🕌 أدبُ الدُّعاءِ والمُناجاةِ في السَّحَر
#خطبة_جمعة #الدعاء #المناجاة #قيام_الليل #السحر #رقائق #إيمانيات #أخلاق
الحمدُ للهِ سَميعِ الدُّعاء، مُجيبِ النِّداء، كاشِفِ البَلوى والضَّرَّاء، باسِطِ اليَدِ باللَّيلِ لِيَتوبَ مُسيءُ النَّهار، وباسِطِ اليَدِ بالنَّهارِ لِيَتوبَ مُسيءُ اللَّيل، الذي تَوَحَّدَ بالعِزِّ والبَقاء، وقَهَرَ خَلقَهُ بالمَوتِ والفَناء، لا تَنفَدُ خَزائِنُهُ بكَثرَةِ العَطاء، ولا يَزيدُهُ الإلحاحُ إلَّا جُوداً وكَرَماً وسَخاء. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، إلَهُ الأوَّلينَ والآخِرين، وأمانُ الخائفين، ومَلاذُ اللَّائذين، يُحِبُّ المُلِحِّينَ في الدُّعاء، ويَستَحي مِن عَبدِهِ إذا رَفَعَ يَدَيهِ إليهِ أن يَرُدَّهُما صِفراً خائِبَتَين. وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا وحَبيبَنا وقُدوتَنا مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، وخَليلُهُ وصَفِيُّه، قامَ اللَّيلَ حتَّى تَفَطَّرَت قَدَماه، وتَبَتَّلَ في السَّحَرِ حتَّى خَضَلَت لِحيَتُهُ بدُموعِ مُناجاتِهِ وتَقواه، صلَّى اللهُ وسَلَّمَ وبارَكَ عليهِ وعلى آلِهِ الأطهار، وصَحابَتِهِ المُستَغفِرينَ بالأسحار، ومَن سارَ على نَهجِهم واقتَفى أثَرَهُم ما أظلَمَ لَيلٌ وأشرَقَ نَهار.
أمَّا بعد:
فيا عِبادَ الله، ألا ما أروَعَ السَّحَر! وما أبهى سَاعَاتِ اللَّيلِ حينَ يَهجَعُ السَّامِرون، وتَهدَأُ العُيون، ويَغورُ النَّجمُ في كَبِدِ السَّماء! تَأمَّلوا رَحِمَكُمُ اللهُ ذلكَ الوَقتَ الذي يُسدِلُ فيهِ الكَونُ حِجابَ الصَّمت، فلا تَسمَعُ إلَّا هَمسَ النَّسيم، وحَفيفَ الأغصان، وأنينَ تائبٍ في مِحرابِه، وخَفقَةَ قَلبٍ أضناهُ الشَّوقُ إلى لِقاءِ مَولاه! هناكَ — في تِلكَ اللَّحَظاتِ الشَّريفَةِ الغالِيَة — يَنكشِفُ سِترُ الغَفلةِ عنِ القُلوبِ الصَّادِقَة، وتَتَجافى الجُنوبُ عنِ المَضاجِعِ الوَثيرة، لِتَقِفَ بينَ يَدَي مَلِكِ المُلوكِ في مَجلِسٍ لا حَاجِبَ فيهِ ولا سِتار، ولا وَاسِطَةَ فيهِ بينَ العَبدِ ورَبِّهِ القَهَّار. عَجَباً لقلبٍ يَحزَنُ وعِندَهُ السَّحَر! عَجَباً لِمَهمومٍ يَضيقُ صَدرُهُ وبابُ السَّماءِ مَفتوحٌ أمَامَ ناظِرَيه! أينَ يَذهبُ الحَيارى في ظُلُماتِ الدُّنيا، وقِبلَةُ النَّجاةِ قائِمَةٌ في سَاعَةِ النُّزولِ الإلهيِّ الأعظَم؟
إنَّ الدُّعاءَ — يا مَعاشِرَ المُصلِّين — ليسَ مُجَرَّدَ استِجداءِ مَطالِبَ مادِّيَّة، ولا قَضاءِ حَوائجَ دُنيَويَّةٍ عابِرَة؛ بل الدُّعاءُ هُوَ رُوحُ العِبادَةِ ولُبَّتُها، هُوَ مِعراجُ الرُّوح، ورِحلَةُ الفَاقَةِ إلى مَنابِعِ الغِنى. يقولُ النبيُّ المُصطفى ﷺ في الحَديثِ الصَّحيحِ الذي رَواهُ التِّرمذيُّ وأبو داودَ عن النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ رضي الله عنهما: «الدُّعاءُ هُوَ العِبادَة»! تَفَكَّروا في حَصرِ النبيِّ ﷺ العِبادَةَ كُلَّها في الدُّعاء! لماذا كانَ الدُّعاءُ هُوَ العِبادَة؟ لأنَّ العَبدَ حينَ يَدعو فإنَّهُ يُجَرِّدُ التَّوحيدَ كُلَّه؛ يَشهَدُ بقَلبِهِ أنَّ اللهَ سَميعٌ يَسمَعُ كُلَّ نَجوَى، بَصيرٌ يَرى دَبيبَ النَّملَةِ السَّوداء، عَلِيمٌ بما تُكِنُّ الصُّدور، قَديرٌ لا يُعجِزُهُ شَيءٌ في الأرضِ ولا في السَّماء، كَريمٌ لا يَتَعاظَمُهُ ذَنبٌ أن يَغفِرَه، ولا سُؤالٌ أن يُعطِيَه! فإذا دَعَوتَ فقد هَدَمتَ شِركَ الأسباب، وقَطَعتَ حِبالَ التَّعَلُّقِ بالتُّراب، وأسلَمتَ قَلبَكَ كُلَّهُ لِرَبِّ الأرباب.
واسمَعوا إلى نِداءِ الرَّحمَةِ الوَدودِ الذي يَملأُ النُّفوسَ أُنساً وسَكينة، حينَ سَألَ الأعرابُ رَسولَ اللهِ ﷺ فقالوا: "يا رسولَ الله، أَقَريبٌ رَبُّنا فنُناجِيه، أَم بَعيدٌ فنُنادِيه؟" فلم يَقُلِ اللهُ لنَبيِّهِ «قُلْ»، كما قالَ في سائِرِ المَسائل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ﴾، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾... بل أزالَ سُبحانَهُ كُلَّ وَساطَةٍ حتى وَساطَةَ النُّبُوَّةِ في مَقامِ المَسألَة، وتَوَلَّى الجَوابَ بنَفسِهِ العَلِيَّة، فقالَ جلَّ جَلالُه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186]. يا الله! ما أندى هذه الكَلِماتِ على فُؤادِ المُؤمِن! ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾! لم يَقُل "سَأكونُ قَريباً"، بل أنا قَريبٌ في كُلِّ لَحظَة، أقرَبُ إليكَ مِن حَبلِ الوَريد، أسمَعُ خَفَقانَ قَلبِك، وزَفرَةَ حُزنِك، ودَمعَةَ انكسارِك قبلَ أن تَنطِقَ بها شَفَتاك! ثمَّ قال: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ — وَعدٌ حَقٌّ جازِمٌ غَيرُ مَشروطٍ بسِوى صِدقِ الدُّعاء! فأينَ السَّائلون؟ وأينَ المَكروبون؟ وأينَ أصْحابُ الحَوائجِ الذينَ أغلَقَتِ الخَلائقُ في وُجوهِهمُ الأبواب؟
أمَّا في وَقتِ السَّحَر — ذلكَ الوَقتِ المَلَكوتيِّ البَديع — فإنَّ الشَّأنَ يَعظُم، والرَّحمَةَ تَتَنَزَّلُ بتَجَلٍّ خاصٍّ تَقشَعِرُّ لهُ جُلودُ الصَّالِحين؛ روى البُخاريُّ ومُسلِمٌ في صَحيحَيهِما، عن أبي هُرَيرَةَ رضي الله عنه، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «يَنزِلُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالى كُلَّ لَيلَةٍ إلى السَّماءِ الدُّنيا حينَ يَبقى ثُلُثُ اللَّيلِ الآخِر، فيَقول: مَن يَدعُوني فأستَجيبَ له؟ مَن يَسألُني فأُعطِيَه؟ مَن يَستَغفِرُني فأغفِرَ له؟». اللهُ أكبر! اللهُ أكبر! مَلِكُ المُلوك، العَظيمُ الذي خَضَعَت لعَظَمَتِهِ السَّمواتُ والأرض، الغَنِيُّ عن عِبادِهِ وعَن صَلاتِهم وطاعَتِهم، هُوَ الذي يَنزِلُ نُزولاً يَليقُ بجَلالِهِ وسُلطانِه، ويُنادي هُوَ بِنَفسِه: "مَن يَدعوني؟ مَن يَسألني؟ مَن يَستغفرني؟"