الجَنَّةُ دَارُ الكَرَامَةِ وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ: خطبةُ جُمُعَةٍ قَصِيرَةٌ عَالِيَةُ المَعَانِي عَن وَصفِ الجَنَّةِ وَمَنَازِلِهَا وَأَعظَمِ نَعِيمِ أَهلِهَا
الحَمدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ الجَنَّةَ بِيَدِهِ وَجَعَلَهَا دَارَ كَرَامَتِهِ لِأَولِيَائِهِ الأَبرَارِ، وَحَفَّهَا بِالمَكَارِهِ لِيَبلُوَ صَبرَ الصَّادِقِينَ وَيَرفَعَ مَنَازِلَ الأَخيَارِ، وَأَعدَّ فِيهَا لِعِبَادِهِ المُتَّقِينَ مَا لَا عَينٌ رَأَت وَلَا أُذُنٌ سَمِعَت وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلبِ بَشَرٍ مِنَ البَهجَةِ وَالسُّرُورِ وَالقَرَارِ، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ مَن رَجَا رَحمَتَهُ وَطَمِعَ فِي جِوَارِهِ، وَنَشكُرُهُ شُكرَ مَن سَارَ عَلَى مَحَجَّتِهِ وَاهتَدَى بِأَنوَارِهِ، القَائِلِ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧].
وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، المَلِكُ الكَرِيمُ الوَهَّابُ، الَّذِي دَعَا عِبَادَهُ إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَفَتَحَ لِلتَّائِبِينَ وَالعَامِلِينَ أَوسَعَ الأَبوَابِ، فَقَالَ جَلَّ شَأنُهُ: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أَوَّلُ مَن يَقرَعُ بَابَ الجَنَّةِ فَيُفتَحُ لَهُ، وَقَائِدُ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَعَلَى أَصحَابِهِ الَّذِينَ بَاعُوا الدُّنيَا الفَانِيَةَ بِالآخِرَةِ البَاقِيَةِ فَرَبِحَ البَيعُ وَعَظُمَ الفَوزُ، وَعَلَى التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَنَفسِيَ المُقَصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَإِنَّ التَّقوَى هِيَ مِفتَاحُ الجَنَّةِ وَمَهرُهَا، وَبِضَاعَةُ التِّجَارَةِ الرَّابِحَةِ مَعَ اللهِ؛ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣].
أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: إِنَّ القُلُوبَ فِي هَذِهِ الدُّنيَا يَعتَرِيهَا الكَلَلُ وَالفُتُورُ، وَتُحِيطُ بِهَا الهُمُومُ وَالأَحزَانُ وَالآلَامُ، وَلَا شَيءَ يَشحَذُ هِمَمَهَا، وَيُحيِي أَشوَاقَهَا، وَيُهَوِّنُ عَلَيهَا مَشَاقَّ الطَّاعَةِ وَمَرَارَةَ الابتِلَاءِ، مِثلُ تَذكُّرِ الوَطَنِ الأَوَّلِ الَّذِي خُلِقنَا لَهُ، وَالمُستَقَرِّ الأَبدِيِّ الَّذِي يَنتَظِرُ الصَّادِقِينَ عِندَ رَبِّ العَالَمِينَ؛ إِنَّهَا الجَنَّةُ! سَلوَةُ المَحزُونِينَ، وَغَايَةُ العَابِدِينَ، وَمُنيَةُ الصَّابِرِينَ، وَحُلمُ الأَنبِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ!
