🕌 عِصمَةُ القُرآنِ الكَريمِ وتَواتُرُهُ القَطعيُّ وسَلامَتُهُ مِنَ التَّبديل
#خطبة_جمعة #عصمة_القرآن #حفظ_القرآن #جمع_القرآن #رد_الشبهات #تواتر_القرآن #إيمانيات
الحمدُ للهِ الذي تَكَفَّلَ بحِفظِ كِتابِهِ العَظيم، فقالَ سُبحانَهُ وهُوَ أَصدَقُ القائلين: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، جَعَلَ القُرآنَ مُعجِزاً في لَفظِهِ ونَظمِه، مَحفوظاً مِنَ الزِّيادَةِ والنُّقصانِ والتَّبديلِ في رَسمِهِ وصَدرِه، قَهَرَ بهِ بُلَغاءَ العَرَبِ والعَجَم، وأحكَمَ آياتِهِ بحِكمَتِهِ وعِلمِهِ الأزَليِّ الأقْدَم، لا تَخلَقُ دِيباجَتُهُ على كَثرَةِ التَّرداد، ولا تَنقَضي عَجائِبُهُ على مَرِّ الأحقابِ والآباد. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، شَهادَةَ مَن رَضِيَ باللهِ رَبّاً، وبالإسلامِ دِيناً، وبكِتابِهِ العَزيزِ إماماً ونُوراً وتِبياناً ومُبيناً. وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا وقُدوَتَنا مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، أَمينُ الوَحيِ وخاتَمُ الرِّسالَة، بَلَّغَ البَلاغَ المُبين، وتَرَكَنا على المَحَجَّةِ البَيضاءِ ليلُها كنهارِها لا يَزيغُ عنها إلَّا أهلُ الضَّلالَة، صلَّى اللهُ وسَلَّمَ وبارَكَ عليهِ وعلى آلِهِ الطَّيِّبينَ الأطهَار، وصَحابَتِهِ الكِرامِ الأبرار، جَمَعَةِ القُرآنِ ونَقَلَةِ الآثار، ومَن تَبِعَهُم بإحسانٍ ما تَعاقَبَ اللَّيلُ والنَّهار.
أمَّا بعد:
فيا عِبادَ الله، قِفوا مَعي لَحظَةَ تَأمُّلٍ وتَفَكُّرٍ أَمَامَ أعظَمِ مُعجِزَةٍ عَقليَّةٍ وتاريخيَّةٍ وإبستمولوجيَّةٍ عَرَفَتها البَشَرِيَّةُ في كُلِّ تاريخِها المُدَوَّن! سَلوا التاريخَ بأسرِه، وسَلوا مَكتباتِ الأرضِ وخَزائنَ المَخطوطاتِ في كُلِّ حَضاراتِ الأوَّلينَ والآخِرين: هل عَرَفَتِ الإنسانيَّةُ على مَدارِ آلافِ السِّنينِ كِتاباً واحِداً — بَلَغَ حَجمُهُ مِئاتِ الصَّفحاتِ وآلافَ الآيات — يُتلَى اليومَ في مَشارِقِ الأرضِ ومَغارِبِها، في كُلِّ مَسجِدٍ وبَيتٍ وجامِعَة، حَرفاً بحَرف، وحَرَكَةً بحَرَكَة، ونُقطَةً بنُقطَة، دُونَ أن تَتَغَيَّرَ مِنهُ حَرَكَةُ إعرابٍ واحِدة، على مَدارِ أربَعَةَ عَشَرَ قَرناً مِنَ الزَّمان؟! سَلوا التَّوراةَ التي أَقَرَّ عُلَماءُ الغَربِ أنَّها كُتِبَت بأيدي عِشْراتِ الكَتَبَةِ عَبْرَ قُرونٍ مُتَباعِدة، وتَعَدَّدَت نُسَخُها وتَناقَضَت نُصوصُها! وسَلوا الأناجيلَ التي لم يُكتَب أقدَمُها إلَّا بَعدَ عُقودٍ مِن رَفعِ المَسيحِ عليهِ السَّلام، فتَغايَرَت في الرِّوايات، واختَلَفَت في العَقائد، وحُمِلَت في لُغاتٍ مُتَرجَمَةٍ ضاعَت أُصولُها الأولى! ثمَّ انظُروا إلى القُرآنِ العَظيم: صَبيٌّ صَغيرٌ في كُتَّابٍ بأقصى أدغالِ إفريقيا، يَقرَأُ الفاتِحَةَ والصَّافَّات، باللَّفظِ ذاتِه، والضَّبطِ ذاتِه، والمَدِّ والغُنَّةِ ذاتِها، التي يَقرَأُ بها شَيخٌ عَالِمٌ في المَسجِدِ الحَرام، والتي نَطَقَ بها رسولُ اللهِ ﷺ في المَدينَةِ المُنَوَّرَةِ قَبلَ أَلفٍ وأربَعِمائةِ سَنَة! ألا تَسألونَ أنفُسَكُم: أهو عَمَلٌ بَشَريٌّ يُمكِنُ أن يَبقى بِمَعزِلٍ عن عَوامِلِ التَّبديلِ والزِّيادَةِ والنُّقصانِ طَوالَ هذهِ القُرون، في أُمَّةٍ مَرَّت بالنكَبَاتِ والحروبِ والتَّتارِ والصَّليبيِّينَ والاستعمار؟! كَلَّا ورَبِّ الكَعبَة! إنَّها يَدُ العِنايَةِ الإلهيَّة، وتَحقِيقُ الوَعدِ الرَّبَّانيِّ القاطِعِ الذي صَدَعَ بهِ مالِكُ المُلكِ في قُرآنِهِ الكَريم: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].
