أَخلَاقُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَشَمَائِلُهُ العَطِرَةُ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن كَمَالِ خُلُقِ المُصطَفَى وَوَاجِبِ الاِقتِدَاءِ بِهِ فِي حَيَاتِنَا
الحَمدُ للهِ الَّذِي بَعَثَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ رَحمَةً لِلعَالَمِين، وَجَمَّلَهُ بِمَكَارِمِ الأَخلَاقِ وَمَحَاسِنِ الشِّيَمِ فَجَعَلَهُ قُدوَةً لِلسَّالِكِين، وَزَكَّاهُ مِن فَوقِ سَبعِ سَمَاوَاتٍ فِي مُحكَمِ الكِتَابِ المُبِين، القَائِلِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، المَلِكُ الحَقُّ العَدلُ الجَلِيل، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُه، أَصدَقُ الخَلقِ لَهجَةً، وَأَوفَاهُم ذِمَّةً، وَأَندَاهُم كَفًّا، وَأَرحَمُهُم قَلبًا، وَأَعظَمُهُم حِلمًا وَتَوَاضُعًا وَعَفوًا، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الأَطهَار، وَأَصحَابِهِ السَّادَةِ الأَخيَار، وَمَنِ استَنَّ بِسُنَّتِهِ وَتَخَلَّقَ بِأَخلَاقِهِ مَا تَعَاقَبَ اللَّيلُ وَالنَّهَار.
أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالتَّأَسِّي بِسَيِّدِ المُرسَلِينَ فِي الأَقوَالِ وَالأَفعَالِ وَالأَخلَاق؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: حِينَ أَرَادَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَن يُخرِجَ البَشَرِيَّةَ مِن ظُلُمَاتِ الجَهلِ وَالقَسوَةِ وَالجَاهِلِيَّةِ إِلَى نُورِ الإِيمَانِ وَالرَّحمَةِ وَالهِدَايَة، اصطَفَى لِرِسَالَتِهِ الخَاتِمَةِ أَكمَلَ الخَلقِ عَقلًا، وَأَزكَاهُم نَفسًا، وَأَطهَرَهُم قَلبًا، وَأَسمَاهُم خُلُقًا؛ فَصَبَّ عَلَيهِ مِن أَنوَارِ التَّأدِيبِ الإِلَهِيِّ مَا جَعَلَ شَمَائِلَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ آيَةً مِن آيَاتِ النُّبُوَّةِ الَّتِي فَتَحَتِ القُلُوبَ قَبلَ البُلْدَان، وَأَخضَعَتِ الأَفئِدَةَ قَبلَ الأَبدَان!
قِفُوا مَعِي يَا عِبَادَ اللهِ أَمَامَ هَذَا الوِسَامِ الإِلَهِيِّ الفَرِيدِ فِي سُورَةِ القَلَم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].
اللهُ أَكبَر! إِنَّ الَّذِي يَصِفُ هَذَا الخُلُقَ بِـ«العَظَمَةِ» هُوَ اللهُ العَظِيمُ الَّذِي وَسِعَ كُرسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرض! وَهُوَ الَّذِي وَصَفَ الدُّنيَا كُلَّهَا بِأَنَّهَا مَتَاعٌ قَلِيل، فَلَمَّا تَحَدَّثَ عَن خُلُقِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَكَّدَهُ بِالقَسَمِ وَبِأَدَوَاتِ التَّوكِيدِ وَقَالَ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾!
وَلَمَّا أَرَادَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ أَن يَستَجلُوا سِرَّ هَذِهِ العَظَمَةِ الخُلُقِيَّةِ، سَأَلَ سَعدُ بنُ هِشَامٍ أُمَّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ الصِّدِّيقَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ فَقَالَ: «يَا أُمَّ المُؤمِنِينَ، أَنبِئِينِي عَن خُلُقِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ»، فَقَالَت: «أَلَستَ تَقرَأُ القُرآنَ؟»، قُلتُ: «بَلَى!»، قَالَت: «فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَانَ القُرآنَ!».
