الغَنِيمَةُ البَارِدَةُ لَيلٌ طَوِيلٌ وَنَهَارٌ قَصِيرٌ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن غَنَائِمِ الشِّتَاءِ وَعِبَادَةِ السَّلَفِ فِي الصِّيَامِ وَالقِيَامِ وَتَفَقُّدِ الفُقَرَاءِ
الحَمدُ للهِ مُقَلِّبِ اللَّيلِ وَالنَّهَار، وَمُصَرِّفِ الفُصُولِ وَالأَعصَارِ بِحِكمَتِهِ البَالِغَةِ عِبرَةً لِأُولِي الأَبصَار، الَّذِي جَعَلَ تَعَاقُبَ الأَزمَانِ مَيدَانًا يَتَسَابَقُ فِيهِ الأَبرَار، وَصَيَّرَ الشِّتَاءَ رَبِيعًا لِلمُؤمِنِينَ وَغَنِيمَةً بَارِدَةً لِلصَّائِمِينَ وَالقَائِمِينَ بِالأسحَار، القَائِلِ فِي كِتَابِهِ العَزِيز: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢]. وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، شَهَادَةَ مَن عَمَرَ أَوقَاتَهُ بِطَاعَةِ مَولَاه، وَاستَثمَرَ مَوَاسِمَ العُمُرِ فِيمَا يُحِبُّهُ وَيَرضَاه، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُه، أَعبَدُ الخَلقِ لِرَبِّهِ فِي الصَّيفِ وَالشِّتَاء، وَأَعظَمُهُم قِيَامًا وَصِيَامًا وَبَذلًا وَعَطَاء، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الأَطهَار، وَأَصحَابِهِ السَّادَةِ الأَخيَار، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ مَا تَعَاقَبَ اللَّيلُ وَالنَّهَار.
أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَاغتِنَامِ الأَيَّامِ وَاللَّيَالِي قَبلَ فَوَاتِ الآجَال؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: إِنَّ التَّاجِرَ الحَصِيفَ فِي أَسوَاقِ الدُّنيَا يَرقُبُ مَوَاسِمَ الرِّبحِ الَّتِي تَقِلُّ فِيهَا الكُلفَةُ وَتَتَضَاعَفُ فِيهَا الأَربَاح، وَأَمَّا التَّاجِرُ مَعَ اللهِ تَعَالَى -الَّذِي يَبغِي تِجَارَةً لَن تَبُورَ فِي دَارِ الخُلُودِ- فَإِنَّ لَهُ مَعَ تَقَلُّبِ الفُصُولِ شَأنًا آخَرَ وَبَصِيرَةً أُخرَى! فَحِينَ تَهُبُّ نَسَائِمُ الشِّتَاءِ البَارِدَةُ، وَيَطُولُ اللَّيلُ، وَيَقصُرُ النَّهَارُ، يَرَى الغَافِلُونَ فِيهِ مَوسِمًا لِلكَسَلِ وَالخُمُولِ وَطُولِ الرُّقَادِ وَالسَّهَرِ الضَّائِع، بَينَمَا يَرَى فِيهِ المُؤمِنُونَ الصَّادِقُونَ «الغَنِيمَةَ البَارِدَةَ» الَّتِي كَانَ الصَّحَابَةُ وَالسَّلَفُ الصَّالِحُ يَستَقبِلُونَهَا بِالتَّرحِيبِ وَالبِشَارَة!
فَمَا سِرُّ تَسمِيَةِ عِبَادَةِ الشِّتَاءِ بِـ«الغَنِيمَةِ البَارِدَةِ» يَا عِبَادَ الله؟
لَقَد وَرَدَ هَذَا الوَصفُ البَلِيغُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؛ فَفِي مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ وَسُنَنِ التِّرمِذِيِّ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ بِشَوَاهِدِهِ عَن عَامِرِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الصَّومُ فِي الشِّتَاءِ الغَنِيمَةُ البَارِدَةُ!». وَالغَنِيمَةُ البَارِدَةُ فِي لِسَانِ العَرَبِ هِيَ الغَنِيمَةُ السَّهلَةُ الهَنِيئَةُ الَّتِي يَحُوزُهَا الفَارِسُ بِلَا قِتَالٍ شَدِيدٍ وَلَا حرٍّ لَافِحٍ وَلَا مَشَقَّةٍ مُجهِدَة!
