الأَمرُ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيُ عَنِ المُنكَرِ أَصلُ خَيرِيَّةِ الأُمَّةِ وَسِرُّ نَهضَةِ المُجتَمَعَاتِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن فِقهِ التَّنَاصُحِ بَينَ طَلَبَةِ المَدَارِسِ وَالفَرقِ بَينَ إِصلَاحِ الخَطَأِ وَالوِشَايَةِ
الحَمدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ الأَمرَ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيَ عَنِ المُنكَرِ قِوَامَ الدِّينِ وَسِيَاجَ المِلَّةِ، وَأَنَاطَ بِهِمَا خَيرِيَّةَ هَذِهِ الأُمَّةِ وَعِزَّتَهَا وَرِفعَتَهَا بَينَ الأُمَمِ كُلِّهَا، وَشَرَعَ التَّنَاصُحَ وَالتَّوَاصِيَ بِالحَقِّ وَالصَّبرِ صِمَامَ أَمَانٍ يَحمِي المُجتَمَعَاتِ مِنَ الفَوضَى وَالِانهِيَارِ، وَيَقِي النَّاشِئَةَ وَالأَجيَالَ مِن مَزَالِقِ التَّمَرُّدِ وَالِاستِهتَارِ، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ الشَّاكِرِينَ، وَنَستَعِينُهُ استِعَانَةَ الصَّادِقِينَ المُصلِحِينَ، القَائِلِ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وَالقَائِلِ جَلَّ شَأنُهُ: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١].
وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةَ مَن أَيقَنَ أَنَّ صَلَاحَ الأُمَمِ وَنَهضَةَ الأَوطَانِ وَاستِقرَارَ المُؤَسَّسَاتِ وَالمَدَارِسِ لَا يَقُومُ عَلَى السَّلبِيَّةِ وَالتَّفرُّجِ عَلَى الأَخطَاءِ وَالتَّستُّرِ عَلَى المَفَاسِدِ، بَل يَقُومُ عَلَى الإِيجَابِيَّةِ الرَّاشِدَةِ، وَالنَّصِيحَةِ المَسؤُولَةِ، وَحِمَايَةِ النِّظَامِ العَامِّ وَالأَخلَاقِ الفَاضِلَةِ؛ كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧].
وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَمُعَلِّمَنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِن خَلقِهِ وَخَلِيلُهُ، الَّذِي بَعَثَهُ اللهُ يَأمُرُ بِالمَعرُوفِ وَيَنهَى عَنِ المُنكَرِ، وَيُحِلُّ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ الخَبَائِثَ، وَيَضَعُ عَنِ النَّاسِ إِصرَهُم وَالأَغلَالَ الَّتِي كَانَت عَلَيهِم، وَجَعَلَ الدِّينَ كُلَّهُ مَجمُوعًا فِي النَّصِيحَةِ الصَّادِقَةِ، وَقَرَنَ إِمَاطَةَ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ بِشُعَبِ الإِيمَانِ الرَّفِيعَةِ؛ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَعَلَى أَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ، الَّذِينَ كَانُوا أَبرَّ النَّاسِ قُلُوبًا، وَأَصدَقَهُم نُصحًا، وَأَحرَصَهُم عَلَى سَلَامَةِ سَفِينَةِ المُجتَمَعِ مِنَ الخَرقِ وَالفَسَادِ، وَعَلَى التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ المَعَادِ.
أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَنَفسِيَ المُقَصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالقِيَامِ بِفَرِيضَةِ الإِصلَاحِ وَالتَّنَاصُحِ بِالحِكمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤].
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: لَو تَأَمَّلنَا تَارِيخَ الأُمَمِ وَالحَضَارَاتِ، وَبَحَثنَا عَنِ السِّرِّ الأَعظَمِ الَّذِي تَنهَضُ بِهِ المُجتَمَعَاتُ فَتَسمُو فِي مَعَارِجِ القُوَّةِ وَالعِلمِ وَالأَخلَاقِ وَالنِّظَامِ، أَو تَنهَارُ بِفِقدَانِهِ فَتَهوِي فِي دَرَكَاتِ الفَوضَى وَالتَّفَكُّكِ وَالهَلَاكِ؛ لَوَجَدنَا ذَلِكَ السِّرَّ يَكمُنُ فِي شَعِيرَةٍ عَظِيمَةٍ هِيَ القُطبُ الَّذِي تَدُورُ عَلَيهِ رَحَى الإِسلَامِ، أَلَا وَهِيَ شَعِيرَةُ: الأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ!
