الخَسَارَةُ الكُبرَى وَالسَّعيُ الضَّائِعُ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَنِ الأَخسَرِينَ أَعمَالًا الَّذِينَ يَحسَبُونَ أَنَّهُم يُحْسِنُونَ صُنعًا وَأَسبَابِ حُبُوطِ العَمَلِ وَشُرُوطِ قَبُولِهِ
الحَمدُ للهِ العَلِيمِ الخَبِيرِ، البَصِيرِ بِخَفَايَا النِّيَّاتِ وَبَوَاطِنِ الضَّمَائِرِ وَالمَصِيرِ، الَّذِي خَلَقَ المَوتَ وَالحَيَاةَ لِيَبلُوَكُم أَيُّكُم أَحسَنُ عَمَلًا وَهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ، فَلَم يَجعَلِ العِبرَةَ بِكَثرَةِ الكَدحِ وَالضَّجِيجِ وَالمَظَاهِرِ الزَّائِفَةِ وَالغُرُورِ، بَل جَعَلَ القَبُولَ مَرهُونًا بِالتَّوحِيدِ الخَالِصِ وَالاتِّبَاعِ الصَّادِقِ لِلنُّورِ، فَمَن بَنَى عَمَلَهُ عَلَى تَقوَى مِنَ اللهِ وَرِضوَانٍ ثَبَتَ بُنيَانُهُ وَعَظُمَ أَجرُهُ يَومَ النُّشُورِ، وَمَن بَنَى سَعيَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ مِنَ الشِّركِ وَالرِّيَاءِ وَالبِدعَةِ وَالهَوَى انْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَصَارَ كَدحُهُ هَبَاءً مَنثُورًا.
وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الغَنِيُّ الحَمِيدُ، الَّذِي لَا يَقبَلُ مِنَ الأَعمَالِ إِلَّا مَا كَانَ خَالِصًا لِوَجهِهِ الكَرِيمِ، صَوَابًا عَلَى شَرعِهِ القَوِيمِ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، المِيزَانُ الأَكبَرُ الَّذِي تُعرَضُ عَلَى أَقوَالِهِ وَأَفعَالِهِ وَأَحوَالِهِ جَمِيعُ الأَعمَالِ وَالأَخلَاقِ، فَمَا وَافَقَ هَديَهُ فَهُوَ المَقبُولُ المَبرُورُ، وَمَا خَالَفَ سُنَّتَهُ فَهُوَ المَردُودُ المَثبُورُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الأَطهَارِ، وَأَصحَابِهِ الأَبرَارِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَينَ إِحسَانِ العَمَلِ وَشِدَّةِ الخَوفِ مِن عَدَمِ القَبُولِ، وَعَلَى التَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا عِبَادَ اللهِ: أُوصِيكُم وَنَفسِي المَقَصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَبِالتَّقوَى وَحدَهَا تُقبَلُ الأَعمَالُ وَتُرفَعُ القُرُبَاتُ، يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، وَيَقُولُ سُبحَانَهُ عَلَى لِسَانِ ابنِ آدَمَ الصَّالِحِ فِي سُورَةِ المَائِدَةِ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: تَصَوَّرُوا مَعِي رَجُلًا أَنفَقَ عُمُرَهُ كُلَّهُ، وَاستَنزَفَ شَبَابَهُ وَقُوَّتَهُ وَعَرَقَهُ وَمَالَهُ، فِي تَشيِيدِ قَصرٍ شَامِخٍ، يُعَلِّي جُدرَانَهُ، وَيُزَخرِفُ سُقُوفَهُ، وَيُزَيِّنُ نَوَافِذَهُ، وَيُباهِي النَّاسَ بَإِتقَانِ صَنعَتِهِ وَجَمَالِ عِمَارَتِهِ، وَهُوَ يَنتَظِرُ اللَّحظَةَ الَّتِي يَسكُنُ فِيهَا ذَلِكَ القَصرَ لِيَسترِيحَ مِن عَنَاءِ السِّنِينَ؛ حَتَّى إِذَا أَتَمَّ البِنَاءَ وَدَنَت سَاعَةُ الجَزَاءِ، تَبَيَّنَ لَهُ فِي لَحظَةٍ مَاحِقَةٍ أَنَّهُ كَانَ يَبنِي فَوقَ رَمَادٍ تَذرُوهُ الرِّيَاحُ، أَو فَوقَ سَرَابٍ خَادِعٍ فِي قِيعَانِ الصَّحرَاءِ، فَإِذَا بِبُنيَانِهِ كُلِّهِ يَنهَارُ فِي طَرفَةِ عَينٍ وَيَصِيرُ غُبَارًا مُتَطَايِرًا فِي الهَوَاءِ لَا يَملِكُ مِنهُ ذَرَّةً وَاحِدَةً!
