🕌 أدبُ تَعظيمِ المُصحَفِ الشَّريفِ وصِيانَتِه
#خطبة_جمعة #تعظيم_المصحف #صيانة_المصحف #شعائر_الله #حرمة_المصحف #توقير_القرآن #إيمانيات
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ تَعظيمَ شَعائرِهِ مِن تَقوى القُلوب، ورَفَعَ شَأنَ كِتابِهِ المَحفوظِ مِنَ الزِّيادَةِ والنُّقصانِ والتَّبديلِ والعُيوب، وأكرمَ المُصحَفَ الشَّريفَ صِيانَةً وتَبجيلاً، فأنزَلَهُ في صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرفوعَةٍ مُطَهَّرَة، وجَعَلَهُ لخَلقِهِ هُدَىً ونُوراً وتَنزيلاً. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، شَهادَةَ مَن أخلَصَ للهِ دِينَهُ وتَوحيدَه، وعَظَّمَ كلامَهُ ووَعيدَهُ ووَعيدَه. وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا وحَبيبَنا مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ المُعَظِّمينَ لحُرماتِ الله، وقُدوَةُ الأوَّابينَ في خَشيَتِهِ وتَقواه، كانَ أكمَلَ الخَلقِ تَعظيماً لكتابِ رَبِّه، يَتلوهُ باللَّيلِ والنَّهار، ويَحفَظُ حُرُماتِهِ في الجَلوَةِ والأسرار، صلَّى اللهُ وسَلَّمَ وبارَكَ عليهِ وعلى آلِهِ الأطهَار، وصَحابَتِهِ الأبرار، الذينَ جَمَعوا القُرآنَ في الصُّدورِ والصُّحُفِ بالحِرصِ واليَقين، وسَلَّمَ تسليماً كثيراً إلى يومِ الدِّين.
أمَّا بعد:
فيَا عِبادَ الله، اعلَموا أنَّ مِن أعظَمِ مَقاماتِ الإيمان، وأنصَعِ دَلائلِ صِدقِ الإيقان، أن يَمْتَلِئَ قَلبُ العَبدِ هَيبَةً وإجلالاً لشَعائرِ الدَّيَّان! وإنَّ مِن أظهَرِ هذهِ الشَّعائرِ التي لا يَجهَلُها مُسلِم، بل هيَ أقدَسُ مَلموسٍ بينَ أيدينا في هذا الوُجود: هذا «المُصحَفُ الشَّريف»؛ الذي ضَمَّ بينَ دَفَّتَيهِ كَلامَ رَبِّ العالَمين! كلامُ اللهِ حَقيقةً، تَكَلَّمَ بهِ جَلَّ جَلالُهُ بحَرفٍ وصَوت، سَمِعَهُ مِنهُ جِبريلُ عليهِ السَّلام، ونَزَلَ بهِ على قَلبِ سيِّدِ المـُرسَلينَ ﷺ، فخَطَّتْهُ أنامِلُ الصَّحابَةِ في الصُّحُف، وتَوارَثَتْهُ الأُمَّةُ جِيلاً بعدَ جِيل، مَحفوظاً بحِفظِ اللهِ الذي تَكَفَّلَ فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
أيُّها المؤمنون، تَأمَّلوا مَعي في قَدرِ ما تَحمِلونَهُ بينَ أيديكُم؛ إنَّ الذي بينَ أيديكُم ليسَ كِتاباً مِن كُتُبِ البَشَر، ولا هُوَ صَحيفَةٌ مِن صَحائفِ الأفكارِ والنَّظَريَّات! إنَّهُ الكِتابُ الذي لو أُنزِلَ على جَبَلٍ أصَمَّ مِن صُمِّ الجِبالِ لَرَأيتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِن خَشيَةِ الله! فكيفَ صارَت بَعضُ القُلوبِ تَألَفُ رُؤيَتَه، وتَمُسُّهُ بأيديها في غَفلَةٍ وبِلادَة، ورُبَّما تَرَكَتْهُ عُرضَةً للامتِهانِ والإهمال؟ أينَ هَيبَةُ القُرآنِ في نُفوسِنا؟ وأينَ أدَبُ الصِّيانَةِ والتَّعظيمِ الذي كانَ يَرجُفُ لهُ صَدرُ السَّلَفِ الصَّالحِ رضي اللهُ عنهم؟
