من مكتبة مِداد الخطيب

القُرآنُ يَقُودُ المَعرَكَةَ: خطبةُ جُمُعَةٍ حَمَاسِيَّةٌ وَإِيمَانِيَّةٌ عَن صِنَاعَةِ القُرآنِ لِلأَبطَالِ وَمَوقِفِ سَالِمٍ مَولَى أَبِي حُذَيفَةَ بَئسَ حَامِلُ القُرآنِ أَنَا إِن أُتِيتُم مِن قِبَلِي

مشاركة
القُرآنُ يَقُودُ المَعرَكَةَ: خطبةُ جُمُعَةٍ حَمَاسِيَّةٌ وَإِيمَانِيَّةٌ عَن صِنَاعَةِ القُرآنِ لِلأَبطَالِ وَمَوقِفِ سَالِمٍ مَولَى أَبِي حُذَيفَةَ بَئسَ حَامِلُ القُرآنِ أَنَا إِن أُتِيتُم مِن قِبَلِي الحَمدُ للهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبدِهِ الكِتَابَ المَجِيدَ، رُوحًا يُحيِي بِهِ المَوَاتَ وَنُورًا يَهدِي بِهِ إِلَى الصِّرَاطِ الحَمِيدِ، وَقُوَّةً تَدُكُّ مَعَاقِلَ الطَّغَوَاتِ وَتَصنَعُ مِن حَمَلَتِهِ الصَّادِقِينَ أُسُودًا لَا تَلِينُ أَمَامَ البَأسِ الشَّدِيدِ، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ مَنِ استَمسَكَ بِعُروَةِ القُرآنِ الوُثقَى، وَعَلِمَ أَنَّهُ حَبلُ اللهِ المَتِينُ الَّذِي مَنِ اعتَصَمَ بِهِ عَزَّ وَارتَقَى، وَنَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، القَائِلُ فِي مُحكَمِ التَّنزِيلِ تَثبِيتًا لِأَولِيَائِهِ: وَكَانَ حَقًّا عَلَينَا نَصرُ المُؤمِنِين، وَنَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ المُجَاهِدِينَ، وَقَائِدُ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، الَّذِي رَبَّى بِالقُرآنِ جِيلًا فَرِيدًا حَمَلُوا المَصَاحِفَ فِي صُدُورِهِم، وَالسُّيُوفَ فِي أَكُفِّهِم، فَقَادُوا بِالقُرآنِ مَعرَكَةَ الحَقِّ وَالفُرقَانِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الأَطهَارِ، وَأَصحَابِهِ القُرَّاءِ الأَبرَارِ وَالفُرسَانِ الأَخيَارِ، وَعَلَى مَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ مَا تَعَاقَبَ اللَّيلُ وَالنَّهَار. أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم - أَيُّهَا النَّاسُ - وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالِاعتِصَامِ بِكِتَابِهِ العَزِيزِ تِلَاوَةً وَتَدَبُّرًا وَعَمَلًا وَجِهَادًا؛ فَإِنَّ هَذَا القُرآنَ هُوَ سِرُّ حَيَاةِ الأُمَّةِ، وَمَصدَرُ عِزَّتِهَا، وَقَائِدُ مَعرَكَتِهَا فِي كُلِّ مَيدَانٍ، يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الفُرقَانِ مُخَاطِبًا نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتَهُ: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾، وَيَقُولُ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الإِسرَاءِ: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾. أَيُّهَا المُسلِمُونَ: إِنَّ عُنوَانَ خُطبَتِنَا اليَومَ عُنوَانٌ يَهُزُّ القُلُوبَ الحَيَّةَ، وَيُوقِظُ الهِمَمَ الرَّاقِدَةَ، وَيُصحِّحُ مَفهُومًا غَابَ عَن كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فِي عُصُورِ الضَّعفِ وَالِاستِكَانَةِ؛ أَلَا وَهُوَ: «القُرآنُ يَقُودُ المَعرَكَةَ»! لَقَد ظَنَّ بَعضُ الغَافِلِينَ أَنَّ القُرآنَ الكَرِيمَ إِنَّمَا نَزَلَ لِيُتلَى فِي المَآتِمِ وَالمَقَابِرِ عَلَى الأَموَاتِ، أَو لِيُعَلَّقَ فِي لَوحَاتٍ مُذَهَّبَةٍ لِلزِّينَةِ عَلَى الجُدرَانِ، أَو لِيَكُونَ مُجَرَّدَ أَلفَاظٍ يُتَغَنَّى بِهَا دُونَ أَن تَتحَرَّكَ بِهَا الجَوَارِحُ فِي مَيَادِينِ الحَيَاةِ وَالبِنَاءِ وَالجِهَادِ وَالإِصلَاحِ! كَلَّا وَاللهِ؛ لَقَد نَزَلَ القُرآنُ الكَرِيمُ لِيَكونَ «قَائِدًا لِلحَيَاةِ، وَصَانِعًا لِلرِّجَالِ، وَمُوَجِّهًا لِمَعرَكَةِ الحَقِّ ضِدَّ البَاطِلِ»! نَزَلَ القُرآنُ عَلَى قَلبِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَأَصحَابِهِ، فَحَوَّلَ الأُمَّةَ الهَامِشِيَّةَ الضَّعِيفَةَ إِلَى أَعظَمِ قُوَّةٍ رَبَّانِيَّةٍ عَرَفَهَا التَّارِيخُ! فَكَيَفَ قَادَ القُرآنُ المَعرَكَةَ فِي جِيلِ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ؟ وَمَا قِصَّةُ تِلكَ الصَّيحَةِ الخَالِدَةِ الَّتِي أَطلَقَهَا البَطَلُ القُرآنِيُّ سَالِمٌ مَولَى أَبِي حُذَيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَومَ اليَمَامَةِ حِينَ قَال: «بِئسَ حَامِلُ القُرآنِ أَنَا إِن أُتِيتُم مِن قِبَلِي»؟ وَمَا الرِّسَالَةُ الَّتِي تَحمِلُهَا هَذِهِ الكَلِمَةُ لِكُلِّ مُسلِمٍ وَكُلِّ حَافِظٍ لِكِتَابِ اللهِ فِي زَمَانِنَا هَذَا؟ عِبَادَ اللهِ: لِكي نُدرِكَ كَيفَ كَانَ «القُرآنُ يَقُودُ المَعرَكَةَ» فِي صَدرِ الإِسلَامِ، تَأَمَّلُوا مَعِي المِيزَانَ الَّذِي وَضَعَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِتَقدِيمِ الرِّجَالِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ: فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ عَامِلَهُ عَلَى مَكَّةَ نَافِعَ بنَ عَبدِ الحَارِثِ استَخلَفَ عَلَى أَهلِ مَكَّةَ رَجُلًا مِنَ المَوَالِي هُوَ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ أَبزَى، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «استَخلَفتَ عَلَى أَهلِ الوَادِي (أَي عَلَى سَادَةِ قُرَيشٍ) مَولًى؟!»، قَال: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِنَّهُ عَالِمٌ بِالفَرَائِضِ! فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُم صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَد قَال: «إِنَّ اللهَ يَرفَعُ بِهَذَا الكِتَابِ أَقوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ»! نَعَم؛ كَانَ القُرآنُ هُوَ مِعيَارَ القِيَادَةِ وَالإِمَامَةِ فِي المِحرَابِ، وَفِي مَجلِسِ الشُّورَى، وَفِي سَاحَةِ الوَغَى، بَل وَحَتَّى عِندَ النُّزُولِ فِي القَبرِ بَعدَ الشَّهَادَةِ! فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَجمَعُ بَينَ الرَّجُلَينِ مِن قَتلَى أُحُدٍ فِي ثَوبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُول: «أَيُّهُم أَكثَرُ أَخذًا لِلقُرآنِ؟»، فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحدِ! وَكَانَ الفَارُوقُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «كَانَ القُرَّاءُ أَصحَابَ مَجَالِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ، كُهُولًا كَانُوا أَم شُبَّانًا»! وَلَم يَكُن حَمَلَةُ القُرآنِ فِي ذَلِكَ الجِيلِ العَظِيمِ قُرَّاءَ حُرُوفٍ يَقعُدُونَ عَنِ المَكَارِمِ وَالتَّضحِيَاتِ؛ بَل كَانُوا هُم أَوَّلَ الصَّفِّ فِي صَلَاةِ اللَّيلِ، وَأَوَّلَ الصَّفِّ فِي مَيَادِينِ الجِهَادِ وَالنَّزَالِ! كَانَ الوَاحِدُ مِنهُم إِذَا قرَأَ فِي مِحرَابِهِ قَولَ اللهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ التَّوبَةِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾، خَرَجَ فِي الصَّبَاحِ يُنفِذُ هَذَا العَقدَ بِدَمِهِ وَرُوحِهِ فِي سَاحَةِ المَعرَكَةِ! أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: وَمِن أَعظَمِ النَّمَاذِجِ التَّارِيخِيَّةِ الَّتِي تُجَسِّدُ لَنَا كَيفَ يَصنَعُ القُرآنُ الأَبطَالَ وَكَيفَ يَقُودُ القُرآنُ المَعرَكَةَ: قِصَّةُ ذَلِكَ البَطَلِ العَظِيمِ وَالإِمَامِ الرَّبَّانِيِّ «سَالِمٍ مَولَى أَبِي حُذَيفَةَ» رَضِيَ اللهُ عَنهُ! مَن هُوَ سَالِمٌ يَا عِبَادَ اللهِ؟ لَم يَكُن سَالِمٌ مِن سَادَةِ قُرَيشٍ فِي النَّسَبِ، وَلَا مِن أَثرِيَاءِ العَرَبِ فِي المَالِ؛ بَل كَانَ غُلَامًا مَملُوكًا مِن أَهلِ «إِصطَخرَ» مِن بِلَادِ فَارِسَ، أَعتَقَتهُ امرَأَةٌ صَالِحَةٌ مِنَ الأَنصَارِ هِيَ ثُبَيتَةُ بِنتُ يَعَارٍ رَضِيَ اللهُ عَنهَا، وَتَبَنَّاهُ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ أَبُو حُذَيفَةَ بنُ عُتبَةَ بنِ رَبِيعَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَبلَ تَحرِيمِ التَّبَنِّي، ثُمَّ لَمَّا نَزَلَ قَولُ اللهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الأَحزَابِ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾، صَارَ يُدعَى «سَالِمًا مَولَى أَبِي حُذَيفَةَ» وَأَخَاهُ فِي الدِّينِ! فَمَا الَّذِي رَفَعَ هَذَا المَولَى الفَقِيرَ الغَرِيبَ حَتَّى جَعَلَهُ فِي الذِّروَةِ العُليَا مِن سَادَةِ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ؟ إِنَّهُ القُرآنُ العَظِيمُ! لَقَد أَقبَلَ سَالِمٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَلَى كِتَابِ اللهِ حِفظًا وَتَجوِيدًا وَفِقهًا وَتَهَجُّدًا، حَتَّى مَلَأَ القُرآنُ شَغَافَ قَلبِهِ وَجَرَى فِي عُرُوقِهِ مَجرَى الدَّمِ! فَانظُرُوا إِلَى ثَلَاثَةِ أَوسِمَةٍ نَبَوِيَّةٍ عُظمَى نَالَهَا سَالِمٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِبَرَكَةِ القُرآنِ: الوِسَامُ الأَوَّلُ: أَنَّهُ لَمَّا هَاجَرَ المُهَاجِرُونَ الأَوَّلُونَ إِلَى المَدِينَةِ قَبلَ مَقدَمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، مَنِ الَّذِي تَقَدَّمَ لِيَكُونَ إِمَامَهُم فِي الصَّلَاةِ وَخَلفَهُ أَبُو بَكرٍ وَعُمَرُ وَأَعيَانُ قُرَيشٍ؟ رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَال: «لَمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ الأَوَّلُونَ العُصبَةَ - مَوضِعًا بِقُبَاءٍ - قَبلَ مَقدَمِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يَؤُمُّهُم سَالِمٌ مَولَى أَبِي حُذَيفَةَ، وَكَانَ أَكثَرَهُم قُرآنًا»، وَفِي رِوَايَةٍ لِلبُخَارِيِّ: «فِيهِم عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ وَأَبُو سَلَمَةَ بنُ عَبدِ الأَسَدِ»! الوِسَامُ الثَّانِي: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَومًا سَمِعَ قِرَاءَةَ سَالِمٍ فِي المَسجِدِ النَّبَوِيِّ، فَوَقَفَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَستَمِعُ إِلَى قِرَاءَتِهِ الخَاشِعَةِ النَّدِيَّةِ حَتَّى أَبطَأَ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا كَمَا رَوَى ابنُ مَاجَه وَأَحمَدُ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ، ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «الحَمدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مِثلَكَ»! الوِسَامُ الثَّالِثُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ سَالِمًا أَحَدَ الأَئِمَّةِ الأَربَعَةِ الكِبَارِ الَّذِينَ يُؤخَذُ عَنهُمُ القُرآنُ فِي الأُمَّةِ كُلِّهَا؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «خُذُوا القُرآنَ مِن أَربَعَةٍ: مِن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ، وَسَالِمٍ مَولَى أَبِي حُذَيفَةَ، وَمُعَاذِ بنِ جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بنِ كَعبٍ»! ثُمَّ تَعَالَوا بِنَا - يَا عِبَادَ اللهِ - إِلَى المَشهَدِ الأَعظَمِ الَّذِي تَجَلَّى فِيهِ كَيفَ يَقُودُ القُرآنُ المَعرَكَةَ فِي صَدرِ سَالِمٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَإِخوَانِهِ القُرَّاءِ؛ إِنَّهُ مَشهَدُ «مَعرَكَةِ اليَمَامَةِ الفَاصِلَةِ» فِي السَّنَةِ الحَادِيَةِ عَشرَةَ لِلهِجرَةِ فِي خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ أَبِي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ! احتَشَدَ مَعَ الدَّجَّالِ الكَذَّابِ مُسَيلِمَةَ فِي اليَمَامَةِ أَربَعُونَ أَلفَ مُقَاتِلٍ شَدِيدِي البَأسِ حَمِيَّةً وَعَصَبِيَّةً جَاهِلِيَّةً، وَسَارَ إِلَيهِم سَيفُ اللهِ المَسلُولُ خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَمَعَهُ جَيشُ الصَّحَابَةِ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَحَمَلَةِ القُرآنِ! فَلَمَّا التَقَى الجَمعَانِ وَحمِيَ الوَطِيسُ، هَجَمَت بَنُو حَنِيفَةَ هَجمَةً عَنِيفَةً كَالسَّيلِ الجَارِفِ، حَتَّى انكَشَفَت بَعضُ صُفُوفِ الأَعرَابِ فِي جَيشِ المُسلِمِينَ، وَوَصَلَ العَدُوُّ إِلَى فُسطَاطِ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ! فِي تِلكَ اللَّحظَةِ الحَرِجَةِ الَّتِي كَادَت فِيهَا الأَقدَامُ تَزِلُّ، مَنِ الَّذِي تَقَدَّمَ لِيَقُودَ المَعرَكَةَ وَيُعِيدَ الكَرَّةَ؟ إِنَّهُ القُرآنُ وَحَمَلَةُ القُرآنِ! نَادَى القَادَةُ وَالصَّحَابَةُ فِي المَيدَانِ: «امْتَازُوا أَيُّهَا النَّاسُ لِنَعلَمَ بَلَاءَ كُلِّ حَيٍّ، وَمِن أَينَ نُؤتَى! يَا أَصحَابَ سُورَةِ البَقَرَةِ! يَا أَهلَ القُرآنِ! بَطَلَ السِّحرُ اليَومَ!»! وَانبَرَى أَبُو حُذَيفَةَ بنُ عُتبَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَهتِفُ بِأَعلَى صَوتِهِ فِي المَيدَانِ بِتِلكَ الكَلِمَةِ الَّتِي تَقدَحُ شَرَرَ الإِيمَانِ: «يَا أَهلَ القُرآنِ، زَيِّنُوا القُرآنَ بِالفِعَالِ»! أَي: لَقَد قَرَأتُمُ القُرآنَ بِأَلسِنَتِكُم فِي الرَّخَاءِ، فَأَرُوا اللهَ اليَومَ تَصدِيقَ القُرآنِ بِفِعَالِكُم وَثَبَاتِكُم فِي الشِّدَّةِ! وَسَقَطَ حَامِلُ رَايَةِ المُهَاجِرِينَ زَيدُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ شَهِيدًا، فَاخْتَارَ المُهَاجِرُونَ لِحَملِ الرَّايَةِ إِمَامَهُم فِي القُرآنِ «سَالِمًا مَولَى أَبِي حُذَيفَةَ» رَضِيَ اللهُ عَنهُ! فَلَمَّا قَبَضَ سَالِمٌ عَلَى الرَّايَةِ وَحَولَهُ جَحَافِلُ العَدُوِّ تَضرِبُ بِالسُّيُوفِ وَالرِّمَاحِ، أَشفَقَ عَلَيهِ بَعضُ المُسلِمِينَ لِرِقَّةِ جَسَدِهِ أَو لِشِدَّةِ الهَولِ وَقَالُوا لَهُ: «يَا سَالِمُ، إِنَّا نَخشَى أَن نُؤتَى مِن قِبَلِكَ! (أَي نَخَافُ أَن تَضعُفَ أَو تَتَرَاجَعَ فَيَدخُلَ العَدُوُّ مِن جِهَتِكَ)، فَنَحُّوا الرَّايَةَ إِلَى غَيرِكَ»! فَانتَفَضَ سَالِمٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ انتِفَاضَةَ الأَسَدِ الهَصُورِ، وَأَطلَقَ صَيحَتَهُ الخَالِدَةَ الَّتِي سَجَّلَتهَا مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ وَحَفِظَتهَا دَوَاوِينُ التَّارِيخِ كَمَا رَوَى ابنُ سَعدٍ فِي الطَّبَقَاتِ وَالطَّبَرِيُّ وَالذَّهَبِيُّ: «بِئسَ حَامِلُ القُرآنِ أَنَا إِن أُتِيتُم مِن قِبَلِي»! اللهُ أَكبَرُ! أَعِيدُوا سَمَاعَهَا بِقُلُوبِكُم يَا عِبَادَ اللهِ: «بِئسَ حَامِلُ القُرآنِ أَنَا إِن أُتِيتُم مِن قِبَلِي»! أَي: كَيفَ أَحمِلُ فِي صَدرِي كَلَامَ اللهِ العَزِيزِ الجَبَّارِ الَّذِي يَقُولُ فِي سُورَةِ الأَنفَالِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾، ثُمَّ أَتَزَحزَحُ قِيدَ أُنمُلَةٍ أَو يَدخُلُ العَدُوُّ مِن ثَغرِي؟! وَمَاذَا صَنَعَ سَالِمٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بَعدَ أَن قَالَ هَذِهِ الكَلِمَةَ؟ حَفَرَ لِقَدَمَيهِ حُفرَةً فِي أَرضِ المَعرَكَةِ، وَأَنزَلَ سَاقَيهِ فِيهَا حَتَّى لَا تَتَحَرَّكَ قَدَمَاهُ إِلَى الوَرَاءِ أَبَدًا، وَعَصَبَ الرَّايَةَ، وَوَقَفَ كَالطَّودِ الأَشَمِّ يَرتِّلُ آيَاتِ الثَّبَاتِ مِن سُورَةِ آلِ عِمرَانَ: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾! فَأَحَاطَت بِهِ سُيُوفُ بَنِي حَنِيفَةَ، فَضَرَبُوا يَدَهُ اليُمنَى فَقُطِعَت؛ فَمَا سَقَطَتِ الرَّايَةُ، بَل تَلَقَّفَهَا بِيَدِهِ اليُسرَى وَهُوَ يَهتِفُ بِآيَاتِ القُرآنِ! فَضَرَبُوا يَدَهُ اليُسرَى فَقُطِعَت؛ فَضمَّ الرَّايَةَ بِعَضُدَيهِ المَقطُوعَينِ إِلَى صَدرِهِ المَملُوءِ بِالقُرآنِ وَالدِّمَاءُ تَنزِفُ مِنهُ وَهُوَ يَقرَأُ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾! وَظَلَّ ثَابِتًا فِي حُفرَتِهِ حَتَّى أَثخَنَتهُ الجِرَاحُ وَكَسَرَ اللهُ بِثَبَاتِهِ وَثَبَاتِ إِخوَانِهِ جَيشَ مُسَيلِمَةَ الكَذَّابِ وَفَتَحَ اللهُ عَلَى المُسلِمِينَ! فَلَمَّا انتَهَتِ المَعرَكَةُ، وَطَافَ الصَّحَابَةُ يَتَفَقَّدُونَ الشُّهَدَاءَ، وَجَدُوا سَالِمًا رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي آخِرِ رَمَقٍ مِن حَيَاتِهِ؛ فَفَتَحَ عَينَيهِ وَسَأَلَهُم سُؤَالًا وَاحِدًا؛ لَم يَسأَلْ عَن مَالٍ وَلَا دُنيَا، بَل قَال: «مَا فَعَلَ أَبُو حُذَيفَةَ؟»