لَقَد سَمَّى اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ خَيرٍ وَفَضِيلَةٍ وَطَاعَةٍ وَنِظَامٍ وَعَدلٍ «مَعرُوفًا»؛ لِأَنَّ العُقُولَ السَّلِيمَةَ وَالفِطَرَ المُستَقِيمَةَ تَعرِفُ حُسنَهُ وَتَشهَدُ بِصَلَاحِهِ وَنَفعِهِ، وَسَمَّى كُلَّ شَرٍّ وَمَعصِيَةٍ وَظُلمٍ وَفَوضَى وَإِيذَاءٍ «مُنكَرًا»؛ لِأَنَّ العُقُولَ الرَّاشِدَةَ وَالفِطَرَ النَّقِيَّةَ تُنكِرُهُ وَتَستَقبِحُهُ وَتَأبَى ضَرَرَهُ!
وَانظُرُوا -يَا رَعَاكُمُ اللهُ- إِلَى آيَةِ الخَيرِيَّةِ فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]؛ كَيفَ قَدَّمَ اللهُ سُبحَانَهُ ذِكرَ الأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ عَلَى ذِكرِ الإِيمَانِ بِاللهِ مَعَ أَنَّ الإِيمَانَ هُوَ الأَصلُ! قَالَ أَئِمَّةُ التَّفسِيرِ: إِنَّمَا قُدِّمَ الأَمرُ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيُ عَنِ المُنكَرِ هُنَا؛ لِأَنَّ الأُمَمَ السَّابِقَةَ شَارَكَت هَذِهِ الأُمَّةَ فِي أَصلِ الإِيمَانِ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تَمَيَّزَت وَفَاقَت سَائِرَ الأُمَمِ بِأَنَّهَا أُمَّةٌ إِيجَابِيَّةٌ مُصلِحَةٌ لَا تَرضَى بِالفسَادِ وَلَا تَسكُتُ عَلَى البَاطِلِ؛ فَبِهَذِهِ الفَرِيضَةِ نَالَت وِسَامَ الخَيرِيَّةِ! فَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَمُستَدرَكِ الحَاكِمِ عَن أَمِيرِ المُؤمِنِينَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَن سَرَّهُ أَن يَكُونَ مِن تِلكُمُ الأُمَّةِ فَلْيُؤَدِّ شَرطَ اللهِ فِيهَا»!
إِنَّ المُجتَمَعَ المُسلِمَ -مِنَ الدَّولَةِ الكُبرَى إِلَى المَدرَسَةِ وَالمُؤَسَّسَةِ وَالحَيِّ وَالأُسرَةِ- أَشبَهُ مَا يَكُونُ بِسَفِينَةٍ وَاحِدَةٍ تَمخُرُ عُبَابَ البَحرِ؛ فَإِذَا قَامَ رُكَّابُ السَّفِينَةِ بِوَاجِبِ النَّصِيحَةِ وَاليَقَظَةِ وَمَنعِ العَابِثِينَ مِن خَرقِهَا، نَجَا الجَمِيعُ وَوَصَلَتِ السَّفِينَةُ إِلَى بَرِّ الأَمَانِ وَالنَّهضَةِ وَالتَّفَوُّقِ؛ وَإِذَا تَرَكُوا العَابِثَ يَخرِقُ فِي مَوضِعِهِ بِدَعوَى الحُرِّيَّةِ الشَّخصِيَّةِ أَو بِدَعوَى «دَعِ الخَلقَ لِلخَالِقِ» أَو خَوفًا مِن أَن يُوصَفَ النَّاصِحُ بِالتَّدَخُّلِ، غَرِقَتِ السَّفِينَةُ بِمَن فِيهَا!
استَمِعُوا إِلَى هَذَا المَثَلِ النَّبَوِيِّ الخَالِدِ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ النُّعمَانِ بنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَومٍ استَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعضُهُم أَعلَاهَا وَبَعضُهُم أَسفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسفَلِهَا إِذَا استَقَوا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَن فَوقَهُم، فَقَالُوا: لَو أَنَّا خَرَقنَا فِي نَصِيبِنَا خَرقًا وَلَم نُؤذِ مَن فَوقَنَا! فَإِن يَترُكُوهُم وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِن أَخَذُوا عَلَى أَيدِيهِم نَجَوا وَنَجَوا جَمِيعًا»!
مَعَاشِرَ الآبَاءِ وَالمُعَلِّمِينَ، وَيَا أَبنَاءَنَا الطَّلَبَةَ النُّجَبَاءَ فِي مَدَارِسِنَا وَمَعَاهِدِنَا: إِنَّ المَدرَسَةَ هِيَ المَصنَعُ الأَوَّلُ الَّذِي تُصنَعُ فِيهِ عُقُولُ الأُمَّةِ وَأَخلَاقُهَا وَنهضَتُهَا، وَهِيَ سَفِينَةُ العِلمِ وَالتَّربِيَةِ الَّتِي يَشتَرِكُ فِي رُكُوبِهَا الطُّلَّابُ وَالمُعَلِّمُونَ وَالإِدَارَةُ؛ وَإِنَّ مِن أَخطَرِ مَا يُهَدِّدُ هَذِهِ السَّفِينَةَ أَن تَشِيعَ بَينَ الطَّلَبَةِ ثَقَافَةٌ مَغلُوطَةٌ دَخِيلَةٌ عَلَى دِينِنَا وَقِيَمِنَا؛ حَيثُ يَرَى الطَّالِبُ زَمِيلَهُ يَرتَكِبُ خَطَأً أَخلَاقِيًّا، أَو يَعتَدِي عَلَى طَالِبٍ ضَعِيفٍ بِالتَّنَمُّرِ وَالإِيذَاءِ، أَو يُتلِفُ مَرافِقَ المَدرَسَةِ، أَو يَجلِبُ مَا يُمنَعُ جَلبُهُ، أَو يَخرُقُ نِظَامَ الفَصلِ وَالمَدرَسَةِ، فَيَسكُتُ عَنهُ وَلَا يَنصَحُهُ، أَو إِذَا عَجَزَ عَن رَدعِهِ امْتَنَعَ عَن إِبلَاغِ المُعَلِّمِ أَوِ الإِدَارَةِ؛ خَوفًا مِن أَن يَتَّهِمَهُ زُمَلَاؤُهُ بِأَنَّهُ «وَاشٍ» أَو «نَمَّامٌ» أَو «فَتَّانٌ»!
وَهَاهُنَا -يَا عِبَادَ اللهِ- يَجِبُ أَن نَضَعَ النِّقَاطَ عَلَى الحُرُوفِ بِمِيزَانِ الشَّرعِ الحَكِيمِ وَالتَّربِيَةِ الرَّاشِدَةِ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ لِأَبنَائِنَا الطُّلَّابِ الخَيطُ الأَبيَضُ مِنَ الخَيطِ الأَسوَدِ:
إِنَّ الطَّالِبَ المُسلِمَ الصَّادِقَ مَأمُورٌ أَوَّلًا بِأَن يَكُونَ مِرآةً صَافِيَةً وَنَاصِحًا أَمِينًا لِزَمِيلِهِ؛ فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ مِن حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَن رَأَى مِنكُم مُنكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِن لَم يَستَطِع فَبِلِسَانِهِ، فَإِن لَم يَستَطِع فَبِقَلبِهِ، وَذَلِكَ أَضعَفُ الإِيمَانِ». وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ أَيضًا عَن تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، قُلنَا: لِمَن؟ قَالَ: «للهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ المُسلِمِينَ وَعَامَّتِهِم».
فَإِذَا رَأَى الطَّالِبُ زَمِيلَهُ يَعمَلُ شَيئًا خَاطِئًا أَو يُقَصِّرُ فِي وَاجِبٍ أَو يُخَالِفُ نِظَامًا، فَإِنَّ الخُطوَةَ الأُولَى الوَاجِبَةَ عَلَيهِ هِيَ: أَن يَتَقَدَّمَ إِلَى زَمِيلِهِ بِنَصِيحَةٍ فَردِيَّةٍ سِرِّيَّةٍ، بِكُلِّ وُدٍّ وَلُطفٍ وَرِفقٍ وَمَحَبَّةٍ، بَعِيدًا عَنِ التَّعيِيرِ وَالتَّشهِيرِ؛ يُذَكِّرُهُ بِاللهِ، وَيُبَيِّنُ لَهُ خَطَأَ فِعلِهِ وَضَرَرَهُ عَلَى نَفسِهِ وَمُستَقبَلِهِ وَمَدرَسَتِهِ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَاهُ مُسلِمٌ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: «إِنَّ الرِّفقَ لَا يَكُونُ فِي شَيءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنزَعُ مِن شَيءٍ إِلَّا شَانَهُ».
