🕌 لا تَحزَن إِنَّ اللَّهَ مَعَنا... سَكِينَةُ القُلُوبِ في زَمَنِ الخُطُوب
#خطبة_جمعة #معية_الله #لا_تحزن #اليقين #الصبر #الرقائق #الإيمانيات #حسن_الظن_بالله
الحمدُ للهِ مُفَرِّجِ الكُرُوب، وغَفَّارِ الذُّنُوب، وسَتَّارِ العُيُوب، الحمدُ للهِ الذي قَرُبَ مِمَّن دَعاهُ فأجاب، ولَطَفَ بِمَن لاذَ بِحِماهُ وتاب، جَعَلَ المَعِيَّةَ سَكِينَةً للمُتَّقين، واليَقِينَ عِصمَةً للمُتَوَكِّلين. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، شَهادةَ مَن آمَنَ بِقَضائِه، ورَضِيَ بِعَطائِه، واستَغنى بِفَضلِهِ عَمَّن سِواهُ. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسُولُه، إمامُ المُتَوَكِّلين، وسَيِّدُ المُوقِنِين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ الطَّيِّبين، وصَحابَتِهِ الأكْرَمِين، ومَن تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين.
أمَّا بعدُ:
أيها الإخوة، في حياةِ كلِّ واحدٍ منَّا زاويةٌ مُظلِمة، ولحظةٌ يَشعُر فيها أنَّ الأبوابَ كلَّها قد أُغلِقَت، وأنَّ الأرضَ بما رَحُبَت قد ضاقَت عليه، وأنَّ أثقالَ الهُمومِ قد كَسَرَت ظَهرَه. في تلك اللحظة الخانقة، تَقفزُ إلى القلب كَلِماتٌ رَبَّانيَّةٌ قادرةٌ على انتشالِ الروح من سَحْقِ اليأسِ إلى رَحابةِ اليقين. كيف نُطفِئُ نيرانَ المآسي بحَرفَين من كتاب الله؟ وكيف نَستَجلِبُ مَعيَّةَ مَلِكِ المُلوكِ لنَخرُجَ من ضيق المِحَن؟ الجوابُ يَسكنُ في صَدرِ غارٍ مُظلِم، نَقفُ على بابه بعد قليل.
أيُّها المُسلِمون، قِفُوا معي بقُلوبِكم وأرواحِكم عند مَشهَدٍ تَهتَزُّ لهُ الجِبال. ظَلامٌ دامِس، وصَحراءُ مُوحِشة، ومُطارَدَةٌ شَرِسَة. قُرَيشٌ بِخَيلِها ورَجِلِها، بِسُيُوفِها ورِماحِها، تَستَنفِرُ كُلَّ طاقَتِها لِقَتلِ رَجُلَين. الجائِزَةُ مِئَةُ ناقَةٍ لِمَن يَأتِي بهِما حَيَّينِ أو مَيِّتَين. المَكانُ: غارُ ثَور، شَقٌّ صَغيرٌ في جَبَلٍ أصَمّ. الأنفاسُ مَحبُوسَة، والأقدامُ تَقتَرِب. المُشرِكون يَقِفون على بابِ الغار، حتَّى إنَّ أحَدَهُم لو نَظَرَ إلى مَوضِعِ قَدَمِه لأَبصَرَهُما.
في هذه اللحظة التي تَبْلُغُ فيها القُلوبُ الحَناجِر، يَلتَفِتُ الصِّدِّيقُ أبو بكرٍ رضي الله عنه إلى حَبيبِهِ وقُرَّةِ عَينِهِ رسولِ الله ﷺ. أبو بكرٍ لا يَبكي خَوفًا على نَفسِهِ — حاشاهُ وهو شُجاعُ أُمَّةِ مُحمَّد — بل يَبكي ويَحزَنُ على رسولِ الله ﷺ؛ لأنَّه يَعلَمُ أنَّه إن هَلَكَ هو، هَلَكَ رَجُل، وإن هَلَكَ رسولُ الله، هَلَكَت الأُمَّةُ وماتَتِ الرِّسالة. تَرتَجِفُ شَفَتَا الصِّدِّيقِ ويَقول: "يا رسولَ الله، لو أنَّ أَحَدَهُم نَظَرَ تَحتَ قَدَمَيهِ لأَبصَرَنا".
