الإِنسَانُ مَنَاطُ التَّكلِيفِ وَبَقَاءُ العُبُودِيَّةِ مَهمَا بَلَغَ مِنَ العُمُرِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن حَملِ الأَمَانَةِ وَدَوَامِ التَّكلِيفِ الشَّرعِيِّ إِلَى المَمَاتِ وَأَحكَامِ الكِبَرِ وَالعَجزِ فِي الشَّرِيعَةِ الإِسلَامِيَّةِ
الحَمدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ الإِنسَانَ فِي أَحسَنِ تَقوِيمٍ، وَكَرَّمَهُ بِالعَقلِ وَالبَيَانِ وَالإِرَادَةِ تَكرِيمًا عَظِيمًا، وَحَمَّلَهُ أَمَانَةَ التَّكلِيفِ وَالعُبُودِيَّةِ الَّتِي أَشفَقَت مِن حَملِهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرضُ وَالجِبَالُ، وَجَعَلَ أَمدَ هَذِهِ العُبُودِيَّةِ مَمدُودًا إِلَى لَحظَةِ المَمَاتِ وَالِانتِقَالِ إِلَى دَارِ الجَزَاءِ وَالحِسَابِ. أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى حَمدًا يَلِيقُ بِجَلَالِ وَجهِهِ وَعَظِيمِ سُلطَانِهِ، قَضَى أَلَّا يَخلوَ عَاقِلٌ بَالِغٌ مِن أَمرٍ أَو نَهيٍ مَا دَامَ فِيهِ عِرقٌ يَنبِضُ وَعَقلٌ يَعقِلُ، وَقَرَنَ تَكلِيفَهُ بِاليُسرِ وَالرَّحمَةِ وَرَفعِ الحَرَجِ، فَجَعَلَ الشَّرِيعَةَ تَتَّسِعُ كُلَّمَا ضَاقَ الحَالُ وَضَعُفَ البَدَنُ وَتَقَدَّمَ العُمُرُ. وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الحَكِيمُ الخَبِيرُ، الرَّؤُوفُ الرَّحِيمُ، القَائِلُ فِي كِتَابِهِ المُبِينِ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]، وَالقَائِلُ سُبحَانَهُ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِن خَلقِهِ وَخَلِيلُهُ، قَامَ بِأَعبَاءِ التَّكلِيفِ وَالرِّسَالَةِ شَابًّا وَكَهلًا وَشَيخًا، فَكَانَ إِذَا ثَقُلَ بَدَنُهُ الشَّرِيفُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ صَلَّى جَالِسًا وَلَم يَدَعْ قِيَامَ اللَّيلِ، وَخَرَجَ فِي مَرَضِ مَوتِهِ يُهَادَى بَينَ رَجُلَينِ تَخُطُّ رِجلَاهُ فِي الأَرضِ حِرصًا عَلَى صَلَاةِ الجَمَاعَةِ حَتَّى لَحِقَ بِالرَّفِيقِ الأَعلَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ، الَّذِينَ عَاشُوا عَبِيدًا للهِ فِي شَبَابِهِم وَشَيخُوخَتِهِم، وَعَلَى التَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨].
أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا أَيُّهَا المُسلِمُونَ الكِرَامُ:
إِنَّ مِن أَعظَمِ الحَقَائِقِ الإِيمَانِيَّةِ وَالأُصُولِ التَّشرِيعِيَّةِ الَّتِي يَجِبُ أَن تَستَقِرَّ فِي قَلبِ كُلِّ مُسلِمٍ وَمُسلِمَةٍ، وَأَن تُفَقَّهَ فِيهَا الأُسرَةُ المُسلِمَةُ صِغَارُهَا وَكِبَارُهَا، أَصحَّاؤُهَا وَمَرضَاهَا، شَبَابُهَا وَشُيُوخُهَا: حَقِيقَةَ أَنَّ «الإِنسَانَ هُوَ مَنَاطُ التَّكلِيفِ الإِلَهِيِّ فِي هَذَا الكَونِ»، وَأَنَّ هَذَا التَّكلِيفَ الشَّرعِيَّ عَهدٌ مَوْثُوقٌ بَينَ العَبدِ وَرَبِّهِ يَبدَأُ مِن لَحظَةِ البُلُوغِ مَعَ العَقلِ، وَلَا يَنقَطِعُ وَلَا يَسقُطُ عَنِ الإِنسَانِ مَهمَا بَلَغَ مِنَ العُمُرِ، وَمَهمَا اشتَدَّ بِهِ الكِبَرُ أَوِ الهَرَمُ أَوِ المَرَضُ الجَسَدِيُّ، مَا دَامَ عَقلُهُ حَاضِرًا وَوَعيُهُ بَاقِيًا إِلَى أَن تَخرُجَ الرُّوحُ مِنَ الجَسَدِ!
لَقَد خَلَقَ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى هَذَا الكَونَ الفَسِيحَ بِأَفلاَكِهِ وَسَمَاوَاتِهِ وَأَرضِهِ وَجِبَالِهِ وَبِحَارِهِ وَدَوَابِّهِ، وَسَخَّرَهُ كُلَّهُ لِهَذَا المَخلُوقِ الفَرِيدِ الَّذِي اسمُهُ «الإِنسَانُ»، وَلَم يَخلُقْهُ سُبحَانَهُ عَبَثًا بِلَا غَايَةٍ، وَلَم يَترُكْهُ سُدًى بِلَا أَمرٍ وَلَا نَهيٍ؛ استَمِعُوا إِلَى هَذَا الاستِفهَامِ الإِنكَارِيِّ العَظِيمِ الَّذِي يَهُزُّ القُلُوبَ وَالأَلبَابَ فِي خِتَامِ سُورَةِ المُؤمِنُونَ:
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥–١١٦]،
وَاستَمِعُوا إِلَى قَولِهِ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ القِيَامَةِ:
﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة: ٣٦–٣٧]؛
قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ وَأَئِمَّةُ التَّفسِيرِ رَحِمَهُمُ اللهُ فِي مَعنَى قَولِهِ تَعَالَى ﴿سُدًى﴾: «أَي: مُهمَلًا لَا يُؤمَرُ وَلَا يُنهَى، وَلَا يُثَابُ وَلَا يُعَاقَبُ»! كَلَّا وَاللهِ، لَا يَلِيقُ بِحِكمَةِ المَلِكِ الحَقِّ العَلِيمِ الحَكِيمِ أَن يَخلُقَ الإِنسَانَ، وَيَمنَحَهُ السَّمعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ، وَيُسَخِّرَ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرضِ جَمِيعًا مِنهُ، ثُمَّ يَترُكَهُ كَالبَهَائِمِ السَّائِمَةِ يَأكُلُ وَيَشرَبُ وَيَهرَمُ وَيَمُوتُ مِن غَيرِ تَكلِيفٍ وَلَا رِسَالَةٍ وَلَا حِسَابٍ!
أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ:
لِمَاذَا كَانَ «الإِنسَانُ» هُوَ مَنَاطَ التَّكلِيفِ الشَّرعِيِّ دُونَ سَائِرِ الكَائِنَاتِ الأَرضِيَّةِ؟
لِأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ اختَصَّ الإِنسَانَ بِخَصِيصَتَينِ عَظِيمَتَينِ بِهِمَا قَامَت حُجَّةُ اللهِ عَلَى خَلقِهِ، وَبِهِمَا صَلَحَ الإِنسَانُ لِحَملِ الأَمَانَةِ الكُبرَى:
الخَصِيصَةُ الأُولَى: «العَقلُ المُمَيِّزُ وَالإِدرَاكُ الوَاعِي» الَّذِي يَفهَمُ بِهِ الخِطَابَ الإِلَهِيَّ، وَيُمَيِّزُ بِهِ بَينَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، وَالهُدَى وَالضَّلَالِ، وَالخَيرِ وَالشَّرِّ، وَالنَّافِعِ وَالضَّارِّ.
وَالخَصِيصَةُ الثَّانِيَةُ: «الإِرَادَةُ الحُرَّةُ وَالِاختِيَارُ» الَّذِي يَستَطِيعُ بِهِ أَن يُقدِمَ عَلَى الطَّاعَةِ طَوعًا وَمَحَبَّةً، أَو يَمتَنِعَ عَنِ المَعصِيَةِ خَشيَةً وَمُرَاقَبَةً؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:
﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢–٣]،
وَقَالَ جَلَّ شَأنُهُ فِي المَشهَدِ الكَونِيِّ الرَّهِيبِ الَّذِي يُبَيِّنُ ثِقَلَ هَذَا التَّكلِيفِ وَعِظَمَ شَأنِهِ:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢].
تَأَمَّلُوا -يَا عِبَادَ اللهِ- هَذِهِ الآيَةَ العَظِيمَةَ: مَا هِيَ «الأَمَانَةُ» الَّتِي عُرِضَت عَلَى السَّمَاوَاتِ السَّبعِ عَلَى سَعَتِهَا، وَعَلَى الأَرضِ عَلَى امتِدَادِهَا، وَعَلَى الجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ عَلَى صَلَابَتِهَا، فَارتَعَدَت وَأَشفَقَت مِن حَملِهَا خَوفًا مِن أَلَّا تَقُومَ بِحَقِّهَا؟ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ وَأُبَيُّ بنُ كَعبٍ وَالحَسَنُ البَصرِيُّ وَقَتَادَةُ وَجَمَاهِيرُ المُفَسِّرِينَ رَحِمَهُمُ اللهُ: «الأَمَانَةُ هِيَ التَّكلِيفُ وَالفَرَائِضُ وَالطَّاعَةُ عَلَى شَرطِ الثَّوَابِ عِندَ الأَدَاءِ وَالعِقَابِ عِندَ التَّضيِيعِ»! فَحَمَلَهَا هَذَا الإِنسَانُ بِمَا رُكِّبَ فِيهِ مِنَ العَقلِ وَالِاختِيَارِ وَالِاستِعدَادِ الفِطرِيِّ لِلترَقِّي فِي مَعَارِجِ الكَمَالِ أَوِ الانحِطَاطِ فِي دَرَكَاتِ الظُّلمِ وَالجَهَالَةِ!
وَلِذَلِكَ أَطبَقَ عُلَمَاءُ أُصُولِ الفِقهِ وَالشَّرِيعَةِ عَلَى القَاعِدَةِ المُحكَمَةِ: «مَنَاطُ التَّكلِيفِ الشَّرعِيِّ فِي الإِنسَانِ هُوَ العَقلُ مَعَ البُلُوغِ»؛ فَالقَلَمُ مَرفُوعٌ عَنِ الطِّفلِ الصَّغِيرِ لِقُصُورِ بِنْيَتِهِ وَإِدرَاكِهِ حَتَّى يَبلُغَ، وَمَرفُوعٌ عَنِ المَجنُونِ وَالمَعتُوهِ لِفِقدَانِ آلَةِ الفَهمِ وَهُوَ العَقلُ حَتَّى يَعقِلَ، وَمَرفُوعٌ عَنِ النَّائِمِ وَالمُغمَى عَلَيهِ لِغِيَابِ وَعيِهِ حَتَّى يَستَيقِظَ؛ كَمَا رَوَى الإِمَامُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَأَحمَدُ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَمِيرِ المُؤمِنِينَ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَن أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «رُفِعَ القَلَمُ عَن ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَستَيقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحتَلِمَ، وَعَنِ المَجنُونِ حَتَّى يَعقِلَ».
فَإِذَا بَلَغَ الإِنسَانُ عَاقِلًا، دَارَ قَلَمُ التَّكلِيفِ الإِلَهِيِّ عَلَى صَحِيفَتِهِ، فَصَارَ مُخَاطَبًا بِالإِيمَانِ وَالتَّوحِيدِ، وَمُكَلَّفًا بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَالحَجِّ وَسَائِرِ الفَرَائِضِ، وَمَأمُورًا بِالبِرِّ وَالصِّدقِ وَالعَدلِ وَالأَمَانَةِ، وَمَنهِيًّا عَنِ الشِّركِ وَالفَوَاحِشِ وَالظُّلمِ وَالمُنكَرَاتِ!
وَالسُّؤَالُ العَظِيمُ الَّذِي نَقِفُ عِندَهُ اليَومَ وَقْفَةَ تَأصِيلٍ وَتَفصِيلٍ هُوَ: إِلَى مَتَى يَستَمِرُّ هَذَا التَّكلِيفُ عَلَى الإِنسَانِ؟ هَل لِلتَّكلِيفِ الشَّرعِيِّ سِنٌّ مُعَيَّنَةٌ يَتَوَقَّفُ عِندَهَا كَمَا يَتَقَاعَدُ المُوَظَّفُ عَن وَظِيفَتِهِ الدُّنيَوِيَّةِ فِي سِنِّ السِّتِّينَ أَوِ السَّبعِينَ؟ هَل إِذَا بَلَغَ الإِنسَانُ الثَّمَانِينَ أَوِ التِّسعِينَ أَوِ المِائَةَ مِنَ العُمُرِ، أَو وَهَنَ عَظمُهُ، أَوِ ابيَضَّ شَعرُهُ، أَو أَقعَدَهُ المَرَضُ عَلَى فِرَاشِهِ أَو كُرسِيِّهِ المُتَحَرِّكِ، يَسقُطُ عَنهُ التَّكلِيفُ وَهُوَ عَاقِلٌ وَاعٍ مُمَيِّزٌ؟!
كَلَّا وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ! إِنَّ العُبُودِيَّةَ للهِ شَرَفٌ أَبَدِيٌّ وَعَهدٌ مُقَدَّسٌ لَا يَعرِفُ «التَّقَاعُدَ» وَلَا «الإِعفَاءَ بِسَبَبِ الكِبَرِ أَوِ المَقَامِ» مَا دَامَ العَقلُ فِي الرَّأسِ وَالرُّوحُ فِي الجَسَدِ!
لَقَد حَسَمَ القُرآنُ الكَرِيمُ هَذِهِ القَضِيَّةَ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ مِن أَربَعِ كَلِمَاتٍ خَاطَبَ اللهُ بِهَا أَشرَفَ الخَلقِ وَأَكرَمَ الرُّسُلِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩].
قِفُوا -يَا رَعَاكُمُ اللهُ- عِندَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾! مَا هُوَ «اليَقِينُ» الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ الغَايَةَ الوَحِيدَةَ الَّتِي يَنتَهِي عِندَهَا التَّكلِيفُ بِالعِبَادَةِ؟
أَجمَعَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَأَئِمَّةُ اللُّغَةِ وَالتَّفسِيرِ قَاطِبَةً -مِن غَيرِ خِلَافٍ بَينَ أَهلِ السُّنَّةِ وَالإِسلَامِ- عَلَى أَنَّ «اليَقِينَ» فِي هَذِهِ الآيَةِ هُوَ: «المَوتُ»! سُمِّيَ المَوتُ يَقِينًا لِأَنَّهُ الحَقِيقَةُ المُتَيَقَّنَةُ الَّتِي لَا يَشُكُّ فِيهَا أَحَدٌ وَلَا يَفرُّ مِنهَا أَحَدٌ، وَبِهَا يُعَايِنُ الإِنسَانُ عَالَمَ الغَيبِ عِيَانًا!
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ القُرآنِ نَفسِهِ قَولُ أَهلِ النَّارِ حِينَ يُسأَلُونَ عَن سَبَبِ دُخُولِهِم سَقَرَ:
﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٥–٤٧]، أَي: حَتَّى أَتَانَا المَوتُ!
وَالدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الصَّحِيحَةِ مَا رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن أُمِّ العَلَاءِ الأَنصَارِيَّةِ رَضِيَ اللهُ عَنهَا فِي قِصَّةِ وَفَاةِ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ عُثمَانَ بنِ مَظعُونٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيهِ بَعدَ مَوتِهِ فَقَالَ: «أَمَّا هُوَ فَقَد جَاءَهُ اليَقِينُ وَاللهِ، وَإِنِّي لَأَرجُو لَهُ الخَيرَ»!
وَقَالَ الإِمَامُ الحَسَنُ البَصرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي تَفسِيرِ قَولِهِ تَعَالَى ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ كَلِمَتَهُ الخَالِدَةَ: «إِنَّ اللهَ لَم يَجعَلْ لِعَمَلِ المُؤمِنِ أَجَلًا دُونَ المَوتِ»!
وَمِن هُنَا تَتَبَدَّدُ شُبهَتَانِ خَطِيرَتَانِ ضَلَّ بِهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا:
الشُّبهَةُ الأُولَى: شُبهَةُ الزَّنَادِقَةِ وَغُلَاةِ المتَصَوِّفَةِ وَالبَاطِنِيَّةِ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ الإِنسَانَ إِذَا كَبِرَ فِي السِّنِّ وَتَرَقَّى فِي المَقَامَاتِ الرُّوحِيَّةِ حَتَّى وَصَلَ إِلَى مَرتَبَةِ «اليَقِينِ وَالمَعرِفَةِ»، سَقَطَت عَنهُ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالتَّكَالِيفُ الشَّرعِيَّةُ! وَقَد نَقَلَ شَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيمِيَّةَ وَالقَاضِي عِيَاضٌ وَالإِمَامُ النَّوَوِيُّ وَغَيرُهُم إِجمَاعَ عُلَمَاءِ الإِسلَامِ عَلَى أَنَّ مَنِ اعتَقَدَ أَنَّ أَحَدًا مِنَ البَشَرِ -مَهمَا بَلَغَ مِنَ العُمُرِ أَوِ الوِلَايَةِ أَوِ الصَّلَاحِ- يَسقُطُ عَنهُ الأَمرُ وَالنَّهيُ وَتَسقُطُ عَنهُ الصَّلَاةُ وَهُوَ عَاقِلٌ، فَهُوَ كَافِرٌ مُرتَدٌّ أَكبَرُ كُفرًا مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ لِأَنَّ أَنبِيَاءَ اللهِ وَرُسُلَهُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيهِم هُم سَادَةُ أَهلِ اليَقِينِ وَأَعرَفُ الخَلقِ بِاللهِ، وَمَعَ ذَلِكَ ظَلُّوا مُكَلَّفِينَ بِالعِبَادَةِ وَالصَّلَاةِ وَالذِّكرِ حَتَّى آخِرِ نَفَسٍ مِن أَنفَاسِهِم!
انظُرُوا إِلَى عِيسَى المَسِيحِ عَلَيهِ السَّلَامُ وَهُوَ يَنطِقُ فِي المَهدِ بِمِيثَاقِ العُبُودِيَّةِ الدَّائِمِ:
﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١]؛
تَدَبَّرُوا قَولَهُ: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾! فَمَا دَامَتِ الحَيَاةُ وَالعَقلُ بَاقِيَينِ، فَالصَّلَاةُ وَالتَّكلِيفُ بَاقِيَانِ!
