🕌 **الوَلاءُ والبَراءُ بينَ الاعتِزازِ بالعَقيدَةِ والسَّماحَةِ الإنسانيَّةِ المَشروعَة**
#خطبة_جمعة #الولاء_والبراء #عقيدة_المسلم #السماحة_الإسلامية #العدل_مع_المخالف #الاعتزاز_بالإسلام #إيمانيات
الحمدُ للهِ الذي أَعزَّ أولياءَهُ بنورِ الإيمان، وأَذلَّ مَن عانَدَ شَرعَهُ بالخِزيِ والخُسران، وجَعلَ رابِطَةَ العَقيدَةِ أَوْثَقَ العُرى وأَعظَمَ الصِّلاتِ بينَ بَني الإنسان، وأَشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، شَرَعَ الدِّينَ قَيِّماً، وأَمَرَ بالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ونَهى عنِ الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، وجَعَلَ البِرَّ والقِسطَ أصلاً في مُعامَلَةِ الخَلق، وأَشهَدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا محمداً عبدُ اللهِ ورسولُه، إمامُ الحُنَفاء، وخاتَمُ الأنبياء، بَعَثَهُ رَبُّهُ رَحمَةً للعالَمين، فَكانَ أَصدَقَ النَّاسِ وِداداً لأهلِ الإيمان، وأَوفاهُم عَهداً معَ المُعاهَدين، صلى اللهُ وسلَّمَ وبارَكَ عليه، وعلى آلهِ الطَّيِّبينَ الطَّاهِرين، وصَحابَتِهِ الغُرِّ المَيامين، الذينَ تَبَرَّؤوا مِن كلِّ طاغوتٍ ودِينٍ باطِل، واعتَصَموا بحَبلِ اللهِ المَتين، والتَّابِعينَ ومَن تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين.
أمَّا بعدُ عبادَ الله: فَأُوصيكُم ونَفسي المُقَصِّرَةَ بتقوى اللهِ تعالى، فاتَّقوهُ سُبحانَهُ حَقَّ التَّقوى، وراقِبوهُ في السِّرِّ والنَّجوى؛ فإنَّ تَقوى اللهِ سَفينةُ النَّجاةِ عِندَ اضطِرابِ الأهواء، وعِصمَةُ القُلوبِ عِندَ تَلَبُّسِ الشُّبُهاتِ والدَّعوات. واعلَموا أنَّ أُمَّةَ الإسلامِ ما عاشَتْ حَقَبَةً مِنَ الدَّهرِ إلَّا وكانت عَقيدَتُها الصَّافيَةُ هيَ الحِصنَ الحَصينَ الذي يَحمِي هُوِيَّتَها، والدِّرعَ المَتينَ الذي يَصونُ كَيانَها مِنَ الذَّوبانِ في غَيرِها، أو الانحِدارِ إلى مَزالِقِ التَّشَوُّهِ والانحِراف.