تَأمَّلوا مَعشرَ المُصلِّين في هذا البَيانِ الرَّبَّانيِّ المَهيب؛ بَدَأَ سُبحانَهُ بجُملَةٍ اسمِيَّةٍ مُصَدَّرَةٍ بحَرفِ التَّوكيدِ ﴿إِنَّا﴾، ثمَّ أَتْبَعَها بضَميرِ الفَصلِ ﴿نَحْنُ﴾، ثمَّ قالَ: ﴿نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ بنُونِ العَظَمَة، ثمَّ جاءَ الخَبَرُ مُقترِناً باللَّامِ المُزَحلَقَةِ للتَّأكيد: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾! تَأكيداتٌ مُتَوالِيَةٌ تَقْطَعُ دابِرَ كُلِّ وَهمٍ وشُبهَة؛ فاللهُ جَلَّ جَلالُهُ لم يَكِلْ حِفظَ هذا القُرآنِ إلى خَلقِه، كما فَعَلَ بالأُمَمِ السَّابِقَةِ لمَّا استَحفَظَهُم على كُتُبِهِم فقالَ في التَّوراة: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة: 44]، فماذا حَدَث لمَّا وُكِلَ الحِفظُ للبَشَر؟ ضَيَّعوا، وحَرَّفوا، وبَدَّلوا، وقالوا هذا مِن عندِ اللهِ وما هوَ مِن عندِ الله! أمَّا هذا القُرآن، فلأنَّهُ الرِّسالَةُ الخاتِمَةُ لكُلِّ البَشَرِيَّةِ إلى يَومِ القيامة، فقَد تَوَلَّى اللهُ حِفظَهُ بنَفسِهِ العَلِيَّة، فلا مَجالَ لزِيادَةِ حَرفٍ ولا لنُقصانِ آيَة، ولا يُمكِنُ لكائِنٍ مَن كانَ أن يَمُدَّ يَدَهُ إليهِ بالتَّبديل: ﴿لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 42]. وهُوَ الحَقُّ القاطعُ الذي قَرَّرَهُ رَبُّنا في مَطلَعِ البِعثَةِ لِيُسَكِّنَ قَلبَ نَبيِّهِ ﷺ حِينَ كانَ يُحَرِّكُ لِسانَهُ بالعَجَلَةِ مَخافَةَ أن يَفوتَهُ شَيءٌ مِنَ الوَحي: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ • فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ • ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: 17-19]. جَمعُهُ في صَدرِك، وقِراءَتُهُ على لِسانِك، وبَيانُ حُكمِهِ لأُمَّتِك، كُلُّ ذلكَ ضَمانٌ رَبَّانيٌّ كَفَلَهُ اللهُ العَليُّ القَدير، فهُوَ كِتابٌ مَصونٌ في السَّماءِ قَبلَ أن يَنزِلَ إلى الأرض: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ • فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ [البروج: 21-22].
واسمَعوا إلى المَنظومَةِ النَّبَويَّةِ المُعجِزَةِ التي أقامَها رَسولُ اللهِ ﷺ لصِيانَةِ كُلِّ كَلِمَةٍ تَنزِلُ مِنَ الوَحي؛ لم يَكُنِ القُرآنُ مُجَرَّدَ خَواطِرَ تُلقى، ولا مَشاعِرَ تُروى؛ بل كانَ النبيُّ ﷺ كُلَّما نَزَلَت عليهِ آيَةٌ أو سُورَة، دَعا كَتَبَةَ الوَحيِ — وكانوا يَزيدونَ على أربَعينَ صَحابِيّاً مِن حُذَّاقِ الكُتَّابِ في قُرَيشٍ والأنصار، كعَليِّ بنِ أبي طالب، وأُبَيِّ بنِ كَعب، وزَيدِ بنِ ثابِت، وعُثمانَ بنِ عَفَّان، ومُعاوِيَةَ بنِ أبي سُفيانَ رضي الله عنهم — فيَقولُ لهُم: «ضَعُوا هذهِ الآياتِ في السُّورَةِ التي يُذكَرُ فيها كَذا وكَذا». فيَكتُبونَ الآيَةَ فورَ نُزولِها على الرِّقاع، والعُسُب، والألواح، والحِجارَةِ البَيضاء، ثُمَّ لا يَنصَرِفُ الكاتِبُ حتَّى يَقرَأَ ما كَتَبَهُ على مَسمَعِ النبيِّ ﷺ تَوثيقاً وتَدقيقاً! ومَعَ هذا التَّوثيقِ الخَطِّيِّ الفَوريّ، كانَ حِفظُ الصُّدورِ يَسري في الأُمَّةِ كالنَّارِ في الهَشيم؛ لأنَّ العَرَبَ أُمَّةُ حِفظٍ وذاكِرَة، فكانَ الصَّحابَةُ يَتَنافَسونَ في استِظهارِه، وتَمشي في سِكَكِ المَدينَةِ باللَّيلِ فتَسمَعُ لبُيوتِ الصَّحابَةِ دَوِيّاً كدَوِيِّ النَّحْلِ بقِراءَةِ القُرآن! ثمَّ جاءَتِ العارِضَةُ السَّنَوِيَّةُ الإلهيَّة؛ ففي الصَّحيحَينِ عن فاطِمَةَ وعنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهم: أنَّ جِبريلَ عليهِ السَّلامُ كانَ يُعارِضُ النبيَّ ﷺ القُرآنَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً في شَهرِ رَمَضان، يَقومُ النبيُّ بقِراءَتِهِ كُلِّهِ على جِبريل، ويَقرَأُ جِبريلُ على النبيّ، حتَّى كانَ العامُ الذي قُبِضَ فيهِ ﷺ فعارَضَهُ القُرآنَ مَرَّتَين، تَثبيتاً للخاتِمَةِ وتَأكيداً للنَّسخِ وتَقرِيراً للضَّبطِ الأخير!
وقد أجمَعَ أئمَّةُ المُسلِمينَ ونُقَّادُ التَّاريخِ على أنَّ تواتُرَ القُرآنِ هوَ أعلَى مَراتِبِ التَّواتُرِ التي لم يَعرِفِ التَّاريخُ لها نَظيراً. يقولُ الإمامُ الفَذُّ ابنُ حَزْمٍ الأندَلُسيُّ رحمه الله في كِتابِهِ الخالِد «الفِصَل في المِلَل والأهواء والنِّحَل» مُبَيِّناً البُرهانَ العَقليَّ القاطِعَ على استِحالَةِ تَحريفِ القُرآن: "إنَّ القُرآنَ نُقِلَ نَقلَ كافَّةٍ عن كافَّة، لا مَجالَ فيهِ لكَذِبٍ ولا غَلَط؛ فقد سَمِعَهُ في عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ أُلوفٌ مِنَ الصَّحابَة، ورَوَوهُ لأُلوفٍ مِنَ التَّابِعين، ونُقِلَ حَرفاً بحَرفٍ في جَميعِ أمصارِ المُسلِمينَ في الشَّامِ والعِراقِ ومِصرَ واليَمَنِ والحِجاز. ومَنِ ادَّعى أنَّ حَرفاً واحِداً زِيدَ فيهِ أو نَقَص، فقَد زَعَمَ أنَّ جَميعَ هؤلاءِ الخَلقِ الذينَ تَباعَدَت ديارُهم، واختَلَفَت أهواؤُهم، تَمالَؤوا على التَّبديلِ في سَاعَةٍ واحِدَة، وهذا مُحالٌ في بَديهَةِ العُقول، كالذي يَقولُ إنَّ أهلَ مَكَّةَ اتَّفَقوا جَميعاً على إنكارِ وُجودِ البَيتِ الحَرام!". ويَقولُ الإمامُ الزَّركَشيُّ في «البُرهان في عُلوم القُرآن»: "اعْلَمْ أنَّ القُرآنَ نُقِلَ إلَينا بالتَّواتُرِ قَولاً وعَمَلاً، وضَبْطاً وكِتابَةً، ولم يَزَل مَحفوظاً في كُلِّ زَمانٍ مِن دَخيلِ الشُّبَه، لأنَّ اللهَ ضَمِنَ بَقاءَهُ حُجَّةً إلى يَومِ الدِّين". وقالَ الإمامُ السُّيوطيُّ في «الإتقان»: "أجمَعَتِ الأُمَّةُ قاطِبَةً على أنَّ ما بَينَ دَفَّتَيِ المُصحَفِ هُوَ كَلامُ اللهِ المُنَزَّلُ على نَبيِّهِ ﷺ، المتلوُّ بالألسُن، المَكتوبُ في المَصاحِف، المَنقولُ تَواتُراً بلا رَيب".
عِبادَ الله، ارجِعوا بذاكِرَتِكُم إلى ذَلِكَ اليَومِ المَهيبِ بَعدَ مَعرَكَةِ اليَمامَةِ في خِلافَةِ الصِّدِّيقِ أبي بَكرٍ رضي الله عنه؛ استُشهِدَ في تِلكَ الغَزوَةِ سَبعونَ مِن حُفَّاظِ القُرآنِ مِن صَفْوَةِ الصَّحابَة، فجاءَ عُمَرُ بنُ الخطَّابِ رضي الله عنه فَزِعاً إلى أبي بَكرٍ يَقول: "إنَّ القَتلَ قدِ استَحَرَّ بقُرَّاءِ القُرآن، وإنِّي أخشى أن يَذهبَ كَثيرٌ مِنَ القُرآن، وإنِّي أرى أن تَجمَعَ القُرآن". فَتَوَرَّعَ الصِّدِّيقُ في البِدايَةِ وقال: "كَيفَ أفعلُ شَيئاً لم يَفعَلْهُ رسولُ الله ﷺ؟" فقالَ عُمَر: "هُوَ واللهِ خَير". فما زالَ عُمَرُ يُراجِعُهُ حتَّى شَرَحَ اللهُ صَدرَ أبي بَكرٍ لِما شَرَحَ لهُ صَدرَ عُمَر. فاستَدعَيا شابّاً حافِظاً، كاتِباً للوَحي، شَهِدَ العَرضَةَ الأخيرةَ معَ النبيِّ ﷺ، وعُرِفَ بعَقْلِهِ وأمانَتِهِ ونَزاهَتِه، هُوَ **زَيدُ بنُ ثابِتٍ رضي الله عنه**. فقالَ لهُ أبو بكر: "إنَّكَ رَجُلٌ شابٌّ عاقِلٌ لا نَتَّهِمُك، وقد كُنتَ تَكتُبُ الوَحيَ لرسولِ اللهِ ﷺ، فتَتَبَّعِ القُرآنَ فاجْمَعْه". يقولُ زَيدٌ كَلِمَتَهُ الخالِدَةَ التي تَقشَعِرُّ لها الأبدان: "فواللهِ لو كَلَّفوني نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبالِ ما كانَ أثقَلَ علَيَّ مِمَّا أمَرَني بهِ مِن جَمعِ القُرآن!"! تَأمَّلوا مَعاشِرَ المُسلِمين في مَنهَجِ زَيدٍ في الجَمع؛ لم يَكُن يَكتَفي بمُجَرَّدِ حِفظِهِ وهُوَ حافِظٌ مُتقِن! ولم يَكُن يَكتَفي بحِفظِ عُمَرَ وأبي بَكرٍ وهُما خَيرُ الأُمَّة! بل وَضَعَ لَجنَةً عِلميَّةً وقاعِدَةً صَارِمَة: لا يُكتَبُ حَرفٌ مِنَ القُرآنِ إلَّا بتَوثيقٍ مُزدَوَج: أن يَكونَ مَحفوظاً في صُدورِ الصَّحابَة، ومَكتوباً بين يَدَيِ النبيِّ ﷺ، وبشَهادَةِ شاهِدَينِ عَدلَينِ على أنَّ ذلكَ الرَّسمَ كُتِبَ بحَضرَةِ رَسولِ الله! فجُمِعَ القُرآنُ كُلُّهُ في صُحُفٍ مَحفوظَة، ظَلَّت عندَ أبي بَكر، ثُمَّ عندَ عُمَر، ثُمَّ عندَ حَفصَةَ أُمِّ المُؤمِنينَ رضي الله عنها.
