🕌 إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ#خطبة_جمعة #التوكل_على_الله #اليقين #الأخذ_بالأسباب #إيمانيات #عقيدةالحمدُ للهِ الذي بِيَدِهِ مَقاليدُ السَّماواتِ والأرض، يُعطي ويَمنَع، ويَخفِضُ ويَرفَع، ولا يَخيبُ مَن عَلَّقَ رَجاءَهُ به. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يَكفي مَن تَوَكَّلَ عليه، ويَحفَظُ مَن لاذَ به ولَجأَ إليه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، إمامُ المُتَوَكِّلين، وسَيِّدُ المُوقِنين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ:تَخَيَّلوا مَعي رَجُلًا يُلقى في نارٍ تَلتَهِمُ كُلَّ شَيء، أو آخَرَ يَقِفُ أمامَ بَحرٍ هائجٍ وجَيشٍ ظالمٍ يَزحَفُ خَلفَه... وفي اللَّحظَةِ الَّتي يَنقَطِعُ فيها الأَمَلُ من كُلِّ سَبَبٍ أَرضي، تُنطِقُ الشَّفَتانِ كَلِمَةً واحِدَةً، فَيَنقَلِبُ الهَلاكُ إلى نَجاة، والمِحنَةُ إلى مِنحَة. ما هِيَ هذه الكَلِمَة؟ وكَيفَ نُحَوِّلُها إلى حَقيقَةٍ نَعيشُها في زَحْمَةِ هُمومِ الحَياةِ وقَلَقِ المُستَقبَل؟ إِجابَةٌ تَنتَظِرُ التَّأمُّلَ بَعدَ قَليل.أيُّها المؤمنون، هل سَأَلتُم أنفُسَكم يَومًا: لماذا تَضيقُ الصُّدور، وتَكثُرُ الهُموم، وتَتَزاحَمُ المَخاوِفُ في قُلوبِنا، رَغمَ كَثرَةِ الأسبابِ المادِّيَّةِ بَينَ أيدينا؟
لماذا نَنامُ ونَحنُ نَحمِلُ هَمَّ رِزقِ غَدٍ، وهَمَّ الأبناء، وهَمَّ الصِّحَّة، وهَمَّ المُستَقبَل، وكأنَّنا نُدَبِّرُ الكَونَ بِأنفُسِنا؟الخَلَلُ — يا عِبادَ الله — ليسَ في نَقصِ الأسباب، بَل في شَيءٍ عَظيمٍ فَقَدناهُ في قُلوبِنا. إنَّها عِبادَةٌ تَحيلُ الضَّعفَ قُوَّة، والفَقرَ غِنًى، والمَرَضَ رِضًا، واليَأسَ أَمَلًا. عبادةٌ إِذا سَكَنَتِ القَلبَ استَراح، وإذا فارَقَتهُ تَخَبَّطَ في دياجيرِ القَلَق. يقولُ الحَقُّ تَبارَكَ وتَعالى في مُحكَمِ كِتابِه: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159].تأمَّلوا هَذا الخِطابَ الإلهي... اللهُ جَلَّ جَلالُهُ لا يَأمُرُكَ بالتَّوَكُّلِ فَحَسْب، بَل يُعلِنُ مَحَبَّتَهُ لَكَ إِن أَنتَ فَوَّضتَ أَمرَكَ إِلَيه. أيُّ شَرَفٍ هذا؟! أن يُحِبَّكَ خَالِقُ الكَونِ لأنَّكَ اكتَفَيتَ به، واعتَمَدتَ عليه، وأَلقَيتَ حُمولَكَ على بابِه.