أيُّها الإخوَةُ المُسلِمون، مَعاشِرَ الشَّبابِ الأَعِزَّاء: إنَّ قَضيَّةَ "الوَلاءِ والبَراء" تُمَثِّلُ قَلباً نابِضاً في جَسَدِ التَّوحيد، ورُكناً مَكيناً مِن أَركانِ الانتماءِ الإيمانيّ؛ غَيرَ أنَّ هذا المَفهومَ العَظيمَ قَد رُمِيَ في عَصرِنا الحاضِرِ بسِهامٍ طائشَةٍ مِن طَرَفَي نَقيض! فَطَرَفٌ غَلا فيهِ وتَنَطَّع، وجَهِلَ مَقاصِدَ الشَّريعَةِ ومَناطاتِ التَّكليف، فحَوَّلَ عَقيدَةَ البَراءِ إلى خَنجَرٍ مَسمومٍ يَطعَنُ بهِ أهلَ القِبلَة، ويَستَبيحُ بهِ دِماءَ المُعاهَدينَ والآمنين، ويَقطَعُ بهِ حِبالَ البِرِّ والقِسطِ الإنسانيِّ التي أَوجَبَها اللهُ في كِتابِه! وطَرَفٌ آخَرُ انحَلَّ وتَمَيَّع، وظَنَّ أنَّ مُسايَرَةَ العَصرِ والتَّواصُلَ مَعَ الأُمَمِ يَقتَضِي مَسخَ الهُوِيَّةِ العَقديَّة، وإسقاطَ الفَوارِقِ الإيمانيَّة، والتَّنكُّرَ لآياتِ الوَحي، حتَّى بَدَأنا نَسمَعُ دَعواتٍ تُريدُ أن تَجعَلَ التَّوحيدَ والشِّركَ سَواء، وتَخلِطَ بينَ الحَقِّ والباطِلِ في صُندوقٍ واحِدٍ تَحتَ شِعاراتٍ بَرَّاقَةٍ مُخادِعَة كـ"وحدة الأديان" أو "الديانة الإبراهيمية الجديدة"!
فأينَ يَقِفُ المُسلِمُ الحَقُّ بينَ هذا الغُلوِّ المُهلِكِ وذاكَ التَّمييعِ المُميت؟ وكيفَ نَفصِلُ بينَ عَقيدَةِ الوَلاءِ للمُؤمِنينَ والبَراءِ مِنَ الكافِرين، وبينَ واجِبِ البِرِّ والإحسانِ والعَدلِ معَ كافَّةِ النَّاسِ في شُؤونِ الحَياة؟ وما هوَ المِيزانُ النَّبويُّ الرَّفيعُ الذي حَكَمَ سِيرَةَ الصَّحابَةِ الكِرامِ في مُعامَلَةِ الخَلقِ كُلِّهِم؟
أيُّها المُسلِمون: إنَّ "الوَلاء" في حَقيقَتِهِ لُغَةً وشَرعاً هوَ النُّصرَةُ والمَحَبَّةُ والمُوالاةُ بالقَلبِ والفِعل. والوَلاءُ الأَعظَمُ لا يَكونُ إلَّا للهِ ربِّ العالَمين، ولرَسولِهِ الأَمين، ولجَماعَةِ المُؤمِنين، كما قَرَّرَ القُرآنُ الكَريمُ قَراراً حاسِماً لا مِريَةَ فيه؛ قالَ اللهُ سُبحانَهُ في سُورَةِ المائِدَة: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ • وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: 55-56]. فهذا هوَ الوَلاءُ المَشروع؛ أن يَميلَ قَلبُكَ بالمَحَبَّةِ والرَّحمَةِ والدُّعاءِ والنُّصرَةِ لكلِّ مَن رَفَعَ رايَةَ التَّوحيد، وأن تَفرَحَ لِفَرَحِ المُسلِمين، وتَحزَنَ لِحُزنِهِم، وتَتَأَلَّمَ لآلامِهِم في أيِّ بُقعَةٍ مِن بِقاعِ الأَرض، لا تَفصِلُ بينَكَ وبَينَهُم حُدودٌ جُغرافيَّة، ولا فَوارِقُ عِرقيَّةٌ أو لَونيَّة.
وأمَّا "البَراء"، فَهوَ البَراءَةُ التَّامَّةُ مِنَ الشِّركِ والكُفرِ والإلحاد، ومِن كلِّ مَنهَجٍ يُحارِبُ اللهَ ويَصُدُّ عن سَبيلِه. إنَّهُ التَّبَرُّؤُ مِنَ الباطِلِ ومِن دِينِ الباطِل، اقتِداءً بخَليلِ الرَّحمَنِ إبراهيمَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الذي صَدَعَ بالحقِّ أَمامَ قَومِهِ كما حَكَى اللهُ عنهُ في سُورَةِ المُمتَحَنَة: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: 4]. وهذا البَراءُ يَعني في جَوهَرِهِ صِيانَةَ العَقلِ والقَلبِ مِن أن يَرى الكُفرَ صَواباً، أو أن يَستَحسِنَ الشِّركَ بالله، أو أن يَرضى بتَكذيبِ الوَحي؛ فإنَّ مَن هانَ عَليهِ التَّوحيدُ حتَّى ساوى بَينَهُ وبينَ الشِّرك، فقد خَلَعَ رِبقَةَ الإيمانِ مِن عُنُقِه!
