الفَوَائِدُ وَاللَّطَائِفُ وَالحِكَمُ مِن قِصَّةِ دَاوُدَ وَسُلَيمَانَ عَلَيهِمَا السَّلَامُ فِي سُورَةِ سَبَإٍ: خطبةُ جُمُعَةٍ فِي تَدَبُّرِ الآيَاتِ وَفِقهِ الشُّكرِ وَالعَمَلِ وَبُطلَانِ دَعوَى عِلمِ الغَيبِ
الحَمدُ للهِ الَّذِي خَصَّ أَنبِيَاءَهُ وَأَصفِيَاءَهُ بِسَوَابِغِ النِّعَمِ وَجَلَائِلِ الآلَاءِ، وَسَخَّرَ بِقُدرَتِهِ الجِبَالَ الرَّوَاسِيَ وَالطَّيرَ الصَّوَافَّ وَالحَدِيدَ الصَّلبَ وَالرِّيَاحَ الهُوجَ وَالجِنَّ العُتَاةَ لِمَن شَاءَ مِن عِبَادِهِ الأَتقِيَاءِ، وَجَعَلَ الشُّكرَ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ قَيدًا لِلنِّعَمِ المَوجُودَةِ وَصَيدًا لِلنِّعَمِ المَفقُودَةِ، وَاستَأثَرَ سُبحَانَهُ بِعِلمِ الغَيبِ فِي الأَرضِ وَفِي السَّمَاءِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، القَائِلُ فِي مُحكَمِ الكِتَابِ: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥]، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، سَيِّدُ الشَّاكِرِينَ، وَإِمَامُ العَابِدِينَ، الَّذِي كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ شُكرًا لِرَبِّ العَالَمِينَ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى إِخوَانِهِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالمُرسَلِينَ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَنَفسِيَ المُقَصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَدَبُّرِ آيَاتِ كِتَابِهِ العَظِيمِ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى ما قَصَّ عَلَينَا أَنبَاءَ الرُّسُلِ وَالمُلُوكِ وَالأُمَمِ إِلَّا لِنَعتَبِرَ بِحِكَمِهَا، وَنَهتَدِيَ بِنُورِهَا، وَنَعمَلَ بِمُحكَمِهَا؛ يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١].
أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: فِي سُورَةِ سَبَإٍ يَعرِضُ القُرآنُ الكَرِيمُ مَشهَدَينِ مُتَقَابِلَينِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ نِعَمِ اللهِ العُظمَى: المَشهَدُ الأَوَّلُ مَشهَدُ النُّبُوَّةِ الشَّاكِرَةِ وَالمُلكِ العَابِدِ المُتَوَاضِعِ للهِ، مُتَمَثِّلًا فِي نَبِيَّيِ اللهِ المَلِكَينِ الكَرِيمَينِ دَاوُدَ وَابْنِهِ سُلَيمَانَ عَلَيهِمَا السَّلَامُ فِي الآيَاتِ مِنَ العَاشِرَةِ إِلَى الرَّابِعَةِ عَشرَةَ؛ وَالمَشهَدُ الثَّانِي مَشهَدُ البَطَرِ وَالجُحُودِ وَالإِعرَاضِ عَن شُكرِ المُنْعِمِ، مُتَمَثِّلًا فِي قَومِ سَبَإٍ الَّذِينَ بَدَّلُوا الشُّكرَ كُفرًا فَمَزَّقَهُمُ اللهُ كُلَّ مُمَزَّقٍ!
وَخُطبَتُنَا اليَومَ عِبَادَ اللهِ وَقفَةٌ تَدَبُّرِيَّةٌ عِلمِيَّةٌ وَعَمَلِيَّةٌ مَعَ تِلكَ الآيَاتِ الخَمسِ البَاهِرَاتِ مِن سُورَةِ سَبَإٍ، نَستَخرِجُ مِنهَا خُلَاصَةَ القِصَّةِ، وَغُرَرَ الفَوَائِدِ، وَدَقَائِقَ اللَّطَائِفِ وَالحِكَمِ، وَمَنَاهِجَ العَمَلِ، مَقرُونَةً بِمَا صَحَّ مِن سُنَّةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ.