ثمَّ دارَتِ الأيَّام، واتَّسَعَتِ الفُتوحاتُ في زَمَنِ عُثمانَ بنِ عَفَّانَ رضي الله عنه، ودَخَلَ في دِينِ اللهِ أعاجِمُ وأُمَمٌ شَتَّى، وجَمَعَ جَيشُ أذربيجانَ وأرمينيا مُسلِمينَ مِن أهلِ الشَّامِ وأهلِ العِراق، فقَرَأَ هؤلاءِ بقِراءَةِ أُبَيّ، وقَرَأَ هؤلاءِ بقِراءَةِ ابنِ مَسعود، وكُلُّها قِراءاتٌ نَزَلَت على سَبعَةِ أحرُفٍ رَحمَةً بالأُمَّةِ وتَيسيراً للُغاتِ العَرَب، فحَصَلَ بينَ الجُندِ نِزاعٌ في وُجوهِ الأداء، فَفَزِعَ القائدُ حُذَيفَةُ بنُ اليَمانِ رضي الله عنه، ورَكِبَ دابَّتَهُ يَطوي البِلادَ حتَّى دَخَلَ على عُثمانَ في المَدينَة، وصاحَ صيحتَهُ المَشهورة: "يا أميرَ المُؤمنين، أدرِكْ هذهِ الأُمَّةَ قَبلَ أن يَختَلِفوا في الكِتابِ اختِلافَ اليَهودِ والنَّصارى!". فماذا صَنَعَ عُثمانُ ذو النُّورَين؟ أرسَلَ إلى حَفصَة: "أرسِلي إلَينا بالصُّحُفِ نَنسَخُها في المَصاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّها إليكِ". وجَمَعَ لَجنَةً مِن أضْبَطِ كَتَبَةِ الوَحي، على رأسِهِم زَيدُ بنُ ثابِتٍ الأنصاري، وثَلاثَةٌ مِن فُرسانِ قُرَيش: عبدُ اللهِ بنُ الزُّبَير، وسَعيدُ بنُ العاص، وعبدُ الرَّحمنِ بنُ الحارِثِ بنِ هِشام. فنَسَخوا الصُّحُفَ في مَصاحِفَ جامِعَةٍ استَوعَبَتِ العَرضَةَ الأخيرةَ ولَهجَةَ قُرَيش، ووَزَّعَ عُثمانُ هذهِ المَصاحِفَ إلى الأمصارِ العُظمى: مَكَّة، والمَدينَة، والبَصرَة، والكوفَة، والشَّام، وأرسَلَ مَعَ كُلِّ مُصحَفٍ إماماً مُتقِناً يُعَلِّمُ النَّاسَ القِراءَةَ بالسَّنَدِ المُتَّصِل، وأَمَرَ بإحراقِ كُلِّ ما سِوى ذلكَ مِنَ المَصاحِفِ الفَرديَّةِ التي كانَت تَحتَوي على هَوامِشَ تَفسيريَّةٍ وتَقديمٍ وتَأخيرٍ في السُّوَر، فأجمَعَ الصَّحابَةُ قاطِبَةً — وفيهِم عليُّ بنُ أبي طالبٍ الذي قال: "لو وُلِّيتُ لصَنَعتُ في المَصاحِفِ ما صَنَعَ عُثمان" — على صِحَّةِ هذا العَمَلِ وعِصمَتِه! فكانَ هذا الإجماعُ هُوَ الصَّخرَةَ التي تَحَطَّمَت عليها كُلُّ فِتنَةٍ وأوهام.