يقولُ الحَقُّ تبارَكَ وتعالى في كِتابِهِ الحَكيم، واضِعاً المِيزانَ الإيمانيَّ الدَّقيق: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]. تَأمَّلوا رَحِمَكُمُ الله: نَسَبَ التَّعظيمَ إلى «القُلوب»؛ لأنَّ التَّعظيمَ لَيسَ حَرَكَةً جَسَدِيَّةً بارِدَة، بل هوَ امتِلاءُ الفُؤادِ بالهَيبَةِ والإجلالِ للمُتَكَلِّمِ سُبحانَه، فإذا عَظُمَ الرَّبُّ في القَلبِ عَظُمَ كلامُه، وإذا عَظُمَ كلامُهُ عَظُمَتْ حُرمَةُ الصُّحُفِ التي تَحْمِلُ هذا الكلام! ويقولُ جلَّ في عُلاه واصِفاً مَكانَةَ كلامِهِ في المَلأِ الأعلى: ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ • مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ • بِأَيْدِي سَفَرَةٍ • كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: 13-16]. ﴿مَّرْفُوعَةٍ﴾ في القَدْرِ والمَكانَة، ﴿مُّطَهَّرَةٍ﴾ مِن كُلِّ دَنَسٍ وحَدَثٍ ورِجس، لا تَمَسُّها الملائكةُ السَّفَرَةُ الكِرامُ إلَّا وهُم على كَمالِ الطَّهارَةِ والوَقار. ثمَّ يُقسِمُ رَبُّ العِزَّةِ بمَواقِعِ النُّجومِ على جَلالَةِ هذا الكِتابِ فقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ • فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ • لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ • تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة: 77-80]. ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾: خَبَرٌ يَتَضَمَّنُ النَّهيَ الشَّرعيَّ الجازِم؛ فلا يَنبَغي ولا يَحِلُّ لمَن آمَنَ باللهِ واليومِ الآخِرِ أن يَمَسَّ المُصحَفَ الشَّريفَ الذي حَوى هذا القُرآنَ الكريمَ إلَّا وهُوَ على طَهارَةٍ كامِلَة!
وقد تَضافَرَت سُنَّةُ النَّبيِّ ﷺ على تَقريرِ هذا الأدَبِ وتَأصيلِه؛ فقد رَوى الإمامُ مَالِكٌ في «المُوَطَّأ» والدَّارِميُّ في سُنَنِه، مِن كِتابِ النبيِّ ﷺ لِعَمرِو بنِ حَزمٍ رضي اللهُ عنه لمَّا بَعَثَهُ إلى اليَمَنِ يُعَلِّمُ النَّاسَ ويَفْقَهُهُم، فكانَ في كِتابِهِ العَظيمِ الصَّريح: «وَأنْ لا يَمَسَّ القُرآنَ إلَّا طاهِر»! هذا نَصٌّ نَبَويٌّ صَريحٌ قاطِع، تَلَقَّتْهُ الأُمَّةُ جِيلاً بعدَ جيل، وأجمَعَ عليهِ أئمَّةُ المَذاهِبِ الأربَعَةِ المُعتَبَرَة (أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد)؛ على أنَّهُ يَحرُمُ على المُحدِثِ حَدَثاً أصغَرَ أو أكبَرَ أن يَمَسَّ أوراقَ المُصحَفِ الشَّريفِ أو جِلدَتَهُ المُتَّصِلَةَ بهِ بغَيرِ طَهارَة! ومِن شِدَّةِ غَيرَتِهِ ﷺ على