يَا لَهَا مِن كَلِمَةٍ جَامِعَةٍ بَلِيغَة! «كَانَ خُلُقُهُ القُرآنَ»؛ أَي كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قُرآنًا يَمشِي عَلَى الأَرضِ بَينَ النَّاس! فَكُلُّ فَضِيلَةٍ أَمَرَ بِهَا القُرآنُ مِن صِدقٍ، وَعَدلٍ، وَإِحسَانٍ، وَصَبرٍ، وَحِلمٍ، وَعَفوٍ، وَتَوَاضُعٍ، وَحَيَاءٍ، وَكَرَمٍ، وَوَفَاءٍ، فَقَد كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي ذِروَتِهَا العُليَا؛ وَكُلُّ رَذِيلَةٍ نَهَى عَنهَا القُرآنُ كَانَ أَبعَدَ الخَلقِ عَنهَا! وَلِذَلِكَ لَخَّصَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ غَايَةَ بَعثَتِهِ الشَّرِيفَةِ كَمَا فِي مُسنَدِ أَحمَدَ وَمُوَطَّأِ مَالِكٍ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِقَولِه: «إِنَّمَا بُعِثتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخلَاقِ!».
فَتَعَالَوا بِنَا يَا عِبَادَ اللهِ نَستَنشِقْ عَبِيرَ النُّبُوَّةِ، وَنَقِفْ مَعَ خَمسِ صُوَرٍ مُشرِقَةٍ مِن أَخلَاقِ حَبِيبِنَا وَقُدوَتِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؛ لِنَعرِضَ عَلَيهَا أَحوَالَنَا وَمُعَامَلَاتِنَا:
الصُّورَةُ الأُولَى: رَحمَتُهُ الشَّامِلَةُ وَلِينُ جَانِبِهِ وَرِقَّةُ قَلبِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ!
قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَاصِفًا قَلبَ نَبِيِّه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. لَقَد كَانَ قَلبُهُ الشَّرِيفُ يَنبُوعَ رَحمَةٍ يَفِيضُ عَلَى الصَّغِيرِ وَالكَبِير، وَالقَرِيبِ وَالبَعِيد، بَل وَعَلَى الطَّيرِ وَالحَيَوَان!
انظُرُوا إِلَى رَحمَتِهِ بِالأُمِّ وَطِفلِهَا كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنِّي لَأَدخُلُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي مِمَّا أَعلَمُ مِن شِدَّةِ وَجدِ أُمِّهِ مِن بُكَائِهِ!». وَانظُرُوا إِلَى رَحمَتِهِ بِالأَطفَالِ وَالأَيتَامِ وَالخَدَم؛ يَقبِّلُ الحَسَنَ وَالحُسَينَ، فَيَستَغرِبُ الأَقرَعُ بنُ حَابِسٍ وَيَقُولُ: «إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الوَلَدِ مَا قَبَّلتُ مِنهُم أَحَدًا!»، فَيَنظُرُ إِلَيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَيَقُولُ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ: «مَن لَا يَرحَمُ لَا يُرحَمُ!». وَيَخدُمُهُ أَنَسُ بنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَشرَ سِنِينَ كَامِلَةً فَيَشهَدُ قَائِلًا كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ: «وَاللهِ مَا قَالَ لِي أُفٍّ قَطُّ، وَلَا قَالَ لِي لِشَيءٍ: لِمَ فَعَلتَ كَذَا؟ وَهَلَّا فَعَلتَ كَذَا؟!».
وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: حِلمُهُ العَظِيمُ، وَصَبرُهُ عَلَى الجَافِينَ، وَعَفوُهُ عِندَ المَقدِرَة!
لَم يَكُنْ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَغضَبُ لِنَفسِهِ وَلَا يَنتَقِمُ لِذَاتِهِ قَطُّ؛ بَل كَانَ لَا تَزِيدُهُ شِدَّةُ الجَهلِ عَلَيهِ إِلَّا حِلمًا وَسَعَةَ صَدر! فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: «كُنتُ أَمشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيهِ بُردٌ نَجرَانِيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ، فَأَدرَكَهُ أَعرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبذَةً شَدِيدَةً، حَتَّى نَظَرتُ إِلَى صَفحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَد أَثَّرَت بِهَا حَاشِيَةُ البُردِ مِن شِدَّةِ جَبذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مُرْ لِي مِن مَالِ اللهِ الَّذِي عِندَكَ! فَالْتَفَتَ إِلَيهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ!».
تَأَمَّلُوا يَا عِبَادَ الله! رَجُلٌ يَشُدُّ رِدَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِعُنفٍ حَتَّى تَجرحَ حَاشِيَتُهُ عُنُقَهُ الشَّرِيفَ، وَيُخَاطِبُهُ بِجَفَاءٍ وَغِلظَةٍ، وَحَولَهُ الصَّحَابَةُ، فَمَاذَا كَانَ جَوَابُهُ؟ التَفَتَ إِلَيهِ وَتَبَسَّمَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِالعَطَاء! وَلَمَّا مَكَّنَهُ اللهُ يَومَ فَتحِ مَكَّةَ مِن رِقَابِ قُرَيشٍ الَّذِينَ آذَوهُ وَأَخرَجُوهُ وَقَتَلُوا أَصحَابَهُ، قَالَ لَهُم بِعَفوِ الأَنبِيَاءِ الكِرَام: «اذهَبُوا فَأَنتُمُ الطُّلَقَاءُ!».
وَالصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: تَوَاضُعُهُ العَجِيبُ مَعَ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ وَالأَهلِ وَالمَسَاكِين!
لَقَد خَيَّرَهُ اللهُ بَينَ أَن يَكُونَ مَلِكًا رَسُولًا أَو عَبدًا رَسُولًا، فَاختَارَ أَن يَكُونَ عَبدًا رَسُولًا! كَانَ يَجلِسُ عَلَى الأَرضِ، وَيَأكُلُ مَعَ الخَادِمِ، وَيَركَبُ الحِمَارَ، وَيَعُودُ المَسَاكِينَ، وَيَمشِي مَعَ الأَرمَلَةِ وَالعَبدِ وَالصَّبِيِّ! فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: «إِن كَانَتِ الأَمَةُ مِن إِمَاءِ أَهلِ المَدِينَةِ لَتَأخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَتَنطَلِقُ بِهِ حَيثُ شَاءَت!»؛ لَا يَنزِعُ يَدَهُ مِن يَدِهَا حَتَّى تَقضِيَ حَاجَتَهَا!
وَسُئِلَت أُمُّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ: «مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَصنَعُ فِي بَيتِهِ؟»، قَالَت: «كَانَ يَكُونُ فِي مِهنَةِ أَهلِهِ -تَعنِي خِدمَةَ أَهلِهِ- فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ!». وَفِي مُسنَدِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ قَالَت: «كَانَ يَخصِفُ نَعلَهُ، وَيَخِيطُ ثَوبَهُ، وَيَعمَلُ فِي بَيتِهِ كَمَا يَعمَلُ أَحَدُكُم فِي بَيتِهِ!».
وَالصُّورَةُ الرَّابِعَةُ: كَرَمُهُ الفَيَّاضُ، وَبَشَاشَةُ وَجهِهِ، وَطَهَارَةُ لِسَانِه!
فَفِي الصَّحِيحَينِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَجوَدَ النَّاسِ»، وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «مَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَن شَيءٍ قَطُّ فَقَالَ: لَا!»، وَكَانَ يُعطِي عَطَاءَ مَن لَا يَخشَى الفَقر. وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن جَرِيرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: «مَا حَجَبَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مُنذُ أَسلَمتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجهِي!». وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: «لَم يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ مِن خِيَارِكُم أَحسَنَكُم أَخلَاقًا!».
وَالصُّورَةُ الخَامِسَةُ: أَمَانَتُهُ وَصِدقُهُ وَوَفَاؤُهُ حَتَّى مَعَ أَعدَائِه!
فَقبْلَ البَعثَةِ لَقَّبَتهُ قُرَيشٌ بِـ«الصَّادِقِ الأَمِين»، وَبَعدَ البَعثَةِ حِينَ كَانُوا يُحَارِبُونَهُ وَيَتَآمَرُونَ عَلَى قَتلِهِ، لَم يَجِدُوا عَلَى وَجهِ الأَرضِ رَجُلًا أَوثَقَ مِنهُ يَضَعُونَ عِندَهُ وَدَائِعَهُم وَأَموَالَهُم! وَلَمَّا هَاجَرَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي مَكَّةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِيَرُدَّ الوَدَائِعَ إِلَى أَهلِهَا كَامِلَةً غَيرَ مَنقُوصَة!
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيم، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيم، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم.
🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، وَأَشهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المُجتَبَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَنِ اهتَدَى.
أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعلَمُوا أَنَّ مَحَبَّتَنَا لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لَا تَصدُقُ إِلَّا إِذَا تَرجَمنَاهَا فِي وَاقِعِ حَيَاتِنَا إِلَى «اقتِدَاءٍ بِأَخلَاقِهِ الشَّرِيفَةِ»!
فَكَيفَ يَدَّعِي مَحَبَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مَن يَدخُلُ بَيتَهُ عَابِسًا غَلِيظًا يَظلِمُ زَوجَتَهُ وَيَقسُو عَلَى أَولَادِه؟! وَكَيفَ يَرجُو مُرَافَقَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مَن يَغُشُّ فِي بَيعِهِ وَشِرَائِهِ، أَو يَأكُلُ أَموَالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ، أَو يَؤذِي جَارَهُ، أَو يَطلِقُ لِسَانَهُ بِالسِّبَابِ وَالفُحشِ وَالبَذَاءَةِ عَلَى النَّاسِ؟!