تَأَمَّلُوا يَا رَعَاكُمُ اللهُ كَيفَ اجتَمَعَت فِي أَيَّامِ الشِّتَاءِ وَلَيَالِيهِ مِيزَتَانِ عَظِيمَتَانِ لَا تَجتَمِعَانِ فِي غَيرِه: «لَيلٌ طَوِيلٌ، وَنَهَارٌ قَصِيرٌ»! فَنَهَارُهُ قَصِيرٌ الهَوَاجِرِ، لَطِيفُ الهَوَاءِ، لَا يَجدُ الصَّائِمُ فِيهِ لَذعَ العَطَشِ وَلَا حَرَّ الظَّهِيرَةِ، فَيَمضِي النَّهَارُ سَرِيعًا وَيُكتَبُ لِلعَبدِ أَجرُ صِيَامِ يَومٍ كَامِلٍ عِندَ الله! وَلَيلُهُ طَوِيلٌ مَمدُودٌ، يَأخُذُ فِيهِ النَّائِمُ حَظَّهُ الوَافِيَ مِنَ النَّومِ وَالرَّاحَةِ، ثُمَّ يَبقَى لَهُ مِنَ اللَّيلِ مُتَّسَعٌ يَقُومُ فِيهِ بَينَ يَدَي رَبِّهِ مُنَاجِيًا رَاكِعًا سَاجِدًا مُستَغفِرًا! وَلِهَذَا رُوِيَ فِي الأَثَرِ المَشهُورِ عِندَ الإِمَامِ أَحمَدَ وَالبَيهَقِيِّ: «الشِّتَاءُ رَبِيعُ المُؤمِنِ؛ طَالَ لَيلُهُ فَقَامَهُ، وَقَصُرَ نَهَارُهُ فَصَامَهُ!».
وَلِمَاذَا سُمِّيَ الشِّتَاءُ «رَبِيعَ المُؤمِنِ»؟ قَالَ العُلَمَاءُ: لِأَنَّ الرَّبِيعَ هُوَ الفَصلُ الَّذِي تَرتَعُ فِيهِ السَّوَائِمُ فِي المَرَاعِي الخَضرَاءِ فَتَطِيبُ أَجسَامُهَا وَتَعلُو قُوَّتُهَا، وَكَذَلِكَ الشِّتَاءُ لِلمُؤمِنِ؛ يَرتَعُ فِيهِ قَلبُهُ فِي رِيَاضِ الطَّاعَاتِ، وَيَتَنَقَّلُ بَينَ بَسَاتِينِ الصِّيَامِ وَالقِيَامِ وَالذِّكرِ وَتِلَاوَةِ القُرآن، فَيَسمُو إِيمَانُهُ وَيَزكُو فُؤَادُه!
اسْمَعُوا يَا عِبَادَ اللهِ إِلَى تَرحِيبِ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ وَالتَّابِعِينَ بِمَقدَمِ هَذَا المَوسِمِ المُبَارَك؛ كَانَ الفَارُوقُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ إِذَا دَخَلَ الشِّتَاءُ تَعَاهَدَ إِخوَانَهُ وَقَالَ: «الشِّتَاءُ غَنِيمَةُ العَابِدِينَ!». وَكَانَ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَهتِفُ فَرِحًا عِندَ إِقبَالِ الشِّتَاءِ قَائِلًا: «مَرحَبًا بِالشِّتَاءِ! تَنزِلُ فِيهِ البَرَكَةُ، وَيَطُولُ فِيهِ اللَّيلُ لِلقِيَامِ، وَيَقصُرُ فِيهِ النَّهَارُ لِلصِّيَامِ!». وَكَانَ الحَسَنُ البَصرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: «نِعمَ زَمَانُ المُؤمِنِ الشِّتَاءُ؛ لَيلُهُ طَوِيلٌ يَقُومُهُ، وَنَهَارُهُ قَصِيرٌ يَصُومُهُ!». وَكَانَ التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ عُبَيدُ بنُ عُمَيرٍ رَحِمَهُ اللهُ إِذَا جَاءَ الشِّتَاءُ نَادَى فِي أَصحَابِهِ نِدَاءَ المُوقِظِ المُشفِق: «يَا أَهلَ القُرآنِ، طَالَ لَيلُكُم لِقِرَاءَتِكُم فَاقرَؤُوا، وَقَصُرَ النَّهَارُ لِصِيَامِكُم فَصُومُوا!».