فَإِنِ استَجَابَ الزَّمِيلُ لِلنَّصِيحَةِ، وَأَقلَعَ عَنِ الخَطَأِ، وَعَادَ إِلَى الصَّوَابِ وَالانضِبَاطِ؛ وَجَبَ حِينَئِذٍ السَّترُ عَلَيهِ، وَحَرُمَ فَضحُهُ أَو إِشَاعَةُ زَلَّتِهِ، وَفَازَ النَّاصِحُ بِأَجرِ الهِدَايَةِ وَأَجرِ السَّترِ؛ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَمَن سَتَرَ مُسلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ».
وَلَكِن مَاذَا لَو لَم يَستَجِبِ الزَّمِيلُ لِلنَّصِيحَةِ الوُدِّيَّةِ، وَأَصَرَّ عَلَى الخَطَأِ وَالمُخَالَفَةِ، أَو كَانَتِ المُخَالَفَةُ تَحمِلُ ضَرَرًا أَو خَطَرًا عَلَى الطَّالِبِ نَفسِهِ أَو عَلَى زُمَلَائِهِ أَو عَلَى نِظَامِ المَدرَسَةِ؟! هُنَا تَأتِي الخُطوَةُ الثَّانِيَةُ الحَاسِمَةُ: وَهِيَ رَفعُ الأَمرِ تَدرِيجِيًّا حَسَبَ حَجمِ المُخَالَفَةِ إِلَى المُعَلِّمِ المُربي أَو إِلَى إِدَارَةِ المَدرَسَةِ!
وَاعلَمُوا عِلمَ اليَقِينِ -يَا أَبنَاءَنَا الطَّلَبَةَ وَيَا مَعَاشِرَ الآبَاءِ وَالمُرَبِّينَ- أَنَّ رَفعَ الأَمرِ إِلَى المُعَلِّمِ أَوِ الإِدَارَةِ بَعدَ عَدَمِ استِجَابَةِ المُخطِئِ لِلنَّصِيحَةِ لَا يُعَدُّ مِنَ الوِشَايَةِ وَلَا مِنَ النَّمِيمَةِ المُحَرَّمَةِ فِي شَيءٍ أَبَدًا، بَل هُوَ دَرَجَةٌ شَرعِيَّةٌ وَاجِبَةٌ مِن دَرَجَاتِ تَغيِيرِ المُنكَرِ وَإِزَالَةِ الضَّرَرِ وَنُصرَةِ الأَخِ!
أَتَدرُونَ مَا هُوَ الفَرقُ العَظِيمُ بَينَ «الوِشَايَةِ وَالنَّمِيمَةِ» وَبَينَ «الأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ وَالإِبلَاغِ لِلإِصلَاحِ»؟ إِنَّ النَّمَّامَ الوَاشِيَ هُوَ مَن يَنقُلُ الكَلَامَ وَيَتَصَيَّدُ الهَفَوَاتِ عَلَى وَجهِ الإِفسَادِ بَينَ القُلُوبِ، وَالتَّشفِّي وَالِانتِقَامِ، وَإِيقَاعِ الأَذَى بِالنَّاسِ بِلَا نُصحٍ وَلَا إِرَادَةِ إِصلَاحٍ؛ وَأَمَّا الطَّالِبُ الآمِرُ بِالمَعرُوفِ النَّاهِي عَنِ المُنكَرِ، فَإِنَّهُ يَنصَحُ زَمِيلَهُ أَوَّلًا بِلُطفٍ وَمَحَبَّةٍ، فَإِذَا رَأَى زَمِيلَهُ مُصِرًّا عَلَى مَا يَضُرُّ نَفسَهُ وَيَضُرُّ غَيرَهُ وَيَهدِمُ نِظَامَ مَدرَسَتِهِ، رَفَعَ الأَمرَ إِلَى المُعَلِّمِ أَوِ الإِدَارَةِ الَّتِي تَملِكُ صَلَاحِيَّةَ التَّقوِيمِ وَالإِصلَاحِ، وَقَصدُهُ فِي ذَلِكَ إِنقَاذُ زَمِيلِهِ مِنَ التَّمَادِي فِي الغَيِّ وَالهَلَاكِ، وَالحِفَاظُ عَلَى أَمنِ المَدرَسَةِ وَنِظَامِهَا، وَلَيسَ قَصدُهُ إِيذَاءَ زَمِيلِهِ أَوِ التَّشفِّيَ مِنهُ!