ويَروي القاضي عِياضٌ وأهلُ السِّيَرِ خَبَراً لَطيفاً يُجَلِّي هذهِ العِصمَةَ في أذهانِ المُنصِفين؛ حُكِيَ أنَّ القاضيَ أبا الطَّيِّبِ في بَغدادَ كانَ في مَجلِسِ الوزيرِ يَحيى بنِ أكثَم، وكانَ يَحضُرُ المَجلِسَ رَجُلٌ يَهوديٌّ بَليغُ الكَلام، بارِعُ الخَطّ، حَسَنُ المَنطِق. فغابَ ذلكَ الرَّجُلُ عاماً ثُمَّ عادَ مُسلِماً يُصَلِّي ويَتَفَقَّه! فعَجِبَ الوزيرُ وسَأَلَه: "ما سَبَبُ إسلامِكَ وكُنتَ على دِينِكَ مُتَمَسِّكاً؟". فقالَ الرَّجُل: "إنِّي رَجُلٌ حَسَنُ الخَطّ، فأرَدتُ أن أختَبِرَ هذهِ الأديان؛ فعَمَدتُ إلى التَّوراة، فكَتَبتُ ثلاثَ نُسَخ، وزِدتُ فيها ونَقَصت، وعَرَضتُها على عُلَماءِ اليَهودِ فاشتَرَوها مِنِّي ورَضوا بها ولم يُنكِروا فيها حَرفاً! ثمَّ عَمَدتُ إلى الإنجيل، فكَتَبتُ ثلاثَ نُسَخ، وزِدتُ فيها ونَقَصت، وعَرَضتُها على كِبارِ النَّصارى فاشتَرَوها ورَضوا بها واعتَمَدوها! ثمَّ عَمَدتُ إلى القُرآن، فكَتَبتُ ثلاثَ نُسَخ، وزِدتُ فيها ونَقَصتُ حُروفاً في الآيات، وعَرَضتُها على نَسَّاخِ المُسلِمين، فلَمَّا فَتَحوا الكِتابَ تَصَفَّحوه، فما مَرَّت دَقائقُ حتَّى رَمَوا بالكِتابِ في وَجهي وقالوا: هذا كَذِب، هذهِ الآيَةُ زائِدَة، وهذا الحَرفُ مُبَدَّل، ونَبَذوه! فعَلِمتُ أنَّ هذا الكِتابَ مَحفوظٌ بحِفظِ اللهِ لا يَدَ للبَشَرِ فيه، فأَسلَمتُ للهِ رَبِّ العالَمين!".
فيا مَعاشِرَ الشَّباب، يا مَن تَطرُقُ مَسامِعَكُم شُبُهاتُ المُستَشرِقينَ ودَعاوى الحَداثِيِّينَ في مَواقِعِ التَّواصُل؛ يَأتيكُم مَن يَلوي لِسانَهُ ليَقول: "وَجَدنا مَخطوطَةً في صَنعاءَ فيها تَغايُرٌ في بَعضِ الكَلِمات"، أو يَقول: "اختِلافُ القِراءاتِ دَليلٌ على أنَّ النَّصَّ لم يَكُن مُستَقِرّاً"! قُولوا لهؤلاءِ بملءِ الفَمِ ويَقينِ العَقلِ والتَّاريخ: خَسِئتُم وخَابَ مَسعاكُم! إنَّ القِراءاتِ القُرآنيَّةَ المُتَواتِرَةَ لَيسَت نِتاجَ اختِلافِ مَخطوطات، بل هيَ وَحيٌ إلهيٌّ نَزَلَ بهِ جِبريلُ على سَبعَةِ أحرُف، ليَسَعَ طَبائعَ العَرَبِ وألسِنَتِها في البَيان، وهيَ تَنَوُّعُ إعجازٍ وإثراءٍ للمعنى وليْسَت تَناقُضاً في الدَّلالَة! فالآيَةُ التي تُقرَأُ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وتُقرَأُ في قِراءَةٍ أُخرى: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، تُعطيكَ كَمالَ الصِّفَة: فهُوَ مَالِكٌ للمُلكِ ويَومِ الحِساب، وهُوَ مَلِكٌ قاهِرٌ حاكِمٌ يَومَ القِيامَة, فتَتَكامَلُ القِراءَتانِ في رَسمِ جَلالِ الحَقِّ سُبحانَه! أمَّا مَخطوطاتُ صَنعاءَ أو غَيرِها، فما هيَ إلَّا أوراقٌ مَتروكَةٌ مِن مَصاحِفَ فَرديَّةٍ كانَت تُكتَبُ فيها التَّفاسيرُ الشَّخصيَّةُ قَبلَ نَسخِ عُثمانَ الإمام، وقد أحْرَقَها الصَّحابَةُ بإجماعِهِم صِيانَةً للأُمَّة. بل إنَّ دِراساتِ المَخطوطاتِ القُرآنيَّةِ المُبَكِّرَةِ في جامِعاتِ الغَربِ نَفسِها — كمَخطوطَةِ برمنغهام وباريز وتوبنغن — أثبَتَت عِلمِيّاً وفَحصاً بالكربونِ المُشِعِّ أنَّ النُّصوصَ المَكتوبَةَ في القَرنِ الأوَّلِ الهِجريِّ هيَ نَفْسُ الآياتِ المَوجودةِ في أيدينا اليومَ بلا فارِقٍ في كَلِمَةٍ واحِدَة! أفيَبقى بَعدَ هذا البُرهانِ مَجالٌ لشَكٍّ يَطرُقُ قَلبَ لَبيب؟!