صِيانَةِ المُصحَفِ وحِفظِهِ مِن أن تَنالَهُ أيدي العابِثين؛ روى البُخاريُّ ومُسلِمٌ في صَحيحَيهِما، عن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رضي اللهُ عنهما: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نَهى أن يُسافَرَ بالقُرآنِ إلى أرضِ العَدُوّ»، وزادَ في رِوايَةِ مُسلِم: «مَخافَةَ أن يَنالَهُ العَدُوّ»! اللهُ أكبر! يَنهى عن حَملِ المُصحَفِ في السَّفَرِ إلى بِلادِ الحَربِ مَخافَةَ أن يَسقُطَ في أيدي الكُفَّارِ فيَبتَذِلوه، أو يَطَأوهُ بأقدامِهم، أو يَستَهزِئوا به! فأينَ هذا الأدَبُ النَّبَويُّ الحاذِقُ مِن حالِ قَومٍ في زمانِنا، يَترُكونَ المَصاحِفَ في بُيوتِهم على الأرض، أو يُلقونَها في مَواضِعَ لا تَلِيق، أو يَرمونَ الأوراقَ التي كُتِبَ فيها كلامُ اللهِ في حَواوي النُّفايات؟
واسمَعوا إلى ما كانَ عليهِ صَحابَةُ رَسولِ اللهِ ﷺ مِنَ التَّبجيلِ والتَّعظيمِ لهذا الكِتابِ الحَكيم؛ رَوى الحاكِمُ في «المُستَدرَك» والبَيهَقيُّ في «شُعَب الإيمان»، عن سَيِّدِنا عِكرِمَةَ بنِ أبي جَهلٍ رضي اللهُ عنه — لمَّا أسلَمَ وحَسُنَ إسلامُه، وكانَ يَعرِفُ قِيمَةَ هذا النُّورِ بعدَ أن حُرِمَ مِنهُ سِنين —: "كانَ عِكرِمَةُ يَأخُذُ المُصحَفَ الشَّريفَ فيَضَعُهُ على وَجهِهِ وجَبينِه، ويَبكي حتَّى تَبتَلَّ لِحيَتُهُ بالدُّموع، ويَهتِفُ بلَوعَةِ العاشِقِ المُنيب: كِتابُ رَبِّي! كَلامُ رَبِّي! كِتابُ رَبِّي! كَلامُ رَبِّي!". يا لله! «كِتابُ رَبِّي! كَلامُ رَبِّي!»... كَلِماتٌ تَخرُجُ مِن سُويداءِ قَلبٍ عَرَفَ مَنِ المُتَكَلِّم، ففاضَتْ مَحاجِرُهُ إجلالاً للحُروفِ والمَعاني!
وقد ذَكَرَ الإمامُ النَّوَويُّ رحمه اللهُ في كِتابِهِ الفَذِّ «التِّبيان في آدابِ حَمَلَةِ القُرآن» نُصوصاً وإجماعاتٍ تَقشَعِرُّ لها الأبدان، فقالَ رَحِمَهُ الله: "أجمَعَ العُلَماءُ على وُجوبِ صِيانَةِ المُصحَفِ الشَّريفِ وتَعظيمِه، واحترامِهِ وتَوقيرِه؛ ولو ألقاهُ العِياذُ باللهِ في قاذورَةٍ كَفَرَ بإجماعِ المُسلمين، ويَحرُمُ تَوسُّدُ المُصحَفِ أو وَضعُ كِتابٍ آخَرَ فَوقَه، حتى قالَ العُلَماء: لا يُوضَعُ فوقَ المُصحَفِ شيءٌ أبداً، لا كِتابُ حديثٍ ولا فِقه، بل يَكونُ المُصحَفُ هُوَ الأعلى دائمًا، ويَحرُمُ مَدُّ الرِّجلَينِ إلى جِهَتِهِ استِخفافاً، وتُكرَهُ كِتابَتُهُ على الجُدرانِ والثِّيابِ التي تُبتَذَل". وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ رحمه الله: "تَعظيمُ المَصاحِفِ مِن تَعظيمِ شَعائرِ الله، ومَن مَسَّهُ بغَيرِ طَهارَةٍ فقد عَصى اللهَ ورَسولَه، ومَن قَصَدَ إهَانَتَهُ بأيِّ وَجهٍ مِن وُجوهِ الإهانَةِ فقد خَلَعَ رِبْقَةَ الإسلامِ مِن عُنُقِه".
عِبادَ الله، هل سَأَلتُم أنفُسَكُم يَوماً: كيفَ حَفِظَ الصَّحابَةُ هذا المُصحَفَ حتَّى وَصَلَ إلينا غَضّاً طَرِيّاً لم يَنقُص مِنهُ حَرفٌ ولم يَزِد فيهِ حَرف؟ تَأمَّلوا مَوقِفَ ذي النُّورَين، أميرِ المؤمنينَ عُثمانَ بنِ عَفَّانَ رضي اللهُ عنه وأرضاه؛ حينَ حَدَثَ الخِلافُ بينَ المُسلمينَ في غَزوِ أرمينِيَةَ وأذرَبِيجان، وجاءَهُ حُذَيفَةُ بنُ اليَمانِ رضي اللهُ عنه فَزِعاً يَقُول: "يا أميرَ المؤمنين، أدرِكْ هذهِ الأُمَّةَ قبلَ أن يَختَلِفوا في الكِتابِ اختِلافَ اليَهودِ والنَّصارى"! فماذا صَنَعَ عُثمانُ رضي اللهُ عنه؟ جَمَعَ كِبارَ الصَّحابَةِ واستَشارَهم، ثمَّ أرسَلَ إلى أمِّ المؤمنينَ حَفصَةَ رضي اللهُ عنها، فجاءَ بالصُّحُفِ التي جُمِعَت في عهدِ أبي بَكرٍ الصِّدِّيق، وأمَرَ زَيدَ بنَ ثابِتٍ ورَهطاً مِن قُرَيشٍ فنَسَخوا منها مَصاحِفَ مُوَحَّدَة، وأرسَلَ إلى كُلِّ أُفُقٍ بمُصحَفٍ إمام، ثمَّ فَعَلَ أمراً دَلَّ على قِمَّةِ الفِقهِ وحِياطَةِ الدِّين: أمَرَ بما سِوى ذلكَ مِنَ الصُّحُفِ والمَصاحِفِ الفَردِيَّةِ التي كانَت فيها زِياداتٌ تَفسيريَّةٌ أو قِراءاتٌ مَنسوخَةٌ أن تُحرَقَ وتُدفَن! حَرَقَها صِيانَةً لها مِنَ التَّحريف، وحِفظاً للأُمَّةِ مِنَ الاختِلاف! قالَ عَلِيُّ بنُ أبي طالِبٍ رضي اللهُ عنه كَلِمَتَهُ العادِلَة: "لا تَقولوا في عُثمانَ إلَّا خَيراً، فوَاللهِ ما فَعَلَ في المَصاحِفِ إلَّا عن مَلأٍ مِنَّا جَميعاً"! فانظُروا كيفَ كانَ الصَّحابَةُ يَحرِصونَ على قَداسَةِ الحَرفِ الواحِد، ويَفدُونَ صِيانَةَ المُصحَفِ بأرواحِهم وأموالِهم!