أَمَّا مُختَصَرُ القِصَّةِ الَّتِي تَضَمَّنَتهَا هَذِهِ الآيَاتُ البَيِّنَاتُ: فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى مَنَّ عَلَى عَبدِهِ وَنَبِيِّهِ دَاوُدَ عَلَيهِ السَّلَامُ بِالنُّبُوَّةِ وَالزَّبُورِ وَالمُلكِ العَظِيمِ، وَوَهَبَهُ صَوتًا نَدِيًّا خَاشِعًا إِذَا سَبَّحَ اللهَ بِهِ جَاوَبَتهُ الجِبَالُ الصُّمُّ وَالطُّيُورُ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مُسَبِّحَةً مَعَهُ، وَأَلَانَ لَهُ الحَدِيدَ الصَّلبَ بِلَا نَارٍ وَلَا مِطرَقَةٍ لِيَصنَعَ مِنهُ الدُّرُوعَ السَّابِغَةَ المُتقَنَةَ؛ ثُمَّ وَرِثَهُ ابنُهُ نَبِيُّ اللهِ سُلَيمَانُ عَلَيهِ السَّلَامُ، فَسَخَّرَ اللهُ لَهُ الرِّيحَ تَقطَعُ فِي الغَدَاةِ الوَاحِدَةِ مَسِيرَةَ شَهرٍ وَفِي الرَّوَاحِ مَسِيرَةَ شَهرٍ، وَأَسَالَ لَهُ النُّحَاسَ الذَّائِبَ كَالعَينِ الجَارِيَةِ، وَسَخَّرَ لَهُ عَفَارِيتَ الجِنِّ يَبنُونَ لَهُ المَحَارِيبَ وَالجِفَانَ العِظَامَ وَالقُدُورَ الرَّاسِيَاتِ، وَأَمَرَ اللهُ آلَ دَاوُدَ أَن يُقَابِلُوا هَذِهِ النِّعَمَ بِالشُّكرِ العَمَلِيِّ؛ حَتَّى إِذَا حَانَ أَجَلُ سُلَيمَانَ عَلَيهِ السَّلَامُ، قَبَضَ اللهُ رُوحَهُ وَهُوَ قَائِمٌ فِي مِحرَابِهِ مُتَّكِئٌ عَلَى عَصَاهُ، وَالجِنُّ يَعمَلُونَ بَينَ يَدَيهِ وَهُم يَظُنُّونَهُ حَيًّا يُراقِبُهُم، فَلَبِثُوا فِي العَمَلِ الشَّاقِّ حَتَّى أَكَلَت دُودَةُ الأَرَضَةِ عَصَاهُ فَخَرَّ عَلَى الأَرضِ، فَانكَشَفَ لِلإِنسِ وَالجِنِّ قَاطِبَةً أَنَّ الجِنَّ لَا يَعلَمُونَ الغَيبَ، وَلَو كَانُوا يَعلَمُونَهُ مَا لَبِثُوا فِي العَذَابِ المُهِينِ!
تَعَالَوا بِنَا الآنَ يَا عِبَادَ اللهِ نَقِفْ مَعَ آيَةٍ آيَةٍ؛ لِنَستَلْهِمَ الفَوَائِدَ وَاللَّطَائِفَ وَالحِكَمَ وَالعَمَلَ:
يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الآيَةِ العَاشِرَةِ وَالحَادِيَةِ عَشرَةَ مِن سُورَةِ سَبَإٍ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلُوا سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سبأ: ١٠-١١].
تَأَمَّلُوا يَا رَعَاكُمُ اللهُ مَا فِي هَاتَينِ الآيَتَينِ مِنَ اللَّطَائِفِ وَالفَوَائِدِ:
الفَائِدَةُ الأُولَى: لَطِيفَةُ التَّعبِيرِ القُرآنِيِّ فِي قَولِهِ سُبحَانَهُ: ﴿مِنَّا فَضْلًا﴾؛ حَيثُ نَكَّرَ كَلِمَةَ «فَضلًا» لِلتَّعظِيمِ وَالتَّفخِيمِ، وَأَضَافَ الفَضلَ إِلَى ذَاتِهِ العَلِيَّةِ ﴿مِنَّا﴾ تَشرِيفًا لِدَاوُدَ عَلَيهِ السَّلَامُ؛ إِذْ جَمَعَ اللهُ لَهُ بَينَ النُّبُوَّةِ وَالمُلكِ، وَالعِلمِ وَالحِكمَةِ، وَالقُوَّةِ فِي البَدَنِ وَالخُشُوعِ فِي القَلبِ!
الفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: حَيَاةُ الجَمَادَاتِ وَالكَائِنَاتِ وَتَفَاعُلُهَا مَعَ الذَّاكِرِينَ الأَوَّابِينَ؛ فَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ مَعنَاهُ كَمَا قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقتَادَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم: «سَبِّحِي مَعَهُ وَرَجِّعِي التَّسبِيحَ كُلَّمَا سَبَّحَ»! فَكَانَ دَاوُدُ عَلَيهِ السَّلَامُ إِذَا قَرَأَ الزَّبُورَ وَسَبَّحَ رَبَّهُ بِصَوتِهِ الخَاشِعِ الرَّخِيمِ، رَكَدَتِ الطَّيرُ فِي الهَوَاءِ، وَدَوَّتِ الجِبَالُ الشَّاهِقَةُ بِالتَّسبِيحِ مَعَهُ! وَفِي هَذَا لَطِيفَةٌ رُوحِيَّةٌ بَدِيعَةٌ: إِذَا كَانَتِ الجِبَالُ الصَّخرِيَّةُ تَلِينُ وَتَتَأَثَّرُ وَتُؤَوِّبُ مَعَ صَوتِ الذِّكرِ الصَّادِقِ، فَمَا بَالُ قُلُوبِ بَعضِ البَشَرِ تَسمَعُ كَلَامَ اللهِ فَلَا تَلِينُ وَلَا تَخشَعُ؟! وَقَد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ استَمَعَ إِلَى قِرَاءَتِهِ ذَاتَ لَيلَةٍ فَقَالَ لَهُ: «لَقَد أُوتِيتَ مِزمَارًا مِن مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ»؛ فَقَالَ أَبُو مُوسَى: لَو كُنتُ أَعلَمُ أَنَّكَ تَستَمِعُ لِقِرَاءَتِي لَحَبَّرتُهُ لَكَ تَحبِيرًا! فَفِيهِ مَشرُوعِيَّةُ تَحسِينِ الصَّوتِ بِالقُرآنِ وَالذِّكرِ مَا دَامَ خَالِصًا للهِ بَعِيدًا عَنِ التَّكَلُّفِ وَالرِّيَاءِ.
الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: مُعجِزَةُ إِلَانَةِ الحَدِيدِ، وَشَرَفُ الصِّنَاعَةِ وَأَكلِ الإِنسَانِ مِن عَمَلِ يَدِهِ!
لَقَد جَعَلَ اللهُ الحَدِيدَ فِي يَدِ نَبِيِّهِ دَاوُدَ عَلَيهِ السَّلَامُ كَالعَجِينِ وَالشَّمعِ، يَفتِلُهُ بِيَدِهِ كَيفَ يَشَاءُ بِلَا نَارٍ وَلَا مِطرَقَةٍ؛ وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الأَسبَابَ المَادِّيَّةَ خَاضِعَةٌ لِأَمرِ اللهِ، وَأَنَّ القُلُوبَ القَاسِيَةَ الَّتِي هِيَ كَالحَدِيدِ أَو أَشَدُّ قَسوَةً قَادِرٌ رَبُّنَا عَلَى إِلَانَتِهَا إِذَا شَاءَ!
وَانظُرُوا إِلَى الحِكمَةِ العَمَلِيَّةِ فِي هَذِهِ الآيَةِ: كَانَ دَاوُدُ عَلَيهِ السَّلَامُ مَلِكًا عَظِيمًا تَحتَ يَدِهِ خَزَائِنُ الدَّولَةِ وَالجُنُودُ، وَمَعَ ذَلِكَ أَبَى إِلَّا أَن يَعمَلَ بِيَدِهِ فِي حِرفَةِ الحِدَادَةِ وَسَردِ الدُّرُوعِ، فَيَبِيعَهَا وَيَأكُلَ مِن كَسبِ يَدِهِ، وَلَا يَأخُذَ مِن بَيتِ مَالِ المُسلِمِينَ دِرهَمًا لِنَفَقَةِ نَفسِهِ! وَقَد خَلَّدَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ هَذَا المَنهَجَ العَمَلِيَّ الرَّفِيعَ فِيمَا رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ المِقدَامِ بنِ مَعدِي كَرِبَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيرًا مِن أَن يَأكُلَ مِن عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللهِ دَاوُدَ عَلَيهِ السَّلَامُ كَانَ يَأكُلُ مِن عَمَلِ يَدِهِ»!
الفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: فَرِيضَةُ الإِتقَانِ وَالجَودَةِ فِي الصِّنَاعَةِ وَالإِنتَاجِ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَنِ اعْمَلُوا سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾!
كَانَتِ الدُّرُوعُ قَبلَ دَاوُدَ عَلَيهِ السَّلَامُ صَفَائِحَ مِنَ الحَدِيدِ ثَقِيلَةً جَامِدَةً تُعِيقُ المُقَاتِلَ عَنِ الحَرَكَةِ، فَعَلَّمَهُ اللهُ صِنَاعَةَ الدُّرُوعِ الزَّرَدِيَّةِ المُكَوَّنَةِ مِنَ الحَلَقِ المُتَدَاخِلَةِ «السَّابِغَاتِ» الكَامِلَةِ الَّتِي تَستُرُ البَدَنَ وَتَتَحَرَّكُ مَعَهُ بِمُرُونَةٍ، وَأَمَرَهُ بِالهَندَسَةِ الدَّقِيقَةِ فِي قَولِهِ: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾؛ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ وَقتَادَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم: «أَي لَا تَجعَلِ المِسمَارَ دَقِيقًا فَيَقلَقَ وَيَنفَصِمَ، وَلَا تَجعَلْهُ غَلِيظًا فَيَكسِرَ الحَلَقَ، بَلِ اجعَلْهُ عَلَى قَدرٍ مُحكَمٍ مُتَنَاسِبٍ»! فَيَا لَهَا مِن آيَةٍ تُؤَسِّسُ لِمعَايِيرِ الجَودَةِ وَالإِتقَانِ الصِّنَاعِيِّ وَالعَسكَرِيِّ فِي الأُمَّةِ! ثُمَّ أَعقَبَ اللهُ ذَلِكَ بِقَولِهِ: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾؛ لِكَي لَا تَطغَى الحَضَارَةُ المَادِّيَّةُ وَالصَّنعَةُ الدُّنيَوِيَّةُ عَلَى العَمَلِ الصَّالِحِ وَمُرَاقَبَةِ اللهِ البَصِيرِ بِأَعمَالِ عِبَادِهِ!
ثُمَّ نَنتَقِلُ يَا عِبَادَ اللهِ إِلَى الآيَةِ الثَّانِيَةِ عَشرَةَ وَالثَّالِثَةِ عَشرَةَ، حَيثُ يَقُولُ رَبُّنَا جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٢-١٣].
فِي هَاتَينِ الآيَتَينِ العَظِيمَتَينِ فَوَائِدُ وَلَطَائِفُ بَاهِرَةٌ:
الفَائِدَةُ الأُولَى: أَنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ عَبدًا طَائِعًا سَخَّرَ لَهُ الكَونَ وَأَعطَاهُ فَوقَ مَا يَتَمَنَّى؛ فَلِأَبِيهِ دَاوُدَ أَلَانَ الحَدِيدَ، وَلِسُلَيمَانَ أَسَالَ النُّحَاسَ الذَّائِبَ ﴿عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ كَأَنَّهُ عَينُ مَاءٍ تَنبُعُ مِنَ الأَرضِ، وَسَخَّرَ لَهُ الرِّيحَ تَحمِلُ بِسَاطَهُ وَجُندَهُ فَتَسِيرُ فِي الغَدَاةِ مِنَ الصَّبَاحِ إِلَى الظُّهرِ مَسِيرَةَ شَهرٍ كَامِلٍ بِالإِبِلِ، وَتَسِيرُ فِي الرَّوَاحِ مِنَ الظُّهرِ إِلَى المَسَاءِ مَسِيرَةَ شَهرٍ آخَرَ! وَذَلِكَ جَزَاءٌ إِلهِيٌّ لِسُلَيمَانَ عَلَيهِ السَّلَامُ حِينَ تَرَكَ الخَيلَ الصَّافِنَاتِ الجِيَادَ تقرُّبًا للهِ لَمَّا شَغَلَتهُ عَن وَقتِ صَلَاةِ العَصرِ، فَعَوَّضَهُ اللهُ خَيرًا مِنهَا وَأَسرَعَ وَهِيَ الرِّيحُ؛ تَحقِيقًا لِلقَاعِدَةِ النَّبَوِيَّةِ الَّتِي رَوَاهَا الإِمَامُ أَحمَدُ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ: «إِنَّكَ لَن تَدَعَ شَيئًا اتِّقَاءَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَّا آتَاكَ اللهُ خَيرًا مِنهُ»!
