من مكتبة مِداد الخطيب

آفَاتُ اللِّسَانِ وَخَطَرُ الكَلِمَةِ فِي الإِسْلَامِ: كَيْفَ تَحْفَظُ جَوَارِحَكَ مِنَ الغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالكَذِبِ وَشَهَادَةِ الزُّورِ؟

مشاركة
آفَاتُ اللِّسَانِ وَخَطَرُ الكَلِمَةِ فِي الإِسْلَامِ: كَيْفَ تَحْفَظُ جَوَارِحَكَ مِنَ الغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالكَذِبِ وَشَهَادَةِ الزُّورِ؟ الحَمدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ الإِنسَانَ فِي أَحسَنِ تَقوِيمٍ، وَشَقَّ لَهُ السَّمعَ وَالأَبصَارَ وَالأَفئِدَةَ فَضلاً مِنهُ وَنِعمَةً، وَعَلَّمَهُ البَيَانَ تَشرِيفًا لَهُ وَتَكرِيمًا، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَأَشكُرُهُ عَلَى آلَائِهِ الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الرَّقِيبُ عَلَى الضَّمَائِرِ وَالسَّرَائِرِ، المُحصِي عَلَى العِبَادِ مَا يَلفِظُونَ مِنَ الكَلِمِ وَمَا تُكِنُّهُ الخَوَاطِرُ، القَائِلُ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]. وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أَصدَقُ النَّاسِ لَهجَةً، وَأَعفُّهُم لِسَانًا، وَأَنقَاهُم جَنَانًا، وَأَعظَمُهُم لِحُرمَةِ المُؤمِنِ رِعَايَةً وَصِيَانَةً، القَائِلُ فِيمَا صَحَّ عَنهُ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ الَّذِينَ صَانُوا أَلسِنَتَهُم عَنِ الخَنَا وَالبُهتَانِ، وَعَمَرُوا أَوقَاتَهُم بِالذِّكرِ وَتِلَاوَةِ القُرآنِ، وَعَلَى مَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. أَمَّا بَعدُ: فَيَا عِبَادَ اللهِ، اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى حَقَّ التَّقوَى، وَاستَمسِكُوا مِنَ الإِسلَامِ بِالعُروَةِ الوُثقَى، وَاعلَمُوا أَنَّ أَجسَادَكُم وَجَوَارِحَكُم وَدَائِعُ استَودَعَكُمُ اللهُ إِيَّاهَا، وَأَمَانَاتٌ سَتُسأَلُونَ عَنهَا يَومَ تَشهَدُ الأَعضَاءُ عَلَى أَصحَابِهَا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71]. أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: هَل تَأَمَّلَ أَحَدُنَا يَومًا فِي هَذَا الجَسَدِ العَجِيبِ الَّذِي يَحمِلُهُ بَينَ جَنبَيهِ؟ عَينَانِ تُبصِرَانِ، وَأُذُنَانِ تَسمَعَانِ، وَيَدَانِ تَبطِشَانِ، وَرِجلَانِ تَسعَيَانِ، وَلِسَانٌ يَنطِقُ وَيُبِينُ، وَقَلبٌ يَعقِلُ وَيَتَدَبَّرُ! إِنَّ جَوَارِحَ الإِنسَانِ لَهيَ مِن أَجَلِّ نِعَمِ اللهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ، وَمِن أَعظَمِ مِنَنِهِ الَّتِي امْتَنَّ بِهَا عَلَى بَنِي آدَمَ حِينَ أَخرَجَهُم إِلَى هَذِهِ الدُّنيَا لَا يَملِكُونَ شَيئًا، كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: 78]. وَإِنَّ حَقِيقَةَ الشُّكرِ لِهَذِهِ النِّعَمِ لَا تَكُونُ بِمُجَرَّدِ كَلِمَةٍ تَجرِي عَلَى الشِّفَاهِ، بَلِ الشُّكرُ الحَقُّ هُوَ صَرفُ النِّعمَةِ فِيمَا يُحِبُّهُ المُنْعِمُ سُبحَانَهُ؛ فَمَنِ استَعمَلَ جَوَارِحَهُ بِطَاعَةِ اللهِ، وَزَيَّنَهَا بِمَحَابِّهِ، وَكَفَّهَا عَن مَحَارِمِهِ، فَقَد شَكَرَ النِّعمَةَ وَحَفِظَ الحُرمَةَ، وَصَانَ الأَمَانَةَ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا إِلَى رَبِّهِ يَومَ القِيَامَةِ بَيضَاءَ نَقِيَّةً. وَعَلَى الضِّدِّ مِن ذَلِكَ -يَا عِبَادَ اللهِ- فَمَن أَطلَقَ جَوَارِحَهُ فِي مُخَالَفَةِ أَمرِ اللهِ، وَأَهمَلَهَا فِي مَرَاتِعِ الهَوَى، وَأَضَاعَهَا وَلَم يَحفَظهَا، فَقَد كَفَرَ نِعمَةَ اللهِ فِيهَا، وَبَدَّلَ نِعمَةَ رَبِّهِ كُفرًا، وَاستَعَانَ بِعَطَايَا المَولَى عَلَى مُبَارَزَتِهِ بِالمَعَاصِي! وَأَيُّ خُسرَانٍ أَعظَمُ مِن أَن تَنقَلِبَ جَوَارِحُ الإِنسَانِ -الَّتِي كَانَ يَظُنُّهَا طَوعَ أَمرِهِ فِي الدُّنيَا- إِلَى شُهُودِ إِدَانَةٍ تَنطِقُ عَلَيهِ فِي مَحكَمَةِ العَدلِ الإِلَهِيِّ؟ قَالَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]، وَقَالَ سُبحَانَهُ فِي مَشهَدٍ تَنخلِعُ لَهُ القُلُوبُ: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ۝ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: 20-21]. قَالَ التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ يُونُسُ بنُ عُبَيدٍ رَحِمَهُ اللهُ: «إِنَّكَ لَو سَأَلتَ الرَّجُلَ: كَيفَ أَصبَحتَ؟ يَقُولُ: أَشكُو عَينِي، أَو أَشكُو رَأسِي، وَلَا تَرَاهُ يَشكُو ذُنُوبَهُ، وَلَو عَقَلَ لَعَلِمَ أَنَّ شُؤمَ الجَوَارِحِ فِي مَعصِيَةِ اللهِ أَعظَمُ مِن وَجَعِ الأَبدَانِ!». إِخوَةَ الإِيمَانِ: وَإِنَّ مِن أَعظَمِ الجَوَارِحِ الَّتِي أَنعَمَ اللهُ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ جَارِحَةَ اللِّسَانِ؛ تِلكَ المَضغَةَ الصَّغِيرَةَ فِي حَجمِهَا، العَظِيمَةَ فِي أَثرِهَا وَجُرمِهَا! فَاللِّسَانُ آيَةٌ مِن آيَاتِ اللهِ البَاهِرَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ۝ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ۝ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 8-10]، وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿الرَّحْمَنُ ۝ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ۝ خَلَقَ الْإِنْسَانَ ۝ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: 1-4]. فِي هَذَا اللِّسَانِ خَيرٌ كَبِيرٌ وَنَفعٌ كَثِيرٌ لِمَن حَفِظَهُ وَزَمَّهُ بِزِمَامِ التَّقوَى وَاستَعمَلَهُ فِيمَا خُلِقَ لَهُ، وَفِيهِ شَرٌّ كَثِيرٌ وَضَرَرٌ عَظِيمٌ وَبَلَاءٌ مُستَطِيرٌ لِمَن أَضَاعَهُ وَأَطلَقَ عِنَانَهُ وَاستَعمَلَهُ فِي غَيرِ مَا خُلِقَ لَهُ! فَبِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يَدخُلُ العَبدُ فِي دِينِ اللهِ فَيَنَالُ الفِردَوسَ الأَعلَى، وَبِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يَخرُجُ مِنَ المِلَّةِ أَو يَهوِي فِي دَرَكَاتِ الجَحِيمِ! لَقَد خَلَقَ اللهُ تَعَالَى اللِّسَانَ لِلعَبدِ لِغَايَةٍ شَرِيفَةٍ وَحِكمَةٍ بَالِغَةٍ؛ خَلَقَهُ لِيُكثِرَ بِهِ مِن ذِكرِ رَبِّهِ وَتَسْبِيحِهِ وَتَحمِيدِهِ، وَلِيَتلُوَ بِهِ كِتَابَهُ المَجِيدَ آنَاءَ اللَّيلِ وَأَطرَافَ النَّهَارِ، وَلِيَأْمُرَ بِهِ بِالمَعرُوفِ وَيَنهَى عَنِ المُنكَرِ، وَيُصلِحَ بِهِ بَينَ النَّاسِ، وَلِيُظهِرَ بِهِ مَا فِي ضَمِيرِهِ مِن حَاجَاتِ دِينِهِ وَدُنيَاهُ الَّتِي لَا تَقُومُ مَعَايِشُ العِبَادِ إِلَّا بِهَا. قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 114]. وَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَابنِ مَاجَهْ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ بُسرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ شَرَائِعَ الإِسلَامِ قَد كَثُرَت عَلَيَّ، فَأَخبِرنِي بِشَيءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ، قَالَ ﷺ: «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ». هَذِهِ هِيَ وَظِيفَةُ اللِّسَانِ الَّتِي خُلِقَ لِأَجلِهَا؛ فَمَا بَالُ أَقوَامٍ عَطَّلُوا اللِّسَانَ عَن ذِكرِ الرَّحمَنِ، وَجَعَلُوهُ مِعْوَلًا لِهَدمِ الأَعرَاضِ وَخِدمَةِ الشَّيطَانِ؟! عِبَادَ اللهِ: إِنَّ اللِّسَانَ هُوَ أَكثَرُ أَعضَاءِ الإِنسَانِ خَطَرًا، وَأَسرَعُهَا إِلَى إِهلَاكِهِ وَإِردَائِهِ إِن لَم يَضبِطهُ بِلِجَامِ الشَّرعِ وَيَكُفَّهُ عَمَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ؛ وَلِذَلِكَ لَا تَعجَبُوا حِينَ تَرَونَ جَوَارِحَ الجَسَدِ كُلَّهَا تَفزَعُ كُلَّ صَبَاحٍ إِلَى اللِّسَانِ تُحَذِّرُهُ وَتُنَاشِدُهُ اللهَ أَلَّا يُورِدَهَا المَهَالِكَ! فَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِنَّ الأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ -أَيْ تَذِلُّ لَهُ وَتَخضَعُ- فَتَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ فِينَا، فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ؛ فَإِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا». وَلَمَّا سَأَلَ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ العَمَلِ الَّذِي يُدخِلُهُ الجَنَّةَ وَيُبَاعِدُهُ عَنِ النَّارِ، فَبَيَّنَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ رَأسَ الأَمرِ وَعَمُودَهُ وَذِروَةَ سَنَامِهِ، قَالَ لَهُ: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟» قُلتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ قَالَ: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا»، فَقُلتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ! وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ -أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ- إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟!» رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا، يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ»، وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ». وَلِهَذَا كَانَ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَأخُذُ بِلِسَانِهِ وَيَقُولُ: «يَا لِسَانُ، قُل خَيرًا تَغنَم، وَاسكُت عَن شَرٍّ تَسلَم، مِن قَبلِ أَن تَندَمَ، فَوَاللهِ مَا عَلَى ظَهرِ الأَرضِ شَيءٌ أَحوَجُ إِلَى طُولِ سِجنٍ مِن لِسَانٍ!». أَيُّهَا المُسلِمُونَ: لَقَد حَذَّرَ الشَّرعُ الحَنِيفُ مِن آفَاتِ اللِّسَانِ الَّتِي تَفتِكُ بِإِيمَانِ العَبدِ، وَتُحْبِطُ حَسَنَاتِهِ، وَتُمَزِّقُ أَوَاصِرَ المُجتَمَعِ؛ فَمِن أَعظَمِ آفَاتِ اللِّسَانِ: الكَذِبُ، وَهُوَ أَسَاسُ النِّفَاقِ وَمِفتَاحُ كُلِّ فُجُورٍ، فَفِي الصَّحِيحَينِ عَنِ ابنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا»، وَمِن أَقبَحِهِ الكَذِبُ لِإِضحَاكِ النَّاسِ فِي المَجَالِسِ وَعَبرَ الشَّاشَاتِ، قَالَ ﷺ: «وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ، وَيْلٌ لَهُ، وَيْلٌ لَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. وَمِن أَعظَمِ آفَاتِ اللِّسَانِ: الغِيبَةُ، وَهِيَ ذِكرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكرَهُ فِي غَيبَتِهِ، وَقَد صَوَّرَهَا القُرآنُ الكَرِيمُ بِأَبشَعِ صُورَةٍ تَعَافُهَا الفِطَرُ السَّلِيمَةُ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: 12]، وَقَرِينَتُهَا فِي القُبحِ وَالإِثمِ: النَّمِيمَةُ وَالسِّعَايَةُ، وَهِيَ نَقلُ الكَلَامِ بَينَ النَّاسِ عَلَى جِهَةِ الإِفسَادِ، وَالوِشَايَةُ بِالأَبرِيَاءِ عِندَ ذَوِي السُّلطَانِ أَوِ القُدرَةِ لِإِيقَاعِ الأَذَى بِهِم؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن حُذَيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ» أَيْ نَمَّامٌ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانِيُّ عَنِ ابنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «لَا يُبَلِّغْنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ». وَمِن آفَاتِ اللِّسَانِ المُهلِكَةِ: الشَّتْمُ وَالسُّخرِيَةُ وَالاستِهزَاءُ بِعِبَادِ اللهِ، وَانتِقَاصُ أَقدَارِهِم أَو أَنسَابِهِم أَو هَيئَاتِهِم؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: 11]، وَفِي الصَّحِيحَينِ قَالَ ﷺ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»، وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ قَالَ ﷺ: «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ». وَمِن أَخطَرِ آفَاتِ اللِّسَانِ الَّتِي تَهدِمُ الحُقُوقَ وَتُوجِبُ سَخَطَ الجَبَّارِ: اليَمِينُ الفَاجِرَةُ الغَمُوسُ وَشَهَادَةُ الزُّورِ؛ فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِن كَانَ شَيئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ». وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي بَكرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟» قُلنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ»، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: «أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ»، فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلتُ: لَا يَسكُتُ! وَمِن آفَاتِ اللِّسَانِ الشَّنِيعَةِ: اللَّعْنُ، وَمَا أَكثَرَ مَا استَسْهَلَهُ النَّاسُ عَلَى أَلسِنَتِهِم فِي غَضَبِهِم وَمُزَاحِهِم! وَقَد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ»، وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ قَالَ ﷺ: «لَا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، وَأَخطَرُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ وَأَشَدُّ فَتْكًا بِالدِّينِ: التَّسَاهُلُ فِي تَبدِيعِ المُسلِمِ أَو تَفسِيقِهِ أَو تَكفِيرِهِ بِغَيرِ بُرهَانٍ قَاطِعٍ وَلَا حُجَّةٍ بَيِّنَةٍ؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا؛ إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ»، وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالْفُسُوقِ، وَلَا يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ، إِلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ». فَيَا وَيلَ مَن جَعَلَ لِسَانَهُ مِقصَلَةً يَحكُمُ بِهَا عَلَى عَقَائِدِ المُسلِمِينَ وَضَمَائِرِهِم بِالظَّنِّ وَالهَوَى! قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمُ الكَلَامَ فَعَلَيهِ أَن يُفَكِّرَ فِي كَلَامِهِ؛ فَإِن ظَهَرَتِ المَصلَحَةُ تَكَلَّمَ، وَإِن شَكَّ لَم يَتَكَلَّم حَتَّى تَظهَرَ». أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. 🕌 الخطبة الثانية الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ. أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ: لَقَد عَلِمنَا أَنَّ الجَوَارِحَ أَمَانَةٌ وَنِعمَةٌ، وَأَنَّ اللِّسَانَ هُوَ تَرجُمَانُ الجَنَانِ وَمِفتَاحُ النَّجَاةِ أَوِ الهَلَاكِ؛ فَمَن حَبَسَ لِسَانَهُ عَنِ الحَرَامِ وَأَطلَقَهُ فِي ذِكرِ المَلِكِ العَلَّامِ نَجَا وَأَفلَحَ، وَمَن أَرسَلَهُ فِي الكَذِبِ وَالغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالزُّورِ وَاللَّعنِ وَالتَّكفِيرِ عَرَّضَ نَفسَهُ لِلإِفلَاسِ الأَعظَمِ يَومَ القِيَامَةِ. فَكَيفَ يَكُونُ حَالُ العَبدِ إِذَا قَدِمَ عَلَى رَبِّهِ بِجِبَالٍ مِنَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ، ثُمَّ وَجَدَ حَصَائِدَ لِسَانِهِ قَد أَحرَقَت تِلكَ الحَسَنَاتِ وَوَزَّعَتهَا عَلَى خُصُومِهِ؟ أَلَم يَقُلِ النَّبِيُّ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ مُسلِمٌ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا؛ فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ»؟! وَحَتَّى نَصُونَ أَلسِنَتَنَا وَنَشكُرَ نِعمَةَ اللهِ فِي جَوَارِحِنَا، فَإِنَّنَا نَتَوَاصَى بِخَمسِ وَصَايَا عَمَلِيَّةٍ نُحَاسِبُ أَنفُسَنَا عَلَيهَا كُلَّ يَومٍ: الأُولَى: زِنْ كَلِمَتَكَ بِمِيزَانِ الآخِرَةِ قَبلَ أَن تَنطِقَ بِهَا أَو تَكتُبَهَا؛ فَإِنَّ القَلَمَ أَحَدُ اللِّسَانَينِ، وَمَا تَكتُبُهُ أَصَابِعُكَ فِي مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ وَالمَجمُوعَاتِ هُوَ مِن كَسبِ لِسَانِكَ المُسَجَّلِ فِي صَحِيفَتِكَ، فَلَا تَنشُر شَائِعَةً، وَلَا تَسخَر مِن مُسلِمٍ، وَلَا تَطعَن فِي بَرِيءٍ. الثَّانِيَةُ: أَشْغِلْ لِسَانَكَ بِمَا خُلِقَ لَهُ مِن ذِكرِ اللهِ وَتِلَاوَةِ كِتَابِهِ وَالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ؛ فَإِنَّ اللِّسَانَ لَا يَسكُتُ، فَإِن لَم تَشغَلهُ بِالحَقِّ وَالذِّكرِ شَغَلَكَ بِالبَاطِلِ وَاللَّغوِ، وَاجعَل لِنَفسِكَ وِردًا ثَابِتًا مِنَ التَّسبِيحِ وَالاستِغفَارِ فِي مَمشَاكَ وَمَجلِسِكَ. الثَّالِثَةُ: اِحمِ مَجلِسَكَ وَسَمعَكَ مِنَ الغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ؛ فَالمُستَمِعُ الرَّاضِي شَرِيكٌ لِلقَائِلِ، وَإِذَا ذُكِرَ أَخُوكَ بِسُوءٍ فِي مَجلِسِكَ فَرُدَّ عَن عِرضِهِ، فَقَد قَالَ ﷺ: «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. الرَّابِعَةُ: إِيَّاكَ وَاليَمِينَ الكَاذِبَةَ فِي بَيعِكَ وَشِرَائِكَ وَخُصُومَتِكَ، وَطَهِّرْ لِسَانَكَ وَبَيتَكَ مِن عَادَةِ اللَّعنِ وَالشَّتمِ، وَعَوِّدْ أَهلَكَ وَأَبنَاءَكَ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ وَالدُّعَاءَ الصَّالِحَ حَتَّى عِندَ الغَضَبِ. الخَامِسَةُ: بَادِرْ بِالتَّحلُّلِ مِن مَظَالِمِ اللِّسَانِ اليَومَ قَبلَ أَلَّا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرهَمٌ؛ فَمَن كُنتَ قَدِ اغتَبتَهُ أَو بَهَتَّهُ أَو شَتَمتَهُ فَاستَحلِلهُ إِن أَمكَنَ ذَلِكَ دُونَ مَفسَدَةٍ، أَو أَكثِرْ لَهُ مِنَ الاستِغفَارِ وَالدُّعَاءِ وَالثَّنَاءِ الحَسَنِ فِي المَجَالِسِ الَّتِي ذَكَرتَهُ فِيهَا، وَاختِمْ كُلَّ مَجلِسٍ بِكَفَّارَةِ المَجلِسِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ». اللَّهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ قُلُوبًا خَاشِعَةً، وَأَلسِنَةً صَادِقَةً ذَاكِرَةً، وَجَوَارِحَ لِطَاعَتِكَ خَاضِعَةً، اللَّهُمَّ طَهِّرْ أَلسِنَتَنَا مِنَ الكَذِبِ وَالغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالزُّورِ وَالبُهتَانِ، وَطَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاقِ وَالغِلِّ وَالحَسَدِ وَالطُّغيَانِ، اللَّهُمَّ اِحفَظْ عَلَينَا جَوَارِحَنَا، وَاستَعمِلْنَا فِي طَاعَتِكَ، وَلَا تَجعَلْ لِأَحَدٍ مِن خَلقِكَ فِي أَعنَاقِنَا مَظلِمَةً نَلقَاكَ بِهَا يَومَ القِيَامَةِ، اللَّهُمَّ اِهدِنَا لِأَحسَنِ الأَخلَاقِ وَالأَقوَالِ لَا يَهدِي لِأَحسَنِهَا إِلَّا أَنتَ، وَاصرِف عَنَّا سَيِّئَهَا لَا يَصرِفُ عَنَّا سَيِّئَهَا إِلَّا أَنتَ، وَاغفِر لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِجَمِيعِ المُسلِمِينَ وَالمُسلِمَاتِ، الأَحيَاءِ مِنهُم وَالأَموَاتِ. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيبُ الكريم، فالمِنبرُ أمانة، ووقتُ النَّاسِ وقلوبُهم وديعةٌ بينَ يديك؛ فإن شِئتَ ألقَيتَها كما هي، وإن رأيتَ أنَّ مقامَ النَّاسِ يَقتضي اختصارًا أو تقديمًا وتأخيرًا فافعَل، وإن كنتَ تُريدُها على وَجهٍ آخَرَ منَ البَسطِ أوِ الإيجازِ، أو على نَظمٍ غيرِ هذا النَّظم، فاذكُر لي ما تُريدُ على وَجهِ التَّحديد، فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.