هِيَ الدَّارُ الَّتِي إِذَا قِيسَت بِهَا الدُّنيَا بِأَسرِهَا -مِن أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، بِمُلُوكِهَا وَكُنُوزِهَا وَقُصُورِهَا وَأَنهَارِهَا- لَم تَكُنِ الدُّنيَا فِي جَنبِهَا إِلَّا كَخَيَالٍ عَابِرٍ أَو ظِلٍّ زَائِلٍ؛ فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ مِن حَدِيثِ سَهلِ بنِ سَعدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَوضِعُ سَوطٍ فِي الجَنَّةِ خَيرٌ مِنَ الدُّنيَا وَمَا فِيهَا»! إِذَا كَانَ مِقدَارُ شِبرٍ أَو مَوضِعُ سَوطٍ وَاحِدٍ فِي الجَنَّةِ خَيرًا مِنَ الدُّنيَا كُلِّهَا وَمَا عَلَيهَا، فَكَيفَ بِمَن يُعطَى فِي الجَنَّةِ مِثلَ الدُّنيَا عَشرَ مَرَّاتٍ وَهُوَ أَدنَى أَهلِ الجَنَّةِ مَنزِلَةً كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ؟!
وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ مِن حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «يُؤتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤسًا فِي الدُّنيَا مِن أَهلِ الجَنَّةِ، فَيُصبَغُ صَبغَةً فِي الجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابنَ آدَمَ، هَل رَأَيتَ بُؤسًا قَطُّ؟ هَل مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللهِ يَا رَبِّ، مَا مَرَّ بِي بُؤسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيتُ شِدَّةً قَطُّ»!
اللهُ أَكبَرُ! غَمسَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَحظَةٌ وَاحِدَةٌ فِي نَعِيمِ الجَنَّةِ، تَمحُو مِن ذَاكِرَةِ العَبدِ سِنِينَ طِوَالًا مِنَ الفَقرِ وَالمَرَضِ وَالأَلَمِ وَالغُربَةِ وَالابتِلَاءِ، حَتَّى يُقسِمَ بِاللهِ صَادِقًا أَنَّهُ مَا رَأَى بُؤسًا قَطُّ! فَكَيفَ بِمَن يَخلُدُ فِي ذَلِكَ النَّعِيمِ خُلُودًا لَا انقِطَاعَ لَهُ أَبَدَ الآبِدِينَ؟!
مَعَاشِرَ المُسلِمِينَ: وَإِذَا سَأَلتُم عَن بِنَاءِ الجَنَّةِ وَتُرَابِهَا وَأَنهَارِهَا وَقُصُورِهَا، فَاسأَلُوا الخَبِيرَ بِهَا الَّذِي رَآهَا عِيَانًا لَيلَةَ المِعرَاجِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؛ فَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَمُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قُلنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، حَدِّثنَا عَنِ الجَنَّةِ مَا بِنَاؤُهَا؟ قَالَ: «لَبِنَةُ ذَهَبٍ وَلَبِنَةُ فِضَّةٍ، وَمِلَاطُهَا المِسكُ الأَذفَرُ، وَحَصبَاؤُهَا اللُّؤلُؤُ وَاليَاقُوتُ، وَتُرَابُهَا الزَّعفَرَانُ، مَن يَدخُلُهَا يَنعَمُ وَلَا يَبأَسُ، وَيَخلُدُ وَلَا يَمُوتُ، لَا تَبلَى ثِيَابُهُ وَلَا يَفنَى شَبَابُهُ».
وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ لِلمُؤمِنِ فِي الجَنَّةِ لَخَيمَةً مِن لُؤلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ، طُولُهَا فِي السَّمَاءِ سِتُّونَ مِيلًا»! وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقطَعُهَا». وَتَجرِي مِن تَحتِ تِلكَ القُصُورِ وَالأَشجَارِ أَنهَارٌ أَربَعَةٌ لَا تَجرِي فِي أَخَادِيدَ، بَل تَسِيحُ عَلَى وَجهِ أَرضِ المِسكِ وَالزَّعفَرَانِ كَمَا يَشتَهِي أَهلُهَا؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥].