اسْمَعُوا يَا عِبَادَ اللهِ إِلَى هَذِهِ البِشَارَاتِ النَّبَوِيَّةِ الثلاثِ لِكُلِّ مَن جَاهَدَ نَفسَهُ عَلَى التَّخَلُّقِ بِأَخلَاقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ:
البِشَارَةُ الأُولَى: القُربُ مِن مَجلِسِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَومَ القِيَامَة! فَفِي جَامِعِ التِّرمِذِيِّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ مِن أَحَبِّكُم إِلَيَّ وَأَقرَبِكُم مِنِّي مَجلِسًا يَومَ القِيَامَةِ أَحَاسِنَكُم أَخلَاقًا، وَإِنَّ أَبغَضَكُم إِلَيَّ وَأَبعَدَكُم مِنِّي مَجلِسًا يَومَ القِيَامَةِ الثَّرثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيهِقُونَ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ قَد عَلِمنَا الثَّرثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ، فَمَا المُتَفَيهِقُونَ؟ قَالَ: «المُتَكَبِّرُونَ!».
وَالبِشَارَةُ الثَّانِيَةُ: ثِقَلُ المِيزَانِ يَومَ الحِسَاب! فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي الدَّردَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِن شَيءٍ أَثقَلُ فِي مِيزَانِ المُؤمِنِ يَومَ القِيَامَةِ مِن حُسنِ الخُلُقِ، وَإِنَّ اللهَ لَيُبغِضُ الفَاحِشَ البَذِيءَ!».
وَالبِشَارَةُ الثَّالِثَةُ: إِدرَاكُ دَرَجَةِ الصَّائِمِ القَائِم! فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَت: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ المُؤمِنَ لَيُدرِكُ بِحُسنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ القَائِمِ!».
فَلْنَجعَلْ أَخلَاقَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مِنهَاجَ حَيَاةٍ فِي بُيُوتِنَا وَأَسوَاقِنَا وَطُرُقَاتِنَا، وَلْنُكثِرْ مِن دُعَائِهِ الشَّرِيفِ الَّذِي كَانَ يَستَفتِحُ بِهِ قِيَامَ اللَّيلِ فِي صَحِيحِ مُسلِم: «وَاهدِنِي لِأَحسَنِ الأَخلَاقِ لَا يَهدِي لِأَحسَنِهَا إِلَّا أَنتَ، وَاصْرِف عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنتَ». وَللهِ دَرُّ القَائِلِ حِينَ تَغَنَّى بِشَمَائِلِ المُصطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ:
زَانَكَ الرَّحمَنُ بِالخُلُقِ العَظِيمِ ... يَا إِمَامَ الرُّسلِ ذَا القَلبِ الرَّحِيمِ
كَانَ قُرآنُ الهُدَى فِي خُلُقِهِ ... مَنهَجًا يَهدِي إِلَى النَّهجِ القَوِيمِ
بِالنَّدَى وَالحِلمِ وَالعَفوِ سَمَا ... فَاقتَدُوا بِالمُصطَفَى الهَادِي الكَرِيمِ
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَن أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ فِي مُحكَمِ تَنزِيلِه، فَقَالَ سُبحَانَهُ قَولًا كَرِيمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّد، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِين، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِين.
اللَّهُمَّ اهدِنَا لِأَحسَنِ الأَخلَاقِ وَالأَعمَالِ لَا يَهدِي لِأَحسَنِهَا إِلَّا أَنت، وَاصْرِف عَنَّا سَيِّئَهَا لَا يَصرِفُ عَنَّا سَيِّئَهَا إِلَّا أَنت. اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنتَ خَلقَنَا فَحَسِّنْ أَخلَاقَنَا، وَارزُقنَا كَمَالَ الاِقتِدَاءِ بِنَبِيِّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَاحشُرنَا فِي زُمرَتِهِ، وَأَورِدنَا حَوضَهُ، وَاجعَلنَا مِن أَقرَبِ النَّاسِ مِنهُ مَجلِسًا يَومَ القِيَامَة. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَأَصلِح أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
من مكتبة مِداد الخطيب
أَخلَاقُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَشَمَائِلُهُ العَطِرَةُ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن كَمَالِ خُلُقِ المُصطَفَى وَوَاجِبِ الاِقتِدَاءِ بِهِ فِي حَيَاتِنَا
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.