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعرِفوا قَدْرَ ما بينَ أيديكُم مِنَ النُّور، واعلَموا أنَّ العِصمَةَ التي حَفِظَت هذا القُرآنَ في صَفحاتِهِ هيَ التي تَحفَظُ قَلبَ مَن استَمْسَكَ بهِ في زَمَنِ الشُّبُهاتِ والزَّلازِل.
أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ الجَليلَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ فاستَغفِروه، إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً يَليقُ بجَلالِ وَجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، نَصَرَ عَبدَه، وأعَزَّ جُندَه، وحَفِظَ كِتابَهُ وميزانَه، وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ وسَلَّمَ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وأتباعِهِ وإخوانِه.
أمَّا بعد:
عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأولى مَعَ الحَصانَةِ الإلهيَّةِ القاطِعَة: «عِصمَةِ القُرآنِ الكَريمِ وتَواتُرِهِ وسَلامَتِهِ مِنَ التَّبديل». ورَأينا كَيفَ أنَّ القُرآنَ كُتِبَ فورَ نُزولِهِ برِعايَةِ النبيِّ ﷺ، وحُفِظَ في الصُّدورِ بتَواتُرِ الألوف، وتَطابَقَت فيهِ كَلِماتُ السَّماءِ برِوايَةِ الصَّحابَةِ في جَمعِ أبي بَكرٍ وتَدوينِ عُثمان، حتى استَقَرَّت حُروفُهُ مَحفوظَةً بحِفظِ اللهِ لم تَتَبَدَّلْ على مَرِّ الدُّهور، ودَحَضْنا الشُّبُهاتِ الواهِيَةَ التي يَنسِجُها أعداءُ الملَّةِ حَولَ المَخطوطاتِ والقِراءات. والآنَ يا رِجالَ الغَد، ويا أُمَّهاتِ الجيل: ما هُوَ واجِبُنا العَمَليُّ نَحوَ هذا الإرثِ المَعصومِ الذي شَرَّفَنا اللهُ بحَملِه؟
لذا، فإنِّي أُوصيكُم ونَفسي بخَمسِ وَصايا عَمليَّةٍ مُحكَمَة:
الأولى (وَصيَّةٌ قَلبيَّة): رُسوخُ اليَقينِ الجازِمِ في الفُؤادِ بأنَّ كُلَّ حَرفٍ في هذا المُصحَفِ هُوَ كَلامُ اللهِ حَقّاً، لا يَعتَريهِ شَكٌّ ولا رَيب؛ فإذا هَجَمَت على خاطِرِكَ شُبهَةٌ عابِرَةٌ مِن مَواقِعِ الإلحادِ أو دَعاوى الحَداثَة، فقُل بقَلبٍ يَملؤُهُ النُّور: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾، واعلَم أنَّ ما عَجَزَ عَقلُكَ عن إدراكِ حِكمَتِهِ فلِقُصورِ العَقلِ لا لعَيبٍ في الوَحيِ المَعصوم.
الثانية (وَصيَّةٌ لِسانيَّة): إتقانُ التِّلاوَةِ وتَلَقِّي القُرآنِ بأحكامِ التَّجويدِ بالسَّنَدِ المُتَّصِلِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ؛ فالقُرآنُ لا يُؤخَذُ مِنَ الصُّحُفِ وَحدَها، بل يُؤخَذُ بالتَّلَقِّي والمُشافَهَةِ كما أُنْزِل، فاحرِصْ على تَصحيحِ قِراءَتِكَ على شَيخٍ مُتقِن، وكُفَّ اللِّسانَ عنِ القِراءَةِ العابِثَةِ التي تُسقِطُ الحُروفَ وتُبَدِّلُ المَعاني.
الثالثة (وَصيَّةٌ عَمليَّةٌ فِعليَّة): دَعمُ مَراكِزِ وتَحالِيقِ تَحفيظِ القُرآنِ الكَريمِ بكُلِّ ما تَملِكونَ مِن مالٍ وجُهدٍ وتَشجيع؛ فإنَّ هؤلاءِ الفِتيَةَ الصِّغارَ الذينَ يَجلِسونَ في حِلَقِ المَساجِدِ يَحفَظونَ كِتابَ اللهِ هُم جُنودُ اللهِ في الأرضِ الذينَ يُجَدِّدُ اللهُ بهِم عِصمَةَ كِتابِهِ في الصُّدورِ جِيلاً بَعدَ جيل!