فماذا كان الجَواب؟ هل ارتَبَكَ القائِد؟ هل بَحَثَ عن مَخرَجٍ طوارئ؟ هل انهَارَت قُواه؟
اسمعوا إلى الكَلِماتِ التي خَلَّدَها الوَحي، الكَلِماتِ التي نَزَلَت بَردًا وسَلامًا على قَلبِ الصِّدِّيق، وعلى قَلبِ كُلِّ مُؤمِنٍ إلى يَومِ القِيامَة. يَنظُرُ النَّبيُّ ﷺ إلى صاحِبِه، بِعَينٍ تَملَؤُها السَّكِينَة، وبِقَلبٍ يَفيضُ بالثِّقَةِ في مالِكِ السَّماواتِ والأرض، ويَقول: «يا أبا بكرٍ، ما ظَنُّكَ باثنَينِ اللهُ ثالِثُهُما؟».
ويُسَجِّلُ القُرآنُ هذا المَشهَدَ في آيَةٍ تَهتَزُّ لها شِغافُ القُلوب، يقولُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 40].
تَأمَّلوا... ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.
لماذا قال: "لا تَحزَن" ولم يَقُل "لا تَخَف"؟ قال الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رحمه الله في مَدارِجِ السَّالِكين: "إنَّ الحُزنَ يُضعِفُ القَلب، ويُوهِنُ العَزم، ويَضُرُّ الإرادَة، ولا شَيءَ أحَبُّ إلى الشَّيطانِ مِن حُزنِ المُؤمِن... فالحُزنُ مَرَضٌ مِن أمراضِ القَلب". الصِّدِّيقُ كان حَزينًا على المآل، حَزينًا على الدَّعوَة. فجاءَ العِلاجُ النَّبَويُّ الحاسِم: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.
أخِي المُؤمِن، هَل سَألتَ نَفسَكَ يَومًا: ما مَعنى أن يَكونَ اللهُ "مَعَك"؟
المَعيَّةُ في القُرآنِ نَوعان: مَعيَّةٌ عامَّةٌ لِجَميعِ الخَلقِ بِالعِلمِ والإحاطَةِ والرُّؤيَة؛ ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: 4]. يَعلَمُ حَرَكاتِ الكافِرِ والمُؤمِن.
لكنَّ هُناكَ مَعيَّةً أُخرى... مَعيَّةٌ خاصَّةٌ، مَعيَّةٌ عُلوِيَّة، مَعيَّةٌ لا يَنالُها إلَّا المُصطَفَون، مَعيَّةُ الحِفظِ والنَّصرِ والتَّأييدِ والرِّعايَة، مَعيَّةُ التَّثبيتِ والدِّفاع. وهذه لا تَكونُ إلَّا للمُؤمِنين، للمُتَّقين، للصَّابِرين، للمُحسِنين.
يقولُ اللهُ عَزَّ وجَلّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128]. ويقول: ﴿وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46].
مَن كانَ اللهُ مَعَهُ، فَمَن عَلَيه؟ ومَن فَقَدَ اللهَ، فماذا وَجَد؟
واللهِ لو كِدْتَ لكَ السَّماواتُ والأرضُ والجِبال، ولو اجتَمَعَ الإنسُ والجِنُّ على أن يَضُرُّوكَ، وأنتَ تَأوِي إلى رُكنٍ شَديد، وتَعتَصِمُ بِمَعيَّةِ المَجيد، لجَعَلَ اللهُ لكَ مِن بَينِ أطباقِ الهَلاكِ فَرَجًا ومَخرَجًا.
ألا تَتَفَكَّرون في صَنيعِ أنبِياءِ اللهِ حينَ ادلَهَمَّت بِهِمُ الخُطُوب، كيفَ استَحضَرُوا هذه المَعيَّةَ فكانَت طَوقَ النَّجاة؟
انظُرُوا إلى الكَليمِ مُوسَى عليه السَّلام. يَخرُجُ بِبَني إسرائيل هَرَبًا مِن ظُلمِ فِرعَون. وفَجأةً... يَصِلُونَ إلى شاطِئِ البَحرِ الأحمَر. البَحرُ الهائِجُ أمامَهُم، وجَيشُ فِرعَون الجَبَّارِ المُدَجَّجِ بِالسِّلاحِ خَلفَهُم. لا سُفُنَ للعُبور، ولا مَلاجِئَ للاختِباء. نَظَرَ بَنو إسرائيل فَرَأَوا المَوتَ المُحَقَّقَ يَزحَفُ نَحوَهُم. صَرَخُوا في حالةٍ مِنَ الرُّعبِ واليأسِ الانهِزامِيّ: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: 61]! انتَهى الأمر، الهَلاكُ حَتمِيّ!