! أرَأيتُم مَلِكاً في الأرضِ يَطوفُ ببيوتِ الرَّعِيَّةِ في جَوفِ اللَّيل، يَقرَعُ أبوابَ الفُقَراءِ ليَقولَ لَهُم: مَن كانَ مِنكُم جائعاً فلْيَطعَم، ومَن كانَ مَريضاً فلْيَشتَفِ، ومَن كانَ مَهموماً فلْيَستَرِح؟! وللهِ المَثَلُ الأعلى، فكيفَ بمَلِكِ السَّمواتِ والأرض، الذي لَوِ اجتَمَعَ الأوَّلونَ والآخِرون، إنسُهُم وجِنُّهُم، في صَعيدٍ واحِدٍ فسَألوه، فأعطى كُلَّ واحِدٍ مِنهُم مَسأَلَتَه، ما نَقَصَ ذلكَ مِن مُلكِهِ إلَّا كما يَنقُصُ المِخْيَطُ إذا أُدخِلَ البَحر! ومَعَ هذا النِّداءِ الرَّحيم، تَرى النَّاسَ غارِقينَ في نَومِهم، أو عاكِفينَ على شَاشاتِهم في لَهوٍ وعَبَث، والرَّبُّ الكَريمُ يُنادي في السَّموات: "هل مِن تائب؟ هل مِن سائل؟"! ألا ما أعظَمَ الغَبْنَ! وما أشَدَّ الخُسران!
وقد أثنى اللهُ جلَّ وعلا على صَفوَةِ خَلقِهِ بأخصِّ صِفاتِهم، فقالَ في سُورَةِ آلِ عِمران: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: 17]، وقالَ سُبحانَهُ في وَصفِ أهلِ الجِنَانِ المُقَرَّبين: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ • كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ • وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: 16-18]. تَأمَّلوا مَعشرَ المُؤمِنين: قاموا اللَّيل، وصَلُّوا ورَكَعوا وسَجَدوا، وأتعبوا أجسادَهُم في طاعَةِ رَبِّهم، فلمَّا جاءَ وَقتُ السَّحَر — وهو خاتِمَةُ اللَّيل — لم يَقوموا مُدِلِّينَ بأعمالِهم، ولا مُعجَبينَ بصَلاتِهم؛ بل جَلَسوا في عَتَمَةِ السَّحَرِ مَجْلِسَ المُذنِبِ الخَائف، يَستَغفِرونَ اللهَ كأنَّهم كانوا عُصاةً طَوالَ اللَّيل! هذا هُوَ أدَبُ العُبوديَّةِ الأسمَى؛ أن تَقومَ بأعظَمِ الطَّاعات، ثمَّ تَنكسِرَ بينَ يَدَيِ اللهِ استِغفاراً مِنَ التَّقصيرِ في حَقِّه!
وقد روى الإمامُ مُسلِمٌ في صَحيحِهِ عن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ رضي الله عنهما، قال: سَمِعتُ النبيَّ ﷺ يَقول: «إنَّ في اللَّيلِ لَساعَةً، لا يُوافِقُها رَجُلٌ مُسلِم، يَسألُ اللهَ خَيراً مِن أمرِ الدُّنيا والآخِرَة، إلَّا أَعطاهُ إيَّاه، وذلكَ كُلَّ لَيلَة»! وفي سُنَنِ التِّرمذيِّ والنَّسائيِّ بسَنَدٍ صَحيحٍ عن عَمرِو بنِ عَبَسَةَ رضي الله عنه، أنَّهُ سَمِعَ النبيَّ ﷺ يَقول: «أقرَبُ ما يَكونُ الرَّبُّ مِنَ العَبدِ في جَوفِ اللَّيلِ الآخِر، فإنِ استَطَعتَ أن تَكونَ مِمَّن يَذكُرُ اللهَ في تِلكَ السَّاعَةِ فكُن».