أَيُّ صَدمَةٍ فِي الوُجُودِ أَعظَمُ مِن هَذِهِ الصَّدمَةِ؟ وَأَيُّ خَسَارَةٍ وَفَجِيعَةٍ أَشَدُّ إِيلَامًا لِلرُّوحِ مِن أَن يَتعَبَ الإِنسَانُ وَيَكدَحَ وَيَنصَبَ طَوَالَ حَيَاتِهِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَعمُرُ وَيَبنِي وَيُحسِنُ، ثُمَّ يُفَاجَأُ يَومَ القِيَامَةِ بِأَنَّ سَعيَهُ كُلَّهُ قَد ضَاعَ وَصَارَ هَبَاءً مَنثُورًا؟!
إِنَّ هَذِهِ يَا عِبَادَ اللهِ هِيَ «الخَسَارَةُ الكُبرَى» الَّتِي قَرَعَ اللهُ بِهَا الأَسمَاعَ وَالقُلُوبَ فِي أَوَاخِرِ سُورَةِ الكَهفِ الَّتِي نَقرَؤُهَا فِي كُلِّ يَومِ جُمُعَةٍ؛ حَيثُ قَالَ المَولَى جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣-١٠٤]، ثُمَّ بَيَّنَ سُبحَانَهُ مَآلَهُم فِي الآيَةِ الَّتِي تَلِيهَا فَقَالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥].
قِفُوا طَوِيلًا يَا أُولِي الأَلبَابِ أَمَامَ هَاتَينِ الآيَتَينِ اللتَينِ كَانَتَا تَخلَعَانِ قُلُوبَ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ! لَم يَقُلِ اللهُ تَعَالَى: «بِالخَاسِرِينَ أَعمَالًا»، بَل جَاءَ بِصِيغَةِ التَّفضِيلِ المُطلَقَةِ فَقَالَ: ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾! لِمَاذَا كَانَ هَؤُلَاءِ هُم «الأَخسَرِينَ» عَلَى الإِطلَاقِ؟
لِأَنَّ العَاصِيَ المُفرِّطَ الَّذِي يَعلَمُ أَنَّهُ مُقَصِّرٌ وَمُذنِبٌ قَد خَسِرَ خَسَارَةً وَاحِدَةً، وَفِي قَلبِهِ انكِسَارٌ وَاعتِرَافٌ بِتَقصِيرِهِ يُوشِكُ أَن يَقُودَهُ يَومًا إِلَى التَّوبَةِ وَالأَوبَةِ؛ أَمَّا هَذَا «الأَخسَرُ عَمَلًا» فَقَد جَمَعَ بَينَ خَسَارَتَينِ قَاتِلَتَينِ: خَسَارَةِ التَّعَبِ وَالنَّصَبِ وَإِفنَاءِ العُمُرِ فِي السَّعيِ البَاطِلِ، وَخَسَارَةِ الغُرُورِ وَالعَمَى حَيثُ يَعِيشُ وَيَمُوتُ وَهُوَ يَحسَبُ أَنَّهُ يُحسِنُ صُنعًا، فَلَا يَتُوبُ مِن بَاطِلِهِ أَبَدًا لِأَنَّهُ يَرَى بَاطِلَهُ حَقًّا، وَيَرَى إِفسَادَهُ إِصلَاحًا، وَيَرَى خَرَابَهُ عُمرَانًا!