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: إِنَّ بَينَ أَيدِينَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ الشَّتَوِيَّةِ ثَلَاثَ غَنَائِمَ عُظمَى لَا يَزْهَدُ فِيهَا إِلَّا مَحرُوم:
أَمَّا الغَنِيمَةُ الأُولَى: فَهِيَ غَنِيمَةُ «النَّهَارِ القَصِيرِ» بِالصِّيَامِ!
فَمَن كَانَ عَلَيهِ قَضَاءٌ مِن شَهرِ رَمَضَانَ فَلَا أَيسَرَ وَلَا أَسهَلَ عَلَيهِ مِن قَضَائِهِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ القَصِيرَةِ البَارِدَة، وَمَن أَرَادَ التَّزَوُّدَ مِنَ النَّوَافِلِ فَأَمَامَهُ صِيَامُ الإِثنَينِ وَالخَمِيسِ، وَصِيَامُ الأَيَّامِ البِيضِ الثَّلَاثَةِ مِن كُلِّ شَهرٍ، وَصِيَامُ دَاوُدَ عَلَيهِ السَّلَامُ لِمَن قَوِيَ عَلَيه. تَذكَّرْ يَا عَبدَ اللهِ وَأَنتَ تَصُومُ هَذَا النَّهَارَ القَصِيرَ الَّذِي يَنقَضِي كَلَمحِ البَصَرِ ذَلِكَ الوَعدَ النَّبَوِيَّ العَظِيمَ فِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَن صَامَ يَومًا فِي سَبِيلِ اللهِ بَعَّدَ اللهُ وَجهَهُ عَنِ النَّارِ سَبعِينَ خَرِيفًا!». سَاعَاتٌ مَعدُودَةٌ تَمسِكُ فِيهَا عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ بِلَا عَطَشٍ وَلَا نَصَبٍ، تُبَاعِدُ وَجهَكَ عَن نَارِ جَهَنَّمَ مَسِيرَةَ سَبعِينَ عَامًا! أَفَلَيسَت هَذِهِ وَاللهِ هِيَ الغَنِيمَةَ البَارِدَة؟!
وَأَمَّا الغَنِيمَةُ الثَّانِيَةُ: فَهِيَ غَنِيمَةُ «اللَّيلِ الطَّوِيلِ» بِالقِيَامِ وَالمُنَاجَاة!
لَقَد أَثنَى اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ الأَبرَارِ الَّذِينَ يُجَافُونَ الفُرُشَ الدَّافِئَةَ حبًّا للهِ وَشَوقًا إِلَى لِقَائِه، فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦-١٧]. حِينَ يَنَامُ النَّاسُ فِي لَيلِ الشِّتَاءِ الطَّوِيلِ تَحتَ الدِّثَارِ الدَّافِئِ، فَتَقُومُ أَنتَ فِي الثُّلُثِ الأَخِيرِ مِنَ اللَّيلِ وَقَد نَزَلَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيَا يُنَادِي كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ: «مَن يَدعُونِي فَأَستَجِيبَ لَهُ؟ مَن يَسأَلُنِي فَأُعطِيَهُ؟ مَن يَستَغفِرُنِي فَأَغفِرَ لَهُ؟»، فَتُصَلِّي مَا قُسِمَ لَكَ وَتَختِمُ بِالوِترِ وَالِاستِغفَارِ بِالأسحَار؛ فَأَيُّ نُورٍ وَأَيُّ شَرَفٍ يَعدِلُ هَذَا المَقَام؟!
انظُرُوا كَيفَ كَانَ الصَّحَابَةُ يَعشَقُونَ لَيلَ الشِّتَاءِ حَتَّى كَانُوا يَبكُونَ عَلَى فِرَاقِهِ عِندَ المَوت! فَقَد رَوَى الإِمَامُ أَحمَدُ وَابنُ أَبِي شَيبَةَ أَنَّ الصَّحَابِيَّ الجَلِيلَ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لَمَّا حَضَرَتهُ الوَفَاةُ جَعَلَ يَبكِي، فَقِيلَ لَهُ: «أَتَبكِي يَا أَبَا عَبدِ الرَّحمَنِ وَأَنتَ صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؟!»، فَقَالَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَلِمَةً تَهُزُّ القُلُوب: «مَا أَبكِي جَزَعًا مِنَ المَوتِ، وَلَا حِرصًا عَلَى الدُّنيَا، وَلَكِنْ إِنَّمَا أَبكِي عَلَى ظَمَإِ الهَوَاجِرِ، وَقِيَامِ لَيلِ الشِّتَاءِ، وَمُزَاحَمَةِ العُلَمَاءِ بِالرُّكَبِ عِندَ حِلَقِ الذِّكرِ!».