وقد بَيَّنَ أئمَّةُ الرَّقائقِ وسادَةُ العِلمِ مَكانَةَ هذا الدُّعاءِ وسِرَّ أثَرِه؛ قالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ رحمه الله في كِتابِهِ النَّفيس «الداء والدواء»: "إذا جَمَعَ الدُّعاءُ حُضورَ القَلب، وجَمعِيَّتَهُ بكُلِّيَّتِهِ على المَطلوب، وصادَفَ وَقتاً مِن أوقاتِ الإجابَةِ السِّتَّة — وهي: الثُّلُثُ الأخيرُ مِنَ اللَّيل، وعِندَ الأذان، وبينَ الأذانِ والإقامَة، وأدبارَ الصَّلواتِ المَكتوبات، وعِندَ صُعودِ الإمامِ المِنبَرَ يومَ الجُمعَةِ حتَّى تُقضى الصَّلاة، وآخِرَ ساعَةٍ بَعدَ العَصر — وصادَفَ خُشوعاً في القَلب، وانكساراً بينَ يَدَيِ الرَّبّ، وذُلّاً لهُ ورِقَّة، واستَقبَلَ الدَّاعي القِبلَة، وكانَ على طَهارَة، ورَفَعَ يَدَيهِ إلى الله، وبَدَأَ بحَمدِ اللهِ والثَّناءِ عليهِ بما هُوَ أهلُه، وثَنَّى بالصَّلاةِ على مُحمَّدٍ عَبدِهِ ورَسولِه ﷺ، ثمَّ قَدَّمَ بينَ يَدَي حاجَتِهِ التَّوبَةَ والاستغفار، ثمَّ دَخَلَ على اللهِ وألَحَّ عليهِ في المَسألَة، وتَمَلَّقَهُ ودَعاهُ رَغبَةً ورَهبَة، وتَوَسَّلَ إليهِ بأسمائِهِ وصِفاتِهِ وتَوحيدِه، وقَدَّمَ بينَ يَدَي دُعائِهِ صَدَقَة... فإنَّ هذا الدُّعاءَ لا يَكادُ يُرَدُّ أبداً!".
وقالَ شَيخُ العُبَّادِ طاوُسُ بنُ كَيسانَ رحمه اللهُ لِرَجُلٍ رَآهُ يَتَرَدَّدُ على أبوابِ الأُمَراءِ والأغنِياء: "يا هذا! إيَّاكَ أن تَطلُبَ حَوائجَكَ مِمَّن أغلَقَ دونَكَ بابَه، وجَعَلَ دونَهُ حُجَّابَه، وعَليكَ بمَن بابُهُ مَفتوحٌ لَكَ إلى يَومِ القِيامَة، طَلَبَ مِنكَ أن تَدعُوَهُ ووَعدَكَ بالإجابَة!". وقالَ سُفيانُ الثَّوريُّ رحمه الله: "يا مَن يُحِبُّ مَن سَأَلَه، ويَبغَضُ مَن لم يَسأَله، وليسَ ذلكَ لغَيرِكَ يا رَبّ!". وقالَ الفُضَيلُ بنُ عِياض: "لو أنَّ الرَّجُلَ اجتَهَدَ أن يَأتيَ مَلِكاً مِن مُلوكِ الدُّنيا، فيَجلِسَ بينَ يَدَيهِ في جَوفِ اللَّيلِ لِيَطلُبَ مِنهُ حاجَةً لَمَنَعَهُ حُرَّاسُه، ولكنَّ مَلِكَ المُلُوكِ يَنزِلُ إلى السَّماءِ الدُّنيا ويَقول: مَن يَسألُني فأُعطِيَه؟ فما بالُ القُلوبِ رَقَدَت?!". وقال يحيى بن معاذ رحمه الله: "حاجةٌ أُريدُها مِنَ اللهِ أحَبُّ إليَّ مِن حاجَةٍ أُريدُها مِن غَيرِه؛ لأنِّي إذا سَألتُ اللهَ كُنتُ في عِبادَةٍ ورَجاء، وإذا سَألتُ غَيرَهُ كُنتُ في ذُلٍّ واستِخذاء".