تَأَمَّلُوا -يَا رَعَاكُمُ اللهُ- كَيفَ فَسَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ نُصرَةَ الأَخِ المُخطِئِ؛ فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ مِن حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «انصُر أَخَاكَ ظَالِمًا أَو مَظلُومًا»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظلُومًا، أَفَرَأَيتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيفَ أَنصُرُهُ؟ قَالَ: «تَحجُزُهُ أَو تَمنَعُهُ مِنَ الظُّلمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ نَصرُهُ»!
اللهُ أَكبَرُ! إِنَّ مَنعَ الزَّمِيلِ مِنَ الخَطَأِ وَالظُّلمِ وَالمُخَالَفَةِ -سَوَاءٌ بِالنُّصحِ المُبَاشِرِ، أَو بِالِاستِعَانَةِ بِالمُعَلِّمِ وَالإِدَارَةِ عِندَ إِصرَارِهِ- هُوَ عَينُ نُصرَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ؛ كَمَا أَنَّ المَرِيضَ إِذَا رَفَضَ الدَّوَاءَ وَأَوشَكَ عَلَى الهَلَاكِ، فَإِنَّ مَن يُخبِرُ الطَّبِيبَ وَوَلِيَّ الأَمرِ بِحَالِهِ لِيُعَالِجَهُ لَيسَ عَدُوًّا لَهُ وَلَا وَاشِيًا بِهِ، بَل هُوَ أَصدَقُ النَّاسِ شَفَقَةً عَلَيهِ وَإِنقَاذًا لَهُ!
وَفِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ العَطِرَةِ شَاهِدٌ عَظِيمٌ لِلطَّلَبَةِ وَالنَّاشِئَةِ: فَفِي الصَّحِيحَينِ أَنَّ الغُلَامَ اليَافِعَ الصَّحَابِيَّ زَيدَ بنَ أَرقَمَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ سَمِعَ فِي غَزوَةِ بَنِي المُصطَلِقِ رَأسَ المُنَافِقِينَ يَقُولُ كَلَامًا خَطِيرًا يُرِيدُ بِهِ شَقَّ صَفِّ المُسلِمِينَ وَإِثَارَةَ الفِتنَةِ وَالتَّمَرُّدِ، فَلَم يَسكُتِ الغُلَامُ زَيدُ بنُ أَرقَمَ وَيَقُل: «لَا أُرِيدُ أَن أَكُونَ نَمَّامًا»، بَل رَفَعَ الأَمرَ إِلَى عَمِّهِ ثُمَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حِفَاظًا عَلَى جَمَاعَةِ المُسلِمِينَ وَنِظَامِهِم؛ فَأَنزَلَ اللهُ سُبحَانَهُ سُورَةً كَامِلَةً تُصَدِّقُ زَيدًا، وَأَمسَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِأُذُنِ زَيدٍ وَقَالَ لَهُ: «إِنَّ اللهَ قَد صَدَّقَكَ يَا غُلَامُ، وَوَفَت أُذُنُكَ»! وَلِهَذَا أَجمَعَ العُلَمَاءُ كَمَا ذَكَرَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي رِيَاضِ الصَّالِحِينَ وَالأَذكَاِرِ عَلَى أَنَّ إِبلَاغَ مَن لَهُ وِلَايَةٌ وَقُدرَةٌ عَلَى إِزَالَةِ المُنكَرِ وَرَدِّ المُخطِئِ إِلَى الصَّوَابِ لَيسَ مِنَ الغِيبَةِ وَلَا مِنَ النَّمِيمَةِ، بَل هُوَ مِن وَاجِبِ التَّعَاوُنِ عَلَى البِرِّ وَالتَّقوَى!
عبادَ اللهِ، وَيَا أَبنَاءَنَا الطَّلَبَةَ الكِرَامَ: هُنَالِكَ قَاعِدَةٌ ذَهَبِيَّةٌ صَارِمَةٌ لَا يَجُوزُ التَّهَاوُنُ فِيهَا أَبَدًا؛ وَهِيَ أَنَّهُ فِي كُلِّ الأَحوَالِ عِندَ رُؤيَةِ الخَطَأِ أَوِ المُخَالَفَةِ يَجِبُ عَدَمُ المُشَارَكَةِ فِيهَا، وَلَا الضَّحِكِ عَلَيهَا، وَلَا التَّصفِيقِ لِفَاعِلِهَا، وَلَا الرِّضَا بِهَا فِي القَلبِ!
إِنَّ كَثِيرًا مِنَ المُخَالَفَاتِ السُّلُوكِيَّةِ وَالفَوضَى فِي المَدَارِسِ إِنَّمَا تَنمُو وَتَتَفَاقَمُ؛ لِأَنَّ الطَّالِبَ المُشاغِبَ أَوِ المُخطِئَ يَجِدُ حَولَهُ مَن يَضحَكُ لِفِعلِهِ، وَيُصَفِّقُ لِجُرأَتِهِ، وَيَستَظرِفُ خُرُوجَهُ عَلَى النِّظَامِ! وَمَا عَلِمَ ذَلِكَ الضَّاحِكُ أَنَّ ضَحِكَهُ وَتَشجِيعَهُ شَرَاكَةٌ كَامِلَةٌ فِي الإِثمِ وَالعُدوَانِ؛ فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ عَنِ العُرسِ بنِ عَمِيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا عُمِلَتِ الخَطِيئَةُ فِي الأَرضِ، كَانَ مَن شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا كَمَن غَابَ عَنهَا، وَمَن غَابَ عَنهَا فَرَضِيَهَا كَمَن شَهِدَهَا»! وَقَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢].
وَإِيَّاكَ -أَيُّهَا الطَّالِبُ النَّبِيهُ وَأَيُّهَا المُسلِمُ العَاقِلُ- أَن تَقُولَ: «هَذِهِ مُخَالَفَةٌ بَسِيطَةٌ أَو مِزَاحٌ يَسِيرٌ لَا يَستَحِقُّ النُّصحَ وَلَا الإِنكَارَ»؛ فَإِنَّ المُخَالَفَةَ مَهمَا كَانَت بَسِيطَةً فِي رَأيِكَ وَفِي عَينِكَ، فَإِنَّهَا تَحمِلُ فِي طَيَّاتِهَا بَذرَةَ التَّمَرُّدِ عَلَى القَوَانِينِ، وَرُوحَ الِاستِهتَارِ بِالنِّظَامِ، وَإِذَا تُرِكَتِ البَذرَةُ الصَّغِيرَةُ دُونَ اقتِلَاعٍ نَبَتَت شَجَرَةً شَائِكَةً مِنَ الفَوضَى وَالانفِلَاتِ يَصعُبُ عِلَاجُهَا!
أَلَم يَقُلِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ وَمُعجَمِ الطَّبَرَانِيِّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ مِن حَدِيثِ سَهلِ بنِ سَعدٍ وَعَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «إِيَّاكُم وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ؛ فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَمَثَلِ قَومٍ نَزَلُوا بَطنَ وَادٍ، فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، حَتَّى جَمَعُوا مَا أَنضَجُوا بِهِ خُبزَهُم، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤخَذ بِهَا صَاحِبُهَا تُهلِكْهُ»!