وَلِذَلِكَ وَصَفَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هَولَ المَفَاجَأَةِ الَّتِي تَنتَظِرُ هَؤُلَاءِ يَومَ القِيَامَةِ فِي سُورَةِ الفُرقَانِ بِقَولِهِ سُبحَانَهُ: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]! أَتَدرُونَ مَا الهَبَاءُ المَنثُورُ يَا عِبَادَ اللهِ؟ قَالَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ وَابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُم كَمَا فِي تَفسِيرِ الطَّبَرِيِّ وَابنِ كَثِيرٍ: «الهَبَاءُ المَنثُورُ هُوَ الغُبَارُ الدَّقِيقُ الَّذِي يَدخُلُ مَعَ شُعَاعِ الشَّمسِ مِنَ الكُوَّةِ (النَّافِذَةِ)، فَإِذَا مَدَدتَ يَدَكَ لِتَقبِضَ عَلَيهِ لَم تَستَطِعْ أَن تَمسِكَ مِنهُ شَيئًا!»!
وَصَوَّرَ القُرآنُ الكَرِيمُ سَعيَهُم الضَّائِعَ فِي سُورَةِ النُّورِ بَصُورَةِ العَطشَانِ الهَالِكِ فِي الفَلَاةِ يَرَى السَّرَابَ مِن بَعِيدٍ يَتلَألَأُ تَحتَ الشَّمسِ فَيَظُنُّهُ بَحرًا عَذبًا، فَيَركُضُ إِلَيهِ بِكُلِّ مَا بَقِيَ فِيهِ مِن قُوَّةٍ، حَتَّى إِذَا وَصَلَ إِلَيهِ لَم يَجِدْ قَطرَةَ مَاءٍ وَاحِدَةً، بَل وَجَدَ الحِسَابَ العَسِيرَ بَينَ يَدَيِ اللهِ! اسمعُوا إِلَى قَولِ اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور: ٣٩]، وَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الزُّمَرِ فِي الآيَةِ الَّتِي أَبكَتِ العُبَّادَ وَالزُّهَّادَ عِندَ احتِضَارِهِم: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزمر: ٤٧-٤٨]. قَالَ سُفيَانُ الثَّورِيُّ وَمُحَمَّدُ بنُ المُنكَدِرِ رَحِمَهُمَا اللهُ كَمَا أَورَدَ ابنُ أَبِي الدُّنيَا وَابنُ كَثِيرٍ: «وَيحٌ لِأَهلِ الرِّيَاءِ وَالاغتِرَارِ مِن هَذِهِ الآيَةِ! كَانُوا يَعمَلُونَ أَعمَالًا فِي الدُّنيَا يَظُنُّونَهَا حَسَنَاتٍ، فَبَدَت لَهُم يَومَ القِيَامَةِ سَيِّئَاتٍ!».
إِخوَةَ الإِيمَانِ: وَمَن هُم هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَدخُلُونَ فِي قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾؟
لَقَد سُئِلَ الصَّحَابَةُ الكِرَامُ عَن هَذِهِ الآيَةِ، فَرَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَالطَّبَرِيُّ عَن مُصعَبِ بنِ سَعدٍ قَالَ: سَأَلتُ أَبِي سَعدَ بنَ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَن قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ أَهُمُ الحَرُورِيَّةُ؟ قَالَ: «لَا، هُمُ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى وَأَهلُ الكِتَابِ؛ أَمَّا اليَهُودُ فَكَذَّبُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَّا النَّصَارَى فَكَفَرُوا بِالجَنَّةِ وَقَالُوا لَا طَعَامَ فِيهَا وَلَا شَرَابَ»، وَسُئِلَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنهَا فَقَالَ: «إِنَّ مِنهُم لَأَهلَ حَرُورَاءَ (الخَوَارِجَ)، وَأَهلَ الصَّوَامِعِ، وَكُلَّ مَن عَبَدَ اللهَ عَلَى غَيرِ سُنَّةٍ وَلَا بَصِيرَةٍ وَهُوَ يَحسَبُ أَنَّهُ يُحسِنُ صُنعًا!».
