنَ، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ الأَهَم: كَيفَ نُتَرجِمُ هَذا الألَمَ إلى واقِعٍ يُغَيِّرُ حَياتَنا اليَوم؟
أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري:
الأُولى (قَلبيَّة): جَدِّد نيَّتَكَ الصَّادِقَةَ عِندَ وَضعِ رَأسِكَ عَلى الوِسادَة. اطلُب مِنَ اللهِ بصِدقٍ أن يُوقِظَك. اللهُ يَعلَمُ خائِنَةَ الأعيُنِ، ويَعلَمُ مَن يَنامُ وهُوَ يَنتَظِرُ الفَجر، ومَن يَنامُ وهُوَ يَتَمَنَّى أن تَفوتَه.
الثَّانِيَة (لِسانيَّة): حافِظ عَلى أذكارِ النَّوم، واستَغفِرِ اللهَ كَثيرًا قَبلَ أن تَنام. فالذُّنوبُ هيَ الَّتي تُقَيِّدُ الأجسادَ عَنِ الطَّاعَة. مَن نامَ عَلى طَهارَةٍ وذِكرٍ، أيقَظَتهُ المَلائِكَة.
الثَّالِثَة (عَمَليَّة): اتَّخِذِ الأسبابَ المادِّيَّةَ ولا تَكُن عاجِزًا. اضبِط مُنَبِّهَك، ضَعهُ بَعيدًا عَن سَريرِك لِتُضطَرَّ لِلقِيام، وبادِر بِالنَّومِ المُبَكِّر. السَّهَرُ عَلى الهَواتِفِ والشَّاشاتِ إلى ما بَعدَ مُنتَصَفِ اللَّيلِ هُوَ السَّارِقُ الأوَّلُ لِصَلاةِ الفَجر.
الرَّابِعَة (اجتِماعِيَّة): كُن حارِسًا لِأهلِ بَيتِك. أوقِظ زَوجَتَك، وأوقِظ أبناءَك، ولا تَرحَمهُم في النَّومِ وتَترُكهُم لِنارِ الآخِرَة. يَقولُ اللهُ تَعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: 132].
الخامِسَة (مَوضوعيَّة): إذا غَلَبَتكَ عَينُكَ يَومًا بِغَيرِ قَصدٍ ولا إهمال، فَيا عَبدَ الله، إذا استَيقَظتَ، فَقُم فَزِعًا مَذعورًا! صَلِّها في وَقتِ استيقاظِكَ واستَغفِر رَبَّك، واشعُر بمَرارَةِ الفَوات. مَن شَعَرَ بِمَرارَةِ الذَّنبِ، عَصَمَهُ اللهُ مِنهُ في اليَومِ التَّالي.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ تَقوى اللهِ هيَ الَّتي تَحفَظُ لَكُم مَقامَكُم بَينَ يَدَيهِ في جَوفِ اللَّيلِ والفَجر.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَليه، عَمَلًا بِقَولِ رَبِّكُم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك عَلى عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحَمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ، ومَنِ اتَّبَعَهُ بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين.
🤲 الدعاء
اللَّهُمَّ اجعَلنا مِن أهلِ الفَجرِ، الَّذينَ هُم في ذِمَّتِكَ، المَشمولينَ بِرَحمَتِكَ وعِنايَتِك.
اللَّهُمَّ أيقِظ قُلوبَنا مِن غَفلَتِها، وأيقِظ أجسادَنا لِطاعَتِك.
اللَّهُمَّ حَبِّب إلَينا الإيمانَ وزَيِّنهُ في قُلوبِنا، وكَرِّه إلَينا الكُفرَ والفُسوقَ والعِصيان.
اللَّهُمَّ لا تَحرِمنا لَذَّةَ الوُقوفِ بَينَ يَدَيك، ولا تَجعَلنا مِنَ المَحرومينَ المَطرودينَ عَن بابِك.
اللَّهُمَّ ارزُقنا نُورًا في وُجوهِنا، ونُورًا في قُلوبِنا، ونُورًا نَمشي بِهِ يَومَ العَرضِ عَلَيك.
اللَّهُمَّ أصلِح أحوالَ المُسلِمينَ عامَّة، ورُدَّنا ورُدَّ شَبابَنا إلى بُيوتِكَ رَدًّا جَميلًا.
عِبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عَنِ
الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.