ولَكِنْ، هُنا يَبْرُزُ المِفصَلُ الدَّقيقُ الذي ضَلَّت فيهِ أَفهامُ الغُلاةِ ومَن تَبِعَهُم؛ هَل يَعني البَراءُ مِنَ الكُفرِ أن نَظلِمَ غَيرَ المُسلِمين؟ هَل يَعني البَراءُ أن نَغدِرَ بالمُعاهَدينَ أو نَقتُلَ المَدَنيِّينَ والآمنين؟ هَل يَعني البَراءُ أن نَمتَنِعَ عنِ البِرِّ والإحسانِ بالجارِ والنَّزيلِ والشَّريكِ في الوَطَنِ الذي لم يُقاتِلنا في دِينِنا؟! كَلَّا وأَلفُ كَلَّا! فَهذا هوَ الجَهلُ الفاضِحُ بمَقاصِدِ الإسلامِ وسِيرَةِ خَيرِ الأَنام!
إنَّ القُرآنَ العَظيمَ وَضَعَ القاعِدَةَ الدُّستوريَّةَ الخالِدَةَ التي تُحَدِّدُ مَدارَ العَلاقاتِ الإنسانيَّةِ الدُّنيَويَّةِ مَعَ غَيرِ المُسلِمين، فقالَ اللهُ تبارَكَ وتعالى في كِتابِهِ الكَريم: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ • إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: 8-9].
تَأَمَّلوا يا عِبادَ اللهِ في هذا البيانِ الإلهيِّ الباهِر! إنَّ اللهَ جَلَّ جَلالُهُ لم يَكتَفِ بقَولِهِ «أن تُقسِطوا إلَيهِم» أي تَعدِلوا مَعَهُم، بل قَدَّمَ عليها كَلِمَةً تَهتَزُّ لها المَشاعِرُ النَّبيلَة: ﴿أَن تَبَرُّوهُمْ﴾! و"البِرُّ" في لِسانِ الشَّرعِ هوَ جِماعُ الخَيرِ والإحسانِ ولِينِ الجانِب، وهُوَ نَفسُ اللَّفظِ الذي استُعمِلَ في أَعظَمِ حُقوقِ البَشَر؛ وهوَ "بِرُّ الوالِدَين"! بل أَمَرَ اللهُ تعالى بمُصاحَبَةِ الوالِدَينِ المُشرِكَينِ بالمعروفِ في الدُّنيا رَغمَ حِرصِهِما على الشِّرك، فقالَ سُبحانَه: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15]؛ ففَرَّقَ سُبحانَهُ بينَ عَدَمِ الطَّاعَةِ في الشِّركِ وبينَ إيجابِ الصُّحبَةِ بالمَعروفِ في الدُّنيا! فكيفَ يَأتي مُتَنَطِّعٌ بَعدَ ذلكَ لِيَزعُمَ أنَّ بُغضَ الكُفرِ يَقتَضِي جَفاءَ الخَلق، أو تَقبيحَ المُعامَلَة، أو الغَدرَ بالعُقود؟! إنَّ المُسلِمَ الرَّاشِدَ يُفَرِّقُ تَفريقاً عَقليَّاً ونَفسيَّاً حاسِماً بينَ «كُرهِ الضَّلالِ والمُعتَقَدِ الباطِل» وبَينَ «الرَّحمَةِ بالإنسانِ والعدلِ مَعهُ وبَذلِ الخَيرِ له».