الرابعة (وَصيَّةٌ اجتماعيَّةٌ أُسَريَّة): تَعليمُ الأبناءِ والفتَياتِ في البُيوتِ قِصَّةَ جَمعِ القُرآنِ وكِتابَتِه؛ لا تَترُكوا أولادَكُم يَسمَعونَ شُبُهاتِ الطَّاعِنينَ في المَدارِسِ أو مِنصَّاتِ التَّواصُلِ وهُم جُهَّالٌ بتاريخِ كِتابِهِم! اشْرَحوا لَهُم كيفَ جَمَعَهُ الصِّدِّيق، وكيفَ وَحَّدَ المَصاحِفَ عُثمان، حتَّى يَنشَأَ الشَّابُّ وعِندَهُ مَناعَةٌ مَعرِفيَّةٌ تَجعَلُهُ يَضحَكُ مِن سَخافَةِ الشُّبُهاتِ التي تُلقى عليه.
الخامسة (وَصيَّةٌ مَوضوعيَّةٌ خاصَّة): التَّسَلُّحُ بالحُجَّةِ العِلميَّةِ والمَنطِقِيَّةِ في الرَّدِّ على المُشكِّكين؛ فإنَّ زَمَنَ العاطِفَةِ المَحْضَةِ وَلَّى، وشَبابُنا اليَومَ يَحتاجونَ إلى مَن يُحاوِرُهُم بالأرْقامِ والمَخطوطاتِ وقَواعِدِ التَّوثيقِ التاريخيَّة. اقرَؤوا كُتُبَ الدِّفاعِ عنِ القُرآن — ككُتُبِ «مَناهِلِ العِرفان» للزُّرقاني، ودِراساتِ مَخطوطاتِ القُرآنِ العَصرية — لتَكونوا حُمَاةً للثُّغور، دُعاةً إلى الحَقِّ بالبَيِّنَةِ والبُرهان.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ هذا القُرآنَ شَرَفُكُم وعِزُّكُم في الدُّنيا والآخِرة، فاستَمسِكوا بالعُروَةِ الوُثقى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ • وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: 43-44].
ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على نَبيِّ الرَّحمَة، ومَن بَلَّغَنا القُرآنَ عَذباً غَضّاً كما أُنزِل، فقد قالَ رَبُّكُم جلَّ جَلالُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِكْ على سيِّدِنا مُحمَّد، وعلى آلِهِ الأطهار، وصَحابَتِهِ الكِرام، الذينَ حَفِظوا القُرآنَ صُدوراً وسُطوراً، وبَلَّغوهُ لنا نَقِيّاً طاهِراً مَعصوماً.
اللَّهُمَّ اجعَلِ القُرآنَ العَظيمَ رَبيعَ قُلوبِنا، ونُورَ صُدورِنا، وجَلاءَ أحزانِنا، وذَهابَ هُمومِنا وغُمومِنا. اللَّهُمَّ ذَكِّرنا مِنهُ ما نُسِّينا، وعَلِّمنا مِنهُ ما جَهِلنا، وارزُقنا تِلاوَتَهُ آناءَ اللَّيلِ وأطرافَ النَّهارِ على الوَجهِ الذي يُرضيكَ عَنَّا. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِن أهلِ القُرآنِ الذينَ هُم أهلُكَ وخَاصَّتُك، اللَّهُمَّ اجعَلهُ حُجَّةً لنا لا حُجَّةً علَينا، وشَفيعاً لنا يَومَ نَلقاك. اللَّهُمَّ رَبِّط على قُلوبِ شَبابِنا وبَناتِنا، وثَبِّتْهُم على صِراطِكَ المُستَقيم، واحْفَظْهُم مِن زَلازِلِ الشُّبُهاتِ وفِتَنِ الشَّهَوات، ومَكْرِ الماكرينَ وتَشكيكِ المُبطِلين. اللَّهُمَّ انصُر دِينَكَ وكِتابَكَ وسُنَّةَ نَبيِّكَ وعِبادَكَ المُؤمِنينَ في كُلِّ مَكان، وفَرِّج كُرَبَ المَكروبين، ونَفِّس هَمَّ المَهمومين، واشفِ مَرضانا وعافِ مُبتَلانا، وارحَم مَوتانا ومَوتى المُسلمين.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
عِبادَ الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
________________
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
عِصمَةُ القُرآنِ الكَريمِ وتَواتُرُهُ القَطعيُّ وسَلامَتُهُ مِنَ التَّبديل
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.