قَالَ إِمَامُ المُفَسِّرِينَ ابنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَالحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُمَا اللهُ جَامِعَينِ بَينَ أَقوَالِ الصَّحَابَةِ: «وَالحَقُّ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَن عَبَدَ اللهَ عَلَى غَيرِ طَرِيقَةٍ مَرضِيَّةٍ يَحسَبُ أَنَّهُ مُصِيبٌ فِيهَا وَأَنَّ عَمَلَهُ مَقبُولٌ وَهُوَ مُخطِئٌ وَعَمَلُهُ مَردُودٌ!». وَتَحتَ هَذَا الأَصلِ العَظِيمِ يَدخُلُ خَمسَةُ أَصنَافٍ مِنَ النَّاسِ فِيمَن ضَلَّ سَعيُهُم وَصَارَ عَمَلُهُم هَبَاءً:
الصِّنفُ الأَوَّلُ: مَن يَعمُرُ الدُّنيَا وَيَبنِيهَا وَهُوَ مُعرِضٌ عَن تَوحِيدِ اللهِ وَالإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ وَاليَومِ الآخِرِ؛ فَتَرَاهُ يَفتَحُ المَصَانِعَ، وَيَبتَكِرُ المُختَرَعَاتِ، وَيَتَبَرَّعُ لِلمَبَرَّاتِ الدُّنيَوِيَّةِ، وَهُوَ كَافِرٌ بِرَبِّهِ أَو جَاحِدٌ لِشَرعِهِ، فَيَظُنُّ أَنَّ عِمَارَتَهُ المَادِّيَّةَ تُغنيه عَنِ الإِيمَانِ بِاللهِ! وَقَد حَسَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ هَذَا الأَمرَ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَت: قُلتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، ابنُ جُدعَانَ كَانَ فِي الجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَيُطعِمُ المِسكِينَ، فَهَل ذَلِكَ نَافِعُهُ؟» قَالَ: «لَا يَنفَعُهُ؛ إِنَّهُ لَم يَقُلْ يَومًا: رَبِّ اغفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَومَ الدِّينِ!»! فَبِنَاءٌ بِلَا أَسَاسٍ مِنَ التَّوحِيدِ وَالإِيمَانِ كَرَمَادٍ اشتَدَّت بِهِ الرِّيحُ فِي يَومٍ عَاصِفٍ!
الصِّنفُ الثَّانِي: مَن يُفسِدُ فِي الأَرضِ بِتَروِيجِ البَاطِلِ وَالشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ وَمُحَارَبَةِ شَرِيعَةِ اللهِ، أَو بِالغُلُوِّ وَالتَّكفِيرِ وَسَفكِ الدِّمَاءِ المَعصُومَةِ، وَقَد زَيَّنَ لَهُ الشَّيطَانُ سُوءَ عَمَلِهِ فَهُوَ يَحسَبُ أَنَّهُ مُصلِحٌ يَبنِي وَيُجَدِّدُ! أَلَم يَقُلِ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ فَاطِرٍ: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: ٨]؟ وَقَالَ سُبحَانَهُ فِي فَضحِ المُنَافِقِينَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١١-١٢]!
فَكَم نَرَى فِي عَصرِنَا مَن يَهدمُ عَقَائِدَ الشَّبَابِ، وَيَنزِعُ الحَيَاءَ وَالعَفَافَ مِنَ الأُسَرِ، وَيَكتُبُ المَقَالَاتِ أَو يَصنَعُ المُسَلسَلَاتِ وَالبَرَامِجَ الهَابِطَةَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ «يَبنِي الوَعْيَ وَيَنشُرُ التَّنوِيرَ وَالحَضَارَةَ»! وَكَم نَرَى فِي المُقَابِلِ مِن غُلَاةٍ خَوَارِجَ يَقتُلُونَ أَهلَ الإِسلَامِ وَيَدَعُونَ أَهلَ الأَوثَانِ وَيَحسَبُونَ أَنَّهُم يُحسِنُونَ صُنعًا!
الصِّنفُ الثَّالِثُ: مَن يَتعَبُ وَيَنصَبُ فِي العِبَادَاتِ، وَلَكِنَّهُ يَتَعَبَّدُ اللهَ بِالبِدَعِ وَالمُحدَثَاتِ وَالأَهوَاءِ الَّتِي لَم يَشرَعْهَا اللهُ وَلَا رَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ! فَيَظُنُّ بِكَثرَةِ تَعَبِهِ أَنَّهُ يُحسِنُ صُنعًا، وَهُوَ لَا يَزدَادُ مِنَ اللهِ إِلَّا بُعدًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَضَعَ القَانُونَ الحَاسِمَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَن أَحدَثَ فِي أَمرِنَا هَذَا مَا لَيسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ»، وَفِي رِوَايَةِ مُسلِمٍ: «مَن عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أَمرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»؛ أَي مَردُودٌ عَلَى صَاحِبِهِ غَيرُ مَقبُولٍ مِنهُ مَهمَا حَسُنَت نِيَّتُهُ وَعَظُمَ تَعَبُهُ!
وَلَقَد مَرَّ الفَارُوقُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَومًا بَرَاهِبٍ فِي صَومَعَتِهِ كَمَا رَوَى الطَّبَرِيُّ وَابنُ كَثِيرٍ، فَنَادَاهُ فَأَشرَفَ الرَّاهِبُ وَقَد نَحَلَ جِسمُهُ وَتَقَوَّسَ ظَهرُهُ مِن طُولِ الرَّهبَانِيَّةِ المُبتَدَعَةِ، فَنَظَرَ إِلَيهِ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَبَكَى حَتَّى بَلَّت دُمُوعُهُ لِحيَتَهُ، فَقِيلَ لَهُ: «يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، مَا يُبكِيكَ مِن هَذَا؟» قَالَ: «ذَكَرتُ قَولَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ فِي سُورَةِ الغَاشِيَةِ: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية: ٣-٤]، فَذَاكَ الَّذِي أَبكَانِي!»؛ أَبكَاهُ أَن يَرَى إِنسَانًا يَشْقَى وَيَنصَبُ فِي الدُّنيَا عَلَى ضَلَالَةٍ ثُمَّ يَخرُجُ مِن نَصَبِ الدُّنيَا إِلَى نَارِ الآخِرَةِ!
الصِّنفُ الرَّابِعُ: مَن يَعمَلُ الطَّاعَاتِ الكِبَارَ فِي الظَّاهِرِ، وَلَكِنَّهُ يُزَيِّنُ عَمَلَهُ لِأَعيُنِ المَخلُوقِينَ رِيَاءً وَسُمعَةً وَطَلَبًا لِلمَدحِ وَالشُّهرَةِ وَالمَنزِلَةِ عِندَ النَّاسِ! فَيَبنِي المَسَاجِدَ، أَو يُنفِقُ الأَموَالَ، أَو يَطلُبُ العِلمَ، أَو يَتَصَدَّرُ المَجَالِسَ وَالشَّاشَاتِ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، قَارِئٌ، جَوَادٌ، شُجَاعٌ! فَهَذَا قَد بَاعَ الآخِرَةَ البَاقِيَةَ بِنَظرَةِ إِنسَانٍ ضَعِيفٍ لَا يَملِكُ لَهُ ضَرًّا وَلَا نَفعًا!
اسمعُوا إِلَى الحَدِيثِ الَّذِي كَانَ أَبُو هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَغشَى عَلَيهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَبلَ أَن يُحَدِّثَ بِهِ مِن هَولِهِ كَمَا فِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسلِمٍ؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقضَى يَومَ القِيَامَةِ عَلَيهِ: رَجُلٌ استُشهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلتُ فِيكَ حَتَّى استُشهِدتُ! قَالَ: كَذَبتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلتَ لِأَن يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَد قِيلَ! ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجهِهِ حَتَّى أُلقِيَ فِي النَّارِ! وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ القُرآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمتُ العِلمَ وَعَلَّمتُهُ وَقَرَأتُ فِيكَ القُرآنَ! قَالَ: كَذَبتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمتَ العِلمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأتَ القُرآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَد قِيلَ! ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجهِهِ حَتَّى أُلقِيَ فِي النَّارِ! وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيهِ وَأَعطَاهُ مِن أَصنَافِ المَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكتُ مِن سَبِيلٍ تُحِبُّ أَن يُنفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنفَقتُ فِيهَا لَكَ! قَالَ: كَذَبتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَد قِيلَ! ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجهِهِ ثُمَّ أُلقِيَ فِي النَّارِ!»!