عِبادَ الله، ارجِعوا بطَرفِكُم إلى القُرآنِ الكَريم، وانظُروا كَيفَ كانَ الدُّعاءُ سِلاحَ الأنبياءِ الصَّادِقين في لَحَظاتِ انقِطاعِ الأسباب! هذا نَبيُّ اللهِ زَكَرِيَّا عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام؛ بَلَغَ مِنَ الكِبَرِ عِتِيّاً، واشتَعَلَ رأسُهُ شَيباً أبيضَ كالثَّلج، وكانَتِ امرأتُهُ عاقِراً عَقيماً لا تَلِد، وسُنَنُ الطَّبيعَةِ كُلُّها تَقول: لا وَلَد! مُستَحيلٌ في مَقاييسِ البَشَر! لكنَّ زَكَرِيَّا عليهِ السَّلامُ لم يَكُن يَقيسُ بمَقاييسِ البَشَر، بل كانَ يَقيسُ بقُدرَةِ مَن يقولُ للشَّيءِ كُن فيَكون. ماذا صَنَع؟ تَخَيَّرَ وَقتَ الخَلوَة، ولَحَظاتِ السَّكَن، ودَخَلَ مِحرابَه، ونَادَى رَبَّهُ نِداءً يَفِيضُ أدَباً: ﴿إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: 3]! تَأمَّلوا في قَولِهِ تعالى: ﴿نِدَاءً خَفِيًّا﴾؛ لم يَصرُخ، ولم يَرفَع صَوتَهُ رِياءً ولا تَكَلُّفاً، بل قالَ قَتادَةُ والمُفَسِّرون: "إنَّ اللهَ يَعلَمُ القَلبَ التَّقِيّ، ويَسمَعُ الصَّوتَ الخَفِيّ، ناداهُ من حُرقَةِ قَلبِهِ بصَوتٍ لا يَكادُ يَتَجاوَزُ شَفَتَيه!". قال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا • وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: 4-5]. فماذا كانَ الجَواب؟ جاءَهُ النِّداءُ العَاجِلُ وهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي في المِحراب: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: 39]! يَحيى! الذي لم يَجعَلِ اللهُ لهُ مِن قَبلُ سَمِيّاً! خَرَقَ اللهُ لهُ قَوانينَ الطَّبيعَة، ورَزَقَهُ على كِبَرٍ ويَأسٍ مِنَ الخَلق، لأنَّ الدُّعاءَ إذا خَرَجَ مِن قَلبٍ مُوقِنٍ في ظُلمَةِ الخَلوَة، لم يَرُدَّهُ قَضاءٌ ولا قَدَر، بل يَلتَقِيانِ فيَعتَلِجانِ إلى يومِ القيامة!
واسمَعوا إلى هذهِ المَوعِظَةِ السَّاطِعَةِ مِن تاريخِ سَلَفِنا الصَّالِح؛ يُروى أنَّ طاوُسَ بنَ كَيسانَ رضي الله عنه مَرَّ في جَوفِ اللَّيلِ على الحَرَمِ المَكِّي، فرَأى شَابّاً مُتَعَلِّقاً بأستارِ الكَعبَة، يَبكي بُكاءَ الثَّكلى، ويَتَمَرَّغُ على عَتَبَةِ البَيتِ العَتيق، ويَقولُ بصَوتٍ يَقطَعُ نِياطَ القُلوب: "إلَهي، غارَتِ النُّجوم، وهَدَأَتِ العُيون، وخَلَا كُلُّ حَبيبٍ بحَبيبِه، ومَلائِكَتُكَ في السَّمواتِ يُسَبِّحون، وأنتَ الحَيُّ القَيُّومُ الذي لا تَأخُذُكَ سِنَةٌ ولا نَوم! إلَهي، بَابُكَ مَفتوحٌ للسَّائلين، وخَيرُكَ مَبذولٌ للرَّاغِبين، وعَطاؤُكَ مَرجُوٌّ للمُذنِبين... أسألُكَ بعِزَّتِكَ وجَلالِكَ أن تَرحَمَ شَيبَةَ أبي، وتَجبُرَ كَسرَ أُمِّي، وتَغفِرَ لي ذَنبي الذي حَرَمَني لَذَّةَ طاعَتِك!". قالَ طاوُس: "فدَنَوتُ مِنهُ لأنظُرَ مَن هذا العابِدُ الباكي، فإذا هُوَ عَلِيُّ بنُ الحُسَين — زَينُ العابِدينَ بنُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنهما وعن آبائِه! فقلتُ له: يا ابنَ رسولِ الله، ما هذا البُكاءُ وأنتَ مِن أهلِ بَيتِ النُّبُوَّة، ولَكَ القَرابَةُ مِن رَسولِ اللهِ ﷺ؟ فالتَفَتَ إليَّ ودُموعُهُ تَنحَدِرُ على خَدَّيهِ كالجُمان، وقال: دَع عنِّي هذا يا طاوُس! إنَّ اللهَ خَلَقَ الجَنَّةَ لِمَن أطاعَهُ ولو كانَ عَبداً حَبَشِيّاً، وخَلَقَ النَّارَ لِمَن عَصاهُ ولو كانَ سَيِّداً قُرَشِيّاً! أما سَمِعتَ قولَ اللهِ تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾؟! واللهِ لا يَنفَعُني غَداً إلَّا عَمَلٌ صالِحٌ أُقَدِّمُهُ بينَ يَدَي رَبِّي!". سبحانَ الله! زينُ العابدين، سُلالَةُ النُّبُوَّةِ والطَّهارَة، يَرجُفُ قَلبُهُ في السَّحَرِ فَرَقاً وطَمَعاً، ونَحنُ نَنامُ مِلءَ جُفونِنا كأنَّنا ضَمِنَّا الجِنَانَ ونَجَونا مِنَ النِّيران!
أينَ نَحنُ مِن هذا — يا عِبادَ الله — في واقِعِنا المُعاصِر؟ انظُروا حَولَكُم اللَّيلَة؛ إذا انْتَصَفَ اللَّيلُ وأذَّنَ السَّحَر، كَم مِنَ البيوتِ مَن تَرى فيها ضَوءاً يُوقَظُ لِصَلاة، أو سَجَّادَةً تُفرَشُ لِمُناجاة؟ القَلِيلُ جِدّاً! بَينما تَرى مَلايينَ العُيونِ شاخِصَةً في الشَّاشاتِ الزَّرقاء، تُقَلِّبُ الصَّفَحات، وتُتابِعُ التَّافِهات، وتَخوضُ في القيلِ والقالِ حتَّى مَطْلَعِ الفَجر! يَسهَرُ الواحِدُ مِنَّا ثَلاثَ ساعاتٍ أو أربَعاً على مَقطَعٍ لا يُغني ولا يُسمِنُ مِن جُوع، ولا يَستَطيعُ أن يَقتَطِعَ عَشرَ دَقائقَ في السَّحَرِ لِيَخلُوَ برَبِّ العالَمين! يَشتَكي مِن ضِيقِ الرِّزق، ويَشتَكي مِن تَفَكُّكِ الأُسرَة، ويَشتَكي مِن قَلَقِ النَّفسِ واعتِلالِ المَزاج، وهُوَ يَملِكُ مِفتاحَ الفَرَجِ بِيَدِه! ألا فليَعلَم كُلُّ مَكروب: سِهامُ اللَّيلِ لا تُخطِئ، ولكنْ لها أمَدٌ وللأمَدِ انقِضاءُ! لو كُنتَ تَعلَمُ ما يُدَبِّرُهُ اللهُ لَكَ في السَّحَرِ حينَ تَدعوه، لذابَ قَلبُكَ شَوقاً إلى اللَّيلِ كما يَشتاقُ الغَريبُ إلى وَطَنِه.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ مَن تَرَكَ الدُّعاءَ فقد غَبَنَ نَفسَه، ومَن بَخِلَ على نَفسِهِ بالمَسألَةِ فقد أوبَقَها: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]. أقْبِلوا على رَبِّكم، ورَطِّبوا ألسِنَتَكُم بذِكرِه، واملَؤوا أسحارَكُم بدُموعِ استِغفارِكم ورَجائِكم.
أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ الجَليلَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ فاستَغفِروه، إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً يَليقُ بجَلالِ وَجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، أحمَدُهُ سُبحانَهُ وأشكُرُهُ على سَوابِغِ نِعَمِهِ وإحسانِه. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، خَيرُ خَلقِهِ وخاتَمُ رُسُلِه، صلَّى اللهُ وسَلَّمَ وبارَكَ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وأتباعِه.
أمَّا بعد:
عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأولى مَعَ مَقامٍ مِن أشرَفِ المَقامات: «أدَبِ الدُّعاءِ والمُناجاةِ في السَّحَر»، وتَدَبَّرنا قُربَ اللهِ مِن عِبادِهِ في قَولِه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾، واستَشعَرنا هَيبَةَ النُّزولِ الإلهيِّ في الثُّلُثِ الأخيرِ مِنَ اللَّيلِ حينَ يَبسُطُ الرَّحمنُ عَطاءَه، ورَأينا كَيفَ كانَ الدُّعاءُ الخَفِيُّ سَبَباً في إجابَةِ زَكَرِيَّا وخَرقِ العاداتِ له، وتأمَّلنا كَيفَ كانَ الصَّالِحونَ يَخلُونَ برَبِّهم في ظُلَمِ اللَّيالي. والآنَ — أيُّها المُصلُّون الكِرام — ما هُوَ المَطلوبُ مِنَّا؟ كيفَ نُحَوِّلُ هذا العِلمَ إلى عَمَلٍ مَلموسٍ يُرافِقُنا في بُيوتِنا؟
أُوصيكُم بخَمسِ وَصايا جامِعَة، فاحفَظوها واعمَلوا بها:
الأولى (وَصيَّةٌ قَلبيَّة): حَقِّقوا اليَقينَ الجازِمَ بالإجابَة؛ قالَ النبيُّ ﷺ في الحَديثِ الصَّحيح: «ادعُوا اللهَ وأنتُم مُوقِنونَ بالإجابَة، واعلَموا أنَّ اللهَ لا يَستَجيبُ دُعاءً مِن قَلبٍ غافِلٍ لاهٍ». إذا دَعَوتَ فلا تَقُل: "أدعو وأُجَرِّب"، ولا تَقُل: "أدعو ولَعَلَّ اللهَ لا يَستجيب"، بل كُن على يَقينٍ أنَّ سُؤالَكَ مَسموع، وأنَّ عَطاءَ اللهِ حَتمٌ، إمَّا أن يُعَجِّلَهُ لك، أو يَدَّخِرَهُ لكَ في الآخِرة، أو يَصرِفَ عنكَ مِنَ السُّوءِ مِثلَه.
الثانية (وَصيَّةٌ لِسانيَّة): تَأدَّبوا بآدابِ اللِّسانِ عِندَ المَسألَة؛ لا تَدخُلوا في الدُّعاءِ مُباشَرَةً كالمُستَعجِل، بلِ ابدَؤوا بحَمدِ اللهِ والثَّناءِ عليهِ بما هُوَ أهلُه، ورَطِّبوا ألسِنَتَكُم بالصَّلاةِ على النَّبيِّ ﷺ في أوَّلِ الدُّعاءِ وأوسَطِهِ وآخِرِه؛ فإنَّ الصَّلاةَ على النَّبيِّ ﷺ مَقبولَةٌ قَطعاً، واللهُ أكرَمُ مِن أن يَقبَلَ الصَّلاتَينِ ويَرُدَّ ما بَينَهما! ثمَّ تَمَلَّقوا لرَبِّكُم بأسمائِهِ الحُسنى: "يا ذا الجَلالِ والإكرام، يا حَيُّ يا قَيُّوم".
الثالثة (وَصيَّةٌ عَمليَّةٌ فِعليَّة): أيقِظوا أسحارَكُم برَكعَتَين! لا تَجعَلوا قيامَ اللَّيلِ مَشروعاً شاقّاً تَفِرُّ مِنهُ نُفوسُكم؛ ابدَؤوا برَكعَتَينِ خَفيفَتَينِ قَبلَ أذانِ الفَجرِ برُبعِ ساعَة. رَكعَتانِ في عَتَمَةِ السَّحَر، تَسجُدُ فيهما وتَبُثُّ هُمومَك، وتَسألُ اللهَ صَلاحَ دِينِكَ ودُنياك، ورِزقَ أولادِكَ وبَرَكَةَ عُمرِك، ثمَّ تَختِمُ بوِترٍ واستغفار؛ واللهِ لَهاتانِ الرَّكعَتانِ خَيرٌ لَكَ مِن كُلِّ مَتاعِ الدُّنيا وما فيها!
الرابعة (وَصيَّةٌ اجتماعيَّة): أشرِكوا إخوانَكُمُ المُسلِمينَ في دَعَواتِ الخَلوَة؛ قالَ النبيُّ ﷺ في الحَديثِ الصَّحيحِ الذي رَواهُ مُسلِم: «دَعوَةُ المَرءِ المُسلِمِ لأخيهِ بظَهرِ الغَيبِ مُستَجابَة، عِندَ رأسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّل، كُلَّما دَعا لأخيهِ بخَيرٍ قالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ به: آمين، ولكَ بمِثل!». ادعُ لوالدَيك، ادعُ لزَوجَتِكَ وأولادِك، ادعُ لأرحامِك، وادعُ لإخوانِكَ المُستَضعَفينَ والمَنكوبينَ في أرجاءِ الأرض؛ تَنَل دَعوَةَ المَلَكِ بالبَرَكَةِ والرِّفعة.