وَلَطِيفَةٌ دَقِيقَةٌ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾؛ حَيثُ قَيَّدَ اللهُ عَمَلَ الجِنِّ لِسُلَيمَانَ بِقَولِهِ: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾؛ لِيَعلَمَ الخَلقُ أَنَّ سُلَيمَانَ عَلَيهِ السَّلَامُ نَبِيٌّ مَرْبُوبٌ لَا يَملِكُ تَسخِيرَ الجِنِّ بِذَاتِهِ وَلَا بِسِحرٍ — حَاشَاهُ — كَمَا افتَرَتِ اليَهُودُ، بَل بِأَمرِ اللهِ وَإِذنِهِ وَقَهرِهِ! وَقَد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ عِفرِيتًا مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ البَارِحَةَ لِيَقطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ، فَأَمكَنَنِي اللهُ مِنهُ فَأَخَذتُهُ، فَأَرَدتُ أَن أَربِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِن سَوَارِي المَسجِدِ حَتَّى تُصبِحُوا وَتَنظُرُوا إِلَيهِ كُلُّكُم، فَذَكَرتُ قَولَ أَخِي سُلَيمَانَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]، فَرَدَدتُهُ خَاسِئًا»!
الفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تَرتِيبُ الأَولَوِيَّاتِ فِي الحَضَارَةِ الإِيمَانِيَّةِ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾!
انظُرُوا بِمَاذَا بَدَأَ سُلَيمَانُ عَلَيهِ السَّلَامُ فِي مَشَارِيعِهِ العُمرَانِيَّةِ الكُبرَى: بَدَأَ بِـ«المَحَارِيبِ»؛ وَهِيَ المَسَاجِدُ وَمَوَاضِعُ العِبَادَةِ وَالصَّلَاةِ الشَّرِيفَةِ، وَأَعظَمُهَا بِنَاءُ المَسجِدِ الأَقصَى المُبَارَكِ؛ كَمَا صَحَّ فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ وَابنِ مَاجَه عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَمَّا فَرَغَ سُلَيمَانُ بنُ دَاوُدَ مِن بِنَاءِ بَيتِ المَقدِسِ، سَأَلَ اللهَ ثَلَاثًا: حُكمًا يُصَادِفُ حُكمَهُ، وَمُلكًا لَا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِن بَعدِهِ، وَأَلَّا يَأتِيَ هَذَا المَسجِدَ أَحَدٌ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ إِلَّا خَرَجَ مِن ذُنُوبِهِ كَيَومِ وَلَدَتهُ أُمُّهُ»، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَمَّا اثنَتَانِ فَقَد أُعطِيَهُمَا، وَأَرجُو أَن يَكُونَ قَد أُعطِيَ الثَّالِثَةَ»!
وَأَمَّا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ فَقَد بَيَّنَ المفسِّرُونَ وَالفُقَهَاءُ أَنَّهَا كَانَت مِنهَا صُوَرُ الشَّجَرِ وَالجَمَادَاتِ مِنَ النُّحَاسِ وَالزُّجَاجِ، أَو أَنَّ التَّمَاثِيلَ كَانَت جَائِزَةً فِي شَرِيعَةِ سُلَيمَانَ عَلَيهِ السَّلَامُ ثُمَّ نَسَخَ اللهُ ذَلِكَ وَحَرَّمَ تَصوِيرَ وَنَحتَ ذَوَاتِ الأَروَاحِ فِي شَرِيعَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حَسْمًا لِمَادَّةِ الشِّركِ؛ فَلا يُحتَجُّ بِشَرعِ مَن قَبلَنَا إِذَا وَرَدَ فِي شَرعِنَا نَسخُهُ!
ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى مَشَارِيعَ الإِطعَامِ وَالتَّكَافُلِ الِاجتِمَاعِيِّ فِي مُلكِ سُلَيمَانَ فَقَالَ: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾؛ أَي قِصَاعٍ ضَخمَةٍ كَالأَحوَاضِ وَالبِرَكِ الكَبِيرَةِ يَجتَمِعُ عَلَى القَصعَةِ الوَاحِدَةِ مِنهَا أَلفُ رَجُلٍ، وَقُدُورٍ ثَابِتَاتٍ فِي أَمَاكِنِهَا لِعِظَمِهَا لَا تُحَرَّكُ عَنِ الأَثَافِيِّ، يُطبَخُ فِيهَا الطَّعَامُ لِإِطعَامِ الجُيُوشِ وَالوُفُودِ وَالفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ؛ فَجَمَعَ سُلَيمَانُ عَلَيهِ السَّلَامُ بَينَ عِمَارَةِ المَسَاجِدِ بِالذِّكرِ، وَإِطعَامِ الخَلقِ بِالبِرِّ!
الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: التَّاجُ العَمَلِيُّ لِلآيَاتِ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾!
تَأَمَّلُوا يَا عِبَادَ اللهِ هَذِهِ اللَّطِيفَةَ البَلَاغِيَّةَ وَالفِقهِيَّةَ: لَم يَقُلِ اللهُ تَعَالَى: «قُولُوا آلَ دَاوُدَ شُكرًا»، بَل قَالَ: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾! لِيُعَلِّمَنَا أَنَّ حَقِيقَةَ الشُّكرِ لَيسَت مُجَرَّدَ لَقلَقَةِ اللِّسَانِ، بَلِ الشُّكرُ عَمَلٌ وَطَاعَةٌ، وَتَسخِيرٌ لِكُلِّ نِعمَةٍ فِيمَا يُرضِي المُنْعِمَ جَلَّ جَلَالُهُ!
قَالَ أَبُو عَبدِ الرَّحمَنِ السُّلَمِيُّ وَثَابِتٌ البُنَانِيُّ رَحِمَهُمَا اللهُ: «كَانَ آلُ دَاوُدَ عَلَيهِ السَّلَامُ قَدِ اقتَسَمُوا سَاعَاتِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ بَينَهُم، فَلَم تَكُن تَمُرُّ سَاعَةٌ مِن لَيلٍ أَو نَهَارٍ إِلَّا وَفِي بَيتِ دَاوُدَ مَن هُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي للهِ تَعَالَى؛ امتِثَالًا لِقَولِهِ: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾»!
وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللهِ صَلَاةُ دَاوُدَ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ صِيَامُ دَاوُدَ؛ وَكَانَ يَنَامُ نِصفَ اللَّيلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَكَانَ يَصُومُ يَومًا وَيُفطِرُ يَومًا»! وَفِي الصَّحِيحَينِ عَنِ المُغِيرَةِ بنِ شُعبَةَ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَصنَعُ هَذَا وَقَد غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبدًا شَكُورًا»!
وَسَمِعَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ رَجُلًا يَدعُو عِندَ البَيتِ وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ اجعَلنِي مِنَ القَلِيلِ!»، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا هَذَا الدُّعَاءُ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، إِنِّي سَمِعتُ اللهَ يَقُولُ: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، فَأَنَا أَسأَلُهُ أَن يَجعَلَنِي مِن أُولَئِكَ القَلِيلِ! فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «كُلُّ النَّاسِ أَفقَهُ مِنكَ يَا عُمَرُ»!
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ وَخَطِيئَةٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ العَلِيُّ الأَعلَى، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ النَّبِيُّ المُصطَفَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَمَنِ اهتَدَى.
أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَتَأَمَّلُوا خَاتِمَةَ هَذَا المَشهَدِ القُرآنِيِّ المَهِيبِ فِي الآيَةِ الرَّابِعَةِ عَشرَةَ مِن سُورَةِ سَبَإٍ، حَيثُ يَقُولُ المَلِكُ القَهَّارُ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ: ١٤].
اللهُ أَكبَرُ يَا عِبَادَ اللهِ! مَا أَعظَمَ هَذِهِ الآيَةَ، وَمَا أَغزَرَ مَا فِيهَا مِنَ العَقَائِدِ وَالحِكَمِ وَالمَوَاعِظِ!
الفَائِدَةُ الأُولَى: هَوَانُ الدُّنيَا عَلَى اللهِ، وَخُضُوعُ أَعظَمِ مُلُوكِ الأَرضِ لِقَهرِ المَوتِ!