لكن ماذا قالَ مُوسَى؟ الرَّجُلُ الذي يَتَنَفَّسُ اليَقين، الرَّجُلُ الذي يَعرِفُ مَعنى المَعيَّة. لم يَلتَفِت لِقُوَّةِ فِرعَون، ولم يَنظُر إلى أمواجِ البَحر. بَل نَظَرَ بِقَلبِهِ إلى السَّماء، وأطلَقَ كَلِمَةً زَلزَلَت قوانينَ المادَّةِ وأسبابَ الطَّبيعَة: ﴿قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62].
﴿كَلَّا﴾... حَرفُ رَدعٍ وزَجرٍ لليأس. ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾. نَفسُ الكَلِمَة: المَعيَّة! وما دامَ اللهُ مَعي، فلَن أضيع. فماذا كانتِ النَّتيجَة؟ هل تَأخَّرَ الفَرَج؟
﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: 63]. انفَلَقَ البَحرُ! الماءُ السَّائِلُ أصبَحَ جِبالًا مُتَجَمِّدَة، والأرضُ المُوحِلَةُ أصبَحَت طَريقًا يَبَسًا. أُنقِذَ مُوسَى ومَن مَعَهُ بِمَعيَّةِ الله، وأُغرِقَ فِرعَونُ ومَن مَعَهُ لأنَّهم حارَبُوا الله.
واسمَعُوا لِهَذا الحَديثِ العَظيمِ الذي يَرويهِ لنا ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: كُنتُ خَلفَ رَسولِ اللهِ ﷺ يَومًا، فقال: «يا غُلامُ إنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِماتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجاهَكَ...» إلى أن قال: «وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» (رواهُ التِّرمِذيُّ وقال: حَسنٌ صَحيح).
«احفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجاهَك»... هذه هي المَعيَّة! أن يَكونَ اللهُ أمامَك، يَحرُسُك، ويُدَبِّرُ أمرَك، ويَدفَعُ عَنك.
عِبادَ الله، كَم مِن مَكروبٍ نَزَلَت بِهِ نازِلَة، فَظَنَّ أنَّ لا مَخرَجَ منها، ثُمَّ تَذَكَّرَ أنَّ اللهَ مَعَه فَانقَشَعَتِ الظُّلُمات!
تَأمَّلوا مَعي قِصَّةَ نَبِيِّ اللهِ يُونُسَ عليه السَّلام. التَقَمَهُ الحُوتُ الضَّخمُ في أَعماقِ المُحيط. ثَلاثُ ظُلُماتٍ مَحكومَةُ الإغلاق: ظُلمَةُ اللَّيلِ البَهيم، وظُلمَةُ قاعِ البَحرِ العَميق، وظُلمَةُ بَطنِ الحُوتِ الخانِقَة. أينَ المَهرَب؟ مَن يَسمَعُ الصَّوت؟ مَن يُبصِرُ المَكان؟ لوِ اجتَمَعَت قِوَى الأَرضِ بِرُمَّتِها لإنقاذِه لَعَجَزَت.
لكنَّ يُونُسَ كان يَعرِفُ مَن يَسمَعُ النِّداء، ويَعرِفُ مَن لا تَحجُبُهُ الظُّلُمات، لَجَأَ إلى الذي هُوَ مَعَهُ في أعمَقِ أعماقِ المُحيط: ﴿فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87].
فماذا كانَتِ الاستِجابَةُ مِنَ العَلِيِّ الأعلَى؟ ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: 88].
قال الحَسَنُ البَصريُّ رحمه الله: "واللهِ ما نَجَّاهُ إلَّا صِدقُ اللُّجُوءِ واليَقين، وإنَّ اللهَ جَعَلَها سُنَّةً باقِيَةً للمُؤمِنينَ إلى يَومِ القِيامَة بِقَولِه: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾".
ألا يا مَن أغلَقَتِ الدُّنيا في وَجهِهِ أبوابَها، يا مَن ضاقَت عَلَيهِ حِيلَتُه، يا مَن تَرَاكَمَت عَلَيهِ الدُّيُون، يا مَن فَقَدَ حَبيبًا أو قَريبًا، يا مَن ابتُلِيَ بِمَرَضٍ أتعَبَ جَسَدَه، ويا مَن يَنظُرُ إلى جِراحِ أُمَّتِهِ وألَمِ إخوانِهِ في كُلِّ مَكانٍ فَيَعتَصِرُ قَلبُهُ حُزنًا وألَمًا... قِفْ وقُول: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.
نَحنُ لَسنا وَحدَنا في هَذا الكَونِ الفَسيح. هُناكَ مَلِكٌ يُدَبِّرُ الأمر، وهُناكَ حَكيمٌ يَضَعُ كُلَّ شَيءٍ في نِصابِه، وهُناكَ رَحيمٌ لا يَرضَى لِعِبادِهِ العَنَت.