وقد قَرَّرَ عُلَماءُ الإسلامِ المُحَقِّقونَ كشَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميَّةَ والإمامِ ابنِ القَيِّمِ والشَّاطِبيّ؛ أنَّ البُغضَ في اللهِ يَتَعَلَّقُ بالأَفعالِ والصِّفاتِ المَذمومَة، ولا يَمْنَعُ مِنَ العَدلِ والقِسطِ معَ أَصحابِها، بل قالَ الإمامُ القَرافيُّ في كِتابِهِ الخالِد «الفُروق»: "إنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ يُوجِبُ حُقوقاً على المُسلِمين؛ مِنها الإحسانُ إلى ضَعيفِهِم، وإطعامُ جائعِهِم، وكِسوَةُ عاريهِم، ولِينُ القَولِ لهُم على سَبيلِ اللُّطفِ والمَوَدَّة، ومُداراتُهُم غَيرَةً على عُهودِ اللهِ وعُهودِ رَسولِه ﷺ، لا خَوفاً مِنهُم ولا مَذَلَّة"؛ فانظُروا إلى هذا الفِقهِ الشَّامِخِ الذي يَجمَعُ بينَ عِزَّةِ الدِّينِ وبَينَ رَحمَةِ البَشَريَّة.
انظُروا إلى الهَديِ النَّبويِّ العَمَليِّ الشَّريف؛ لقَد عاشَ النَّبيُّ ﷺ في المَدينَةِ المُنوَّرَةِ ومَعَهُ اليَهودُ والنَّصارى، فعَقَدَ مَعَهُم الصُّلحَ وحَفِظَ حُقوقَهُم في "وَثيقَةِ المَدينَة" التَّاريخيَّة، وكانَ يُهدي إلَيهِم ويَقبَلُ هَداياهُم، وعادَ غُلاماً يَهوديَّاً مَريضاً في بَيتِهِ وتَلَطَّفَ مَعهُ حتَّى هَداهُ اللهُ للإسلام، وقامَ ﷺ لجِنازَةِ يَهوديٍّ مَرَّت به، فلَمَّا قيلَ له: إنَّها جِنازَةُ يَهوديّ! قالَ بكَلِمَةٍ تُكتَبُ بمِدادِ النُّور: «أَلَيسَتْ نَفْساً؟!» (مُتَّفَقٌ عليه). واستَقبَلَ وَفدَ نَصارى نَجرانَ في مَسجِدِهِ الشَّريف، وأَنزَلَهُم فيهِ وناظَرَهُم بأَدَبِ الحِوارِ الباذِخ، وتُوُفِّيَ صَلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليهِ ودِرعُهُ مَرهونَةٌ عِندَ رَجُلٍ يَهوديٍّ في ثَلاثينَ صاعاً مِن شَعيرٍ نَفَقَةً لأَهلِه، رَغمَ قُدرَتِهِ على أن يَأخُذَ ما يَشاءُ مِن مالِ صَحابَتِهِ الكِرام، ولكنَّهُ يُعَلِّمُ الأُمَّةَ عمَليَّاً أنَّ التَّعامُلاتِ الماليَّةَ والتِّجاريَّةَ والتَّعايُشَ الحَضاريَّ لا يَنقُضُ عَقيدَةَ الإيمانِ ولا يَمسُّ ثَوابِتَ البَراء.