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، الَّذِي جَعَلَ كَفَّ الأَذَى وَمَنعَ الضَّرَرِ عَنِ المُسلِمِينَ مِن أَجمَلِ الصَّدَقَاتِ وَأَرفَعِ شُعَبِ الإِيمَانِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الكَرِيمُ المَنَّانُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ المَبعُوثُ بِالرَّحمَةِ وَالهُدَى وَالإِحسَانِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعلَمُوا أَنَّنَا حِينَ نُؤَصِّلُ هَذَا الخُلُقَ القُرآنِيَّ وَالتَّربَوِيَّ العَظِيمَ فِي بُيُوتِنَا وَمَدَارِسِنَا، فَإِنَّنَا نُكَرِّرُ وَنُؤَكِّدُ بِأَعلَى صَوتٍ وَأَوضَحِ بَيَانٍ: إِنَّنَا لَا نُرِيدُ أَن نُرَبِّيَ وُشَاةً وَنَمَّامِينَ يَتَجَسَّسُونَ عَلَى إِخوَانِهِم أَو يَفرَحُونَ بِزَلَّاتِ زُمَلَائِهِم، حَاشَا للهِ! وَلَكِنَّنَا نُرِيدُ أَن نُرَبِّيَ جِيلًا مِنَ الآمِرِينَ بِالمَعرُوفِ وَالنَّاهِينَ عَنِ المُنكَرِ، الرَّاشِدِينَ الإِيجَابِيِّينَ الحَرِيصِينَ عَلَى الخَيرِ؛ يَبدَأُ أَحَدُهُم بِنَصِيحَةِ زَمِيلِهِ بِوُدٍّ وَلُطفٍ وَسَترٍ، فَإِنِ استَجَابَ حَفِظَ سِرَّهُ وَشَكَرَ لَهُ رُجُوعَهُ، وَإِن أَبَى وَتَمَادَى رَفَعَ الأَمرَ تَدرِيجِيًّا حَسَبَ المُخَالَفَةِ إِلَى المُعَلِّمِ أَوِ الإِدَارَةِ؛ بِغَرَضِ الحِفَاظِ عَلَى الزَّمِيلِ نَفسِهِ وَحِمَايَةِ مَسِيرَتِهِ، وَالحِفَاظِ عَلَى نِظَامِ المَدرَسَةِ وَأَمنِهَا، وَلَيسَ بِهَدَفِ إِيذَائِهِ أَوِ الإِضرَارِ بِهِ!
وَلِكَي يَتَّضِحَ هَذَا المَعنَى الجَلِيلُ فِي أَذهَانِ أَبنَائِنَا وَمُجتَمَعِنَا، تَأَمَّلُوا -يَا عِبَادَ اللهِ- ذَلِكَ الشَّبَهَ العَجِيبَ وَالتَّلَازُمَ الوَثِيقَ بَينَ «إِمَاطَةِ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» وَبَينَ «النَّهيِ عَنِ المُنكَرِ»؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الإِيمَانُ بِضعٌ وَسَبعُونَ -أَو بِضعٌ وَسِتُّونَ- شُعبَةً، فَأَفضَلُهَا قَولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالحَيَاءُ شُعبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ».
وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بَينَ الأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ وَإِمَاطَةِ الأَذَى فِي مَقَامِ الصَّدَقَاتِ اليَومِيَّةِ العَظِيمَةِ فَقَالَ: «وَأَمرُكَ بِالمَعرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهيُكَ عَنِ المُنكَرِ صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَتُكَ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ»! وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «بَينَمَا رَجُلٌ يَمشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصنَ شَوكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ»!
سُبحَانَ اللهِ العَظِيمِ! اسأَلُوا أَنفُسَكُم يَا عِبَادَ اللهِ: لِمَاذَا شَكَرَ اللهُ لِذَلِكَ الرَّجُلِ وَغَفَرَ لَهُ وَأَدخَلَهُ الجَنَّةَ بِسَبَبِ غُصنِ شَوكٍ نَحَّاهُ عَن طَرِيقِ النَّاسِ؟ لِأَنَّهُ مَنَعَ الضَّرَرَ وَالأَذَى قَبلَ أَن يَقَعَ عَلَى أَقدَامِ المَارَّةِ!