وَانظُرُوا إِلَى نَبِيِّ اللهِ زَكَرِيَّا عَلَيهِ السَّلَامُ حِينَ بَلَغَ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا، وَوَهَنَ عَظمُهُ، وَاشتَعَلَ رَأسُهُ شَيبًا، أَينَ كَانَ يَقِفُ؟ كَانَ قَائِمًا يُصَلِّي فِي المِحرَابِ وَيُنَاجِي رَبَّهُ:
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤]!
وَانظُرُوا إِلَى إِبرَاهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيهِ السَّلَامُ بَعدَ أَن بَلَغَ الكِبَرَ وَوُهِبَ لَهُ إِسمَاعِيلُ وَإِسحَاقُ عَلَى الكِبَرِ، مَاذَا كَانَ دُعَاؤُهُ وَتَكلِيفُهُ؟
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩–٤٠]!
وَأَمَّا الشُّبهَةُ الثَّانِيَةُ المُنْتَشِرَةُ فِي بَعضِ البُيُوتِ وَالمُجتَمَعَاتِ: فَهِيَ تَوَهُّمُ بَعضِ العَوَامِّ أَنَّ الشَّيخَ الكَبِيرَ أَوِ المَرأَةَ العَجُوزَ إِذَا تَقَدَّمَ بِهِمَا السِّنُّ، وَضعُفَت أَبدَانُهُمَا، وَأُصِيبَا بِأَمرَاضِ الشَّيخُوخَةِ أَوِ القُعُودِ عَلَى الفِرَاشِ أَو عَدَمِ التَّحَكُّمِ فِي الطَّهَارَةِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَسقُطُ عَنهُمَا أَو لَا حَرَجَ عَلَيهِمَا فِي تَركِهَا حَتَّى يَشفَيَا! بَل تَجِدُ بَعضَ الأَبنَاءِ الجَاهِلِينَ يَقُولُ لِأَبِيهِ المُسِنِّ أَو أُمِّهِ المُسِنَّةِ العَاقِلَةِ المَرِيضَةِ فِي المُستَشفَى أَوِ البَيتِ: «ارتَحْ يَا أَبِي، ارتَاحِي يَا أُمِّي، لَا تُصَلُّوا وَأَنتُم عَلَى هَذِهِ الحَالِ، اللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ»!
يَا سُبحَانَ اللهِ! أَيُّ جِنَايَةٍ أَعظَمُ مِن أَن يُحرَمَ العَبدُ فِي أَواخِرِ عُمُرِهِ، وَهُوَ عَلَى أَعتَابِ لِقَاءِ اللهِ، مِن أَعظَمِ رُكنٍ بَعدَ الشَّهَادَتَينِ وَهُوَ الصَّلَاةُ الَّتِي هِيَ آخِرُ مَا يُفقَدُ مِنَ الدِّينِ وَأَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ عَلَيهِ العَبدُ يَومَ القِيَامَةِ؟!
اعلَمُوا -يَا عِبَادَ اللهِ- عِلمَ اليَقِينِ أَنَّ الشَّرِيعَةَ الإِسلَامِيَّةَ الغَرَّاءَ قَد وَضَعَت لِتَكلِيفِ الإِنسَانِ عِندَ تَقَدُّمِ العُمُرِ وَضعفِ البَدَنِ قَاعِدَةً ذَهَبِيَّةً تَجمَعُ بَينَ «بَقَاءِ التَّكلِيفِ تَكرِيمًا لِلعَبدِ» وَبَينَ «تَخفِيفِ الأَدَاءِ رَحمَةً بِضَعفِهِ»؛ وَهِيَ القَاعِدَةُ الفِقهِيَّةُ الكُبرَى: «التَّكلِيفُ مَنُوطٌ بِالعَقلِ، وَالأَدَاءُ مَنُوطٌ بِالِاستِطَاعَةِ؛ فَإِذَا ضَعُفَ البَدَنُ بِالكِبَرِ أَوِ المَرَضِ تَخَفَّفَت هَيئَةُ العِبَادَةِ وَلَم يَسقُطْ أَصلُ التَّكلِيفِ»!
اقرَؤُوا قَولَ اللهِ تَعَالَى:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]،
وَقَولَهُ سُبحَانَهُ:
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]،
وَاستَمِعُوا إِلَى قَولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «فَإِذَا نَهَيتُكُم عَن شَيءٍ فَاجتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرتُكُم بِأَمرٍ فَأتُوا مِنهُ مَا استَطَعتُم»!
تَعَالَوا لِنَرَى كَيفَ تَتَجَلَّى هَذِهِ القَاعِدَةُ الرَّبَّانِيَّةُ فِي جَمِيعِ أَبوَابِ العِبَادَاتِ مَعَ الإِنسَانِ مَهمَا بَلَغَ مِنَ العُمُرِ وَالضَّعفِ:
أَوَّلًا: فِي بَابِ الصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةِ:
الصَّلَاةُ هِيَ العِبَادَةُ الوَحِيدَةُ الَّتِي لَا تَسقُطُ عَنِ المُسلِمِ العَاقِلِ بِحَالٍ مِنَ الأَحوَالِ، لَا فِي كِبَرٍ وَلَا فِي هَرَمٍ وَلَا فِي مَرَضٍ وَلَا فِي خَوفٍ وَلَا فِي سَفَرٍ! لِمَاذَا؟ لِأَنَّهَا الصِّلَةُ المباشِرَةُ بَينَ العَبدِ وَرَبِّهِ، وَلِأَنَّ الشَّرِيعَةَ خَفَّفَت شُرُوطَهَا وَأَركَانَهَا لِلكَبِيرِ وَالعَاجِزِ إِلَى أَقصَى دَرَجَاتِ اليُسرِ:
— فَإِن عَجَزَ الكَبِيرُ فِي السِّنِّ عَنِ القِيَامِ، صَلَّى قَاعِدًا عَلَى الأَرضِ أَو عَلَى الكُرسِيِّ! وَإِن عَجَزَ عَنِ القُعُودِ، صَلَّى مُضطَجِعًا عَلَى جَنبِهِ أَو مُستَلقِيًا عَلَى ظَهرِهِ يُومِئُ بِرَأسِهِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ! كَمَا رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: كَانَت بِي بَوَاسِيرُ فَسَأَلتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّلَاةِ فَقَالَ: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِن لَم تَستَطِع فَقَاعِدًا، فَإِن لَم تَستَطِع فَعَلَى جَنبٍ»!
وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَت: «لَمَّا بَدَّنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَثَقُلَ كَانَ أَكثَرُ صَلَاتِهِ جَالِسًا»؛ تَعنِي فِي نَافِلَتِهِ وَقِيَامِهِ بِاللَّيلِ حِينَ كَبِرَ سِنُّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَ يَقرَأُ وَهُوَ قَاعِدٌ حَتَّى إِذَا بَقِيَ مِن قِرَاءَتِهِ نَحوٌ مِن ثَلَاثِينَ أَو أَربَعِينَ آيَةً قَامَ فَقَرَأَهَا وَهُوَ قَائِمٌ ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ!
— وَإِن عَجَزَ الشَّيخُ الكَبِيرُ أَوِ المَرِيضُ عَنِ استِعمَالِ المَاءِ لِلوُضُوءِ، تَيَمَّمَ بِالتُّرَابِ وَهُوَ عَلَى فِرَاشِهِ! فَإِن عَجَزَ بِنَفسِهِ وَلَم يَجِدْ مَن يُوَضِّئُهُ أَو يُيَمِّمُهُ، أَو كَانَ مَربُوطًا بِالأَجهِزَةِ الطِّبِّيَّةِ أَو مُصَابًا بِسَلَسِ البَولِ الدَّائِمِ، صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ وَلَا يَترُكُ الصَّلَاةَ أَبَدًا؛ لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]! وَإِن شَقَّ عَلَيهِ أَدَاءُ كُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقتِهَا لِشِدَّةِ الهَرَمِ وَالضَّعفِ، جَازَ لَهُ أَن يَجمَعَ بَينَ الظُّهرِ وَالعَصرِ، وَبَينَ المَغرِبِ وَالعِشَاءِ مِن غَيرِ قَصرٍ تَيسِيرًا مِنَ اللهِ وَرَحمَةً!
ثَانِيًا: فِي بَابِ الصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَالحَجِّ:
انظُرُوا كَيفَ يَبقَى الإِنسَانُ مَنَاطَ التَّكلِيفِ مَهمَا بَلَغَ مِنَ العُمُرِ، مَعَ تَنَوُّعِ صُوَرِ الأَدَاءِ:
— فَفِي الصِّيَامِ: إِذَا بَلَغَ الإِنسَانُ مِنَ الكِبَرِ وَالهَرَمِ مَبلَغًا لَا يَقوَى مَعَهُ عَلَى الصِّيَامِ أَبَدًا، خَفَّفَ اللهُ عَنهُ الصَّومَ وَنَقَلَ تَكلِيفَهُ إِلَى «الفِديَةِ» إِذَا كَانَ مُوسِرًا؛ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ:
﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]؛
وَكَمَا رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن عَطَاءٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبدَ اللهِ بنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا يَقرَأُ هَذِهِ الآيَةَ وَيَقُولُ: «لَيسَت بِمَنسُوخَةٍ، هُوَ الشَّيخُ الكَبِيرُ وَالمَرأَةُ الكَبِيرَةُ لَا يَستَطِيعَانِ أَن يَصُومَا، فَيُطعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَومٍ مِسكِينًا»! فَإِن كَانَ الشَّيخُ الكَبِيرُ فَقِيرًا لَا يَملِكُ الإِطعَامَ، سَقَطَ عَنهُ الصِّيَامُ وَالإِطعَامُ معًا لِعَدمِ الاستِطَاعَةِ!
— وَفِي الحَجِّ: إِذَا أَدرَكَت فَرِيضَةُ الحَجِّ الإِنسَانَ وَهُوَ شَيخٌ كَبِيرٌ هَرِمٌ لَا يَثبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَلَا يَقوَى عَلَى السَّفَرِ وَهُوَ قَادِرٌ بِمَالِهِ، بَقِيَ مُكَلَّفًا بِإِنَابَةِ مَن يَحُجُّ عَنهُ؛ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ امرَأَةً مِن خَثعَمَ قَالَت: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الحَجِّ أَدرَكَت أَبِي شَيخًا كَبِيرًا لَا يَثبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ!
— وَفِي الزَّكَاةِ وَالحُقُوقِ المَالِيَّةِ: يَبقَى مَالُ الكَبِيرِ خَاضِعًا لِفَرِيضَةِ الزَّكَاةِ تَطهيرًا لَهُ وَمُضَاعَفَةً لِحَسَنَاتِهِ مَهمَا امتَدَّ بِهِ العُمُرُ!
ثَالِثًا: مَتَى يَسقُطُ التَّكلِيفُ عَنِ الشَّيخِ الهَرِمِ فِي الشَّرِيعَةِ الإِسلَامِيَّةِ؟
وَهَنَا نُحَرِّرُ حَدًّا فِقهِيًّا دَقِيقًا يَسأَلُ عَنهُ كَثِيرٌ مِنَ الأَبنَاءِ الَّذِينَ يَرعَونَ آبَاءَهُم وَأُمَّهَاتِهِم فِي مَرَاحِلِ الشَّيخُوخَةِ المُتَأَخِّرَةِ: مَتَى يَسقُطُ التَّكلِيفُ الشَّرعِيُّ عَنِ المُسِنِّ؟
الجَوَابُ الَّذِي أَجمَعَ عَلَيهِ فُقَهَاءُ الإِسلَامِ: لَا يَسقُطُ التَّكلِيفُ بِمُجَرَّدِ بُلُوغِ الثَّمَانِينَ أَوِ التِّسعِينَ أَوِ المِائَةِ، وَلَا بِمُجَرَّدِ الشَّلَلِ أَوِ القُعُودِ عَلَى الفِرَاشِ؛ وَإِنَّمَا يَسقُطُ التَّكلِيفُ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَط، وَهِيَ: إِذَا وَصَلَ الإِنسَانُ إِلَى مَرحَلَةِ «الخَرَفِ التَّامِّ وَفِقدَانِ العَقلِ وَالتَّميِيزِ» -كَمَا يَقَعُ فِي مَرَاحِلِ الزَّهَايمَرِ المُتَأَخِّرَةِ جِدًّا الَّتِي يَغِيبُ فِيهَا الإِدرَاكُ كُلِّيًّا فَلَا يَعرِفُ مَا يَقُولُ وَلَا يُمَيِّزُ الأَوقَاتَ وَلَا الفَرَائِضَ-؛ وَهِيَ المَرحَلَةُ الَّتِي سَمَّاهَا القُرآنُ الكَرِيمُ ﴿أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ فِي قَولِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [النحل: ٧٠]،
وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَستَعِيذُ بِاللهِ مِنهَا فَيَقُولُ كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن أَنَسٍ وَسَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «وَأَعُوذُ بِكَ أَن أُرَدَّ إِلَى أَرذَلِ العُمُرِ».