ألا فاسمَعوا يا شَبابَ الإسلامِ للحَديثِ الصَّحيحِ المَرويِّ عن رَسولِ اللهِ ﷺ في حِمايَةِ أَرواحِ غَيرِ المُسلِمينَ المُعاهَدين؛ يقولُ النَّاصِحُ الأَمين: «مَن قَتَلَ مُعاهَداً لم يَرَحْ رائِحَةَ الجَنَّة، وإنَّ رِيحَها تُوجَدُ مِن مَسيرَةِ أَربَعينَ عاماً» (رواه البخاري). ويقولُ بأبي هوَ وأُمِّي ﷺ: «أَلَا مَن ظَلَمَ مُعاهَداً، أوِ انتَقَصَهُ حَقَّه، أو كَلَّفَهُ فَوقَ طاقَتِه، أو أَخَذَ مِنهُ شَيئاً بغَيرِ طِيبِ نَفسٍ مِنه، فأَنا حَجيجُهُ يَومَ القِيامَة!» (رواه أبو داود وصححه الألباني). فباللهِ عَلَيكُم، مَن يَقدِرُ على أن يَقِفَ خَصيماً لِرَسولِ اللهِ ﷺ يَومَ يَلقى الله؟! أهذا هوَ الدِّينُ الذي يُسَوِّقُ عنهُ دُعاةُ التَّكفيرِ والإرهابِ أنَّهُ يَأمُرُ بالغَدرِ بسُفَراءِ الدُّوَل، وقَتلِ الأَبِرياءِ في الطُّرقات، وتَفجيرِ المَنشآت؟! سُبحانَكَ هذا بُهتانٌ عَظيم!
وفي المُقابِلِ تَماماً: كيفَ يَسقُطُ دُعاةُ التَّمييعِ والتَّفريطِ في حَمأَةِ الهَوانِ حِينَ يَظُنُّونَ أنَّ التَّسامُحَ يَعني التَّنازُلَ عن ثَوابِتِ القُرآن، فيَستَحيِ أحدهُم أن يَقولَ إنَّ الإسلامَ هوَ دِينُ الحَقِّ الوحيد، أو يَخجَلُ مِن إظهارِ صَلاتِهِ وعِزَّتِهِ بحِجابِ أَهلِه، أو يُقَدِّمُ وَلاءَهُ للمَشاريعِ الاستِعماريَّةِ التي تَسفِكُ دِماءَ إخوانِهِ في العَقيدَةِ طَلَباً لرِضا الغَربِ وعُيونِ الحَداثَة؟! إنَّ مَن يُوالي الأَعداءَ ويُعاوِنُهُم على المُسلِمين، أو يَفرَحُ بسُقوطِ بِلادِ الإسلامِ في أَيدي المُعتَدين، ليسَ مُتَسامِحاً، بل هوَ خائِنٌ لعَهدِ الله، سالِكٌ سَبيلَ النِّفاقِ الذي فَضَحَهُ القُرآنُ في سُورَةِ المائِدَة: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: 52].
إنَّ الحَديثَ النَّبويَّ الجامِعَ الذي يُؤَصِّلُ لهذهِ القَضيَّةِ هوَ قَولُهُ ﷺ: «أَوْثَقُ عُرَى الإِيمَانِ: الحُبُّ فِي اللهِ، وَالبُغْضُ فِي اللهِ» (رواه أحمد والطبراني وحسنه جمع من أهل العلم). فالحُبُّ في اللهِ هوَ أصلُ الوَلاء؛ تُحِبُّ المُؤمِنَ لإيمانِه، وتَنصُرُهُ على الحَقّ، وتَتَألَّمُ لمُصابِه، وتَدعو لهُ بظَهرِ الغَيب، مَهما بَعُدَتْ دارُهُ واختَلَفَتْ لُغَتُه. والبُغضُ في اللهِ هوَ أصلُ البَراء؛ تَبغَضُ الشِّركَ والكُفرَ والعُدوانَ والظُّلم، وتَكرَهُ الفَسادَ في الأرض، مَعَ بَقاءِ واجِبِ العَدلِ الشَّامِلِ والقِسطِ لِكُلِّ بَريءٍ ومُسالِم.
