من مكتبة مِداد الخطيب

الحِلمُ وَكَظمُ الغَيظِ وَالعَفوُ عَنِ المُسِيئِينَ

مشاركة
الحِلمُ وَكَظمُ الغَيظِ وَالعَفوُ عَنِ المُسِيئِينَ: مُحَاضَرَةٌ وَعظِيَّةٌ جَامِعَةٌ لِهَديِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَمَوَاقِفِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي الحِلمِ وَدَفعِ السَّيِّئَةِ بِالحَسَنَةِ الحَمدُ للهِ الحَلِيمِ العَظِيمِ، العَفُوِّ الغَفُورِ الكَرِيمِ، الَّذِي يَرَى مَعَاصِيَ العِبَادِ وَجُرأَتَهُم عَلَيهِ فَيُمهِلُهُم وَلَا يُعَاجِلُهُم بِالعُقُوبَةِ، وَيَرزُقُهُم وَيُعَافِيهِم وَيَفتَحُ لَهُم أَبوَابَ الأَوبَةِ وَالتَّوبَةِ، جَعَلَ الحِلمَ وَالأَنَاةَ وَكَظمَ الغَيظِ تَاجَ مَكَارِمِ الأَخلَاقِ، وَجَعَلَ العَفوَ عَنِ المُسِيئِينَ وَالإِحسَانَ إِلَى الجَاهِلِينَ مِفتَاحًا لِلجِنَانِ وَسَبَبًا لِلعِزِّ وَالرِّفعَةِ فِي الآفَاقِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، مَا أَحَدٌ أَصبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، سَيِّدُ الحُلَمَاءِ، وَإِمَامُ الأَصْفِيَاءِ، الَّذِي مَا انتَقَمَ لِنَفسِهِ فِي شَيءٍ قَطُّ، وَلَا جَزَى السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ، وَلَكِن كَانَ يَعفُو وَيَصفَحُ وَيَحْلُمُ وَيَرحَمُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الأَطهَارِ، وَأَصحَابِهِ الأَبرَارِ الَّذِينَ تَرَبَّوا فِي مَدرَسَتِهِ عَلَى الحِلمِ وَالوَقَارِ، وَعَلَى التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ القَرَارِ. أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا عِبَادَ اللهِ، وَيَا أَهلَ الإِيمَانِ وَالأَخلَاقِ القُرآنِيَّةِ: إِنَّ مِن أَشرَفِ الأَخلَاقِ الَّتِي يَتَحَلَّى بِهَا العَبدُ المُؤمِنُ، وَأَعظَمِ المَقَامَاتِ الَّتِي يَرتَقِي بِهَا إِلَى مَحَبَّةِ اللهِ وَرِضوَانِهِ، وَيَملِكُ بِهَا أَزِمَّةَ القُلُوبِ وَيُطفِئُ بِهَا نِيرَانَ الفِتَنِ وَالعَدَاوَاتِ: خُلُقَ «الحِلمِ، وَكَظمِ الغَيظِ، وَالعَفوِ عَنِ النَّاسِ، وَمُقَابَلَةِ الإِسَاءَةِ بِالإِحسَانِ»! فَمَا هُوَ الحِلمُ يَا عِبَادَ اللهِ؟ الحِلمُ هُوَ ضَبطُ النَّفسِ وَحَبسُهَا عِندَ هَيَجَانِ الغَضَبِ عَنِ الانتِقَامِ وَالطَّيشِ، وَالطُّمَأنِينَةُ وَالسَّكِينَةُ الَّتِي لَا تُزَلزِلُهَا حَمَاقَاتُ السُّفَهَاءِ، وَلَا تَستَفِزُّهَا جَهَالَاتُ الجَاهِلِينَ! وَهُوَ خُلُقٌ يَشتَمِلُ عَلَى العَقلِ الوَافِرِ، وَالصَّبرِ الجَمِيلِ، وَالقُوَّةِ البَاطِنِيَّةِ القَاهِرَةِ لِثَوَرَانِ النَّفسِ، وَالرَّحمَةِ بِالخَلقِ، وَالتَّرَفُّعِ عَنِ الدَّنَايَا! وَلِشَرَفِ الحِلمِ وَعُلُوِّ مَكَانَتِهِ، فَقَد تَسَمَّى اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ بِاسمِ «الحَلِيمِ» فِي أَحَدَ عَشَرَ مَوضِعًا مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ؛ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣]. وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَا أَحَدَ أَصبَرُ عَلَى أَذًى يَسمَعُهُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ إِنَّهُم يَجعَلُونَ لَهُ نِدًّا، وَيَجعَلُونَ لَهُ وَلَدًا، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَرزُقُهُم وَيُعَافِيهِم وَيُعطِيهِم»! فَسُبحَانَ الحَلِيمِ الَّذِي لَولَا حِلمُهُ لَمَا تَرَكَ عَلَى ظَهرِهَا