إنَّ الحُزنَ إذا تَمَكَّنَ مِنَ القَلب، أطفَأَ نُورَ الإيمان، وأَنسَى العَبدَ نِعَمَ الرَّحمن. ولِذلك كانَ مِن دُعاءِ النَّبِيِّ ﷺ الدَّائِم: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ» (رواهُ البُخارِي).
ألم تَسمَعُوا إلى شِعرِ العارِفين، الذينَ امتَلَأت قُلوبُهم بِمَحَبَّةِ اللهِ ومَعيَّتِه، كَيفَ يُناجُونَ رَبَّهُم حينَ تَنزِلُ الشَّدائِد؟
يقولُ القائِلُ مُناجِيًا رَبَّهُ ومُتَذَلِّلًا بَينَ يَدَيه، ومُمتَدِحًا عَظَمَتَه:
يَا مَن يَرى ما في الضَّميرِ ويَسمَعُ * أنتَ المُعَدُّ لِكُلِّ ما يُتَوقَّعُ
يا مَن يُرَجَّى للشَّدائِدِ كُلِّها * يا مَن إلَيهِ المُشتَكَى والمَفزَعُ
يَا مَن خَزائِنُ رِزقِهِ في قَولِ كُن * امنُن فإنَّ الخَيرَ عِندَكَ أجمَعُ
مالِي سِوَى فَقري إلَيكَ وَسِيلَةٌ * فَبِالافْتِقَارِ إلَيكَ فَقري أَدفَعُ
مَالِي سِوَى قَرعِي لِبابِكَ حِيلَةٌ * فَلَئِن رُدِدتُ فأيَّ بابٍ أقرَعُ؟
نَعَم، أيَّ بابٍ نَقرَع إن أُغلِقَ بابُ الله؟ وأيَّ مَعيَّةٍ نَرجُو إن فَقَدنا مَعيَّةَ الله؟
قال الشَّافعيُّ رحمه الله:
وَلَرُبَّ نَازِلَةٍ يَضِيقُ لَهَا الْفَتَى * ذَرْعًا وَعِنْدَ اللَّهِ مِنْهَا الْمَخْرَجُ
ضَاقَتْ فَلَمَّا اسْتَحْكَمَتْ حَلَقَاتُهَا * فُرِجَتْ وَكُنْتُ أَظُنُّهَا لَا تُفْرَجُ
أيُّها المَكروب، أيُّها المُبتَلى، كَيفَ تَحزَنُ وأنتَ تَسجُدُ للهِ في اليَومِ واللَّيلَة؟ كَيفَ تَحزَنُ وبابُ الدُّعاءِ مَفتُوح؟ كَيفَ تَحزَنُ واللهُ سُبحانَهُ يَنزِلُ إلى السَّماءِ الدُّنيا في ثُلُثِ اللَّيلِ الآخِرِ يُنادِي: «هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟».
اليَقينُ المَطلوبُ مِنَّا لَيسَ أن لا نَتَألَّم... فَالأنبِياءُ تَألَّموا، ويَعقوبُ عليه السَّلامُ ابيضَّت عَيناهُ مِنَ الحُزن. ولكنَّ اليَقينَ أن لا يَجعَلَنا الألَمُ نَيأسُ مِن رَوحِ الله. ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87].
أسألُ اللهَ العَظيمَ أن يَجعَلَنا مِمَّن إذا ابتُلُوا صَبَروا، وإذا أُعطُوا شَكَروا، وإذا أذنَبُوا استَغفَروا. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، جَعَلَ مَعَ العُسرِ يُسرًا، وبَعدَ الضِّيقِ فَرَجًا، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمعين. أمَّا بعدُ:
عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عَن أسرارِ المَعيَّة، ووَقَفنا مَعَ قَولِهِ ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، وكَيفَ أنَّ هذه الكَلِمَةَ كانَت حِصنَ الأنبِياءِ وسَلوانَ الصَّالِحين، وكَيفَ حَوَّلَتِ الغارَ المُظلِمَ إلى مَأمَن، والبَحرَ المُهلِكَ إلى طَريق، وبَطنَ الحُوتِ إلى مَسجِد. والآن، ونَحنُ نُواجهُ أمواجَ الحَياةِ المُتَلاطِمَة، كيفَ نُتَرجِمُ هذا المَعنى إلى واقِعٍ نَعيشُه؟
أُوصيكُم قَبلَ أن تُغادِروا مُصَلَّاكُم هذا بِخَمسٍ نُحَقِّقُ بِها مَعيَّةَ الله:
الأولى (قَلبيَّة): جَدِّد يَقينَكَ بِاللهِ في كُلِّ أزمَة، واعلَم أنَّ ما أخطَأَكَ لم يَكُن لِيُصيبَك، وما أصابَكَ لم يَكُن لِيُخطِئَك. إذا نَزَلَت بِكَ الخُطُوب، فقُل لِقَلبِكَ قَبلَ لِسانِك: يا قَلبُ لا تَحزَن، إنَّ اللهَ مَعَنا!