فَسُلَيمَانُ عَلَيهِ السَّلَامُ الَّذِي مَلَكَ مَشَارِقَ الأَرضِ وَمَغَارِبَهَا، وَذَلَّت لَهُ الرِّيحُ وَالشَّيَاطِينُ وَالإِنسُ وَالطَّيرُ، لَمَّا جَاءَ أَجَلُهُ المَحتُومُ، نَفَذَ فِيهِ قَضَاءُ اللهِ ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾! وَمَاتَ وَهُوَ قَائِمٌ فِي مِحرَابِهِ عَلَى عِبَادَتِهِ وَرِبَاطِهِ، مُتَّكِئٌ عَلَى «مِنسَأَتِهِ» أَي عَصَاهُ؛ فَبَقِيَ جَسَدُهُ الشَّرِيفُ قَائِمًا مَيتًا، وَمَا أَسقَطَ ذَلِكَ المَلِكَ العَظِيمَ إِلَى الأَرضِ إِلَّا أَضعَفُ الحَشَرَاتِ وَأَصغَرُهَا وَهِيَ «دَابَّةُ الأَرضِ» أَي دُودَةُ الأَرَضَةِ الَّتِي نَخَرَت جَوفَ عَصَاهُ فِي صَمتٍ حَتَّى انكَسَرَت فَخَرَّ عَلَى الأَرضِ! فَسُبحَانَ مَن قَهَرَ العِبَادَ بِالمَوتِ، وَأَظهَرَ قُدرَتَهُ فِي أَضعَفِ خَلقِهِ!
الفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ القَاعِدَةُ العَقَدِيَّةُ الكُبرَى: دَكُّ خُرَافَةِ ادِّعَاءِ الجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ وَالكُهَّانِ لِعِلمِ الغَيبِ!
لَقَد كَانَتِ الجِنُّ تُوهِمُ ضُعَفَاءَ العُقُولِ مِنَ الإِنسِ أَنَّهَا تَعلَمُ الغَيبَ وَتَخبِرُ بِمَا فِي المُستَقبَلِ؛ فَأَرَادَ اللهُ سُبحَانَهُ أَن يَفضَحَ عَجزَهُم وَجَهلَهُم فَضحًا عَمَلِيًّا يَرَاهُ العَالَمُونَ جَمِيعًا! فَها هُوَ سُلَيمَانُ عَلَيهِ السَّلَامُ قَد مَاتَ أَمَامَ أَعيُنِهِم عَلَى مَرمَى أَبصَارِهِم، وَهُم يَعمَلُونَ فِي الأَعمَالِ الشَّاقَّةِ وَالعَذَابِ المُهِينِ خَوفًا مِنهُ، وَلَم يَعلَمُوا أَنَّ الرُّوحَ قَد فَارَقَت جَسَدَهُ، وَلَم يَعلَمُوا أَنَّ دُودَةً صَغِيرَةً تَحتَ أَقدَامِهِم تَأكُلُ عَصَاهُ، حَتَّى سَقَطَ الجَسَدُ عَلَى الأَرضِ! فَلَمَّا سَقَطَ ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ — أَي ظَهَرَ لِلجِنِّ وَلِلإِنسِ ظُهُورًا لَا مِريَةَ فِيهِ — أَنَّهُم لَو كَانُوا يَعلَمُونَ أَدنَى الغَيبِ الحَاضِرِ أَمَامَهُم مَا لَبِثُوا فِي ذَلِكَ العَنَاءِ وَالعَذَابِ المُهِينِ سَاعَةً وَاحِدَةً!
فَكَيفَ يَذهَبُ مُسلِمٌ يَقرَأُ هَذِهِ الآيَةَ إِلَى سَاحِرٍ أَو كَاهِنٍ أَو عَرَّافٍ أَو مُنَجِّمٍ أَو قَارِئِ كَفٍّ وَفِنجَانٍ وَأَبرَاجٍ، يَسأَلُهُ عَنِ الغَيبِ وَالمُستَقبَلِ؟! وَقَد رَوَى الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن بَعضِ أَزوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَن شَيءٍ لَم تُقبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَربَعِينَ لَيلَةً»! وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ وَأَحمَدُ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن أَتَى كَاهِنًا أَو عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَد كَفَرَ بِمَا أُنزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ»!