فَإِذَا زَالَ العَقلُ وَالتَّميِيزُ بِالكُلِّيَّةِ، زَالَ «مَنَاطُ التَّكلِيفِ»، فَرُفِعَ القَلَمُ عَنهُ كَمَا يُرفَعُ عَنِ الطِّفلِ الصَّغِيرِ فَلَا تَجِبُ عَلَيهِ صَلَاةٌ وَلَا صِيَامٌ وَلَا فِديَةٌ! بَل أَبشِرُوا بَفضْلِ اللهِ العَظِيمِ عَلَى هَذَا المُسِنِّ المُؤمِنِ الَّذِي عَاشَ عُمُرَهُ مُصلِّيًا صَائِمًا ذَاكِرًا ثُمَّ ضَعُفَ أَو غَابَ وَعيُهُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ: إِنَّ عَدَّادَ حَسَنَاتِهِ يَظَلُّ يَعمَلُ وَيَكتُبُ لَهُ أَجرَ كُلِّ صَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَقِيَامٍ وَقُرآنٍ كَانَ يَعمَلُهُ وَهُوَ صَحِيحٌ قَوِيٌّ؛ كَمَا رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا مَرِضَ العَبدُ أَو سَافَرَ، كُتِبَ لَهُ مِثلُ مَا كَانَ يَعمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا»!
أَمَّا مَا دَامَ المُسِنُّ يَعقِلُ وَيُمَيِّزُ -أَو يَصحُو تَارَةً وَيَغِيبُ تَارَةً- فَإِنَّهُ مُكَلَّفٌ فِي أَوقَاتِ إِفَاقَتِهِ وَتميِيزِهِ بِحَسَبِ استِطَاعَتِهِ وَقُدرَتِهِ!
أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ:
انظُرُوا إِلَى هِمَّةِ أَصحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَأَئِمَّةِ السَّلَفِ الصَّالِحِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم كَيفَ فَقِهُوا أَنَّ التَّكلِيفَ وَالعُبُودِيَّةَ وَالبَذلَ لِلدِّينِ لَا يَتَوَقَّفُ بِتَقَدُّمِ العُمُرِ، بَل كَانُوا كُلَّمَا كَبِرَت أَعمَارُهُم وَاقترَبَت آجَالُهُم زَادُوا إِقبَالًا عَلَى اللهِ وَتَمَسُّكًا بِالفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ!
— فَهَذَا الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ عَمرُو بنُ الجَمُوحِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، كَانَ شَيخًا كَبِيرًا أَعرَجَ شَدِيدَ العَرَجِ، قَد عَذَرَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الخُرُوجِ إِلَى الجِهَادِ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧]، فَلَمَّا كَانَ يَومُ أُحُدٍ أَرَادَ بَنُوهُ الأَربَعَةُ أَن يَحبِسُوهُ وَقَالُوا لَهُ: إِنَّ اللهَ قَد عَذَرَكَ وَوَضَعَ عَنكَ الجِهَادَ وَنَحنُ نَكفِيكَ! فَأَبَى الشَّيخُ الكَبِيرُ إِلَّا أَن يَأتِيَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -كَمَا رَوَى الإِمَامُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ بَنِيَّ يُرِيدُونَ أَن يَحبِسُونِي عَن هَذَا الوَجهِ وَالخُرُوجِ مَعَكَ فِيهِ، فَوَاللهِ إِنِّي لَأَرجُو أَن أَطَأَ بِعَرجَتِي هَذِهِ فِي الجَنَّةِ! فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَمَّا أَنتَ فَقَد عَذَرَكَ اللهُ فَلَا جِهَادَ عَلَيكَ»، وَقَالَ لِبَنِيهِ: «مَا عَلَيكُم أَلَّا تَمنَعُوهُ، لَعَلَّ اللهَ أَن يَرزُقَهُ الشَّهَادَةَ»! فَخَرَجَ الشَّيخُ الكَبِيرُ الأَعرَجُ يَومَ أُحُدٍ فَقَاتَلَ حَتَّى استُشهِدَ، فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «كَأَنِّي أَنظُرُ إِلَيكَ تَمشِي بِرِجلِكَ هَذِهِ صَحِيحَةً فِي الجَنَّةِ»!
— وَهَذَا أَبُو أَيُّوبَ الأَنصَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، مُضِيفُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، لَمَّا جاوَزَ الثَّمَانِينَ مِن عُمُرِهِ، أَبَى أَن يَقعُدَ فِي بَيتِهِ يَنتَظِرُ المَوتَ، بَل خَرَجَ غَازِيًا مُرَابِطًا حَتَّى وَصَلَ إِلَى أَسوَارِ القُسطَنطِينِيَّةِ وَهُوَ يَقُولُ كَمَا عِندَ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]، فَلَا أَجِدُنِي إِلَّا خَفِيفًا أَو ثَقِيلًا! حَتَّى مَاتَ هُنَاكَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللهِ!
— وَهَذَا التَّابِعِيُّ العَابِدُ أَبُو مُسلِمٍ الخَولَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ -كَمَا ذَكَرَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ فِي «سِيَرِ أَعلَامِ النُّبَلَاءِ»- لَمَّا كَبِرَ سِنُّهُ وَضَعُفَ جِسمُهُ قِيلَ لَهُ: لَو رَفَقتَ بِنَفسِكَ يَا أَبَا مُسلِمٍ بَعدَ أَن كَبِرتَ! فَقَالَ كَلِمَتَهُ البَلِيغَةَ: «أَرَأَيتُمُ الخَيلَ إِذَا أُرسِلَت فِي الحَلبَةِ لِلسِّبَاقِ، مَتَى يَجتَهِدُ الفَارِسُ وَيَستَفرِغُ قُوَّتَهُ؟ أَلَيسَ إِذَا قَارَبَ الغَايَةَ وَأَبصَرَ نِهَايَةَ المِضمَارِ؟ فَأَنَا قَد قَارَبتُ الغَايَةَ، فَهَذَا أَوانُ الاجتِهَادِ وَالتَّشمِيرِ»!
أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ وَخَطِيئَةٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، جَعَلَ طُولَ العُمُرِ مَعَ حُسنِ العَمَلِ خَيرَ الغَنَائِمِ، وَوَعَدَ الصَّابِرِينَ الثَّابِتِينَ عَلَى طَاعَتِهِ فِي الشَّبَابِ وَالمَشِيبِ بِحُسنِ الخَوَاتِيمِ وَأَعَالِي المَكَارِمِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَمَنِ اهتَدَى بِهَديِهِ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا عِبَادَ اللهِ:
اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى حَقَّ التَّقوَى، وَاعلَمُوا أَنَّ امتِدَادَ العُمُرِ بِالإِنسَانِ مَعَ بَقَاءِ عَقلِهِ وَتَكلِيفِهِ هُوَ مِن أَعظَمِ نِعَمِ اللهِ عَلَى المُؤمِنِ إِذَا عَمَرَهُ بِالطَّاعَةِ وَالذِّكرِ وَالاستِغفَارِ؛ استَمِعُوا إِلَى مَا رَوَاهُ الإِمَامُ التِّرمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالإِمَامُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ عَن أَبِي بَكرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ النَّاسِ خَيرٌ؟ قَالَ: «مَن طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ»، قَالَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قَالَ: «مَن طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ»!
وَرَوَى الإِمَامُ أَحمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابنُ مَاجَه بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن طَلحَةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي قِصَّةِ الرَّجُلَينِ مِن بَلِيٍّ اللَّذَينِ أَسلَمَا مَعًا، فَاستُشهِدَ أَحَدُهُمَا فِي الغَزوِ، وَعَاشَ الآخَرُ بَعدَهُ سَنَةً وَاحِدَةً ثُمَّ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَرَأَى طَلحَةُ فِي المَنَامِ أَنَّ الَّذِي مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ بَعدَ سَنَةٍ دَخَلَ الجَنَّةَ قَبلَ الشَّهِيدِ! فَلَمَّا تَعَجَّبَ الصَّحَابَةُ مِن ذَلِكَ قَالَ لَهُم رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَلَيسَ قَد مَكَثَ هَذَا بَعدَهُ سَنَةً؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «وَأَدرَكَ رَمَضَانَ فَصَامَ، وَصَلَّى كَذَا وَكَذَا مِن سَجدَةٍ فِي السَّنَةِ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «فَمَا بَينَهُمَا أَبعَدُ مِمَّا بَينَ السَّمَاءِ وَالأَرضِ»!
اللهُ أَكبَرُ! سَنَةٌ وَاحِدَةٌ إِضَافِيَّةٌ مِن عُمُرِ التَّكلِيفِ يَقضِيهَا المُؤمِنُ فِي الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالتَّسبِيحِ تَرفَعُهُ فِي الجَنَّةِ دَرَجَاتٍ مَا بَينَ السَّمَاءِ وَالأَرضِ! فَكَيفَ بِمَن أَمدَّ اللهُ فِي عُمُرِهِ حَتَّى بَلَغَ السِّتِّينَ وَالسَّبعِينَ وَالثَّمَانِينَ وَهُوَ يَسجُدُ للهِ وَيَسبِّحُ بِحَمدِهِ؟!
وَلَكِنَّهُ فِي الوَقتِ نَفسِهِ إِنذَارٌ وَإِعذَارٌ مِنَ اللهِ لِمَن بَلَغَ سِنَّ الكِبَرِ وَالمَشِيبِ وَمَا زَالَ مُقَصِّرًا فِي تَكلِيفِ رَبِّهِ أَو مُضَيِّعًا لِصَلَاتِهِ أَو غَارِقًا فِي غَفلَتِهِ؛ كَمَا رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَعذَرَ اللهُ إِلَى امرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً»! قَالَ العُلَمَاءُ: مَعنَى «أَعذَرَ اللهُ إِلَيهِ»: أَي لَم يَترُكْ لَهُ عُذرًا يَعتَذِرُ بِهِ بَعدَ أَن أَمهَلَهُ سِتِّينَ سَنَةً كَامِلَةً؛ وَقَد قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ:
﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]!
وَمِن هَذَا المِنبَرِ نُوَجِّهُ ثَلَاثَ رَسَائِلَ عَمَلِيَّةٍ تُلَامِسُ وَاقِعَ بُيُوتِنَا وَمُجتَمَعَاتِنَا:
الرِّسَالَةُ الأُولَى: إِلَى آبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا وَشُيُوخِنَا الكِرَامِ الَّذِينَ تَقَدَّمَت بِهِمُ السِّنُّ وَابيَضَّت شُعُورُهُم فِي الإِسلَامِ:
أَبشِرُوا يَا أَهلَ الشَّيبَةِ النُّورَانِيَّةِ؛ فَإِنَّ شَيبَتَكُم فِي الإِسلَامِ نُورٌ لَكُم يَومَ القِيَامَةِ، وَوَقَارٌ يُحِبُّهُ اللهُ وَيَستَحيِي مِن صَاحِبِهِ! وَاعلَمُوا أَنَّ بَقَاءَ التَّكلِيفِ عَلَيكُم هُوَ تَاجُ كَرَامَةٍ عَلَى رُؤُوسِكُم، فَلَا يَخدَعَنَّكُمُ الشَّيطَانُ بِتَركِ الصَّلَاةِ عِندَ المَرَضِ أَوِ القُعُودِ عَلَى الفِرَاشِ؛ صَلُّوا قَاعِدِينَ أَو مُضطَجِعِينَ عَلَى أَيِّ حَالٍ كُنتُم، وَإِذَا ثَقُلَت عَلَيكُم نَوَافِلُ الأَبدَانِ، فَعَلَيكُم بِأَسهَلِ العِبَادَاتِ وَأَعظَمِهَا مِيزَانًا وَهِيَ «ذِكرُ اللهِ بِاللِّسَانِ وَالقَلبِ»؛ كَمَا رَوَى التِّرمِذِيُّ وَأَحمَدُ وَابنُ مَاجَه بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ بُسرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَجُلًا كَبِيرًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ شَرَائِعَ الإِسلَامِ قَد كَثُرَت عَلَيَّ، فَأَخبِرنِي بِشَيءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ! قَالَ: «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطبًا مِن ذِكرِ اللهِ»! فَاللِّسَانُ وَالقَلبُ لَا يَهرَمَانِ وَلَا يَتْعَبَانِ مِن قَولِ: سُبحَانَ اللهِ، وَالحَمدُ للهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكبَرُ، وَأَستَغفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيهِ!