الثانية (لِسانيَّة): رَطِّب لِسانَكَ دائِمًا بِكَلِمَةِ المُتَوَكِّلين: "حَسبُنا اللهُ ونِعمَ الوَكيل". قالَها إبراهيمُ في النَّارِ فجَعَلَها اللهُ بَردًا وسَلامًا، وقالَها أصحابُ مُحمَّدٍ في أُحُد ﴿فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾.
الثالثة (عَمَليَّة): إذا حَزَبَكَ أمرٌ، أو دَهَمَكَ حُزن، فَافزَع إلى الصَّلاة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153]. السَّجدَةُ في جَوفِ اللَّيلِ تَسحَبُ الحُزنَ مِنَ القَلبِ كما يُسحَبُ الخَيطُ مِنَ العَجين.
الرابعة (اجتماعيَّة): كُن أنتَ يَدَ الرَّحمَةِ لِغَيرِك. إذا رَأيتَ مَكروبًا فنَفِّس عَنه، وإذا رَأيتَ مَهمومًا فَواسِه. قال ﷺ: «ومَن فَرَّجَ عن مُسلمٍ كُربَةً فَرَّجَ اللهُ عنهُ كُربَةً مِن كُرَبِ يَومِ القيامة، واللهُ في عَونِ العَبدِ ما كانَ العَبدُ في عَونِ أخيه». بِمُساعَدَتِكَ لِلنَّاسِ، تَستَجلِبُ مَعيَّةَ اللهِ لك.
الخامسة (موضوعيَّة): لا تَدَع نَشَراتِ الأخبار، وآلامَ الأمَّة، وجِراحَ المُستَضعَفينَ تَدفَعُكَ لِلقُنوط. بَلِ اجعَلها وَقودًا للدُّعاءِ، والعَمَل، ونُصرَةِ المَظلومِ بما تَستَطيع. أمَّتُنا لا تَموت، لأنَّ مَن تَكفَّلَ بِحِفظِها هو الحَيُّ الذي لا يَموت، واللهُ مَعَ المُستَضعَفينَ ولَو خَذَلَهُم أهلُ الأرضِ أجمَعون.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ التَّقوى هي بابُ المَعيَّةِ الأكبَر، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عليه، عَمَلًا بِقَولِهِ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحَمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ الطَّيِّبينَ الطَّاهِرين، ومَن تَبِعَهُم بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ مَعيَّتَكَ التي لا يُضامُ مَن لاذَ بِها، اللَّهُمَّ كُن مَعَنا ولا تَكُن عَلَينا، وآثِرنا ولا تُؤثِر عَلَينا، وانصُرنا ولا تَنصُر عَلَينا.
اللَّهُمَّ فَرِّج هُمُومَ المَهمومينَ مِنَ المُسلمين، ونَفِّس كُروبَ المَكروبين، واقضِ الدَّينَ عَنِ المَدينين، واشفِ مَرضانا ومَرضَى المُسلمين.
اللَّهُمَّ مَن نَزَلَ بِهِ حُزنٌ فَأبدِلهُ فَرَحًا، ومَن طافَ بِهِ خَوفٌ فَأبدِلهُ أمَانًا، ومَن أثقَلَهُ مَرَضٌ فَاكتُب لَهُ شِفاءً لا يُغادِرُ سَقَمًا.
اللَّهُمَّ احفَظ إخوانَنا المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ في كُلِّ مَكان، اللَّهُمَّ اربِط على قُلوبِهم، وثَبِّت أقدامَهم، وأنزِل سَكينَتَكَ عَلَيهم، اللَّهُمَّ إنَّهم حُفاةٌ فاحمِلهُم، وجِياعٌ فَأطعِمهُم، ومَظلومونَ فانتَصِر لَهُم يا قَوِيُّ يا عَزيز.
اللَّهُمَّ رُدَّنا إليكَ رَدًّا جَميلًا، واجعَلنا مِمَّن إذا سَمِعَ القَولَ اتَّبَعَ أحسَنَه.
عِبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عَنِ الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون.
وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.