الصِّنفُ الخَامِسُ: مَن يَجمَعُ الحَسَنَاتِ وَالطَّاعَاتِ، ثُمَّ يُحبطُهَا وَيَهدِمُ بُنيَانَهَا بِنَفسِهِ؛ إِمَّا بِذُنُوبِ الخَلَوَاتِ وَالجرأَةِ عَلَى مَحَارِمِ اللهِ إِذَا غَابَت أَعيُنُ النَّاسِ، وَإِمَّا بِظُلمِ العِبَادِ وَأَكلِ أَموَالِهِم وَالوُقُوعِ فِي أَعرَاضِهِم، وَإِمَّا بِالمَنِّ وَالأَذَى بِالصَّدَقَاتِ!
فَفِي سُنَنِ ابنِ مَاجَه بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن ثَوبَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَأَعلَمَنَّ أَقوَامًا مِن أُمَّتِي يَأتُونَ يَومَ القِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجعَلُهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنثُورًا»، قَالَ ثَوبَانُ: يَا رَسُولَ اللهِ، صِفهُم لَنَا، جَلِّهِم لَنَا أَن لَا نَكُونَ مِنهُم وَنَحنُ لَا نَعلَمُ! قَالَ: «أَمَا إِنَّهُم إِخوَانُكُم وَمِن جِلدَتِكُم، وَيَأخُذُونَ مِنَ اللَّيلِ كَمَا تَأخُذُونَ، وَلَكِنَّهُم أَقوَامٌ إِذَا خَلَوا بِمَحَارِمِ اللهِ انتَهَكُوهَا»!
وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ المُفلِسَ مِن أُمَّتِي يَأتِي يَومَ القِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأتِي قَد شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعطَى هَذَا مِن حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِن حَسَنَاتِهِ، فَإِن فَنِيَت حَسَنَاتُهُ قَبلَ أَن يُقضَى مَا عَلَيهِ أُخِذَ مِن خَطَايَاهُم فَطُرِحَت عَلَيهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ»! وَمَا أَصدَقَ مَا قَالَهُ الشَّاعِرُ الوَاعِظُ فِي تَصوِيرِ هَذَا الخُسرَانِ المُبِينِ:
يَا بَانِيًا لِلقُصُورِ الشُّمِّ مُغتَبِطًا ... وَأَنتَ تَهدِمُ بِالعِصيَانِ مَا تَبنِي
تَرجُو النَّجَاةَ وَلَم تَسلُكْ مَسَالِكَهَا ... إِنَّ السَّفِينَةَ لَا تَجرِي عَلَى اليَبَسِ
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ وَخَطِيئَةٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🕌 الخطبة الثانية
الحَمدُ للهِ الَّذِي بَصَّرَ عِبَادَهُ المُؤمِنِينَ بِمَسَالِكِ الفَلَاحِ، وَحَذَّرَهُم مِن مَصَارِعِ الغُرُورِ وَالخُسرَانِ وَالافتِضَاحِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فَالِقُ الإِصبَاحِ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى الهُدَى وَالصَّلَاحِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَهلِ التُّقَى وَالنَّجَاحِ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ مَا تَعَاقَبَ المَسَاءُ وَالصَّبَاحُ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا عِبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى، وَاعلَمُوا أَنَّ اللهَ جَلَّ جَلَالُهُ كَمَا حَذَّرَنَا فِي أَوَاخِرِ سُورَةِ الكَهفِ مِن حَالِ الأَخسَرِينَ أَعمَالًا، فَقَد خَتَمَ السُّورَةَ نَفسَهَا بَبيَانِ طَرِيقِ النَّجَاةِ الوَحِيدِ وَشَرطَي قَبُولِ العَمَلِ، فَقَالَ سُبحَانَهُ فِي الآيَةِ الأَخِيرَةِ مِن سُورَةِ الكَهفِ: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]!