والتَّوَكُّلُ — مَعاشِرَ المُصَلِّين — ليسَ كَلِمَةً تُقالُ باللِّسان، ولا هُوَ عَجزٌ واستِسلامٌ وخُضوعٌ لِلظُّروف. بَل هُوَ صِدقُ اعتِمادِ القَلبِ على اللهِ في استِجلابِ المَصالِحِ ودَفعِ المَضارِّ، مَعَ فِعلِ الأسبابِ المَشروعَة. يَقُولُ الإمامُ ابنُ القَيِّم رَحِمَهُ الله: "التَّوَكُّلُ نِصفُ الدِّين، والنِّصفُ الثَّاني الإنابَة، فالدِّينُ استِعانَةٌ وعِبادَة". فالعبادَةُ تَظهَرُ في طاعَتِك، والاستِعانَةُ تَتَجَلَّى في تَوَكُّلِك، ولِهَذا نَقرَأُ في كُلِّ رَكعَةٍ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.لِنَرجِع إلى مَشهدِ النَّارِ ومَشهدِ البَحر. حينَ أُلقِيَ إبراهيمُ عليهِ السَّلامُ في النَّار، ماذا قال؟ لَم يَصرُخ ولَم يَجزَع، بَل نَطَقَ بِكَلِمَةِ المُتَوَكِّلين: "حَسبِيَ اللهُ ونِعمَ الوَكيل". فَماذا كانَتِ النَّتيجَة؟ أبطَلَ اللهُ خاصيَّةَ الإحراقِ في النَّارِ لأجلِه، قالَ سُبحانَه: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69]. وحينَ حوصِرَ موسى عليهِ السَّلامُ بَينَ فِرعَونَ وجُنودِهِ مِن خَلفِه، والبَحرِ مِن أَمامِه، وقالَ قَومُهُ يائسين: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، رَدَّ بيقينِ المُتَوَكِّل: ﴿قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62]. فَشَقَّ اللهُ لَهُ في البَحرِ طَريقًا يَبَسًا.هَذا هُوَ اليَقين. لَكِن لَعَلَّكُم تَسأَلون: كَيفَ أَكونُ مُتَوَكِّلًا حَقَّ التَّوَكُّلِ وأنا مَطالَبٌ بالعَمَلِ والأَخذِ بالأسباب؟واسمَعوا لهذا التَّأصيلِ البَديعِ مِن شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميَّة رَحِمَهُ الله، حينَ فَكَّكَ هذه المُعادَلَةَ الدَّقيقَة، فَقال: "الالتِفاتُ إلى الأسبابِ شِركٌ في التَّوحيد، ومَحوُ الأسبابِ أَن تَكونَ أسبابًا نَقصٌ في العَقل، والإعراضُ عَنِ الأسبابِ المأمورِ بِها قَدحٌ في الشَّرع".
تأمَّلوها جَيِّدًا... أَن تَعتَمِدَ على راتِبِكَ أو وَظيفَتِكَ أو طَبيبِكَ وتَنسى الله، فَهَذا خَدشٌ في تَوحيدِك. وأَن تَجلِسَ في بَيتِكَ بِلا عَمَلٍ وتَقولَ "أنا مُتَوَكِّل"، فَهَذا نَقصٌ في عَقلِكَ وقَدحٌ في شَرعِ رَبِّك.أمَّا المُتَوَكِّلُ حَقًّا، فَهُوَ الذي يَبذُلُ السَّبَبَ وجَوارِحُهُ تَعمَل، وقَلبُهُ لا يَلتَفِتُ إلا إلى رَبِّ الأرباب. يُؤَكِّدُ ذَلِكَ خَيرُ البَشَرِ ﷺ حينَ قال: «لَو أَنَّكُم تَتَوَكَّلُونَ على اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُم كَما يَرزُقُ الطَّيرَ، تَغدو خِماصًا وتَروحُ بِطانًا» [رواهُ التِّرمذي].
هَلِ الطَّيرُ تَجلِسُ في عُشِّها
تَنتَظِرُ الحَبَّ يَنزِلُ مِنَ السَّماء؟ كَلَّا. قالَ النَّبيُّ ﷺ: "تَغدو".. أي تَطيرُ، وتَخرُجُ، وتَبحَثُ مِن طلوعِ الشَّمس. الجَوارِحُ تَغدو وتَعمَل، لَكِنَّ اليَقينَ مُعَلَّقٌ بِمَن يَسوقُ الرِّزق.أَيُّهَا الإخوَة، نَحنُ نَعيشُ اليَومَ في عَصرِ التَّخطيطِ والمادِّيَّة، عَصرِ التَّأمينِ الصِّحِّيِّ والتَّأمينِ الشَّامِلِ وعُقودِ العَمَل. وقَد أَصابَت هَذِه الأسبابُ المادِّيَّةُ قُلوبَ بَعضِنا بالغَفلَة. نَظُنُّ أَنَّ ذَكاءَنا هُوَ ما يَرزُقُنا، وأَنَّ شَهاداتِنا هِيَ ما تِحمِينا. حَتَّى إِذا جاءَت أَزمَةٌ لا يَنفَعُ فيها مالٌ ولا طِبٌّ، ارتَجَفَتِ القُلوبُ وضاقَتِ الأَنفاس.لِماذا؟ لأنَّ الحَبلَ الَّذي نَتَمَسَّكُ بِهِ حَبلٌ مَقطوع، ولَم نَستَمسِك بِالعُروَةِ الوُثقى. قالَ اللهُ جَلَّ وعَلا مُوَجِّهًا قُلوبَنا للمَلاذِ الآمِن: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: 58].
سُبحانَ الله! لِماذا وَصَفَ نَفسَهُ هُنا بِـ «الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ»؟ لأنَّكَ إِن تَوَكَّلتَ عَلى إنسانٍ مِثلِك، فَإمَّا أَن يَعجِز، وإمَّا أَن يَموت. وإِن تَوَكَّلتَ عَلى مالٍ، فَهُوَ إلى زَوال. وإِن تَوَكَّلتَ عَلى مَنصِب، فَالأيَّامُ دُوَل. لكِن إِن تَوَكَّلتَ عَلى الحَيِّ الَّذي لا يَموت، فَأَنتَ في حِصنٍ لا يُختَرَق، وفي كَنَفٍ لا يُضام.لِنَعودَ القَهقَرى ألفًا وأربَعَمائَةِ عام، إلى غارٍ مُظلِمٍ في جَبَلِ ثَور. قُرَيشٌ بِخَيلِها ورَجِلِها وسُيوفِها تَقِفُ عَلى بابِ الغار. أبو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، بِقَلبِ المُحِبِّ الخائف، يَنظُرُ لِأَقدامِ المُشرِكينَ فَوقَهُم، ويَقولُ بِصَوتٍ يَرتَجِف: "يا رَسولَ الله، لَو أَنَّ أَحَدَهُم نَظَرَ إلى مَوضِعِ قَدَمَيهِ لأَبصَرَنا!".
الخَطَرُ قابَ قَوسَينِ أو أَدنى. الأسبابُ المادِّيَّةُ انقَطَعَت تَمامًا. لا طَريقَ لِلهَرَب، ولا سِلاحَ لِلدِّفاع. ماذا قالَ إمامُ المُتَوَكِّلينَ ﷺ؟ هَل جَزِع؟ هَل تَرَدَّد؟ بَل نَطَقَ بِيَقينٍ صَنَعَ التَّاريخ: «يا أَبا بَكر، ما ظَنُّكَ بِاثنَينِ اللهُ ثالِثُهُما؟».
خَلَّدَ اللهُ هَذا المَوقِفَ في القُرآنِ لِنَقرَأَهُ إلى يَومِ الدِّين: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ...﴾ [التوبة: 40].وخُذوا مَشْهَدًا آخَرَ تَتَفَطَّرُ لَهُ القُلوب... وادٍ قاحِلٌ، لا ماءَ فيهِ ولا شَجَر، ولا أنيسَ ولا بَشَر. إبراهيمُ عليهِ السَّلامُ يَترُكُ زَوجَتَهُ هاجَرَ ورَضيعَها إسماعيلَ هُناك. المَرأَةُ الضَّعيفَةُ تَلحَقُ بِهِ وتُناديه: "يا إبراهيم، أينَ تَذهَبُ وتَترُكُنا في هَذا الوادي الَّذي لَيسَ فيهِ إِنسٌ ولا شَيء؟". ولَمَّا لَم يَلتَفِت استَوقَفَتهُ بالسُّؤالِ العَظيم: "آللهُ أَمَرَكَ بِهَذا؟". قال: نَعَم. هُنا انطَلَقَت كَلِمَةُ اليَقينِ المُرَصَّعَةُ بِماءِ الذَّهَب: "إِذَن لا يُضَيِّعُنا".
