من مكتبة مِداد الخطيب

أُكذوبَةُ "القِراءَةِ المُعاصِرَة" وأَنسَنَةِ النَّصِّ القُرآني

مشاركة
🕌 أُكذوبَةُ "القِراءَةِ المُعاصِرَة" وأَنسَنَةِ النَّصِّ القُرآني #خطبة_جمعة #القراءة_المعاصرة #أنسنة_القرآن #نقد_الحداثة #تحريف_التأويل #تفسير_القرآن #إيمانيات #رقائق الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ القُرآنَ هُدىً للمُتَّقين، وفُرقاناً يَفصِلُ بينَ الحَقِّ والباطِلِ المُبين، أنزَلَهُ كِتاباً مُحكَماً لا يَأتيهِ الباطِلُ مِن بينِ يَدَيهِ ولا مِن خَلفِه، تَنزيلاً مِن حَكيمٍ حَميد. وصانَهُ سُبحانَهُ بحِفظِهِ التَّامِّ عن تَحريفِ الغالين، وانتِحالِ المُبطِلين، وتَأويلِ الجاهِلين، وجَعَلَ لِسانَهُ العَرَبيَّ المُبينَ سِياجاً مَنيعاً يَحميهِ مِن عَبَثِ العابِثين، وأهواءِ المُتَخَرِّصين. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، لَهُ الحُكمُ وإليهِ تُرجَعون، لا مُعَقِّبَ لِحُكمِه، ولا رادَّ لقَضائِه، وهوَ أصدَقُ القائلين: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾. وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا وحَبيبَنا وقُدوَتَنا مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، بَلَّغَ الرِّسالَة، وأدَّى الأمانَة، ونَصَحَ الأُمَّة، وتَرَكَنا على المَحَجَّةِ البَيضاء، لَيلُها كَنَهارِها لا يَزيغُ عنها إلَّا هالِك، صَلَّى اللهُ وسَلَّمَ وبارَكَ عليهِ وعلى آلِهِ الأطهار، وصَحابَتِهِ الأبرار، ومَن سارَ على نَهجِهِم واقتَفى أثَرَهُم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعد: فيا عِبادَ الله، اتَّقوا اللهَ تَعالى حَقَّ التَّقوى، واعلَموا أنَّ هذا الدِّينَ مَحفوظٌ بحِفظِ اللهِ رَبِّ العالَمين، وأنَّ كِتابَ اللهِ العَظيمَ هُوَ حَبلُ النَّجاةِ الأوثَق، ومَنبَعُ الهِدايَةِ الأصفى. غَيرَ أنَّ أعداءَ هذا الدِّين، ومَن فُتِنوا بمَناهِجِ الاستِشراقِ والفَلسَفاتِ الغَربيَّةِ الدَّخيلَة، لَمَّا عَجَزوا عن إسقاطِ القُرآنِ مِن صُدورِ المُسلِمينَ بحَذفِ آيَةٍ أو تَبديلِ كَلِمَة — لِعِلمِهم أنَّ اللهَ تَكَفَّلَ بحِفظِ لَفظِهِ فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ — سَلَكوا طَريقاً خَبيثاً ماكِراً، فجاؤوا إلى المَعنى يُفَرِّغونَه، وإلى الدِّلالَةِ يُحَرِّفونَها، وإلى الأحكامِ القاطِعَةِ يَنقُضونَها، تَحتَ لافِتاتٍ بَرَّاقَةٍ مُخادِعَة، يَسمُّونَها زُوراً وبُهتاناً: "القِراءَة المُعاصِرة"، و"أَنسَنَة النَّصِّ القُرآني"، و"تَاريخِيَّة النُّصوص"! يَقولونَ للناسِ بكُلِّ جُرأةٍ ووَقاحَة: نَحنُ نُؤمِنُ بالقُرآن، ولكنَّنا نُريدُ أن نَقرَأَهُ بعُيونِ القَرنِ الحادي والعِشرين! نُريدُ أن نُخضِعَهُ لمَناهِجِ اللِّسانيَّاتِ الحَديثَة، والهيرمينوطيقا، والتَّفكيكيَّة، والتَّاريخانِيَّة! ومَعنى ذلكَ في قاموسِهِمُ الحَقيقي: جَعلُ القُرآنِ نَصّاً بَشَريّاً يَخضَعُ لِنَظريَّاتِ عُقولِهِمُ القاصِرَة، وتَجريدُهُ مِن صِفَتِهِ الإلهِيَّةِ المُطلَقَة، واعتبارُ أحكامِهِ حُلولاً مَرحَليَّةً لِبيئَةٍ صَحراوِيَّةٍ عَرَبيَّةٍ قَديمَةٍ انقَضَت ولا تَصلُحُ لِزَمانِنا! فيُحَلِّلونَ الحَرامَ القَطعي، ويُسقِطونَ الواجِبَ الإلهي، ويَجعلونَ النَّصَّ حَمَّالَ أوجُهٍ يَركَبُهُ كُلُّ هَوى، ويُسَوِّغُ كُلَّ فاحِشَة، بدَعوى أنَّ "المَعنى غَيرُ ثابِت"! فهل بَقيَ بَعدَ هذا مِنَ القُرآنِ شَيءٌ يا أُمَّةَ الإسْلام؟! ألم يَقُلِ اللهُ جلَّ وعلا كاشِفاً مَسلكَ هؤلاءِ الزَّائِغينَ ومُحَذِّراً مِنهُم في مُحكَمِ كِتابِه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 7]. تَأمَّلوا يا مَعاشِرَ المُصلِّينَ في هذا التَّوصيفِ الإلهيِّ الحاسم؛ سَمَّاهُمُ الله: ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾! فالبِدايَةُ لَيسَت عِلماً ولا بَحثاً ولا تَجديداً، بل هيَ زَيغٌ ومَرَضٌ وقَصدٌ سَيِّئٌ استَوطَنَ القَلب، ثمَّ قادَ صاحِبَهُ إلى تَتبُّعِ المُتَشابِهات، وتَكَلُّفِ التَّأويلات، لمَاذا؟ ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾! يُريدونَ فِتنَةَ النَّاسِ عن دِينِهم، وتَطويعَ النَّصِّ الشَّرعيِّ ليُوافِقَ المَنظومَةَ المادِّيَّةَ الغَربيَّة، والاتِّفاقيَّاتِ الدَّوليَّةَ المُصادِمَةَ للفِطرَةِ والشَّريعة! ثمَّ نَبَّهَ اللهُ نَبيَّهُ وأُمَّتَهُ إلى خَطَرِ التَّنازُلِ عن بَعضِ ما أنزَلَ اللهُ إرضاءً لِرَغباتِ الخَلقِ وأهوائِهِم، فقالَ سُبحانَه: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 49]. ويُبَيِّنُ رَبُّنا سُبحانَهُ أنَّ هذا القُرآنَ مَحكومٌ بلِسانِهِ الذي نَزَلَ به، فلا مَجالَ لتَحريفِ دِلالاتِهِ بألفاظٍ وأعرافٍ مُستَحدَثَة: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ • عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ • بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: 193-195]. لِسانٌ عَرَبيٌّ مُبين؛ يَعني أنَّ مَفاهيمَهُ مَربوطَةٌ بما عَرَفَتهُ العَرَبُ في خِطابِها وقَواعِدِ لُغَتِها حينَ التَّنزيل، ومَن حَمَلَ كَلامَ اللهِ على مُصطَلحاتِ الفَلاسِفَةِ أو نَظريَّاتِ عُلماءِ الاجتِماعِ في باريسَ أو لَندَن، فقد افترى على اللهِ كَذِباً وبَدَّلَ كَلامَ الله. واسمَعوا إلى التَّحذيرِ النَّبَويِّ الصَّادِع، الذي يَقطَعُ الطَّريقَ على كُلِّ مُتَطاوِلٍ يَقرَأُ القُرآنَ بعَقليَّتِهِ وهَواه؛ رَوى الإمامُ التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ عن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ رضي اللهُ عنهما، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «مَن قالَ في القُرآنِ برَأيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقعَدَهُ مِنَ النَّار»، وفي رِوايَة: «مَن قالَ في القُرآنِ بغَيرِ عِلمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقعَدَهُ مِنَ النَّار»! اللهُ أكبر! ما أبلَغَ هذا النَّصَّ الزَّاجِر وما أهْيَبَه! النَّبيُّ ﷺ يَتَوَعَّدُ بالنَّارِ مَن يَتَكَلَّمُ في كِتابِ اللهِ بمُجَرَّدِ الرَّأيِ والانطِباعِ الشَّخصيِّ دونَ الاستِنادِ إلى قَواعِدِ اللِّسانِ وتَفاسيرِ النُّبُوَّةِ والصَّحابَة؛ فكيفَ بِمَن يَتَجَرَّأُ اليومَ فيَنسِفُ الإجماعَ القَطعي، ويَرُدُّ المَعاني الظَّاهِرَةَ المُحكَمَة، ويَزعُمُ أنَّ الصَّحابَةَ لم يَفهَموا القُرآن، وأنَّ التَّابِعينَ كانوا أسرى لِثَقافَتِهم، وأنَّ الفَهمَ الحَقيقيَّ لم يَظهَر إلَّا لمُتَفَلسِفَةِ الحَداثَةِ في زَمانِنا؟! ورَوى البَيهقيُّ في «المَدخَل إلى السُّنَن» وغيرُهُ، وصَحَّحَهُ العَلَّامَةُ أحمد شاكر، عن رسولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قال: «يَحمِلُ هذا العِلمَ مِن كُلِّ خَلَفٍ عُدولُه، يَنفُونَ عنهُ تَحريفَ الغالِين، وانتِحالَ المُبطِلين، وتَأويلَ الجاهِلين». ألا وإنَّ هؤلاءِ الحَداثِيِّينَ الذينَ يُسَمُّونَ أنفُسَهُم "مُفَكِّرينَ تَنويرِيِّين" قَد جَمَعوا هذهِ البَلايا الثَّلاث: حَرَّفوا النُّصوصَ تَحريفَ الغالين، وانتَحَلوا الفَلسَفاتِ الإلحادِيَّةَ انتِحالَ المُبطلين، وتَأوَّلوا آياتِ اللهِ تَأويلَ الجاهِلينَ بلِسانِ العَرَبِ وقَواعِدِ الشَّريعة! عِبادَ الله، لَقَد كانَ سَلَفُنا الصَّالِحُ — وهُم أئمَّةُ اللُّغَة، وفُرسانُ البَيان، ومَن نَزَلَ القُرآنُ في دِيارِهم وشاهَدوا التَّنزيل — يَرتَعِدونَ خَوفاً وفَرَقاً مِن أن يَقولوا في كِتابِ اللهِ كَلِمَةً بغيرِ عِلم؛ يَقولُ أميرُ المُؤمنينَ وأفضَلُ البَشَرِ بَعدَ الأنبياء، الصِّدِّيقُ أبو بَكرٍ رضي اللهُ عنه وأرضاه، في كَلِمَةٍ تَهُزُّ الجِبالَ وَرَعاً وخَشيَة: "أيُّ أرضٍ تُقِلُّني، وأيُّ سَماءٍ تُظِلُّني، إذا قُلتُ في كِتابِ اللهِ برَأيي، أو بما لا أعلَم؟!". الصِّدِّيقُ يَخافُ أن تَبتَلِعَهُ الأرضُ أو تَسقُطَ عليهِ السَّماءُ إن تَكَلَّمَ برَأيِهِ المَحْض! بَينما يَخرُجُ علَينا اليومَ في المَحاطَّاتِ والشَّاشاتِ كاتِبٌ لا يُحسِنُ قِراءَةَ آيَةٍ دُونَ لَحْن، ولا يَعرِفُ الفاعِلَ مِنَ المَفعول، ولا يُفَرِّقُ بينَ العامِّ والخاصِّ والمُطلَقِ والمُقَيَّد، فيَتبَجَّحُ قائلًا: "هذا فَهْمِي للآيَة، ومِن حَقِّي أن أقرَأها قِراءةً حَداثيَّة مُعاصِرَة"! ألا سَاءَ ما يَزِرون، وألا خابَ ما يَصنَعون! وقَد قَرَّرَ إمامُ المُفَسِّرينَ أبو جَعفَرٍ ابنُ جَريرٍ الطَّبَريُّ رحمه الله في مُقَدِّمَةِ تَفسيرِهِ الخالِد: "أنَّ القُرآنَ نَزَلَ بلِسانِ العَرَبِ الذي خُوطِبوا به، فمَن رَامَ تَفسيرَهُ بما لا تَعرفُهُ العَرَبُ في خِطابِها، أو تَأوَّلَهُ على خِلافِ المَعهودِ مِن لُغَتِها وسِياقِ كَلامِها، فقد ضَلَّ وأضَلّ، وكانَ مُتَقَوِّلاً على اللهِ ما لم يَقُل". وقالَ الإمامُ الشَّاطِبيُّ رحمه الله في كِتابِهِ العَظيم «المُوَافَقات»: "فلا يَصِحُّ لمُتَأوِّلٍ أن يَفهَمَ القُرآنَ إلَّا على مُقتَضى اللِّسانِ العَرَبيِّ الوَقتَ الذي نَزَلَ فيه، دونَ ما أحدَثَ المُتَأخِّرونَ مِنَ الاصطِلاحاتِ والمَفاهيمِ الدَّخيلة؛ فإنَّ القُرآنَ عَرَبيٌّ، ومَن رَامَ فَهمَهُ بغَيرِ لِسانِهِ الذي نَزَلَ بهِ خَرَجَ عن جادَّةِ الصَّواب". وقَرَّرَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمِيَةَ رحمه الله في «مُقَدِّمَةٍ في أُصولِ التَّفسير»: "أنَّ أصحَّ طُرُقِ التَّفسيرِ أن يُفَسَّرَ القُرآنُ بالقُرآن، فما أُجمِلَ في مَكانٍ فُسِّرَ في آخَر، فإن أعيَاكَ ذلكَ فعلَيكَ بالسُّنَّةِ فإنَّها شارِحَةٌ لهُ ومُوَضِّحَة، فإن لم تَجِد فرَجَعتَ إلى أقوالِ الصَّحابَةِ فإنَّهُم أعلَمُ بذلكَ لِما شاهَدوهُ مِنَ القَرائنِ والأحوالِ واختُصُّوا بهِ مِنَ الفَهمِ الصَّحيحِ واللِّسانِ العَرَبيِّ القَحّ". أيُّها الإخوَةُ في الله، تَعالَوا نَكشِفْ زَيفَ هذهِ "القِراءاتِ المُعاصِرة" التي فُتِنَ بها بَعضُ الشَّبابِ اليوم؛ ماذا يَقولُ هؤلاءِ الحَداثِيُّون؟ وما هيَ النَّتائجُ الكارِثيَّةُ التي خَرَجوا بها؟! انظُروا إلى مَن يُسَمُّونَهُ "مُهندِس القِراءة المُعاصِرة"، كـ (محمد شحرور) ومَن دارَ في فَلَكِه: يَأتي إلى كَلِمَةِ "الفاحِشَة" و"الزِّنا" في القُرآن، فيَزعُمُ بكُلِّ صَفاحَةٍ وجُرأةٍ على حُرُماتِ اللهِ أنَّ العَلاقاتِ المُحَرَّمَةَ بينَ الرِّجالِ والنِّساءِ بالتَّراضي لَيسَت زِناً مُحَرَّماً، وإنَّما الزِّنا هُوَ الاغتِصابُ والإعلانُ في الشَّوارِعِ فقط! ويَأتي إلى حِجابِ المَرأةِ وفَريضَتِهِ الإلهيَّةِ القاطِعَة، فيَزعُمُ بكَذِبٍ صُراحٍ أنَّ المَطلوبَ مِنَ المَرأةِ هُوَ سَترُ "الجُيوبِ السُّفلى" فقط، وأنَّ ما سِوى ذلكَ تَقليعاتٌ وعاداتٌ تاريخِيَّة! ويَأتي آخَرُ كنَصر حامد أبو زَيد ومحمَّد أركون، فيَقولونَ بصَريحِ العِبارَة: إنَّ القُرآنَ مُنتَجٌ ثَقافي، كُتِبَ بلُغَةِ عَصرِهِ ولا يَصلُحُ حَاكِماً على غَيرِ عَصرِه! ويَأتونَ إلى نُصوصِ المَواريثِ فيَزعُمونَ أنَّ قِسمَةَ اللهِ المُنَزَّلَةَ في سُورَةِ النِّساءِ كانَت لِزَمَنِ الجاهِليَّة، وأمَّا اليومَ فعَلَينا أن نُسَوِّيَ بينَ الذَّكَرِ والأُنثى بمُقتَضى الشِّرعَةِ الدَّوليَّة! أرَأيتُم إلى أينَ يَقودُ هذا الفِكرُ الخَبيث؟! إنَّهُ لا يُريدُ فَهمَ القُرآن، بل يُريدُ هَدْمَ القُرآنِ باسْمِ القُرآن! يُريدونَ تَحويلَ دِينِ اللهِ إلى عَجينَةٍ رَخوَى، يُشَكِّلُها كُلُّ شَهوانِيٍّ بحَسَبِ شَهوَتِه، ويَصوغُها كُلُّ عِلمانيٍّ بحَسَبِ أهوائِه، حتَّى لا يَبقى في الإسلامِ حَلالٌ مَعلُوم، ولا حَرامٌ مَحسوم! والسُّؤالُ الذي يَفرِضُ نَفسَهُ هنا: لماذا يَنساقُ بَعضُ شَبابِنا وبَناتِنا وراءَ هذهِ الدَّعاوى المَسمومة؟ إنَّ السَّبَبَ لَيسَ قُوَّةَ حُجَّتِها — فحُجَجُهُم أوهى مِن بُيوتِ العَنكَبوتِ تَسقُطُ أمامَ طِفلٍ يَعرِفُ ألِفباءِ اللُّغَةِ العَرَبيَّة والقَواعِدِ الشَّرعيَّة! ولكنَّ السَّبَبَ الحَقيقيَّ هُوَ الهَرَبُ مِن تَكاليفِ الشَّريعَةِ وإرضاءُ الشَّهَواتِ والشُّبُهاتِ بنَكهَةٍ دِينيَّةٍ كاذِبَة! الشَّابُّ الذي يُريدُ أن يُطلِقَ بَصَرَهُ في الحَرام، ويُريدُ أن يَقَعَ في الفَواحِش، أو يَأكُلَ الرِّبا، أو الفَتاةُ التي تَثقُلُ عليها فَريضَةُ الحِجاب — يَجِدونَ في هؤلاءِ المُتَفَلسِفَةِ مَخرَجاً يُخَدِّرونَ بهِ ضَمائرَهُم! يَقولُ في نَفسِه: "أنا لم أترُكِ الدِّين، ولكنَّني أتَّبِعُ قِراءَةً مُعاصِرَةً جَديدة تُبيحُ لي ما أهوى"! وهذا هُوَ جَوهَرُ الزَّيغِ الذي حَذَّرَ اللهُ مِنه: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: 23]. فاتَّقوا اللهَ يا عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ كِتابَ اللهِ عَزيزٌ لا يَأتيهِ الباطِل: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ • لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 41-42]. فلا تَغُرَّنَّكُم شِعاراتُ الحَداثَةِ والتَّنويرِ الزَّائفَة، وتَمَسَّكوا بمُحكَماتِ دِينِكُم، وعَضُّوا عليها بالنَّواجِذ. أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ الجَليلَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ فاستَغفِروه، إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ كَفى، وحَمداً للهِ الذي عافانا ممَّا ابتَلى بهِ كَثيراً مِن خَلقِه، وصَلاةً وسَلاماً على نَبيِّهِ المُصطفى، خَيرِ مَن فَسَّرَ القُرآنَ وبَيَّنَهُ للعالَمين، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ الغُرِّ المَيامين. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه ﷺ. أمَّا بعد: عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عن أَخطَرِ مُؤامَرَةٍ فِكرِيَّةٍ تُحاكُ ضِدَّ القُرآنِ في عَصرِنا: «أُكذوبَة القِراءة المُعاصِرة وأَنسَنَة النَّصِّ القُرآني»، وبَيَّنَّا كَيفَ أنَّ هذهِ المَناهِجَ الحَداثِيَّةَ لَيسَت تَجديداً بل هيَ هَدمٌ لأُصولِ الدِّينِ ونَقضٌ لقَواطِعِ الشَّريعَة، وكَشَفنا خَلفِيَّاتِها الاستِشراقِيَّةَ ورَغباتِها الشَّهوِانيَّةَ في تَحليلِ الحَرامِ وتَفريغِ الوَحيِ مِن قُدسِيَّتِه، وأوضَحنا أنَّ كِتابَ اللهِ مَحكومٌ بلِسانِهِ العَرَبيِّ المُبينِ وفَهمِ رَسولِ اللهِ ﷺ وصَحابَتِهِ الكِرام. والآنَ يَبقى السُّؤالُ العَمَليُّ الحَاسِم: كَيفَ نُحَصِّنُ أنفُسَنا، وبُيوتَنا، وشَبابَنا مِن هذا الانحِرافِ الفِكريِّ الخَبيث؟ لِذا، فإنِّي أُوصيكُم — ونَفسي المُقَصِّرَة — بخَمسِ وَصايا حاسِمَةٍ لا غِنى لمُسلِمٍ عنها في هذا الزَّمان: الأولى (وَصيَّةٌ قَلبيَّة): تَجريدُ الإيمانِ الجازِمِ بقُدسِيَّةِ كَلامِ اللهِ ورَبَّانِيَّتِه؛ فالقُرآنُ كَلامُ اللهِ المُنَزَّل، حَرفاً ومَعنى، لَيسَ مَخلوقاً، ولا مُنتَجاً ثَقافيّاً، ولا نَصّاً بَشَريّاً يَخضَعُ لقَوانينِ النَّقدِ والتَّفكيك، ومَن ظَنَّ أنَّ اللهَ تَكَلَّمَ بكَلامٍ لا يَصلُحُ إلَّا لعَصرِ البَعيرِ والخَيمَة فقد طَعَنَ في كَمالِ عِلمِ اللهِ وحِكمَتِه: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. الثانية (وَصيَّةٌ لِسانيَّةٌ وعِلميَّة): الاعتِصامُ بضَوابِطِ اللِّسانِ العَرَبيِّ وتَفاسيرِ الأئمَّةِ المُعتَمَدين؛ فإذا سَمِعتُم مَن يَدَّعي مَعنىً شَاذّاً لآيَةٍ مُحكَمَة، فاسألوه: هل عَرَفَتِ العَرَبُ هذا المَعنى في لُغَتِها؟ هل قالَ بهِ إمامٌ مِن أئمَّةِ التَّفسيرِ كابنِ جَريرٍ، أوِ ابنِ كَثيرٍ، أوِ البَغَويّ، أوِ السَّعديّ؟ فإن كانَ جَوابُهُ النَّفيَ فاعْلَموا أنَّهُ ضَلالٌ وزَيغٌ ومَحضُ افتِراء. الثالثة (وَصيَّةٌ فِعليَّةٌ وعَمَليَّة): تَلَقِّي العِلمِ والتَّفسيرِ عن أهلِهِ الرَّاسِخينَ الثِّقات؛ لا تَأخُذوا دِينَكُم عن حِساباتِ التِّيك توك، ولا مَقاطِعِ "المُؤثِّرين" الجُهَّالِ الذينَ يُفَصِّلونَ الدِّينَ على مَقاسِ الشَّهوات، بل عَمِّروا صُدورَكُم بقِراءَةِ كُتُبِ التَّفسيرِ المُيَسَّرَةِ الصَّافِيَةِ كتَفسيرِ السَّعديِّ أو «المُختَصَر في التَّفسير» لتَكونَ لَكُم مَناعَةٌ فِكرِيَّةٌ صَلبَة. الرابعة (وَصيَّةٌ اجتماعيَّةٌ وأُسريَّة): حِمايَةُ الأبناءِ والبَناتِ وتَحصينُهُم في المَنازِل؛ افتَحوا مَعهُم حِواراتٍ إيمانِيَّةً