إنَّ أَعظَمَ مَيدانٍ يَظهَرُ فيهِ الوَلاءُ الإيمانيُّ الحَقيقيُّ في أَيَّامِنا هذه، هوَ نُصرَةُ إخوانِنا المَظلومينَ والمُستَضعَفينَ في غَزَّةَ وفِلَسطين؛ هُناكَ حَيثُ تُسفَكُ الدِّماءُ الزَّكيَّة، وتُهدَمُ المَساجِدُ والمَشافي، ويُجوَّعُ الأَطفالُ والنِّساءُ على مَرأى ومَسمَعٍ مِن عالَمٍ تَبَخَّرَتْ مِنهُ كُلُّ شِعاراتِ الإنسانيَّة! فمَن لم يَجِدْ في قَلبِهِ حَرقَةً على دِماءِ إخوانِه، ولا غَيرَةً على حُرماتِهِم، ولا نُصرَةً لهُم بمَالِهِ ولِسانِهِ ومُقاطَعَتِه، فليَبكِ على نَفسِهِ؛ فإنَّ عَقيدَةَ الوَلاءِ في قَلبِهِ تَحتَضِر، ورابِطَةَ الجَسَدِ الواحِدِ تَشكو غِيابَ الإحساس!
اللهمَّ ارزُقنا الاعتِزازَ بدِينِنا، وثَبِّتنا على الصِّراطِ المُستَقيم، واجعَلنا هُداةً مُهتَدين، لا ضالِّينَ ولا مُضِلِّين. أقولُ قولي هذا، وأستغفِرُ اللهَ العَظيمَ الجَليلَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كلِّ ذَنب، فاستغفِروهُ إنَّهُ هوَ الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
________________
الحمدُ للهِ وكَفَى، وسلامٌ على عِبادِهِ الذينَ اصطَفَى، وأَشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأَشهَدُ أنَّ نبيَّنا محمداً عبدُهُ ورسولُهُ الصَّادِقُ الوَفيّ، صلى اللهُ وسلَّمَ وبارَكَ عليهِ وعلى آلهِ وأصحابهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ واقتَفَى.
أمَّا بعدُ أيُّها المُسلِمون: لقَد تَبيَّنَ لَنا بجَلاءٍ أنَّ عَقيدَةَ "الوَلاءِ والبَراء" في مِيزانِ الإسلامِ الصَّافي، هيَ مِيزانُ العَدلِ والكَرامَة، تَنطَلِقُ مِنَ الحُبِّ في اللهِ والبُغضِ في اللهِ بغيرِ إفراطٍ ولا تَفريط. وإنَّ صَلاحَ الدِّينِ والدُّنيا لا يَتَحَقَّقُ إلَّا بأن يَجمَعَ المُسلِمُ بينَ عِزَّةِ التَّوحيدِ الصَّامِدَةِ في صَدرِه، وبَينَ السَّماحَةِ الإنسانيَّةِ والرَّحمَةِ والوفاءِ في خُلُقِهِ وعَلاقاتِه، حتَّى يُرى الإسلامُ في سُلوكِنا نُوراً يَمشي على الأَرض، لا شِعاراتٍ جَوفاء، ولا عنفاً أهوجَ يَصُدُّ عن سَبيلِ الله.
إنَّ أُمَّتَنا اليومَ بأَمَسِّ الحاجَةِ إلى فَهمٍ ناضِجٍ يُسقِطُ كُلَّ دَعواتِ التَّغريبِ والذَّوبانِ مِن جِهَة، ويَهدِمُ كُلَّ فِتنِ التَّكفيرِ وتَرويعِ الآمنينَ مِن جِهَةٍ أُخرى؛ حتَّى يَقِفَ الشَّابُّ المُسلِمُ في جامِعَتِهِ ومَعمَلِهِ وعَمَلِهِ شامِخَ الرَّأسِ بإيمانِه، كَريمَ الخُلُقِ في مُعامَلَتِه، رَحِيماً بالخَلق، ناصِراً للحَقّ، لا يَستَحيِ مِن هُوِيَّتِه، ولا يَعتَدي على حَقِّ غَيرِه.