الرِّسَالَةُ الثَّانِيَةُ: إِلَى الأَبنَاءِ وَالبَنَاتِ وَالأَطبَّاءِ وَالمُمَرِّضِينَ القَائِمِينَ عَلَى رِعَايَةِ كِبَارِ السِّنِّ وَالمَرضَى:
اعلَمُوا أَنَّ مِن أَعظَمِ أَبوَابِ بِرِّ الوَالِدَينِ عِندَ الكِبَرِ -بَعدَ تَقدِيمِ الطَّعَامِ وَالدَّوَاءِ وَالخِدمَةِ الجَسَدِيَّةِ- أَن تُعِينُوا آبَاءَكُم وَأُمَّهَاتِكُم العُقَلَاءَ عَلَى أَدَاءِ فَرِيضَةِ الصَّلَاةِ بِرِفقٍ وَرحمَةٍ وَتَيسِيرٍ! وَضِّئُوهُم بِالمَاءِ الدَّافِئِ أَو أَحضِرُوا لَهُم مَا يَتَيَمَّمُونَ بِهِ عَلَى فِرَاشِهِم، وَجِّهُوا أَسِرَّتَهُم إِلَى القِبلَةِ، ذَكِّرُوهُم بِدُخُولِ الوَقتِ بِكَلِمَةٍ حَانِيَةٍ، وَبَيِّنُوا لَهُم رُخَصَ الشَّرِيعَةِ فِي الجَمعِ وَالإِيمَاءِ وَالصَّلَاةِ عَلَى حَسَبِ الحَالِ؛ فَإِنَّ إِعَانَتَكُم لَهُم عَلَى لِقَاءِ اللهِ مُحَافِظِينَ عَلَى صَلَاتِهِم هُوَ أَعظَمُ البِرِّ وَأَصدَقُ الإِحسَانِ!
الرِّسَالَةُ الثَّالِثَةُ: إِلَى الشَّبَابِ وَالأَصحَّاءِ فِي مَقتَبَلِ العُمُرِ:
يا مَعشَرَ الشَّبَابِ، تَذَكَّرُوا أَنَّ مَن حَفِظَ جَوَارِحَهُ وَعَقلَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ فِي الصِّغَرِ وَالشَّبَابِ، حَفِظَ اللهُ عَلَيهِ عَقلَهُ وَقُوَّتَهُ وَبَصِيرَتَهُ وَثَبَاتَهُ عِندَ الكِبَرِ وَالمَشِيبِ! كَمَا رَوَى الحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اغتَنِمْ خَمسًا قَبلَ خَمسٍ: شَبَابَكَ قَبلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبلَ فَقرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبلَ شُغلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبلَ مَوتِكَ»!
وَقَد ذَكَرَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ وَالذَّهَبِيُّ فِي تَرجَمَةِ القَاضِي الإِمَامِ أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّهُ عَاشَ فَوقَ المِائَةِ سَنَةٍ صَحِيحَ العَقلِ قَوِيَّ البَدَنِ يُفتِي وَيُدَرِّسُ، وَفِي يَومٍ مِنَ الأَيَّامِ وَثَبَ مِنَ السَّفِينَةِ إِلَى الشَّاطِئِ وَثبَةً عَجِيبَةً عَجَزَ عَنهَا الشَّبَابُ، فَعُوتِبَ فِي ذَلِكَ خَوفًا عَلَيهِ، فَقَالَ قَولَتَهُ المَشهُورَةَ: «هَذِهِ جَوَارِحُ حَفِظنَاهَا عَنِ المَعَاصِي فِي الصِّغَرِ، فَحَفِظَهَا اللهُ عَلَينَا فِي الكِبَرِ»!
أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى إِمَامِ المُتَّقِينَ وَقُدوَةِ العَابِدِينَ، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم فِي كِتَابِهِ المُبِينِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: أَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ.
اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ، وَأَحيِنَا عَلَى الإِسلَامِ وَالسُّنَّةِ، وَتَوَفَّنَا عَلَى الإِيمَانِ وَالتَّوحِيدِ وَأَنتَ رَاضٍ عَنَّا غَيرَ غَضبَانَ.
اللَّهُمَّ مَتِّعْنَا بِأَسمَاعِنَا وَأَبصَارِنَا وَعُقُولِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحيَيتَنَا، وَاجعَلْهُ الوَارِثَ مِنَّا، وَنَعُوذُ بِكَ أَن نُرَدَّ إِلَى أَرذَلِ العُمُرِ.
اللَّهُمَّ اجعَلْ خَيرَ أَعمَارِنَا أَوَاخِرَهَا، وَخَيرَ أَعمَالِنَا خَوَاتِيمَهَا، وَخَيرَ أَيَّامِنَا يَومَ نَلقَاكَ فِيهِ.
اللَّهُمَّ احفَظْ آبَاءَنَا وَأُمَّهَاتِنَا وَشُيُوخَنَا وَكِبَارَنَا، وَأَلبِسْهُم ثَوبَ الصِّحَّةِ وَالعَافِيَةِ وَالثَّبَاتِ، وَاغفِرْ لِمَن مَاتَ مِنهُم وَارحَمْهُم كَمَا رَبَّونَا صِغَارًا، وَأَصلِحْ شَبَابَ المُسلِمِينَ وَذُرِّيَّاتِهِم يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
الإِنسَانُ مَنَاطُ التَّكلِيفِ وَبَقَاءُ العُبُودِيَّةِ مَهمَا بَلَغَ مِنَ العُمُرِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.