هادِئة، واستَمِعوا إلى ما يُطرَحُ في مَدارِسِهِم وجامِعاتِهِم مِن شُبُهاتٍ حولَ المَواريثِ والحِجابِ والضَّوابِطِ الشَّرعيَّة، وفَنِّدوها بالحُجَّةِ العَقليَّةِ البالِغَةِ والبيانِ الشَّرعيِّ الرَّصين، ولا تَترُكوهُم فَريسَةً لذِئابِ الحَداثَةِ والتَّغريب. الخامسة (وَصيَّةٌ مَوضوعيَّةٌ خاصَّة): اليَقينُ بأنَّ التَّجديدَ الشَّرعيَّ الصَّادِقَ لَيسَ هَدْمَ النُّصوصِ وقَواطِعِ الشَّريعة، بل التَّجديدُ هُوَ رَفْعُ الغُبارِ عن أُصولِها الصَّافِيَة، وإحياءُ ما انْدَرَسَ مِن سُنَنِها، وتَنزيلُ أحكامِها الرَّبَّانِيَّةِ العادِلَةِ على نَوازِلِ العَصرِ بفَهمٍ فِقهيٍّ أصيلٍ لا يَنحَرِفُ عنِ المِنهج. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ مَوعِدَنا مَعَ اللهِ قَريب، وأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَّا سَيَقِفُ وَحيداً بينَ يَدَي رَبِّهِ ليُسألَ عن دِينِهِ وعَن كِتابِه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281]. ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على المَبعوثِ رَحمَةً للعالَمين، نَبيِّنا وحَبيبِنا مُحمَّدٍ ﷺ، كما أمَرَكُمُ اللهُ في كِتابِهِ الكَريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ وبارِكْ على سيِّدِنا مُحمَّدٍ، وعلى آلِهِ الأطهَار، وأزواجِهِ أُمَّهاتِ المُؤمِنين، وصَحابَتِهِ الأبرار، ومَن تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين. اللَّهُمَّ احفَظْ لنا دِينَنا الذي هوَ عِصمَةُ أمرِنا، وأصلِحْ لنا دُنيانا التي فيها مَعاشُنا، وأصلِحْ لنا آخِرَتَنا التي إليها مَعادُنا. اللَّهُمَّ اجعَلِ القُرآنَ العَظيمَ رَبيعَ قُلوبِنا، ونُورَ صُدورِنا، وجَلاءَ أحزانِنا، وذَهابَ هُمومِنا وغُمومِنا، وقائدَنا ودَليلَنا إلى جَنَّاتِكَ جَنَّاتِ النَّعيم. اللَّهُمَّ ثَبِّتنا على مُحكَماتِ كِتابِك، واكفِنا شَرَّ الزَّائِغينَ والتَّائِهينَ والمُفترين. اللَّهُمَّ رُدَّ كَيدَ مَن أرادَ بالقُرآنِ كَيداً في نَحرِه، وافضَحْ شُبُهاتِ الحَداثِيِّينَ والمُتَطاوِلينَ على شَريعَتِك. اللَّهُمَّ احفَظ شَبابَنا وبَناتِنا مِن فِتَنِ الشُّبُهاتِ والشَّهَوات، ونَوِّر بَصائِرَهُم بالحَقِّ واليَقين. اللَّهُمَّ انصُر عِبادَكَ المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ في كُلِّ مَكان، وارزُقنا عِزَّةَ الإيمانِ وتَمَسُّكاً بسُنَّةِ نَبيِّكَ العدنان. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. عِبادَ الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ________________ ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.