من مكتبة مِداد الخطيب

القِمَارُ الرَّقَمِيُّ وَوَهمُ الرِّبحِ السَّرِيعِ: التَّحذِيرُ مِنَ المَيسِرِ وَالمُرَاهَنَاتِ الإِلِكترُونِيَّةِ وَحِمَايَةُ الأُسرَةِ مِن ضَيَاعِ المَالِ

مشاركة
القِمَارُ الرَّقَمِيُّ وَوَهمُ الرِّبحِ السَّرِيعِ: التَّحذِيرُ مِنَ المَيسِرِ وَالمُرَاهَنَاتِ الإِلِكترُونِيَّةِ وَحِمَايَةُ الأُسرَةِ مِن ضَيَاعِ المَالِ الحَمدُ للهِ العَلِيمِ الحَكِيمِ، الَّذِي أَحَلَّ لِعِبَادِهِ الطَّيِّبَاتِ مِنَ المَكَاسِبِ وَالأَرزَاقِ، وَحَرَّمَ عَلَيهِمُ الخَبَائِثَ وَأَكلَ الأَموَالِ بِالبَاطِلِ وَالغَرَرِ وَالمِحَاقِ، وَقَرَنَ المَيسِرَ بِالخَمرِ وَالأَنصَابِ وَالأَزلَامِ لِيَقطَعَ دَابِرَ الفِتنَةِ وَالإِملَاقِ، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَهُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ عَلَى الإِطلَاقِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَرَعَ السَّعيَ فِي الأَرضِ طَرِيقًا شَرِيفًا لِلكَسبِ وَالإِنفَاقِ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، الَّذِي سَدَّ كُلَّ ذَرِيعَةٍ تُفضِي إِلَى القِمَارِ وَتَبدِيدِ الأَموَالِ وَإِفسَادِ الأَخلَاقِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ السَّادَةِ الأَتقِيَاءِ السُّبَّاقِ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ التَّلَاقِ. أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم أَيُّهَا النَّاسُ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي أَموَالِكُم وَعُقُولِكُم وَشَبَابِكُم، وَاحذَرُوا مَكَائِدَ الشَّيطَانِ الَّذِي يُزَيِّنُ الحَرَامَ فِي قَوَالِبَ بَرَّاقَةٍ، يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ المَائِدَةِ فِي نِداءٍ حَاسِمٍ يَهَزُّ الضَّمَائِرَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: فِي زَمَنٍ كَانَ المَيسِرُ وَالقِمَارُ فِيهِ مَحصُورًا فِي أَوكَارٍ مُظلِمَةٍ يَستَحيِي العَاقِلُ أَن يَمُرَّ بِأَبوَابِهَا، خَرَجَ عَلَى النَّاسِ اليَومَ طَاعُونٌ جَدِيدٌ، وَفِتنَةٌ عَميَاءُ تَتَسَلَّلُ فِي صَمتٍ إِلَى غُرَفِ النَّومِ وَجُيُوبِ الشَّبَابِ وَالرِّجَالِ بَل وَالأَطفَالِ؛ إِنَّهُ «القِمَارُ الرَّقَمِيُّ وَالمُرَاهَنَاتُ الإِلِكترُونِيَّةُ»! لَم يَعُدِ المُقَامِرُ اليَومَ يَحتَاجُ إِلَى السَّفَرِ أَو دُخُولِ صَالَةٍ مَشبُوهَةٍ؛ بَل أَصبَحَت صَالَةُ القِمَارِ مَحمُولَةً فِي هَاتِفِهِ، تُلَاحِقُهُ بِالإِعلَانَاتِ المُلَوَّنَةِ، وَتَعِدُهُ بِالثَّرَاءِ الفَورِيِّ وَالرِّبحِ السَّرِيعِ بِضَغطَةِ زِرٍّ وَاحِدَةٍ! تَأَمَّلُوا - يَا عِبَادَ اللهِ - أَشكَالَ هَذَا الفَخِّ الخَبِيثِ الَّذِي أَطبَقَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الغَافِلِينَ: تَطبِيقَاتٌ لِلمُرَاهَنَاتِ الرِّيَاضِيَّةِ يَضَعُ فِيهَا الشَّابُّ مَالَهُ رِهَانًا عَلَى نَتِيجَةِ مُبَارَاةٍ أَو رَكلَةِ كُرَةٍ! وَأَلعَابٌ إِلِكترُونِيَّةٌ وَصَنَادِيقُ حَظٍّ مَجهُولَةٌ يَدفَعُ فِيهَا المَالَ الحَقِيقِيَّ عَلَى مُخَاطَرَةٍ مَحضَةٍ إِمَّا أَن يَغنَمَ أَو يَغرَمَ! وَمَنَصَّاتٌ وَهمِيَّةٌ تَتَسَتَّرُ بِعَنَاوِينِ «التَّدَاوُلِ السَّرِيعِ وَالخِيَارَاتِ الثُّنَائِيَّةِ وَالمُسَابَقَاتِ»، لَا بَيعَ فِيهَا وَلَا شِرَاءَ وَلَا سِلعَةَ وَلَا إِنتَاجَ، بَل هِيَ مُقَامَرَةٌ صِرْفَةٌ عَلَى صُعُودِ مُؤَشِّرٍ أَو هُبُوطِهِ فِي ثَوَانٍ مَعدُودَةٍ! وَكَيفَ يَعمَلُ هَذَا الشَّرَكُ الشَّيطَانِيُّ؟ يَبدَأُ الضَّحِيَّةُ بِمَبلَغٍ صَغِيرٍ يَظُنُّهُ تَجرِبَةً أَو تَسلِيَةً، فَتَمنَحُهُ خَوَارِزمِيَّاتُ الخِدَاعِ رِبحًا سَرِيعًا فِي البِدَايَةِ لِيَبتَلِعَ الطُّعمَ! فَتَشتَعِلُ فِي دِمَاغِهِ نَشوَةُ الطَّمَعِ وَوَهمُ الغِنَى السَّهلِ بِلَا تَعَبٍ وَلَا عَمَلٍ، فَيَضَعُ رَاتِبَهُ كُلَّهُ فَيَخسَرُهُ فِي دَقَائِقَ! وَهُنَا تَبدَأُ مَأسَاةُ «مُطَارَدَةِ الخَسَارَةِ»؛ فَيُوهِمُهُ الشَّيطَانُ أَنَّ الضَّربَةَ القَادِمَةَ سَتُعَوِّضُ كُلَّ مَا فَاتَ، فَيَسحَبُ مُدَّخَرَاتِ أُسرَتِهِ، ثُمَّ يَبِيعُ ذَهَبَ زَوجَتِهِ، ثُمَّ يَستَدِينُ مِن أَصدِقَائِهِ وَيَغرقُ فِي القُرُوضِ، وَهُوَ سَاهِرٌ طُولَ اللَّيلِ يُحَدِّقُ فِي الشَّاشَةِ بِعَينَينِ زَائِغَتَينِ وَقَلبٍ يَرتَجِفُ، حَتَّى يَصحُوَ عَلَى كَارِثَةٍ مَاحِقَةٍ قَد هَدَمَت بَيتَهُ، وَشَرَّدَت أَولَادَهُ، وَأَذهَبَت دِينَهُ وَعَقلَهُ وَمَالَهُ! عِبَادَ اللهِ: لَقَد سَمَّى القُرآنُ الكَرِيمُ القِمَارَ «مَيسِرًا» مِنَ اليُسرِ وَالسُّهُولَةِ؛ لِأَنَّ المُقَامِرَ يَطلُبُ أَخذَ المَالِ بِيُسرٍ بِلَا كَدٍّ وَلَا تِجَارَةٍ وَلَا صَنعَةٍ! وَلِذَلِكَ أَجمَعَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَأَئِمَّةُ الإِسلَامِ عَلَى أَنَّ العِبرَةَ فِي المَيسِرِ لَيسَت بِاسمِهِ وَلَا بِالأَدَاةِ الَّتِي يُلعَبُ بِهَا؛ أَهيَ قِدَاحُ الجَاهِلِيَّةِ أَم شَاشَاتُ الهَوَاتِفِ الذَّكِيَّةِ! قَالَ أَئِمَّةُ التَّابِعِينَ طَاوُوسٌ وَمُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ رَحِمَهُمُ اللهُ كَمَا رَوَى الطَّحَاوِيُّ وَغَيرُهُ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ: «كُلُّ شَيءٍ فِيهِ قِمَارٌ فَهُوَ مِنَ المَيسِرِ، حَتَّى لَعِبِ الصِّبيَانِ بِالجَوزِ»! وَحَدَّدَ شَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ فِي «مَجمُوعِ الفَتَاوَى» الضَّابِطَ الفِقهِيَّ الدَّقِيقَ لِلقِمَارِ فَقَالَ: «القِمَارُ مَعنَاهُ أَن يُؤخَذَ مَالُ الإِنسَانِ وَهُوَ عَلَى مُخَاطَرَةٍ هَل يَحصُلُ لَهُ عِوَضُهُ أَو لَا يَحصُلُ لَهُ»! فَكُلُّ مُعَامَلَةٍ أَو لُعبَةٍ أَو مُرَاهَنَةٍ أَو مُسَابَقَةٍ تَدفَعُ فِيهَا مَالًا وَأَنتَ مُتَرَدِّدٌ بَينَ أَن تَخرُجَ غَانِمًا لِمَالِ غَيرِكَ بِالحَظِّ أَو غَارِمًا لِمَالِكَ هَدَرًا، فَهِيَ مِنَ المَيسِرِ المُحَرَّمِ قَطعًا! وَانظُرُوا - يَا رَعَاكُمُ اللهُ - إِلَى شِدَّةِ تَغلِيظِ الشَّرِيعَةِ فِي أَمرِ القِمَارِ؛ حَتَّى إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ مُجَرَّدَ النُّطقِ بِدَعوَةِ القِمَارِ ذَنبًا يَستَوجِبُ الكَفَّارَةَ بِالصَّدَقَةِ وَإِن لَم يَقَعِ اللَّعِبُ أَصلًا، وَقَرَنَهُ بِالحَلِفِ بِأَصنَامِ الجَاهِلِيَّةِ! فَفِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَن حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: وَاللَّاتِ وَالعُزَّى، فَلْيَقُل: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَمَن قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِركَ، فَلْيَتَصَدَّق»! اللهُ أَكبَرُ! تَأَمَّلُوا هَذَا الحَدِيثَ العَظِيمَ: مَن زَلَّ لِسَانُهُ فَحَلَفَ بِاللَّاتِ وَالعُزَّى يُطَهِّرُ لِسَانَهُ بِكَلِمَةِ التَّوحِيدِ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، وَمَن زَلَّ لِسَانُهُ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ: «تَعَالَ أُقَامِركَ» أَو «تَعَالَ نَتَرَاهَن بِمَالٍ»، أُمِرَ أَن يُطَهِّرَ مَالَهُ وَنَفسَهُ بِالصَّدَقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ! فَإِذَا كَانَ مُجَرَّدُ القَولِ بِاللِّسَانِ يُوجِبُ الصَّدَقَةَ كَفَّارَةً لَهُ، فَمَا بَالُكُم بِمَن يَغُوصُ فِي تَطبِيقَاتِ القِمَارِ وَالمُرَاهَنَاتِ لَيلًا وَنَهَارًا، أَو يُرَوِّجُ لَهَا بَينَ الشَّبَابِ بِالإِعلَانَاتِ وَرَوَابِطِ الإِحَالَةِ لِيَأكُلَ مِن حُطَامِ الضَّحَايَا؟! وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَمُسنَدِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ الخَمرَ وَالمَيسِرَ وَالكُوبَةَ»! أَيُّهَا المُسلِمُونَ: لِمَاذَا قَرَنَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى المَيسِرَ بِالخَمرِ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ؟ اقرَؤُوا الآيَةَ التَّالِيَةَ مِن سُورَةِ المَائِدَةِ لِتُبصِرُوا الإِعجَازَ النَّفسِيَّ وَالاجتِمَاعِيَّ فِي تَعليلِ التَّحرِيمِ، يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾! لَقَد كَشَفَتِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ أَنَّ الخَمرَ وَالمَيسِرَ شَقِيقَانِ فِي «الإِدمَانِ وَتَغيِيبِ العَقلِ»؛ فَالخَمرُ تُسكِرُ العَقلَ بِالشَّرَابِ، وَالقِمَارُ يُسكِرُ العَقلَ بِوَهمِ الطَّمَعِ وَسُعَارِ المُرَاهَنَةِ! فَالمدمِنُ عَلَى القِمَارِ الرَّقَمِيِّ يَشتَعِلُ قَلبُهُ بِالغَيظِ وَالحِقدِ وَالعَدَاوَةِ، وَيَنقَطِعُ عَن ذِكرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ، فَلَو صَلَّى بِجَسَدِهِ فَإِنَّ قَلبَهُ مُعَلَّقٌ بِنَتِيجَةِ الرِّهَانِ وَحَرَكَةِ الأَرقَامِ! وَلِذَلِكَ قَالَ شَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيمِيَّةَ وَتِلمِيذُهُ الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُمَا اللهُ كَلِمَةً بَالِغَةَ العُمقِ: «إِنَّ مَفسَدَةَ المَيسِرِ أَعظَمُ مِن مَفسَدَةِ الرِّبَا؛ لِأَنَّهُ يَشتَمِلُ عَلَى مَفسَدَتَينِ: مَفسَدَةِ أَكلِ المَالِ بِالبَاطِلِ، وَمَفسَدَةِ اللَّهوِ الحَرَامِ الَّذِي يَصُدُّ القَلبَ عَن ذِكرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ وَيُوقِعُ فِي العَدَاوَةِ وَالبَغضَاءِ، وَلِهَذَا حُرِّمَ المَيسِرُ قَبلَ تَحرِيمِ الرِّبَا»! عِبَادَ اللهِ: إِنَّ سُنَّةَ اللهِ فِي الرِّزقِ أَنَّهُ يُطلَبُ بِالسَّعيِ الشَّرِيفِ، وَالعَمَلِ المُنتِجِ، وَالتِّجَارَةِ المَشرُوعَةِ الوَاضِحَةِ؛ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ المُلْكِ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾، وَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا عِندَ أَحمَدَ وَغَيرِهِ: أَيُّ الكَسبِ أَطيَبُ؟ قَالَ: «عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ، وَكُلُّ بَيعٍ مَبرُورٍ». وَأَمَّا أَوْهَامُ «الثَّرَاءِ السَّرِيعِ بِلَا تَعَبٍ» وَمَصَائِدُ المُقَامَرَاتِ الرَّقَمِيَّةِ، فَإِنَّهَا سَرَابٌ خَادِعٌ، مَا دَخَلَ فِيهِ أَحَدٌ إِلَّا خَرَجَ مِنهُ مَفجُوعًا فِي مَالِهِ وَأَمنِ بَيتِهِ! وَإِنَّنا نُوَجِّهُ نِدَاءَ رَحمَةٍ وَإِنقَاذٍ لِكُلِّ مَن تَوَرَّطَ فِي هَذَا الوَحلِ: تَوَقَّفِ السَّاعَةَ! لَا تَطَارِدْ خَسَارَتَكَ بِمُرَاهَنَةٍ جَدِيدَةٍ، فَالخَسَارَةُ الأُولَى أَهوَنُ أَلفَ مَرَّةٍ مِنَ الغَرَقِ الكَامِلِ، وَبَابُ التَّوبَةِ وَالعِلَاجِ وَالمُسَاعَدَةِ مَفتُوحٌ لِمَن صَدَقَ مَعَ اللهِ! وَلَقَد صَدَقَ الشَّاعِرُ الحَكِيمُ حِينَ حَذَّرَ مِن سَرَابِ المَيسِرِ فَقَالَ: حَذَارِ مِنَ القِمَارِ وَإِن تَزَيَّا ... بِثَوبِ العَصرِ أَو بَرقِ الأَمَانِي فَأَوَّلُهُ خِدَاعٌ ثُمَّ يَغدُو ... هَلَاكَ المَالِ وَالبَيتِ المَصَانِ بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. 🕌 الخطبة الثانية الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَمَنِ اهتَدَى بِهُدَاهُ إِلَى يَومِ الدِّينِ. أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعلَمُوا أَنَّ الشَّيطَانَ لَا يَدعُو الإِنسَانَ إِلَى الكَبِيرَةِ دَفعَةً وَاحِدَةً، بَل يَستَدرِجُهُ خُطوَةً خُطوَةً، وَلِذَلِكَ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. وَحَتَّى نَحمِيَ أَنفُسَنَا وَأَولَادَنَا وَأَموَالَ أُسَرِنَا مِن فِتنَةِ القِمَارِ الرَّقَمِيِّ وَأَوهَامِ الرِّبحِ السَّرِيعِ، فَهَذِهِ خَمسُ وَصَايَا عَمَلِيَّةٍ وَاضِحَةٍ: الأُولَى: القَطعُ الفَورِيُّ وَالحَذفُ الكَامِلُ لِكُلِّ تَطبِيقِ مُرَاهَنَةٍ أَو قِمَارٍ؛ فَمَنِ ابتُلِيَ بِشَيءٍ مِن هَذِهِ المَنَصَّاتِ فَعَلَيهِ أَن يَقطَعَ دَابِرَ الفِتنَةِ السَّاعَةَ بِحَذفِ التَّطبِيقَاتِ وَإِغلَاقِ الحِسَابَاتِ، وَأَن يَعلَمَ يَقِينًا أَنَّ فِكرَةَ «أَلعَبُ مَرَّةً أَخِيرَةً لِأَستَرِدَّ مَالِي» هِيَ أَكبَرُ خَدِيعَةٍ يَستَدرِجُ بِهَا الشَّيطَانُ وَمُصَمِّمُو القِمَارِ ضَحَايَاهُم إِلَى الهَاوِيَةِ. الثَّانِيَةُ: حِمَايَةُ الأَبنَاءِ وَالمُرَاهِقِينَ بِفَصلِ بَطَاقَاتِ الدَّفعِ عَن أَلعَابِ الهَوَاتِفِ؛ فَكثيرٌ مِنَ الأَلعَابِ الإِلِكترُونِيَّةِ اليَومَ تَحتَوِي عَلَى «عَجَلَاتِ حَظٍّ وَصَنَادِيقَ عَشوَائِيَّةٍ مَدفُوعَةٍ» تُعَوِّدُ الطِّفلَ عَلَى نَشوَةِ القِمَارِ وَتَسرِقُ أَموَالَ الوَالِدَينِ؛ فَيَجِبُ عَلَى الآبَاءِ عَدَمُ رَبطِ البَطَاقَاتِ البَنكِيَّةِ بِأَجهِزَةِ الصِّغَارِ، وَمُرَاقَبَةُ مَا يَلعَبُونَهُ، وَتَربِيَتُهُم عَلَى قِيمَةِ المَالِ الحَلَالِ. الثَّالِثَةُ: الحَذَرُ الشَّدِيدُ مِن دَعَوَاتِ «الرِّبحِ المَضمُونِ السَّرِيعِ» وَالمَنَصَّاتِ المَجهُولَةِ؛ فَلَا تَضَع مَالَكَ فِي مَنَصَّةٍ أَو مَشرُوعٍ لَا تَعرِفُ حَقِيقَةَ نَشَاطِهِ وَمَشْرُوعِيَّتَهُ عِندَ أَهلِ العِلمِ وَالِاختِصَاصِ، وَاحذَر مِنَ المُعلِنِينَ الَّذِينَ يَعِدُونَ بِمُضَاعَفَةِ المَالِ فِي أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ، فَمَا وَرَاءَ تِلكَ الوُعُودِ إِلَّا المَيسِرُ المُحَرَّمُ أَوِ الِاحتِيَالُ المَالِيُّ. الرَّابِعَةُ: الشَّجَاعَةُ فِي طَلَبِ المُسَاعَدَةِ الأُسرِيَّةِ وَالنَّفسِيَّةِ لِلتَّعَافِي مِن إِدمَانِ المُرَاهَنَاتِ؛ فَالتَّوَرُّطُ فِي القِمَارِ الإِلِكترُونِيِّ مَرَضٌ سُلُوكِيٌّ يَقهَرُ الإِرَادَةَ إِذَا بَقِيَ صَاحِبُهُ فِي العُزلَةِ وَالكِتمَانِ؛ فَعَلَى المُبتَلَى أَن يَصدُقَ مَعَ اللهِ بِالتَّوبَةِ، ثُمَّ يَستَعِينَ بِعَاقِلٍ أَمِينٍ مِن أَهلِهِ أَو مُختَصٍّ سُلُوكِيٍّ، وَيُسَلِّمَ إِدَارَةَ مَالِهِ وَرَاتِبِهِ مُؤَقَّتًا لِأَمِينٍ مِن أُسرَتِهِ حَتَّى يَتَعَافَى تَمَامًا. الخَامِسَةُ: التَّخَلُّصُ مِن أَيِّ مَالٍ جَاءَ مِن طَرِيقِ القِمَارِ وَإِشغَالُ الوَقتِ بِالكَسبِ النَّافِعِ؛ فَمَالُ القِمَارِ سُحتٌ خَبِيثٌ لَا يَحِلُّ أَكلُهُ وَلَا إِطعَامُ الأَهلِ مِنهُ، فَمَن تَابَ وَبَقِيَ بِيَدِهِ شَيءٌ مِن أَربَاحِ المَيسِرِ تَخَلَّصَ مِنهُ فِي مَصَالِحِ المُسلِمِينَ العَامَّةِ وَالفُقَرَاءِ بِنِيَّةِ البَرَاءَةِ مِنَ الحَرَامِ، وَأَقبَلَ عَلَى عَمَلٍ شَرِيفٍ وَصُحبَةٍ صَالِحَةٍ تَملَأُ وَقتَهُ وَتَحفَظُ قَلبَهُ. اللَّهُمَّ اكفِنَا بِحَلَالِكَ عَن حَرَامِكَ، وَأَغنِنَا بِفَضلِكَ عَمَّن سِوَاكَ، اللَّهُمَّ احفَظ عُقُولَنَا وَأَموَالَنَا وَشَبَابَنَا وَذُرِّيَّاتِنَا مِن فِتَنِ المَيسِرِ وَالقِمَارِ وَالشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ يَا رَبَّ العَالَمِينَ. اللَّهُمَّ اشفِ كُلَّ مُبتَلًى، وَرُدَّ كُلَّ تَائِهٍ إِلَى جَادَّةِ الهُدَى، وَبَارِك لَنَا فِي أَرزَاقِنَا الحَلَالِ وَاجعَلهَا عَونًا عَلَى طَاعَتِكَ. اللَّهُمَّ احفَظ بِلَادَنَا وَبِلَادَ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ سُوءٍ وَفِتنَةٍ، وَوَفِّق وُلَاةَ أُمُورِنَا لِمَا فِيهِ خَيرُ العِبَادِ وَالبِلَادِ، وَاجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِينَ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.