مِن دَابَّةٍ بِظُلمِ الظَّالِمِينَ! وَلَمَّا أَرَادَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَن يُثنِيَ عَلَى خَلِيلِهِ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ فِي مَقَامِ الشَّفَاعَةِ وَالرَّحمَةِ، وَصَفَهُ بِالحِلمِ قَبلَ كُلِّ وَصفٍ فَقَالَ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥]؛ وَلَمَّا بَشَّرَهُ بِوَلَدِهِ إِسمَاعِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ لَم يُبَشِّرْهُ بِغُلَامٍ جَمِيلٍ أَو قَوِيٍّ أَو غَنِيٍّ، بَل جَعَلَ عُنوَانَ البِشَارَةِ الحِلمَ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١]؛ حَتَّى قَالَ عُلَمَاءُ التَّفسِيرِ: مَا وَصَفَ اللهُ الأَنبِيَاءَ بِصِفَةٍ أَعَزَّ وَلَا أَندَرَ فِي الخَلقِ مِنَ الحِلمِ! وَوَضَعَ القُرآنُ الكَرِيمُ دُستُورَ الحُلَمَاءِ المُتَّقِينَ الَّذِينَ أُعِدَّت لَهُم جَنَّةٌ عَرضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرضُ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ۝ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣-١٣٤]. فَانظُرُوا يَا عِبَادَ اللهِ إِلَى هَذِهِ المَرَاتِبِ الثَّلَاثِ المُتَصَاعِدَةِ فِي سُلَّمِ الكَمَالِ: المَرتَبَةُ الأُولَى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾؛ وَهُمُ الَّذِينَ إِذَا ثَارَ الغَضَبُ فِي صُدُورِهِم وَقَدَرُوا عَلَى الانتِقَامِ، حَبَسُوهُ وَابتَلَعُوا مَرَارَتَهُ ابتِغَاءَ وَجهِ اللهِ، كَمَا يُكظَمُ القِربَةُ المَملُوءَةُ بِالمَاءِ! المَرتَبَةُ الثَّانِيَةُ الأَعلَى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾؛ فَلَا يَكتَفُونَ بِكَفِّ الأَذَى مَعَ بَقَاءِ الحِقدِ فِي النَّفسِ، بَل يَمحُونَ الإِسَاءَةَ مِن قُلُوبِهِم وَيُسقِطُونَ حَقَّهُم عَمَّن ظَلَمَهُم أَو جَهِلَ عَلَيهِم! المَرتَبَةُ الثَّالِثَةُ الأَسمَى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ وَهِيَ أَن يُقَابِلُوا إِسَاءَةَ المُسِيءِ بِالإِحسَانِ إِلَيهِ، وَالدُّعَاءِ لَهُ، وَالبِرِّ بِهِ؛ كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]. أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: وَإِذَا يَمَّمنَا وُجُوهَنَا شَطرَ سُنَّةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَسِيرَتِهِ العَطِرَةِ، رَأَينَا بَحرًا زَاخِرًا مِنَ الهَديِ النَّبَوِيِّ القَولِيِّ وَالعَمَلِيِّ فِي الحِلمِ، وَكَظمِ الغَضَبِ، وَالعَفوِ، وَعَدَمِ رَدِّ الإِسَاءَةِ! فَأَمَّا أَقوَالُهُ الشَّرِيفَةُ وَبِشَارَاتُهُ العَظِيمَةُ لِلحُلَمَاءِ الكَاظِمِينَ الغَيظَ: فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ المُنذِرِ بنِ عَائِذٍ المُلَقَّبِ بِأَشَجِّ عَبدِ القَيسِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «إِنَّ فِيكَ خَصلَتَينِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الحِلمُ، وَالأَنَاةُ»! وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ صَحَّحَ مَفهومَ القُوَّةِ وَالشَّجَاعَةِ عِندَ النَّاسِ فَقَالَ: «لَيسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَملِكُ نَفسَهُ عِندَ الغَضَبِ»! فَالَّذِي يَصرَعُ الرِّجَالَ بِعَضَلَاتِهِ ثُمَّ يَصرَعُهُ غَضَبُهُ عِندَ أَوَّلِ كَلِمَةِ استِفزَازٍ هُوَ ضَعِيفٌ مَهزُومٌ أَمَامَ هَوَاهُ وَشَيطَانِهِ؛ وَأَمَّا القَوِيُّ الحَقِيقِيُّ فَهُوَ الحَلِيمُ الَّذِي يَقهَرُ غَضَبَهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الانتِقَامِ! وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: أَوصِنِي! قَالَ: «لَا تَغضَبْ»، فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: «لَا تَغضَبْ»! وَفِي مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ وَمُعجَمِ الطَّبَرَانِيِّ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ أَنَّ الرَّجُلَ قَالَ: «فَفَكَّرتُ حِينَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مَا قَالَ، فَإِذَا الغَضَبُ يَجمَعُ الشَّرَّ كُلَّهُ»! وَاسمَعُوا يَا عِبَادَ اللهِ إِلَى الجَزَاءِ الأُخرَوِيِّ المَهِيبِ لِمَن كَظَمَ غَيظَهُ وَحَلُمَ عَمَّن أَسَاءَ إِلَيهِ؛ فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ وَابنِ مَاجَه بِإِسنَادٍ حَسَنٍ عَن مُعَاذِ بنِ أَنَسٍ الجُهَنِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن كَظَمَ غَيظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَن يُنفِذَهُ، دَعَاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُؤُوسِ الخَلَائِقِ يَومَ القِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللهُ مِنَ الحُورِ العِينِ مَا شَاءَ»! وَفِي مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ وَسُنَنِ ابنِ مَاجَه بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِن جُرعَةٍ أَعظَمُ أَجرًا عِندَ اللهِ مِن جُرعَةِ غَيظٍ كَظَمَهَا عَبدٌ ابتِغَاءَ وَجهِ اللهِ»! وَظَنَّ بَعضُ النَّاسِ أَنَّ الحِلمَ وَالعَفوَ وَعَدَمَ رَدِّ الإِسَاءَةِ يُورِثُ صَاحِبَهُ ذُلًّا أَو مَهَانَةً بَينَ الخَلقِ؛ فَأَبطَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ هَذَا الوَهمَ الشَّيطَانِيَّ بِقَسَمٍ نَبَوِيٍّ صَادِقٍ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَا نَقَصَت صَدَقَةٌ مِن مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبدًا بِعَفوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ»! وَأَمَّا تَوجيهُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي عَدَمِ رَدِّ الإِسَاءَةِ وَالإِعرَاضِ عَن شَتَائِمِ السُّفَهَاءِ: فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ جَابِرِ بنِ سُلَيمٍ الهُجَيمِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، اعْهَدْ إِلَيَّ! فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي جُملَةِ وَصَايَاهُ الذَّهَبِيَّةِ: «وَإِنِ امرُؤٌ شَتَمَكَ وَعَيَّرَكَ بِمَا يَعلَمُ فِيكَ، فَلَا تُعَيِّرْهُ بِمَا تَعلَمُ فِيهِ؛ فَإِنَّمَا وَبَالُ ذَلِكَ عَلَيهِ»! قَالَ جَابِرُ بنُ سُلَيمٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «فَمَا سَبَبتُ بَعدَهُ أَحَدًا؛ وَلَا شَاةً وَلَا بَعِيرًا»! وَتَأَمَّلُوا هَذَا المَشهَدَ العَجِيبَ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ وَالبُخَارِيُّ فِي الأَدَبِ المُفرَدِ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ وَسَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: أَنَّ رَجُلًا شَتَمَ أَبَا بَكرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ، فَسَكَتَ أَبُو بَكرٍ وَلَم يَرُدَّ عَلَيهِ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَعجَبُ مِن حِلمِ أَبِي بَكرٍ وَيَتَبَسَّمُ! فَلَمَّا أَكثَرَ الرَّجُلُ عَلَى أَبِي بَكرٍ، رَدَّ عَلَيهِ أَبُو بَكرٍ بَعضَ قَولِهِ؛ فَغَضِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَقَامَ مِنَ المَجلِسِ! فَلَحِقَهُ أَبُو بَكرٍ فَزِعًا وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَانَ يَشتِمُنِي وَأَنتَ جَالِسٌ، فَلَمَّا رَدَدتُ عَلَيهِ بَعضَ قَولِهِ غَضِبتَ وَقُمتَ؟! فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّهُ كَانَ مَعَكَ مَلَكٌ يَرُدُّ عَنكَ مَا دُمتَ سَاكِتًا، فَلَمَّا رَدَدتَ عَلَيهِ بَعضَ قَولِهِ وَقَعَ الشَّيطَانُ، فَلَم أَكُن لِأَجلِسَ مَعَ الشَّيطَانِ»! ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا بَكرٍ، ثَلَاثٌ كُلُّهُنَّ حَقٌّ: مَا مِن عَبدٍ ظُلِمَ بِمَظلَمَةٍ فَيُغضِي عَنهَا للهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا أَعَزَّ اللهُ بِهَا نَصرَهُ، وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ عَطِيَّةٍ يُرِيدُ بِهَا صِلَةً إِلَّا زَادَهُ اللهُ بِهَا كَثرَةً، وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ مَسأَلَةٍ يُرِيدُ بِهَا كَثرَةً إِلَّا زَادَهُ اللهُ بِهَا قِلَّةً»! عِبَادَ اللهِ: وَإِذَا نَظَرنَا إِلَى التَّطبِيقِ العَمَلِيِّ لِخُلُقِ الحِلمِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، رَأَينَا العَجَبَ العُجَابَ الَّذِي يَخشَعُ لَهُ التَّارِيخُ: فَفِي الصَّحِيحَينِ تَشهَدُ أُمُّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا شَهَادَةَ مَن عَاشَرَتهُ فِي بَيتِهِ فَتَقُولُ: «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ شَيئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امرَأَةً وَلَا خَادِمًا، إِلَّا أَن يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَا نِيلَ مِنهُ شَيءٌ قَطُّ فَيَنتَقِمَ مِن صَاحِبِهِ، إِلَّا أَن تُنتَهَكَ مَحَارِمُ اللهِ فَيَنتَقِمَ للهِ عَزَّ وَجَلَّ»! وَيَشهَدُ خَادِمُهُ أَنَسُ بنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي الصَّحِيحَينِ فَيَقُولُ: «خَدَمتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَشرَ سِنِينَ، وَاللهِ مَا قَالَ لِي أُفًّا قَطُّ، وَلَا قَالَ لِي لِشَيءٍ: لِمَ فَعَلتَ كَذَا؟ وَهَلَّا فَعَلتَ كَذَا؟»! وانظُرُوا إِلَى حِلمِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَعدَائِهِ وَخُصُومِهِ: يَومَ الطَّائِفِ، رَمَوهُ بِالحِجَارَةِ حَتَّى أَدمَوا عَقِبَيهِ الشَّرِيفَينِ، فَجَاءَهُ مَلَكُ الجِبَالِ يَستَأذِنُهُ أَن يُطبِقَ عَلَيهِمُ الأَخشَبَينِ — جَبَلَي مَكَّةَ —، فَقَالَ الحَلِيمُ الرَّحِيمُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ: «بَل أَرجُو أَن يُخرِجَ اللهُ مِن أَصلَابِهِم مَن يَعبُدُ اللهَ وَحدَهُ لَا يُشرِكُ بِهِ شَيئًا»! وَيَومَ أُحُدٍ، لَمَّا كُسِرَت رَبَاعِيَتُهُ، وَشُجَّ وَجهُهُ الشَّرِيفُ، وَدَخَلَت حَلقَتَا المِغفَرِ فِي وَجنَتِهِ، وَقِيلَ لَهُ: لَو دَعَوتَ عَلَيهِم يَا رَسُولَ اللهِ! فَجَعَلَ يَمسَحُ الدَّمَ عَن وَجهِهِ وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغفِر لِقَومِي فَإِنَّهُم لَا يَعلَمُونَ»! وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَلَّقَ سَيفَهُ بِشَجَرَةٍ فِي غَزوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ وَنَامَ تَحتَهَا، فَجَاءَ أَعرَابِيٌّ مُشرِكٌ — هُوَ غَورَثُ بنُ الحَارِثِ — فَاخْتَرَطَ سَيفَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَوَقَفَ عَلَى رَأسِهِ وَقَالَ: «مَن يَمنَعُكَ مِنِّي؟»، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِثَبَاتِ النُّبُوَّةِ: «اللهُ»! فَسَقَطَ السَّيفُ مِن يَدِ الأَعرَابِيِّ، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: «مَن يَمنَعُكَ مِنِّي؟»، قَالَ: كُن خَيرَ آخِذٍ! فَعَفَا عَنهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَلَم يُعَاقِبْهُ، فَرَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى قَومِهِ يَقُولُ: «جِئتُكُم مِن عِندِ خَيرِ النَّاسِ»! وَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ فَاتِحًا مُنتَصِرًا فِي عَشَرَةِ آلَافِ سَيفٍ، وَوَقَفَ صَنَادِيدُ قُرَيشٍ الَّذِينَ آذَوهُ وَأَخرَجُوهُ وَقَتَلُوا أَصحَابَهُ خَاضِعِينَ تَحتَ رَحمَتِهِ، قَالَ لَهُم: «مَا تَرَونَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُم؟» قَالُوا: خَيرًا، أَخٌ كَرِيمٌ وَابنُ أَخٍ كَرِيمٍ! فَقَالَ لَهُم صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «اذهَبُوا فَأَنتُمُ الطُّلَقَاءُ»! أَيُّهَا المُسلِمُونَ: وَمِن مَدرَسَةِ النُّبُوَّةِ تَخَرَّجَ جِيلُ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ، فَسَطَّرُوا فِي دِيوَانِ الحِلمِ وَالعَفوِ وَكَظمِ الغَيظِ آثَارًا وَمَوَاقِفَ تَكتَحِلُ بِجَمَالِهَا العُيُونُ، وَتَطرَبُ لِسَمَاعِهَا القُلُوبُ: فَهَذَا الصِّدِّيقُ الأَكبَرُ أَبُو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، لَمَّا خَاضَ مِسطَحُ بنُ أُثَاثَةَ مَعَ الخَائِضِينَ فِي حَادِثَةِ الإِفكِ فِي عِرضِ ابْنَتِهِ الصِّدِّيقَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا — وَكَانَ أَبُو بَكرٍ هُوَ الَّذِي يُنفِقُ عَلَى مِسطَحٍ لِقَرَابَتِهِ وَفَقرِهِ —، حَلَفَ أَبُو بَكرٍ أَلَّا يُنفِقَ عَلَى مِسطَحٍ شَيئًا أَبَدًا؛ فَأَنزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَولَهُ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]؛ فَمَا إِن سَمِعَ الصِّدِّيقُ هَذَا النِّدَاءَ الرَّبَّانِيَّ حَتَّى بَكَى وَقَالَ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ: «بَلَى وَاللهِ إِنِّي لَأُحِبُّ أَن يَغفِرَ اللهُ لِي»، فَرَجَعَ إِلَى مِسطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنفِقُ عَلَيهِ وَقَالَ: «وَاللهِ لَا أَنزِعُهَا مِنهُ أَبَدًا»! وَشَتَمَ رَجُلٌ أَبَا بَكرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَومًا وَقَالَ لَهُ: «وَاللهِ لَأَسُبَّنَّكَ سَبًّا يَدخُلُ مَعَكَ قَبرَكَ!» فَقَالَ لَهُ الصِّدِّيقُ بِكُلِّ حِلمٍ وَسَكِينَةٍ: «مَعَكَ وَاللهِ يَدخُلُ قَبرَكَ، لَا مَعِي»! وَهَذَا الفَارُوقُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ — عَلَى مَا كَانَ فِيهِ مِنَ المَهَابَةِ وَالشِّدَّةِ فِي الحَقِّ — يَروِي الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ عُيَينَةَ بنَ حِصنٍ الفَزَارِيَّ دَخَلَ عَلَى أَمِيرِ المُؤمِنِينَ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ بِجَفَاءٍ وَغِلظَةٍ: «هِيْ يَا ابنَ الخَطَّابِ! فَوَاللهِ مَا تُعطِينَا الجَزلَ، وَلَا تَحكُمُ بَينَنَا بِالعَدلِ»! فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ أَن يُوقِعَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ الحُرُّ بنُ قَيسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ — وَكَانَ مِن أَهلِ القُرآنِ فِي مَجلِسِ عُمَرَ —: «يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وَإِنَّ هَذَا مِنَ الجَاهِلِينَ»! قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: «فَوَاللهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا عَلَيهِ، وَكَانَ وَقَّافًا عِندَ كِتَابِ اللهِ»! وَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَلِمَةً تُكتَبُ بِمَاءِ الذَّهَبِ: «مَا عَاقَبتَ مَن عَصَى اللهَ فِيكَ بِمِثلِ أَن تُطِيعَ اللهَ فِيهِ»! وَهَذَا حَبرُ الأُمَّةِ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، يَشتِمُهُ رَجُلٌ وَيُطِيلُ فِي شَتمِهِ، وَابنُ عَبَّاسٍ سَاكِتٌ، فَلَمَّا فَرَغَ الرَّجُلُ مِن شَتمِهِ، التَفَتَ ابنُ عَبَّاسٍ إِلَى مَولَاهُ عِكرِمَةَ وَقَالَ: «يَا عِكرِمَةُ، انظُر هَل لِلرَّجُلِ حَاجَةٌ فَنَقضِيَهَا لَهُ؟!» فَنَكَّسَ الرَّجُلُ رَأسَهُ حَيَاءً وَخَجَلًا وَقَد هَزَمَهُ حِلمُ ابنِ عَبَّاسٍ! وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «لَو أَطبَقَتِ السَّمَاءُ عَلَى الأَرضِ لَجَعَلَ اللهُ لِلمُتَّقِينَ فَتقًا، وَأَفضَلُ النَّاسِ عَقْلًا أَحلَمُهُم»! وَسَبَّ رَجُلٌ الصَّحَابِيَّ الجَلِيلَ أَبَا ذَرٍّ الغِفَارِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو ذَرٍّ: «يَا هَذَا، لَا تُغرِقَنَّ فِي سَبِّنَا، وَدَع لِلصُّلحِ مَوضِعًا؛ فَإِنَّا لَا نُكَافِئُ مَن عَصَى اللهَ فِينَا بِأَكثَرَ مِن أَن نُطِيعَ اللهَ فِيهِ»! وَأَمَّا أَخبَارُ التَّابِعِينَ رَحِمَهُمُ اللهُ فِي الحِلمِ وَكَظمِ الغَيظِ، فَمِن أَروَعِهَا مَا رَوَاهُ البَيهَقِيُّ وَأَبُو نُعَيمٍ فِي الحِليَةِ عَنِ الإِمَامِ الجَلِيلِ عَلِيِّ بنِ الحُسَينِ زَينِ العَابِدِينَ رَحِمَهُ اللهُ: أَنَّ جَارِيَةً لَهُ كَانَت تَسكُبُ المَاءَ عَلَى يَدَيهِ لِيَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ، فَسَقَطَ الإِبرِيقُ مِن يَدِهَا عَلَى وَجهِهِ فَشَجَّهُ وَأَدمَاهُ! فَرَفَعَ زَينُ العَابِدِينَ رَأسَهُ إِلَيهَا مُغضَبًا، فَبَادَرَتِ الجَارِيَةُ الذَّكِيَّةُ فَقَالَت: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾! فَقَالَ لَهَا: «قَد كَظَمتُ غَيظِي»! قَالَت: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾! قَالَ: «قَد عَفَا اللهُ عَنكِ»! قَالَت: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾! قَالَ: «اذهَبِي فَأَنتِ حُرَّةٌ لِوَجهِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»! وَسَمِعَ عَلِيُّ بنُ الحُسَينِ رَجُلًا يَشتِمُهُ وَيَقعُ فِيهِ، فَنَزَعَ خَمِيصَةً كَانَت عَلَيهِ وَأَمرَ لَهُ بِأَلفِ دِرهَمٍ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: «خَشِيتُ أَن يَلقَانِي يَومَ القِيَامَةِ وَأَنَا مَطلُوبٌ لَهُ بِكَلِمَةِ انتِصَارٍ»! وَهَذَا سَيِّدُ بَنِي تَمِيمٍ وَمَضرِبُ المَثَلِ فِي الحِلمِ عِندَ العَرَبِ وَالمُسلِمِينَ: التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ الأَحنَفُ بنُ قَيسٍ رَحِمَهُ اللهُ! تَبِعَهُ رَجُلٌ سَفِيهٌ يَومًا فِي الطَّرِيقِ يَشتِمُهُ وَيُغلِظُ لَهُ، وَالأَحنَفُ صَامِتٌ يَمشِي فِي سَكِينَةٍ، حَتَّى إِذَا اقْتَرَبَ الأَحنَفُ مِن مَنَازِلِ قَومِهِ وَحَيِّهِ، وَقَفَ وَالتَفَتَ إِلَى الشَّاتِمِ وَقَالَ لَهُ بِلُطفٍ وَإِشفَاقٍ: «يَا أَخِي، إِن كَانَ قَد بَقِيَ فِي نَفسِكَ شَيءٌ فَقُلْهُ هَاهُنَا قَبلَ أَن يَسمَعَكَ بَعضُ سُفَهَاءِ الحَيِّ فَيُؤذُوكَ»! وَسُئِلَ الأَحنَفُ بنُ قَيسٍ رَحِمَهُ اللهُ: «مَن أَحلَمُ النَّاسِ؟» فَقَالَ: «مَن ذَلَّت قُدرَتُهُ لِحِلمِهِ»! وَقَالَ رَحِمَهُ اللهُ: «وَجَدتُ الحِلمَ أَنصَرَ لِي مِنَ الرِّجَالِ»! وَقِيلَ لَهُ: كَيفَ صَبَرتَ عَلَى مَا تَسمَعُ مِنَ السُّفَهَاءِ؟ فَقَالَ: «مَا آذَانِي أَحَدٌ إِلَّا أَخَذتُ فِي أَمرِهِ بِإِحدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: إِن كَانَ فَوقِي عَرَفتُ لَهُ قَدرَهُ، وَإِن كَانَ دُونِي أَكرَمتُ نَفسِي عَنهُ، وَإِن كَانَ نَظِيرِي تَفَضَّلتُ عَلَيهِ»! وَهَذَا الخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ الخَامِسُ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ رَحِمَهُ اللهُ، خَرَجَ لَيلَةً إِلَى المَسجِدِ فِي الظُّلمَةِ وَمَعَهُ حَرَسِيٌّ، فَعَثَرَ عُمَرُ بِرَجُلٍ نَائِمٍ فِي المَسجِدِ، فَرَفَعَ الرَّجُلُ رَأسَهُ وَقَالَ لِعُمَرَ وَهُوَ لَا يَعرِفُهُ: «أَمَجنُونٌ أَنتَ؟!» فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بِكُلِّ هُدُوءٍ: «لَا»! فَهَمَّ الحَرَسِيُّ أَن يَبطِشَ بِالرَّجُلِ، فَأَمسَكَ عُمَرُ بِيَدِهِ وَقَالَ لَهُ: «مَهْ! دَعهُ؛ فَإِنَّمَا سَأَلَنِي: أَمَجنُونٌ أَنتَ؟ فَقُلتُ لَهُ: لَا»! وَكَلَّمَ رَجُلٌ عُمَرَ بنَ عَبدِ العَزِيزِ يَومًا فَأَغلَظَ لَهُ وَأَحفَظَهُ، فَأَطرَقَ عُمَرُ طَوِيلًا ثُمَّ قَالَ لَهُ: «أَرَدتَ أَن يَستَفِزَّنِي الشَّيطَانُ بِعِزَّةِ السُّلطَانِ فَأَنَالَ مِنكَ اليَومَ مَا تَنَالُهُ مِنِّي غَدًا يَومَ القِيَامَةِ؟! انصَرِفْ عَافَاكَ اللهُ، لَا حَاجَةَ لَنَا فِي مُقَاوَلَتِكَ»! وَشَتَمَ رَجُلٌ الإِمَامَ الشَّعبِيَّ رَحِمَهُ اللهُ، فَقَالَ لَهُ الشَّعبِيُّ: «إِن كُنتَ صَادِقًا فَغَفَرَ اللهُ لِي، وَإِن كُنتَ كَاذِبًا فَغَفَرَ اللهُ لَكَ»! وَقَالَ الإِمَامُ الحَسَنُ البَصرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «المُؤمِنُ حَلِيمٌ لَا يَجهَلُ وَإِن جُهِلَ عَلَيهِ، حَلِيمٌ لَا يَظلِمُ، وَإِن ظُلِمَ غَفَرَ، لَا يَقطَعُ، وَإِن قُطِعَ وَصَلَ»! وَقَالَ أَيضًا: «أَفضَلُ أَخلَاقِ المُؤمِنِ العَفوُ»! وَسَمِعَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ رَجُلًا يَشتِمُهُ ثُمَّ يَعتَذِرُ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ كَلِمَتَهُ السَّائِرَةَ: «مَنِ استُغضِبَ فَلَم يَغضَبْ فَهُوَ حِمَارٌ، وَمَنِ استُرضِيَ فَلَم يَرضَ فَهُوَ شَيطَانٌ»! يَعنِي أَنَّ الغَضَبَ للهِ وَلِلحُرُمَاتِ حَيَاةٌ فِي القَلبِ، وَأَمَّا حُظُوظُ النَّفسِ فَشَأنُ الكَرِيمِ فِيهَا الحِلمُ وَالعَفوُ وَقَبُولُ العُذرِ! وَأنشَدَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: قَالُوا سَكَتَّ وَقَد خُوصِمتَ قُلتُ لَهُم ... إِنَّ الجَوَابَ لِبَابِ الشَّرِّ مِفتَاحُ وَالصَّمتُ عَن جَاهِلٍ أَو أَحمَقٍ شَرَفٌ ... وَفِيهِ أَيضًا لِصَونِ العِرضِ إِصلَاحُ أَمَا تَرَى الأُسدَ تُخشَى وَهيَ صَامِتَةٌ ... وَالكَلبُ يُخشَى لَعَمرِي وَهوَ نَبَّاحُ وَقَالَ شَاعِرُ الحِكمَةِ فِي فَضِيلَةِ الحِلمِ وَالتَّغَافُلِ عَنِ الجَاهِلِينَ: أَلزِمْ فُؤَادَكَ حِلمًا تَعلُ مَنزِلَةً ... فَالَحِلمُ أَشرَفُ مَا يَسمُو بِهِ الرَّجُلُ وَلَا تُجَارِ سَفِيهًا فِي سَفَاهَتِهِ ... فَالحُرُّ عَن نَزَقِ الجُهَّالِ مُنشَغِلُ عِبَادَ اللهِ: وَلَعَلَّ سَائِلًا يَقُولُ: إِنِّي رَجُلٌ سَرِيعُ الغَضَبِ حَادُّ الطَّبعِ، فَكَيفَ أَكتَسِبُ خُلُقَ الحِلمِ وَأُعَالِجُ نَفسِي عِندَ فَوَرَانِ الغَضَبِ؟ فَالجَوَابُ قَد بَيَّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَتمَّ بَيَانٍ: أَوَّلًا: أَن تَعلَمَ أَنَّ الحِلمَ يُكتَسَبُ بِالمُجَاهَدَةِ وَالتَّمرِينِ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الحَدِيثِ الحَسَنِ الَّذِي عَلَّقَهُ البُخَارِيُّ وَوَصَلَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالبَيهَقِيُّ: «إِنَّمَا العِلمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَإِنَّمَا الحِلمُ بِالتَّحَلُّمِ، وَمَن يَتَحَرَّ الخَيرَ يُعطَهُ، وَمَن يَتَوَقَّ الشَّرَّ يُوقَهُ»! ثَانِيًا: المَبَادَرَةُ بِالِاستِعَاذَةِ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ عِندَ أَوَّلِ شَرَارَةِ غَضَبٍ؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن سُلَيمَانَ بنِ صُرَدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَجُلَينِ استَبَّا عِندَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَأَحَدُهُمَا يَشتِمُ صَاحِبَهُ مُغضَبًا قَدِ احمَرَّ وَجهُهُ وَانتَفَخَت أَودَاجُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي لَأَعلَمُ كَلِمَةً لَو قَالَهَا لَذَهَبَ عَنهُ مَا يَجِدُ؛ لَو قَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ»! ثَالِثًا: السُّكُوتُ الفَورِيُّ وَتَغيِيرُ الهَيئَةِ وَالمَكَانِ؛ فَفِي مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُم فَليَسكُتْ» ثَلَاثًا! وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَمُسنَدِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُم وَهُوَ قَائِمٌ فَليَجلِسْ، فَإِن ذَهَبَ عَنهُ الغَضَبُ وَإِلَّا فَليَضطَجِعْ»! رَابِعًا: استِحضَارُ عَظَمَةِ اللهِ وَفَقرِنَا إِلَى عَفوِهِ يَومَ القِيَامَةِ؛ فَكَمَا تُحِبُّ أَن يَحلُمَ اللهُ عَنكَ وَيَعفُوَ عَن ذُنُوبِكَ وَتَقصِيرِكَ، فَاحلُمْ عَن عِبَادِ اللهِ وَاعفُ عَمَّن أَسَاءَ إِلَيكَ مِن زَوجَةٍ أَو وَلَدٍ أَو جَارٍ أَو أَخٍ مُسلِمٍ! اللَّهُمَّ يَا حَلِيمُ يَا كَرِيمُ، يَا غَفُورُ يَا رَحِيمُ، نَسأَلُكَ بِأَسمَائِكَ الحُسنَى وَصِفَاتِكَ العُلَى أَن تَملَأَ قُلُوبَنَا حِلمًا وَعِلمًا وَإِيمَانًا وَيَقِينًا، وَأَن تَجعَلَنَا مِنَ الكَاظِمِينَ الغَيظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَالمُحسِنِينَ الَّذِينَ تُحِبُّهُم وَتَرضَى عَنهُم. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ كَلِمَةَ الحَقِّ فِي الرِّضَا وَالغَضَبِ، وَنَسأَلُكَ القَصدَ فِي الفَقرِ وَالغِنَى، وَنَعُوذُ بِكَ مِن نَزَغَاتِ الشَّيطَانِ، وَفَوَرَانِ الغَضَبِ، وَطَيشِ اللِّسَانِ، وَظُلمِ الإِنسَانِ. اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنتَ خَلقَنَا فَحَسِّنْ أَخلَاقَنَا، وَأَلِّفْ بَينَ قُلُوبِنَا، وَاسلُلْ سَخِيمَةَ صُدُورِنَا، وَاحشُرنَا فِي زُمرَةِ نَبِيِّكَ سَيِّدِ الحُلَمَاءِ وَأَصحَابِهِ الأَوليَاءِ الأَتقِيَاءِ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.