وكانَ مِن أدَبِ السَّلَفِ الصَّالحِ رَحِمَهُمُ الله؛ أنَّهُم كانوا يَجعَلونَ للمَصاحِفِ في بُيوتِهم ومَساجِدِهم أرفَعَ المَواضِع؛ لا يُوضَعُ المُصحَفُ على الأرضِ أبداً، ولا يُترَكُ في مَكانٍ واطئ، بل في رَفٍّ عالٍ، أو في صُندوقٍ مَرفوعٍ نَظيف، وإذا مَسُّوهُ تَطَهَّروا، وإذا قَرَأوا فيهِ خَشَعوا، وإذا فَرَغوا ضَمُّوهُ وقَبَّلوهُ إجلالاً لكلامِ رَبِّهم.
ولكن، تعالَوا نَنظُرْ بأسىً ومَرارَةٍ إلى بَعضِ الواقِعِ المُعاصِرِ في بُيوتِنا ومَساجِدِنا؛ كم مِن مُصحَفٍ شَريفٍ تَرَاهُ مَرمِيّاً على سَجَّادِ المَسجدِ تَحتَ أقدامِ المُصلِّين! يُصَلِّي الرَّجُلُ فيَضَعُ المُصحَفَ عندَ رِجلَيهِ على الأرضِ بدلاً مِن أن يَرُدَّهُ إلى الرَّفِّ المُخَصَّصِ له، أو يَضَعَهُ على طاوِلَةٍ مَرفوعة! ورُبَّما مَرَّ الصَّبيُّ أوِ الغافِلُ فوَطِئَهُ أو كادَ أن يَطَأَهُ بقَدَمِه، ولا يَتَحَرَّكُ في القَلبِ وازِعُ الغَيرَة! وكم مِن مُصحَفٍ في سَيَّاراتِنا وُضِعَ في الخَلفِ تَحتَ حَرِّ الشَّمسِ الحارِقَة، حتى تَقَطَّعَت أوراقُهُ وتَساقَطَت صَفَحاتُه، وعَلاهُ الغُبارُ والأترِبَة، لا يُفتَحُ إلَّا تَبَرُّكاً مَزعوماً، وهُوَ يَشكو إلى اللهِ التَّضييعَ والهَوان! وكم مِن بَيتٍ تَجِدُ فيهِ الصِّغارَ يُمَزِّقونَ صَفحاتِ المُصحَفِ أو كُتُبَ المَدارِسِ التي تَحتَوي على الآياتِ القُرآنيَّة، والأبُ والأمُّ يَنظُرانِ بلا نَكير، ثمَّ تُمزَّقُ تلكَ الأوراقُ وتُرمى في سِلالِ المُهْمَلاتِ مَعَ الأوساخ! أيُّ تَعظيمٍ هذا الذي نَدَّعيهِ لكِتابِ الله، ونَحنُ نَراهُ يُبتَذَلُ بأيدينا وأيدي أولادِنا فلا نَغضَبُ لله؟! ألا فليَعلَم كُلُّ مُفرِّط: إنَّ إهانَةَ المُصحَفِ كُفرٌ ورِدَّة، والاستِخفافَ بهِ جُرمٌ كَبير، والإهمالَ في صِيانَتِهِ إثمٌ وقَسوةٌ في الفُؤادِ تُوجِبُ مَقتَ الجَبَّار!
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واستَشعِروا جَلالَ كلامِ رَبِّكُم في قُلوبِكم وأفعالِكُم، واجعَلوا لمَصاحِفِكُم مِنَ التَّعظيمِ والصِّيانَةِ ما يَليقُ بعَظَمَةِ مَن تَكَلَّمَ بهِ سُبحانَهُ في عُلاه.
أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ الجَليلَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ فاستَغفِروه، إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، تَعظيماً لشَأنِهِ وتَنزيهاً، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُهُ وخَليلُهُ ﷺ.