تَخَيَّلُوا -يَا عِبَادَ اللهِ- ذَلِكَ المَوقِفَ الجَلِيلَ، يَومَ يَقطَعُ المُؤمِنُونَ الصِّرَاطَ نَاجِينَ، فَيَنتَهُونَ إِلَى أَبوَابِ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ، فَتُفتَحُ لَهُمُ الأَبوَابُ، وَتَستَقبِلُهُمُ المَلَائِكَةُ الكِرَامُ بِالتَّحِيَّةِ وَالبِشَارَةِ؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. طِبتُم فِي الدُّنيَا بِإِيمَانِكُم وَصَلاتِكُم وَصِدقِكُم وَتَقوَاكُم، فَطَابَ اليَومَ مَثوَاكُم وَمُنقَلَبُكُم!
وَمِن أَعظَمِ نَعِيمِ الجَنَّةِ الرُّوحِيِّ أَنَّ اللهَ يَطَهِّرُ قُلُوبَ أَهلِهَا مِن كُلِّ غِلٍّ أَو حَسَدٍ أَو كَدَرٍ، وَيَجمَعُ شَملَ الأَحبَابِ مِنَ الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ وَالأَزوَاجِ وَالذُّرِّيَّاتِ الصَّالِحِينَ عَلَى سُرُرِ الكَرَامَةِ؛ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٧-٤٨]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣-٢٤].
وَإِنَّ نَعِيمَ الدُّنيَا مَهمَا عَظُمَ فَإِنَّهُ مُنَغَّصٌ بِخَوفِ الفَنَاءِ وَالمَرَضِ وَالهَرَمِ وَالمَوتِ؛ وَأَمَّا فِي الجَنَّةِ، فَإِذَا استَقَرَّ أَهلُهَا فِي غُرَفِهَا وَمَنَازِلِهَا نَادَى مُنَادٍ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ مِن حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ وَأَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يُنَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُم أَن تَصِحُّوا فَلَا تَسقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُم أَن تَحيَوا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُم أَن تَشِبُّوا فَلَا تَهرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُم أَن تَنعَمُوا فَلَا تَبأَسُوا أَبَدًا»!
ثُمَّ إِنَّ هُنَالِكَ نَعِيمًا يَتَضَاءَلُ عِندَهُ كُلُّ نَعِيمٍ فِي الجَنَّةِ، وَتَنسَى الأَروَاحُ عِندَ إِشرَاقِهِ القُصُورَ وَالأَنهَارَ وَالثِّمَارَ؛ إِنَّهُ يَومُ المَزِيدِ، يَومُ يَتَجَلَّى الرَّبُّ الرَّحِيمُ الجَمِيلُ جَلَّ جَلَالُهُ لِأَولِيَائِهِ فَيُسَمِّعُهُم خِطَابَهُ وَيُحِلُّ عَلَيهِم رِضوَانَهُ وَيَكشِفُ لَهُمُ الحِجَابَ فَيَنظُرُونَ إِلَى وَجهِهِ الكَرِيمِ! فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ مِن حَدِيثِ صُهَيبٍ الرُّومِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَهلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، قَالَ يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: تُرِيدُونَ شَيئًا أَزِيدُكُم؟ فَيَقُولُونَ: أَلَم تُبَيِّض وُجُوهَنَا؟ أَلَم تُدخِلنَا الجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكشِفُ الحِجَابَ، فَمَا أُعطُوا شَيئًا أَحَبَّ إِلَيهِم مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِم عَزَّ وَجَلَّ»، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، جَعَلَ الجَنَّةَ لِلمُتَّقِينَ مَآبًا، وَفَتَحَ لِلمُستَغفِرِينَ وَالمُشمِّرِينَ إِلَيهَا أَبوَابًا، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعلَمُوا أَنَّ هَذِهِ الجَنَّةَ العَالِيَةَ الغَالِيَةَ لَا تُنَالُ بِالأَمَانِيِّ الكَسُولَةِ وَلَا بِالنَّومِ وَالغَفلَةِ، بَل هِيَ سِلعَةُ الرَّحمَنِ الَّتِي تَطلُبُ مِنَ المُؤمِنِ هِمَّةً صَادِقَةً، وَتَوبَةً نَصُوحًا، وَمُحَافَظَةً عَلَى الفَرَائِضِ وَالصَّلَوَاتِ، وَصَبرًا عَنِ الشَّهَوَاتِ المُحَرَّمَاتِ؛ فَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن خَافَ أَدلَجَ، وَمَن أَدلَجَ بَلَغَ المَنزِلَ؛ أَلَا إِنَّ سِلعَةَ اللهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلعَةَ اللهِ الجَنَّةُ».
وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «حُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَحُجِبَتِ الجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ». فَمَن صَبَرَ سَاعَةً عَلَى مَكَارِهِ الطَّاعَةِ وَتَركِ المَعصِيَةِ فِي دُنيَا قَصِيرَةٍ، فُتِحَت لَهُ أَبوَابُ النَّعِيمِ الَّذِي لَا يَنفَدُ فِي آخِرَةٍ أَبَدِيَّةٍ؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
هَكَذَا كَانَ أَصحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَشتَمُّونَ عَبِيرَ الجَنَّةِ بِقُلُوبِهِم قَبلَ أَن يَدخُلُوهَا بِأَبدَانِهِم؛ فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ أَنَّ أَنَسَ بنَ النَّضرِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ هَتَفَ يَومَ أُحُدٍ: «الجَنَّةَ وَرَبِّ النَّضرِ، إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِن دُونِ أُحُدٍ»! وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ أَنَّ عُمَيرَ بنَ الحُمَامِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَومَ بَدرٍ يَقُولُ: «قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرضُ»، وَكَانَ فِي يَدِهِ تَمَرَاتٌ يَأكُلُهُنَّ، فَقَالَ: «لَئِن أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ»، فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمرِ ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا!
فَشَمِّرُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- إِلَى جَنَّةِ رَبِّكُم؛ بِإِخلَاصِ التَّوحِيدِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَبِرِّ الوَالِدَينِ، وَصِلَةِ الأَرحَامِ، وَحُسنِ الخُلُقِ، وَكَفِّ الأَذَى، وَكَثرَةِ الذِّكرِ وَالِاستِغفَارِ، وَسَلُوا اللهَ الفِردَوسَ الأَعلَى مِنَ الجَنَّةِ؛ فَإِنَّهُ أَعلَى الجَنَّةِ وَأَوسَطُ الجَنَّةِ، وَفَوقَهُ عَرشُ الرَّحمَنِ، وَمِنهُ تَفَجَّرُ أَنهَارُ الجَنَّةِ كَمَا أَخبَرَ الصَّادِقُ المَصدُوقُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ.
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّ الرَّحمَةِ وَإِمَامِ الهُدَى، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم جَلَّ وَعَلَا فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ: أَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ رِضَاكَ وَالجَنَّةَ، وَنَعُوذُ بِكَ مِن سَخَطِكَ وَالنَّارِ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ الفِردَوسَ الأَعلَى مِنَ الجَنَّةِ بِغَيرِ حِسَابٍ وَلَا سَابِقَةِ عَذَابٍ، وَنَسأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجهِكَ الكَرِيمِ، وَالشَّوقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ اجمَعنَا وَوَالِدِينَا وَأَزوَاجَنَا وَذُرِّيَّاتِنَا وَأَحبَابَنَا فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّركَ وَالمُشرِكِينَ، وَاحمِ حَوزَةَ الدِّينِ، وَاجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِينَ، وَفرِّج هَمَّ المَهمُومِينَ، وَاشفِ مَرضَانَا وَمَرضَى المُسلِمِينَ، وَارحَم مَوتَانَا وَمَوتَى المُسلِمِينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
الجَنَّةُ دَارُ الكَرَامَةِ وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ: خطبةُ جُمُعَةٍ قَصِيرَةٌ عَالِيَةُ المَعَانِي عَن وَصفِ الجَنَّةِ وَمَنَازِلِهَا وَأَعظَمِ نَعِيمِ أَهلِهَا
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.