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: وَأَمَّا العَمَلُ المَطلُوبُ مِنَّا بَعدَ سَمَاعِ هَذِهِ الآيَاتِ الخَمسِ مِن سُورَةِ سَبَإٍ، فَيَتَلَخَّصُ فِي أَربَعِ وَظَائِفَ إِيمَانِيَّةٍ نَخرُجُ بِهَا مِن مَسجِدِنَا هَذَا:
الوَظِيفَةُ الأُولَى: تَجرِيدُ التَّوحِيدِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَطهِيرُ القُلُوبِ وَالبُيُوتِ مِن كُلِّ تَعَلُّقٍ بِالكُهَّانِ وَالعَرَّافِينَ وَالمُنَجِّمِينَ وَالأَبرَاجِ؛ يَقِينًا بِأَنَّ الغَيبَ بِيَدِ اللهِ وَحدَهُ!
الوَظِيفَةُ الثَّانِيَةُ: تَحوِيلُ الشُّكرِ فِي حَيَاتِنَا وَبُيُوتِنَا مِن مُجَرَّدِ الكَلَامِ إِلَى العَمَلِ الصَّالِحِ؛ فَشُكرُ نِعمَةِ الصِّحَّةِ طَاعَةُ اللهِ بِهَا، وَشُكرُ نِعمَةِ المَالِ إِخرَاجُ زَكَاتِهِ وَإِطعَامُ الجَائِعِينَ، وَشُكرُ نِعمَةِ الأَمنِ وَالأَهلِ إِقَامَةُ الصَّلَاةِ وَالذِّكرِ فِي البُيُوتِ كَمَا كَانَ بَيتُ آلِ دَاوُدَ عَلَيهِمُ السَّلَامُ!
الوَظِيفَةُ الثَّالِثَةُ: شَرَفُ الكَسبِ الحَلَالِ بِاليَدِ، وَتَحرِّي الإِتقَانِ وَالجَودَةِ فِي كُلِّ مِهنَةٍ وَوَظِيفَةٍ وَصَنعَةٍ امتِثَالًا لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾!
الوَظِيفَةُ الرَّابِعَةُ: الثَّبَاتُ عَلَى الطَّاعَةِ وَالمِحرَابِ حَتَّى يَأتِيَنَا اليَقِينُ وَنَحنُ قَائِمُونَ عَلَى أَمرِ اللهِ كَمَا قُبِضَ نَبِيُّ اللهِ سُلَيمَانُ عَلَيهِ السَّلَامُ فِي مِحرَابِهِ!
ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ عَلَى الهَادِي البَشِيرِ وَالسِّرَاجِ المُنِيرِ، كَمَا أَمَرَكُم بِذَلِكَ العَلِيمُ الخَبِيرُ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى إِخوَانِهِ النَّبِيِّينَ وَالمُرسَلِينَ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ، اللَّهُمَّ اجعَلنَا مِن عِبَادِكَ الشَّكُورِينَ القَلِيلِ، وَأَوزِعنَا أَن نَشكُرَ نِعمَتَكَ الَّتِي أَنعَمتَ عَلَينَا وَعَلَى وَالِدَينَا وَأَن نَعمَلَ صَالِحًا تَرضَاهُ، وَأَدخِلنَا بِرَحمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ.
اللَّهُمَّ لَاانَ لِداوُدَ الحَدِيدُ فَأَلِنْ قُلُوبَنَا لِذِكرِكَ وَكِتَابِكَ، وَاحفَظ عَلَينَا تَوحِيدَنَا وَإِيمَانَنَا، وَبارِك لَنَا فِي أَرزَاقِنَا وَأَعمَالِنَا، وَتَوَفَّنَا وَأَنتَ رَاضٍ عَنَّا عَلَى خَيرِ عَمَلٍ يُرضِيكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
الفَوَائِدُ وَاللَّطَائِفُ وَالحِكَمُ مِن قِصَّةِ دَاوُدَ وَسُلَيمَانَ عَلَيهِمَا السَّلَامُ فِي سُورَةِ سَبَإٍ: خطبةُ جُمُعَةٍ فِي تَدَبُّرِ الآيَاتِ وَفِقهِ الشُّكرِ وَالعَمَلِ وَبُطلَانِ دَعوَى عِلمِ الغَيبِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.