أمَّا بعد:
عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأولى معَ رُكنٍ عَظيمٍ مِن أركانِ الأدَبِ مَعَ الله: «أدَبِ تَعظيمِ المُصحَفِ الشَّريفِ وصِيانَتِه»، وعَرَفنا أنَّ هذا التَّعظيمَ نابعٌ مِن تَقوى القُلوبِ للمُتَكَلِّمِ بهِ سُبحانَه، وتَدَبَّرنا نَهيَ النبيِّ ﷺ: «أن لا يَمَسَّ القُرآنَ إلَّا طاهِر»، واطَّلَعنا على هَيبَةِ الصَّحابَةِ كعِكرِمَةَ بنِ أبي جَهل، وجَمعِ عُثمانَ للمَصاحِف، ونَبَّهنا على مَظاهِرِ الغَفلَةِ المُعاصِرَةِ في وَضعِ المَصاحِفِ على الأرضِ أو تَركِها للغُبارِ والابتِذال. والآن، ما الذي يَنبَغي علينا أن نَفْعَلَهُ عَمَليّاً لِنُبَرِّئَ ذِمَمَنا أمامَ الله، ونَقومَ بحَقِّ هذا الكِتابِ العَظيم؟
أُوصيكُم مَعاشِرَ المُصلِّين بخَمسِ وَصايا عَمليَّةٍ قاطِعَة، فاحفَظوها واعمَلوا بها:
الأولى (وَصيَّةٌ قَلبيَّة): جَدِّدوا في قُلوبِكُم هَيبَةَ المُصحَفِ الشَّريف؛ فإذا رَأيتُم المُصحَفَ فاستَحضِروا أنَّ الذي بينَ اللَّوحَينِ هُوَ كَلامُ خالِقِ السَّماواتِ والأرض، فتَمْتَلِئَ نُفوسُكُم إجلالاً وتَوقيراً وحُبّاً، ويَزولَ مِنكُم إلفُ المَظهَرِ والعادَة.
الثانية (وَصيَّةٌ لِسانيَّة): عَلِّموا أولادَكُم وأهلَكُم في البُيوتِ أنَّ هذا الكِتابَ لا يُقالُ عنهُ مُجَرَّدُ "كِتاب"، بل يُسَمَّى دائمًا بالتَّعظيم: «المُصحَفُ الشَّريف» أو «كِتابُ الله»، ورَبُّوهُم على ألَّا يَذكُروا آياتِهِ إلَّا بالوَقارِ واللِّسانِ الطَّاهِر، ونَبِّهوهُم على كَفِّ ألسِنَتِهِم عنِ الهَزْلِ بالمُصحَفِ أو القَسَمِ بهِ كَذِباً.
الثالثة (وَصيَّةٌ عَمليَّةٌ فِعليَّة): التَزِموا الطَّهارَةَ الكامِلَةَ وُجوباً عندَ مَسِّ المُصحَفِ الشَّريفِ الورَقيّ؛ فلا يَمَسَّهُ إلَّا مُتَوَضِّئ، وأمَّا القِراءَةُ عَن ظَهرِ قَلبٍ أو مِن خِلالِ شَاشاتِ الهَواتِفِ الذَّكِيَّةِ فيَجوزُ بغَيرِ وُضوء، وحَرِّموا على أنفُسِكُم وَضعَ المُصحَفِ على الأرضِ إطلاقاً! إذا كُنتَ تُصَلِّي في المَسجِد فاستَخدِمِ الحَوامِلَ الخَشَبِيَّةَ المَرفوعَة، أو ضَعْهُ على كُرسِيٍّ بجِوارِك، ولا تَضَعْ فَوقَهُ أيَّ شَيء، لا مَفاتيِح، ولا نَظَّارَة، ولا هاتِفاً، ولا وَرَقَة؛ بل يَكونُ المُصحَفُ هُوَ المُعَلَّى أَبَداً.