لَم تَجلِس هاجَرُ في مَكانِها تَنتَظِرُ السَّماءَ لِتُمطِر، بَل سَعَت بَينَ الصَّفا والمَروَة سَبعَ مَرَّاتٍ تأخُذُ بالأسباب، وقَلبُها مُعَلَّقٌ بِمَن أَمَرَ فَلَن يُضَيِّع. فَانفَجَرَ زَمزَمُ تَحتَ قَدَمَيِ الرَّضيع، وصارَت تِلكَ البُقعَةُ القاحِلَةُ مَهوَى أَفئِدَةِ الملايين إلى اليَوم.إِخوَتي الأَحِبَّة، إنَّ الثَّمَرَةَ الكُبرى لِلتَّوَكُّلِ لَيسَت فَقَط نَيلَ المَطلوب، بَل الكِفايَةُ والكِفايَةُ التَّامَّة. قالَ عَزَّ مِن قائل: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3].
هَل تَتَدَبَّرونَ كَلِمَةَ ﴿حَسْبُهُ﴾؟ أي: كافيه. إذا كانَ مَلِكُ المُلوكِ، وغَنِيُّ السَّماواتِ والأرض، وعَظيمُ الشَّأنِ هُوَ الَّذي يَكفيك... فَمِمَّ تَخاف؟
هَل تَخافُ المَرَض؟ ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾.
هَل تَخافُ الفَقر؟ ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾.
هَل تَخافُ كَيدَ النَّاس؟ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾.ولأجْلِ هَذا المَقامِ العَظيمِ لِلتَّوَكُّل، كانَ جَزاءُ المُتَوَكِّلينَ الصَّادقينَ أعظَمَ الجَزاء. يقولُ النَّبيُّ ﷺ، مُبَشِّرًا بصِنفٍ مِنَ النَّاسِ يَدخُلونَ الجَنَّةَ بِلا حِسابٍ ولا سابِقَةِ عَذاب، قال: «هُمُ الَّذينَ لا يَستَرقون، ولا يَتَطَيَّرون، ولا يَكتَوون، وعَلى رَبِّهِم يَتَوَكَّلُون» [مُتَّفَقٌ عَلَيه].
تَرَكوا ما قَد يَقدَحُ في كَمالِ يَقينِهِم، وفَوَّضوا أمورَهُم كُلَّها لله، فكافَأَهُم بِأَن أَعفاهُم مِن وُقوفِ الحِسابِ بَينَ يَدَيهِ يَومَ القِيامَة.ألا فَلنَرجِع إلى قُلوبِنا يا عِبادَ الله، ولنَسأَل أنفُسَنا بِصِدق: في أزماتِنا الماليَّة، في مَشاكِلِنا الأُسريَّة، في خَوفِنا على مُستَقبَلِ أولادِنا... إلى مَن يَذهَبُ نَبضُ القَلبِ
أوَّلًا؟
إن كانَ إلى خَلقٍ ضَعيفٍ مِثلِنا فَقَد خِبنا وخَسِرنا، وإِن كانَ إلى الخَالِقِ القَويِّ فَقَد لَجَأنا إلى رُكنٍ شَديد. قالَ سَعيدُ بنُ جُبَير رَحِمَهُ الله: "التَّوَكُّلُ على اللهِ جِماعُ الإيمان".فَرِّغ قَلبَكَ لله، واعمَل بِجَوارِحِكَ ما أمَرَكَ الله، ثُمَّ نَم مِلءَ جَفنَيك، مُوقِنًا أَنَّ سَفينَتَكَ في بَحرِ الحَياةِ لا تَسيرُ بِرياحِ الصُّدَف، بَل يَقودُها لُطفُ اللهِ ومَشيئَتُه: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 51].[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.🕌 الخطبة الثانيةالحمدُ للهِ حمداً كثيراً طيِّباً مباركاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله ﷺ. أما بعد:عباد الله، تحدثنا في خطبتنا الأولى عن منزلة التوكل على الله، ووقفنا مع معناه الحقيقي الذي يجمع بين عمل الجوارح ويقين القلب، وتأملنا كيف كان دأب الأنبياء في الملمات، وكيف ينجي التوكل العبد من أهوال الحياة ويسوق له الكفاية التامة. والآن، كيف نترجم هذا التوكل النظري إلى واقع نعيشه في بيوتنا وأعمالنا؟أوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن أنزل من منبري:الأولى (قَلبيَّة): ابدَأ يَومَكَ بتَجريدِ قَلبِكَ لله عند خُروجِك من بَيتك — قُل بِيقين: "بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله". قال ﷺ: «يُقالُ لَهُ: هُديتَ وكُفيتَ ووُقيتَ، وتَنَحَّى عنه الشَّيطان» [رواه أبو داود]. هذا ليس مجرد دعاء، بل درعٌ يحميك في عملك وطريقك، فإن واجهتك مشكلة في نهارك تذكر أنك في كفاية الله، فلا تضق ذرعاً.الثانية (لِسانيَّة): داوِم عَلى قَولِ "حَسبُنا اللهُ ونِعمَ الوَكيل". فهي الكلمة التي تطفئ نار المخاوف كما أطفأت نار الخليل إبراهيم. حين يقلقك رزقك، أو يُظلم حقك، رددها بلسانك مستحضراً معناها في قلبك، وسترى كيف ينقلب الخوف إلى طمأنينة وسكينة كما قال تعالى: ﴿فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: 174].الثالثة (عَمَليَّة): قُم واعمَل وواجه تحدياتك متوكلاً لا متواكلاً. قال ﷺ: «احرِص عَلى ما يَنفَعُك واستَعِن بِاللهِ ولا تَجزَع» [رواه مسلم]. لا تجلس في بيتك تنتظر الفرج مدعياً التوكل، فالسماء لا تمطر ذهباً ولا فضة. ابذل قصارى جهدك في دراستك وعملك وعلاج مرضك، واجعل اعتمادك في النتيجة على من بيده مقاليد الأمور.الرابعة (اجتماعيَّة): فَرِّغ هَمَّكَ تُجاهَ أُسرَتِكَ وعلاقاتك في ميزان التوكل. في تربيتك لأبنائك، ازرع فيهم التوكل، واستودعهم الله. فالله خيرٌ حافظاً وهو أرحم الراحمين. حين تخاف على مستقبل أبنائك وبناتك في هذا الزمان المليء بالفتن، قم بواجب النصح والتربية، ثم فوّض أمرهم إلى خالقهم، فهو أرحم بهم منك.الخامسة (موضوعيَّة): ارضَ باختيار الله لك بعد بَذل السَّبَب. لأن المتوكل حقاً يرضى بما يقسمه الله له، معتقداً أن الله يعلم وهو لا يعلم. إن خسرت صفقة، أو تأخر لك رزق، أو تعثرت لك أمنية، فقل بقناعةٍ تامة: "لعل الله أراد بي خيراً صرفني به عن شر لا أعلمه"، فالتوكل الحقيقي ينتهي دائماً بالرضا.فاتقوا الله عباد الله، واحذروا من الركون إلى الأسباب ونسيان المسبب، فإن من تعلّق بشيء وُكِل إليه، ومن توكل على الله كفاه.ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم اجعلنا من المتوكلين عليك حق التوكل، المنيبين إليك حق الإنابة.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك، ولا تَكِلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحدٍ من خلقك طرفة عين ولا أقل من ذلك.
اللهم اربط على قلوبنا باليقين، واجعلنا ممن إذا أنعمت عليهم شكروا، وإذا ابتليتهم صبروا، وإذا أذنبوا استغفروا.
اللهم فرّج هم المهمومين من المسلمين، ونفّس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين.
اللهم احفظ المستضعفين والمظلومين من المسلمين في كل مكان، وانزل عليهم نصرك وتأييدك، واجعل لهم من كل همٍّ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلاءٍ عافية.
اللهم اجعلنا في كنفك وحفظك ورعايتك، وتوفنا وأنت راضٍ عنا يا أرحم الراحمين.عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
وأقم الصلاة.✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها
الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.