وحَتَّى يَتَحَوَّلَ هذا المَنهَجُ إلى واقِعٍ حَيٍّ مَلموسٍ في حَياتِكُم، فهاكُم خَمسَ وَصايا جامِعَة:
أولاً: الوَصيَّةُ القَلبيَّة: اعقِدوا قُلوبَكُم على مَحَبَّةِ أولياءِ اللهِ والمُؤمِنينَ في مَشارِقِ الأَرضِ ومَغارِبِها، وتَطهيرِ الباطِنِ مِن كُلِّ وَلاءٍ يُناقِضُ حُكمَ اللهِ ورَسولِه، واستَشعِروا دائِماً جِراحَ أُمَّتِكُم ومَظلوميَّةَ إخوانِكُم في غَزَّةَ والعِراقِ والشَّامِ وفِلَسطينَ وكُلِّ صَقعٍ مَكلوم؛ فإنَّ مَن لَم يَهتَمَّ بأَمرِ المُسلِمينَ فليسَ مِنهُم، والجسدُ الواحِدُ يَشتَكي بسائِرِ أَعضائِهِ بالسَّهَرِ والحُمَّى.
ثانياً: الوَصيَّةُ اللِّسانيَّة: الزموا الصَّدعَ بالحقِّ بعِزَّةٍ وأدَب، ولا تَستَحيُوا مِن إظهارِ شَعائِرِ الإسلامِ والاعتِزازِ بأحكامِهِ في مَجالِسِكُم ومِنَصَّاتِكُم، وجَنِّبوا أَلسِنَتَكُم سَبَّ المُخالِفينَ وشَتمَهُم دُونَ وَجهِ حَقّ، بل خاطِبوهُم بالحِكمَةِ والمَوعِظَةِ الحَسَنَة، وبَيِّنوا لهُم مَحاسِنَ هذا الدِّين، فَإنَّ الهِدايَةَ لا تأتي بالفُحشِ والبَذاءَةِ بل بالبُرهانِ والأَدَبِ الرَّفيع.
ثالِثاً: الوَصيَّةُ الفِعليَّة: تَرجموا وَلاءَكُم لإخوانِكُم عَمَلاً صادِقاً ومَيداناً مَلموساً؛ بالدُّعاءِ الخالِصِ في جَوفِ اللَّيلِ وأَدبارِ الصَّلوات، وببَذلِ الصَّدَقاتِ وتَسييرِ قَوافِلِ الإغاثَةِ للمَنكوبين، وبالالتِزامِ الحازِمِ والدَّائمِ بسِلاحِ المُقاطَعَةِ الاقتصاديَّةِ للكيانِ الصُّهيونيِّ الغاصِبِ وكافَّةِ الشَّرِكاتِ والمُنتَجاتِ الدَّاعِمَةِ لآلَةِ قَتلِه؛ فإنَّ كُلَّ دِرهَمٍ تَدفَعُهُ لهُم يَتَحَوَّلُ إلى رَصاصَةٍ في صُدورِ أَطفالِنا ونِسائِنا في فِلَسطين.
رابعاً: الوَصيَّةُ الاجتِماعيَّة: قَدِّموا نَموذَجاً مُشرِقاً لعَدلِ الإسلامِ ورَحمَتِهِ وأَمانَتِهِ في بُيوتِكُم، وأَسواقِكُم، وتِجاراتِكُم، ومَكاتِبِكُم، ومُؤسَّساتِكُم؛ فلا تَغدِروا بمُستَأمَن، ولا تَظلِموا عامِلاً، ولا تَبخَسوا أَحداً حَقَّه، وكونوا سُفَراءَ صِدقٍ للإسلامِ في حُسنِ الجِوارِ ورِعايَةِ الضُّعَفاءِ والإحسانِ إلى غَيرِ المُسلِمينَ المَدَنيِّينَ الذينَ لم يُحارِبونا، لِيَعلَمَ العالَمُ كُلُّهُ أنَّ رِسالَةَ الإسلامِ هيَ رِسالَةُ النُّورِ والعَدلِ الشَّامِل.