وَأَمَّا الغَنِيمَةُ الثَّالِثَةُ: فَهِيَ غَنِيمَةُ «إِسبَاغِ الوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ وَالمَشيِ إِلَى المَسَاجِدِ فِي البَردِ»!
فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلَا أَدُلُّكُم عَلَى مَا يَمحُو اللهُ بِهِ الخَطَايَا، وَيَرفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟»، قَالُوا: «بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ!»، قَالَ: «إِسبَاغُ الوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ، وَكَثرَةُ الخُطَا إِلَى المَسَاجِدِ، وَانتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعدَ الصَّلَاةِ؛ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ!». فَكُلَّمَا قَامَ المُؤمِنُ مِن فِرَاشِهِ فِي بَردِ الفَجرِ أَوِ العِشَاءِ، فَأَسبَغَ وُضُوءَهُ وَأَتَمَّهُ طَاعَةً للهِ، وَخَرَجَ إِلَى بَيتِ اللهِ، كَانَت كُلُّ قَطرَةِ مَاءٍ وَكُلُّ خُطوَةٍ يَخطُوهَا كَفَّارَةً لِذُنُوبِهِ وَرِفعَةً لِدَرَجَاتِهِ عِندَ رَبِّ العَالَمِين!
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيم، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيم، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم.
🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، وَأَشهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المُجتَبَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَنِ اهتَدَى.
أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعلَمُوا أَنَّ مِنَ الغَنَائِمِ العَظِيمَةِ وَالعِبَرِ الجَلِيلَةِ فِي فَصلِ الشِّتَاءِ أَمرَينِ مَهِمَّينِ لَا يَغفُلُ عَنهُمَا المُؤمِنُ الحَيُّ القَلب:
الأَمرُ الأَوَّلُ: أَن نَتَذَكَّرَ بِشِدَّةِ بَردِ الدُّنيَا «زَمهَرِيرَ جَهَنَّمَ» فَنَستَعِيذَ بِاللهِ مِنهَا!
فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّ عَذَابَ النَّارِ حَرٌّ وَحَرِيقٌ فَقَط، وَالحَقُّ أَنَّ فِي جَهَنَّمَ عَذَابًا بِالبَردِ القَارِسِ الشَّدِيدِ الَّذِي يَصدَعُ العِظَامَ وَيُسَمَّى «الزَّمهَرِيرَ»! فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «اشتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَت: رَبِّ أَكَلَ بَعضِي بَعضًا! فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَينِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيفِ؛ فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمهَرِيرِ!». فَإِذَا لَفَحَتكَ رِيحُ الشِّتَاءِ البَارِدَةُ يَا عَبدَ اللهِ، فَقُلْ بِقَلبٍ خَاشِعٍ: «اللَّهُمَّ أَجِرنِي مِن حَرِّ جَهَنَّمَ وَمِن زَمهَرِيرِهَا!».
وَالأَمرُ الثَّانِي: غَنِيمَةُ الإِحسَانِ وَالصَّدَقَةِ وَإِدفَاءِ الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَالمَنكُوبِين!
إِخوَةَ الإِيمَان: حِينَ يَأوِي أَحَدُنَا فِي لَيَالِي الشِّتَاءِ إِلَى بَيتِهِ المَستُورِ، وَيُغلِقُ نَوَافِذَهُ، وَيُشعِلُ مِدفَأَتَهُ، وَيُغطِّي أَطفَالَهُ بِالأَغطِيَةِ الوَثِيرَةِ، وَيَشرَبُ المَشرُوبَاتِ السَّاخِنَةَ؛ فَلْيَشكُرِ اللهَ عَلَى هَذِهِ النِّعمَةِ العَظِيمَةِ، وَلْيَتَذَكَّرْ إِخوَانًا لَهُ مِنَ الفُقَرَاءِ وَالأَيتَامِ وَالأَرَامِلِ وَالمُهَجَّرِينَ فِي الخِيَامِ وَالعَرَاءِ، يَرتَجِفُونَ مِن قَسْوَةِ البَردِ، وَلَا يَجِدُونَ كِسَاءً يَقِيهِم وَلَا غِطَاءً يُدفِئُ أَجسَادَ صِغَارِهِم!