الخامسة (وَصيَّةٌ مَوضوعيَّةٌ خاصَّة): طَهِّروا مَطاعِمَكُم ومَشارِبَكُم مِنَ الحَرامِ والشُّبُهات؛ فإنَّ أكلَ الحَرامِ أعظَمُ حِجابٍ يَمْنَعُ صُعودَ الدُّعاء! ذَكَرَ النبيُّ ﷺ: «الرَّجُلَ يُطيلُ السَّفَر، أشعَثَ أغبَر، يَمُدُّ يَدَيهِ إلى السَّماء: يا رَبّ، يا رَبّ، ومَطعَمُهُ حَرام، ومَشرَبُهُ حَرام، ومَلبَسُهُ حَرام، وغُذِّيَ بالحَرام، فأنَّى يُستَجابُ لذلك؟!» [رواه مسلم]. فأطِبْ مَطعَمَكَ تَكُنْ مُستَجابَ الدَّعوَة.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، وتَزَوَّدوا لآخِرَتِكُم بطاعَةِ رَبِّكُم، وتَقَرَّبوا إليهِ بالمَسألَةِ والخُضوع: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: 18].
ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على الهادي البَشيرِ والسِّراجِ المُنير، نَبيِّنا مُحمَّدٍ صلواتُ ربِّي وسلامُهُ عليه، امتِثالاً لأمرِ رَبِّكُمُ العَظيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ وبارِكْ على سيِّدِنا ونَبيِّنا مُحمَّدٍ، وعلى آلِهِ الطَّيِّبينَ الطَّاهِرين، وأزواجِهِ أُمَّهاتِ المُؤمِنين، وصَحابَتِهِ الغُرِّ المَيامين، وعَنَّا مَعَهُم بمَنِّكَ وكَرَمِكَ يا أكرَمَ الأكرَمين.
اللَّهُمَّ يا سَميعَ الدُّعاء، يا واسِعَ العَطاء، يا كاشِفَ الكَربِ والبَلاء؛ نَسألُكَ بأسمائِكَ الحُسنى كُلِّها، وبصِفاتِكَ العُلى، وباسمِكَ الأعظَمِ الذي إذا دُعيتَ بهِ أجَبت، وإذا سُئِلتَ بهِ أعطَيت، أن تَجعَلَنا مِن أهلِ الدُّعاءِ المُستَجاب، ومِنَ المُخبتينَ المُنكسِرينَ على الأعتاب.
اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلينا قِيامَ اللَّيل، ووَفِّقنا لِمُناجاتِكَ بالأسحار، واملَأ قُلوبَنا بيَقينِ الإجابَةِ والرِّضا. اللَّهُمَّ لا تَدَعْ لَنا في مَقامِنا هذا ذَنباً إلَّا غَفَرتَه، ولا هَمّاً إلَّا فَرَّجتَه، ولا دَيْناً إلَّا قَضَيتَه، ولا مَريضاً إلَّا شَفَيتَه، ولا مُبتَلىً إلَّا عافَيتَه، ولا ضالّاً إلَّا هَدَيتَه، ولا مَيِّتاً مِن أمواتِنا إلَّا رَحِمتَه، ولا حاجَةً مِن حَوائجِ الدُّنيا والآخِرَةِ هيَ لَكَ رِضىً ولَنا فيها صَلاحٌ إلَّا أعَنتَنا على قَضائِها ويَسَّرتَها يا أرحَمَ الرَّاحِمين.
اللَّهُمَّ أصلِحْ لَنا دِينَنا الذي هُوَ عِصمَةُ أمرِنا، وأصلِحْ لَنا دُنيانا التي فيها مَعاشُنا، وأصلِحْ لَنا آخِرَتَنا التي إليها مَعادُنا، واجعَلِ الحَياةَ زِيادَةً لَنا في كُلِّ خَير، واجعَلِ المَوتَ راحَةً لَنا مِن كُلِّ شَرّ. اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ خَشيَتَكَ في الغَيبِ والشَّهادَة، وكَلِمَةَ الحَقِّ في الغَضَبِ والرِّضا، والقَصدَ في الفَقرِ والغِنى، ونَسألُكَ نَعيماً لا يَنفَد، وقُرَّةَ عَينٍ لا تَنقَطِع، ونَسألُكَ الرِّضا بَعدَ القَضاء، وبَردَ العَيشِ بَعدَ المَوت، ولَذَّةَ النَّظَرِ إلى وَجهِكَ الكَريم، والشَّوقَ إلى لِقائِك، في غَيرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّة، ولا فِتنَةٍ مُضِلَّة. اللَّهُمَّ انصُرِ الإسْلامَ وأعِزَّ المُسلِمين، واجعَل هذا البَلَدَ آمِناً مُطمَئِنّاً وسائرَ بِلادِ المُسلمين.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
عِبادَ الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
________________
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
أدبُ الدُّعاءِ والمُناجاةِ في السَّحَر
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.