سُئِلَ الإِمَامُ الجَلِيلُ الفُضَيلُ بنُ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللهُ عَن قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] فَقَالَ كَمَا أَورَدَ البَغَوِيُّ وَابنُ كَثِيرٍ: «أَخلَصُهُ وَأَصوَبُهُ!»، قَالُوا: يَا أَبَا عَلِيٍّ، مَا أَخلَصُهُ وَأَصوَبُهُ؟ قَالَ: «إِنَّ العَمَلَ إِذَا كَانَ خَالِصًا وَلَم يَكُن صَوَابًا لَم يُقبَل، وَإِذَا كَانَ صَوَابًا وَلَم يَكُن خَالِصًا لَم يُقبَل، حَتَّى يَكُونَ خَالِصًا صَوَابًا؛ وَالخَالِصُ أَن يَكُونَ للهِ، وَالصَّوَابُ أَن يَكُونَ عَلَى السُّنَّةِ!»، ثُمَّ قَرَأَ قَولَ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.
فَكَيفَ يَسلَمُ العَبدُ مِن أَن يَكُونَ مِنَ الأَخسَرِينَ أَعمَالًا، وَكَيفَ يَحفَظُ بُنيَانَ حَسَنَاتِهِ مِنَ الهَبَاءِ وَالبَوَارِ؟ إِلَيكُم أَربَعَ وَصَايَا عَمَلِيَّةٍ جَامِعَةٍ:
الوَصِيَّةُ الأُولَى: تَجرِيدُ التَّوحِيدِ وَالإِخلَاصِ للهِ فِي كُلِّ قَولٍ وَعَمَلٍ؛ فَقَبلَ أَن تَتَكَلَّمَ أَو تَتَصَدَّقَ أَو تُصَلِّيَ أَو تَنشُرَ شَيئًا، سَلْ نَفسَكَ: لِمَن أَعمَلُ هَذَا؟ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي الحَدِيثِ القُدسِيِّ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «أَنَا أَغنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّركِ، مَن عَمِلَ عَمَلًا أَشرَكَ فِيهِ مَعِي غَيرِي تَرَكتُهُ وَشِركَهُ».
الوَصِيَّةُ الثَّانِيَةُ: لُزُومُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الصَّحِيحَةِ وَزِنَةُ الأَعمَالِ وَالأَفكَارِ بِمِيزَانِ الوَحيَينِ لَا بِمِيزَانِ الهَوَى وَالعَادَاتِ؛ فَلَقَد جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَأَرَادُوا أَن يَتَعَبَّدُوا اللهَ بِاجتِهَادِهِمُ الشَّخصِيِّ (أَحَدُهُم يَصُومُ وَلَا يُفطِرُ، وَالثَّانِي يَقُومُ وَلَا يَرقُدُ، وَالثَّالِثُ يَعتَزِلُ النِّسَاءَ)، يَحسَبُونَ أَنَّهُم يُحسِنُونَ صُنعًا؛ فَرَدَّهُم النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إِلَى جَادَّةِ السُّنَّةِ وَقَالَ: «فَمَن رَغِبَ عَن سُنَّتِي فَلَيسَ مِنِّي»!
الوَصِيَّةُ الثَّالِثَةُ: الجَمعُ بَينَ إِحسَانِ العَمَلِ وَالخَوفِ مِن عَدَمِ القَبُولِ، وَإِيَّاكَ وَالعُجبَ وَالاغتِرَارَ بِطَاعَتِكَ! يَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي وَصفِ خِيرَةِ المُؤمِنِينَ فِي سُورَةِ المُؤمِنُونَ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠]؛ سَأَلَت عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَن هَذِهِ الآيَةِ كَمَا عِندَ التِّرمِذِيِّ وَأَحمَدَ بَإِسنَادٍ صَحِيحٍ: «أَهُمُ الَّذِينَ يَشرَبُونَ الخَمرَ وَيَسرِقُونَ؟» قَالَ: «لَا يَا بِنتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُم يَخَافُونَ أَن لَا يُقبَلَ مِنهُم؛ ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١]»!