خامساً: الوَصيَّةُ المَنهجيَّة: الثَّباتُ الرَّاسِخُ على الهُوِيَّةِ العَقديَّة؛ فلا انخِداعَ بالمَشاريعِ المَشبوهَةِ التي تُحاوِلُ تَذويبَ الفَوارِقِ بينَ التَّوحيدِ والشِّركِ (كمَشروعِ الدِّيانَةِ الإبراهيميَّةِ المَزعومَة)، ولا جُمودَ وانغِلاقَ يَقودُ إلى العُنفِ وتَكفيرِ المُجتَمَعاتِ واستِبَاحَةِ الدِّماء، بل اعتِصامٌ وَسَطِيٌّ مُحكَمٌ بنُصوصِ الوَحيِ الكَريمِ وهَديِ سَلَفِ الأُمَّةِ الصَّالِح.
فاتَّقوا اللهَ عبادَ الله، وتَقَرَّبوا إلى رَبِّكُم بالصَّلاةِ والسلامِ على خَيرِ خَلقِ الله؛ فقد أَمَرَكُم بذلِكَ رَبُّكُم في مُحكَمِ تَنزيلِهِ العَظيمِ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
اللهمَّ صَلِّ وسلِّمْ وبارِكْ وأَنعِمْ على سيِّدِنا ونبيِّنا وحَبيبِنا مُحمَّد، رَسولِ الرَّحمَةِ وإمامِ المُرْسَلين، وعلى آلِهِ الأَطهار، وأَزواجِهِ أُمَّهاتِ المُؤمِنين، وصَحابَتِهِ الغُرِّ المَيامين، أبي بكرٍ وعُمَرَ وعُثمانَ وعَليّ، وعن سائِرِ الصَّحبِ والتَّابِعين، ومَن تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين، وعَنَّا مَعَهُم بمَنِّكَ وكَرَمِكَ يا أَكرَمَ الأَكرَمين.
اللهمَّ أَعِزَّ الإسلامَ والمُسلِمين، وأَذِلَّ الشِّركَ والمُشرِكين، ودمِّرْ عِداءَكَ أعداءَ الدِّين. اللهمَّ انصُرْ إخوانَنا المُجاهِدينَ والمُرابِطينَ والمُستَضعَفينَ في غَزَّةَ وفي عُمومِ فِلَسطين، اللهمَّ كُنْ لهُم عَوْناً ونَصيراً، ومُؤَيِّداً وظَهيراً، اللهمَّ رَبَّنا ارحَمْ شُهَداءَهُم، واشفِ جَرحاهُم، وعافِ مُبتَلاهُم، وثَبِّتْ أَقدامَهُم، وسَدِّدْ رَميَهُم، واجمَعْ شَملَهُم، واحقِنْ دِماءَهُم، ورُدَّ كَيدَ الصَّهايِنَةِ المُعتَدينَ في نُحورِهِم، وأَنزِلْ بهِم بَأسَكَ الذي لا يُرَدُّ عَنِ القَومِ المُجرِمين. اللهمَّ حَصِّنْ قُلوبَ شَبابِنا وبَناتِنا مِن فِتَنِ الشُّبُهاتِ والشَّهَوات، وأَعِزَّهُم بالتَّوحيد، واجعَلْنا وإيَّاهُم هُداةً مُهتَدين، غَيرَ خَزايا ولا نادِمين.
عِبادَ الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على عَميمِ نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أَكبَر، واللهُ يَعْلَمُ ما تَصنَعون. وأَقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
الوَلاءُ والبَراءُ بينَ الاعتِزازِ بالعَقيدَةِ والسَّماحَةِ الإنسانيَّةِ المَشروعَة
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.