الرابعة (وَصيَّةٌ اجتماعيَّة): تَفَقَّدوا مَصاحِفَ المَساجِدِ التي تُصَلُّونَ فيها؛ كم مِن مُصحَفٍ تَمَزَّقَ غِلافُه، أو تَناثَرَت أوراقُه، أو عَلاهُ الغُبار! بادِروا — احتِساباً للأجر — إلى تَنظيفِ رُفوفِ المَصاحِف، وتَطييبِها، وتَرميمِ المُمَزَّقِ منها بتَجليدِهِ وتَرتيبِه، فإنَّ خِدمَةَ المُصحَفِ صِيانَةً وتَرميماً مِن أرفَعِ القُرُباتِ التي تَحُطُّ الأوزار.
الخامسة (وَصيَّةٌ مَوضوعيَّةٌ خاصَّة): تَعَلَّموا الطَّريقَةَ الشَّرعيَّةَ في التَّعامُلِ معَ المَصاحِفِ البالِيَةِ أو الأوراقِ القُرآنيَّةِ المُمَزَّقَةِ التي لا يُمكِنُ الانتِفاعُ بها؛ فإنَّ الواجِبَ فيها إمَّا أن تُحرَقَ حَرقاً تامّاً حتى تَصيرَ رَماداً صِيانَةً لها كما فَعَلَ عُثمانُ رضي اللهُ عنه، أو تُدفَنَ في أرضٍ طاهِرَةٍ بَعيدَةٍ عن وَطءِ الأقدام، وحَذارِ حَذارِ مِن رَميِ أوراقِ الكُتُبِ الدِّراسِيَّةِ أوِ المَجَلَّاتِ التي تَحوي أسماءَ اللهِ وآياتِهِ في القُمامَة، فمَن فَعَلَ ذلكَ وهُوَ يَعلَمُ فقد عَرَّضَ نَفسَهُ لغَضَبِ اللهِ ومَقتِه.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، وعَظِّموا كِتابَ رَبِّكُم تَظفَروا برِضاهُ ورَحمَتِه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281].
ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُنزِلَ عليهِ هذا القُرآنُ العَظيم، بَشيراً ونَذيراً، وسِراجاً مُنيراً، فقد أمَرَكُمُ اللهُ بالصَّلاةِ عليهِ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحمَّدٍ وعلى آلِ مُحمَّد، كما صَلَّيتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حَميدٌ مَجيد، وبارِكْ على مُحمَّدٍ وعلى آلِ مُحمَّد، كما بارَكتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حَميدٌ مَجيد.
اللَّهُمَّ اجعَلِ القُرآنَ العَظيمَ رَبيعَ قُلوبِنا، ونُورَ صُدورِنا، وجَلاءَ أحزانِنا، وذَهابَ هُمومِنا وغُمومِنا، وقائدَنا وسائقَنا إلى جَنَّاتِكَ جَنَّاتِ النَّعيم. اللَّهُمَّ ارزُقنا حُسنَ تِلاوَتِهِ آناءَ اللَّيلِ وأطرافَ النَّهارِ على الوَجهِ الذي يُرضيكَ عنَّا. اللَّهُمَّ ارزُقنا تَعظيمَ حُرُماتِه، وصِيانَةَ صُحُفِه، وتَدَبُّرَ آياتِه، والعَمَلَ بمُحكَمِه، والإيمانَ بمُتَشابِهِه. اللَّهُمَّ لا تَجعَلنا مِمَّن اتَّخَذَ هذا القُرآنَ مَهجوراً. اللَّهُمَّ اجعَلِ المُصحَفَ الشَّريفَ حُجَّةً لنا لا حُجَّةً علينا يومَ القِيامة. اللَّهُمَّ اغفِر للمُسلمينَ والمُسلِمات، والمُؤمِنينَ والمُؤمِنات، الأحياءِ مِنهُم والأموات. اللَّهُمَّ انصُر عِبادَكَ المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ في كُلِّ مَكان، وارفَعِ البَلاءَ عنِ المُسلمينَ يا أرحَمَ الرَّاحمين.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
عِبادَ الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
________________
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
أدبُ تَعظيمِ المُصحَفِ الشَّريفِ وصِيانَتِه
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.