الوَصِيَّةُ الرَّابِعَةُ: صِيَانَةُ الحَسَنَاتِ مِنَ القَوَاطِعِ وَالمُحبِطَاتِ؛ فَاتَّقِ اللهَ فِي خَلوَتِكَ كَمَا تَتَّقِيهِ فِي جَلوَتِكَ، وَكُفَّ لِسَانَكَ وَيَدَكَ عَن ظُلمِ العِبَادِ وَأَكلِ حُقُوقِهِم، وَأَصلِحْ كَسبَكَ وَمَطعَمَكَ؛ فَإِنَّ دِرهَمًا حَلَالًا تَضَعُهُ فِي حَقِّهِ بِإِخلَاصٍ وَسُنَّةٍ خَيرٌ عِندَ اللهِ مِن قَنَاطِيرَ مَشُوبَةٍ بِالحَرَامِ وَالرِّيَاءِ! وَمَا أَحسَنَ مَا قَالَهُ الشَّاعِرُ الرَّبَّانِيُّ فِي شَرطِ قَبُولِ العَمَلِ:
مَا قِيمَةُ السَّعيِ إِن لَم يَرضَهُ الصَّمَدُ ... أَو خَالَطَ القَصدَ فِيهِ الزَّيغُ وَالحَسَدُ
فَأَخلِصِ القَصدَ وَاتبعْ سُنَّةً سَطَعَت ... يَقبَلْكَ رَبٌّ كَرِيمٌ وَاحِدٌ أَحَدُ
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى الهَادِي البَشِيرِ وَالسِّرَاجِ المُنِيرِ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، كَمَا أَمَرَكُم بِذَلِكَ رَبُّكُم فِي مُحكَمِ التَّنزِيلِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ الأَئِمَّةِ المَهدِيِّينَ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُم بِعَفوِكَ وَجُودِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَن نُشرِكَ بِكَ وَنَحنُ نَعلَمُ، وَنَستَغفِرُكَ لِمَا لَا نَعلَمُ. اللَّهُمَّ اجعَلْ أَعمَالَنَا كُلَّهَا صَالِحَةً، وَاجعَلْهَا لِوَجهِكَ خَالِصَةً، وَلَا تَجعَلْ لِأَحَدٍ فِيهَا شَيئًا. اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِن أَن يَضِلَّ سَعيُنَا فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا وَنَحنُ نَحسَبُ أَنَّنَا نُحسِنُ صُنعًا، وَنَعُوذُ بِكَ مِن حُبُوطِ العَمَلِ وَخَيبةِ الأَمَلِ يَومَ لِقَائِكَ. اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا صَالِحَ الأَعمَالِ، وَتَجَاوَزْ عَنِ التَّقصِيرِ وَالزَّلَلِ، وَأَحسِنْ خَاتِمَتَنَا فِي الأُمُورِ كُلِّهَا، وَأَجِرنَا مِن خِزيِ الدُّنيَا وَعَذَابِ الآخِرَةِ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِينَ، وَانصُرْ إِخوَانَنَا المُستَضعَفِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَفرِّجْ كَربَهُم، وَاحقِنْ دِمَاءَهُم، وَاحفَظْ بِلَادَنَا وَبِلَادَ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ سُوءٍ وَمَكرُوهٍ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
الخَسَارَةُ الكُبرَى وَالسَّعيُ الضَّائِعُ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَنِ الأَخسَرِينَ أَعمَالًا الَّذِينَ يَحسَبُونَ أَنَّهُم يُحْسِنُونَ صُنعًا وَأَسبَابِ حُبُوطِ العَمَلِ وَشُرُوطِ قَبُولِهِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.