فَإِذَا كَانَت إِزَالَةُ شَوكَةٍ أَو حَجَرٍ أَو زُجَاجَةٍ مِن مَمَرِّ المَدرَسَةِ أَو شَارِعِ الحَيِّ شُعبَةً مِن شُعَبِ الإِيمَانِ وَسَبَبًا لِمَغفِرَةِ الرَّحمَنِ؛ لِأَنَّهَا تَمنَعُ الأَذَى الحِسِّيَّ عَنِ الأَبدَانِ، فَوَاللهِ إِنَّ النَّهيَ عَنِ المُنكَرِ، وَمُنَاصَحَةَ المُخطِئِ، وَمَنعَ الفَوضَى وَالتَّنَمُّرِ وَالعَبَثِ وَالفَسَادِ الأخلاقِيِّ وَالنِّظَامِيِّ، هُوَ أَعظَمُ إِمَاطَةٍ لِلأَذَى عَن طَرِيقِ العِلمِ وَالتَّربِيَةِ وَالمُجتَمَعِ! فَالشَّوكَةُ فِي الطَّرِيقِ قَد تَجرَحُ قَدَمًا فَتَبرَأُ بَعدَ أَيَّامٍ، وَأَمَّا المُنكَرُ وَالمُخَالَفَةُ وَالتَّمَرُّدُ عَلَى النِّظَامِ إِذَا تُرِكَ فِي طَرِيقِ الطَّلَبَةِ وَالنَّاشِئَةِ بِلَا نُصحٍ وَلَا تَقوِيمٍ، فَإِنَّهُ يَجرَحُ القُلُوبَ وَالعُقُولَ وَالأَخلَاقَ وَيُدمِي مُستَقبَلَ الأُمَّةِ كُلِّهَا! فَكِلَاهُمَا -إِمَاطَةُ الأَذَى الحِسِّيِّ وَالنهيُ عَنِ المُنكَرِ السُّلُوكِيِّ- يَستَقِيَانِ مِن مِشكَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَهدِفَانِ إِلَى غَايَةٍ وَاحِدَةٍ: وَهِيَ مَنعُ الضَّرَرِ وَحِفظُ السَّلَامَةِ وَإِشَاعَةُ الخَيرِ وَالأَمَانِ!
فَيَا أَبنَاءَنَا الطَّلَبَةَ: كُونُوا مَفَاتِيحَ لِلخَيرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ؛ أَحِبُّوا زُمَلَاءَكُم حُبًّا صَادِقًا يَحمِلُكُم عَلَى نُصحِهِم فِي السِّرِّ بِأَجمَلِ العِبَارَةِ وَأَلطَفِ الإِشَارَةِ، وَاستُرُوا عَلَى مَن تَابَ وَأَنَابَ، وَتَعَاوَنُوا مَعَ مُعَلِّمِيكُم وَإِدَارَةِ مَدرَسَتِكُم فِي كَفِّ كُلِّ أَذًى وَإِصلَاحِ كُلِّ خَلَلٍ، وَاحذَرُوا المُشَارَكَةَ فِي الخَطَأِ أَوِ الضَّحِكَ لَهُ أَوِ استِصغَارَ المُخَالَفَاتِ؛ لِتَكُونَ مَدَارِسُنَا قِلَاعًا لِلعِلمِ وَالإِيمَانِ وَالنِّظَامِ، وَمَنَارَاتٍ تَصنَعُ خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ!
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى الهَادِي البَشِيرِ وَالسِّرَاجِ المُنِيرِ، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم جَلَّ وَعَلَا فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ: أَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ اجعَلنَا وَأَبنَاءَنَا وَطُلَّابَنَا مِنَ الدَّاعِينَ إِلَى الخَيرِ، الآمِرِينَ بِالمَعرُوفِ، النَّاهِينَ عَنِ المُنكَرِ، المُقِيمِينَ لِلحَقِّ وَالعَدلِ وَالنِّظَامِ، المَفَاتِيحِ لِلخَيرِ المَغَالِيقِ لِلشَّرِّ، اللَّهُمَّ أَصلِح شَبَابَ المُسلِمِينَ وَفَتَيَاتِهِم، وَاحفَظ طَلَبَتَنَا فِي مَدَارِسِهِم وَجَامِعَاتِهِم مِن كُلِّ سُوءٍ وَفِتنَةٍ وَانحِرَافٍ، وَوَفِّق مُعَلِّمِيهِم وَمُرَبِّيهِم وَآبَاءَهُم وَأُمَّهَاتِهِم لِمَا تُحِبُّ وَتَرضَى يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ.
اللَّهُمَّ أَلِّف بَينَ قُلُوبِنَا، وَأَصلِح ذَاتَ بَينِنَا، وَاهدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ، وَجَنِّبنَا الفَوَاحِشَ وَالفِتَنَ وَالأَذَى مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّركَ وَالمُشرِكِينَ، وَاجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِينَ.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
الأَمرُ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيُ عَنِ المُنكَرِ أَصلُ خَيرِيَّةِ الأُمَّةِ وَسِرُّ نَهضَةِ المُجتَمَعَاتِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن فِقهِ التَّنَاصُحِ بَينَ طَلَبَةِ المَدَارِسِ وَالفَرقِ بَينَ إِصلَاحِ الخَطَأِ وَالوِشَايَةِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.