فَإِنَّ أَفضَلَ الصَّدَقَةِ مَا وَافَقَ حَاجَةَ المُحتَاجِ فِي وَقتِ شِدَّتِه؛ فَتَفَقَّدُوا جِيرَانَكُم وَفُقَرَاءَكُم بِكَسْوَةِ الشِّتَاءِ، وَالأَغطِيَةِ، وَالوَقُودِ، وَالطَّعَامِ، وَتَذَكَّرُوا بِشَارَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنه: «أَيُّمَا مُسلِمٍ كَسَا مُسلِمًا ثَوبًا عَلَى عُريٍ كَسَاهُ اللهُ مِن خُضرِ الجَنَّةِ!».
وَإِيَّاكُم يَا عِبَادَ اللهِ أَن يَنقَلِبَ لَيلُ الشِّتَاءِ الطَّوِيلُ مِن غَنِيمَةٍ إِلَى خَسَارَة؛ بِالسَّهَرِ عَلَى الشَّاشَاتِ وَاللَّغوِ وَالغِيبَةِ حَتَّى السَّاعَاتِ الأَخِيرَةِ مِنَ اللَّيلِ، ثُمَّ النَّومِ عَن صَلَاةِ الفَجرِ فِي جَمَاعَة! فَشتَّانَ بَينَ مَن يَجعَلُ لَيلَ الشِّتَاءِ مِعرَاجًا إِلَى الفِردَوسِ الأَعلَى، وَمَن يَجعَلُهُ وِزرًا وَتَفريطًا فِي أَعظَمِ فَرَائِضِ الله! وَللهِ دَرُّ القَائِلِ حِينَ هَتَفَ بِأَهلِ الهِمَمِ عِندَ إِقبَالِ الشِّتَاء:
جَاءَ الشِّتَاءُ رَبِيعُ كُلِّ مُوَحِّدٍ ... فِيهِ الغَنِيمَةُ بَارِدٌ مَجنَاهَا
فَاللَّيلُ طَالَ لِقَائِمٍ مُتَهَجِّدٍ ... تَرقَى إِلَى رَبِّ السَّمَاءِ خُطَاهَا
وَقَصِيرُ يَومٍ لِلصِّيَامِ غَنِيمَةٌ ... طُوبَى لِنَفسٍ أَدرَكَت مَغزَاهَا
فَانهَضْ وَشَمِّرْ فِي المَوَاسِمِ وَاحتَسِبْ ... فَالرَّابِحُونَ هُمُ الَّذِينَ رَعَاهَا
فَشَمِّرُوا عِبَادَ اللهِ فِي هَذَا المَوسِمِ المُبَارَكِ، وَتَزَوَّدُوا مِن صِيَامِ نَهَارِهِ القَصِيرِ وَقِيَامِ لَيلِهِ الطَّوِيلِ وَالإِحسَانِ إِلَى عِبَادِ الله.
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَن أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ فِي مُحكَمِ تَنزِيلِه، فَقَالَ سُبحَانَهُ قَولًا كَرِيمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّد، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِين، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِين.
اللَّهُمَّ بَارِك لَنَا فِي أَعمَارِنَا وَأَوقَاتِنَا، وَأَعِنَّا عَلَى صِيَامِ النَّهَارِ وَقِيَامِ اللَّيلِ وَذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِك. اللَّهُمَّ اجعَلِ الشِّتَاءَ رَبِيعًا لِقُلُوبِنَا، وَغَنِيمَةً لِأَروَاحِنَا، وَقُربَةً إِلَى مَرضَاتِك. اللَّهُمَّ أَجِرنَا وَوَالِدِينَا وَأَهلِينَا مِن حَرِّ جَهَنَّمَ وَمِن زَمهَرِيرِهَا يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِين. اللَّهُمَّ الطُف بِالفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَالأَيتَامِ وَالمُستَضعَفِينَ فِي بَردِ الشِّتَاء؛ اللَّهُمَّ أَنزِلْ عَلَيهِم دِفأً وَسَكِينَةً وَرَحمَةً مِن عِندِك، وَسَخِّر لَهُم قُلُوبَ عِبَادِكَ المُحسِنِين. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَأَصلِح أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
من مكتبة مِداد الخطيب
الغَنِيمَةُ البَارِدَةُ لَيلٌ طَوِيلٌ وَنَهَارٌ قَصِيرٌ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن غَنَائِمِ الشِّتَاءِ وَعِبَادَةِ السَّلَفِ فِي الصِّيَامِ وَالقِيَامِ وَتَفَقُّدِ الفُقَرَاءِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.