، قَالُوا: استُشهِدَ يَا سَالِمُ! قَال: «فَأَضجِعُونِي بَينَهُ وَبَينَ فُلَانٍ الشَّهِيدِ»! فَوَجَدُوا أَبَا حُذَيفَةَ إِلَى جَنبِهِ، فَفَاضَت رُوحُ سَالِمٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ الطَّاهِرَةُ إِلَى رَبِّهَا وَرَأسُهُ عِندَ رِجلَي أَخِيهِ وَمَولَاهُ أَبِي حُذَيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا! وَكَانَ مِن عَظِيمِ كَرَامَةِ اللهِ لِسَالِمٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: أَنَّ استِشهَادَهُ مَعَ سَبعِينَ أَو خَمسِمِئَةٍ مِنَ القُرَّاءِ يَومَ اليَمَامَةِ كَانَ هُوَ السَّبَبَ الَّذِي أَيقَظَ قَلبَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ وَأَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا لِجَمعِ القُرآنِ الكَرِيمِ فِي مُصحَفٍ وَاحِدٍ حِفظًا لِكِتَابِ اللهِ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ؛ وَكَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عِندَ مَوتِهِ يَقُولُ كَمَا فِي تَارِيخِ الطَّبَرِيِّ وَطَبَقَاتِ ابنِ سَعدٍ: «لَو أَدرَكَنِي سَالِمٌ مَولَى أَبِي حُذَيفَةَ حَيًّا لَاستَخلَفتُهُ عَلَى الأُمَّةِ»! باركَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم. 🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، الرَّافِعِ بِكِتَابِهِ أَهلَ الإِيمَانِ وَاليَقِينِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ الصَّادِقُ الأَمِينُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِين. أَمَّا بَعدُ: فَيَا عِبَادَ اللهِ، وَيَا حَمَلَةَ القُرآنِ وَأَهلَ الإِسلَامِ: إِنَّ كَلِمَةَ سَالِمٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «بِئسَ حَامِلُ القُرآنِ أَنَا إِن أُتِيتُم مِن قِبَلِي» لَم تَمُتْ بِمَوتِ سَالِمٍ فِي صَحْرَاءِ اليَمَامَةِ، بَل هِيَ صَرخَةٌ حَيَّةٌ تَقرَعُ أُذُنَ كُلِّ مُسلِمٍ وَكُلِّ حَافِظٍ وَقَارِئٍ لِكِتَابِ اللهِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ! إِنَّ الأُمَّةَ الإِسلَامِيَّةَ اليَومَ تَخُوضُ مَعرَكَةً شَامِلَةً؛ مَعرَكَةً فِي العَقِيدَةِ وَالفِكرِ ضِدَّ الإِلحَادِ وَالشُّبُهَاتِ، وَمَعرَكَةً فِي الأَخلَاقِ وَالقِيَمِ ضِدَّ الانحِلَالِ وَالشَّهَوَاتِ، وَمَعرَكَةً فِي الأَمَانَةِ وَالعِلمِ وَالإِنتَاجِ ضِدَّ الفَسَادِ وَالتَّخَلُّفِ وَالهَوَانِ! وَفِي هَذِهِ المَعرَكَةِ الكُبرَى، يَقِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا عَلَى ثَغرٍ مِن ثُغُورِ الإِسلَامِ، فَيَجِبُ أَن يَقُولَ لِنَفسِهِ صَبَاحَ مَسَاءَ: «بِئسَ حَامِلُ القُرآنِ أَنَا إِن أُوتِيَ الإِسلَامُ مِن قِبَلِي»! فَيَا مَن تَحفَظُ كِتَابَ اللهِ أَو تَقرَأُ آيَاتِهِ: بِئسَ حَامِلُ القُرآنِ أَنتَ إِن أُوتِيَ الإِسلَامُ مِن قِبَلِ أَخلَاقِكَ وَمُعَامَلَتِكَ؛ فَرَأَى النَّاسُ مِنكَ كَذِبًا، أَو غِشًّا فِي البَيعِ وَالشِّرَاءِ، أَو أَكلًا لِحُقُوقِ العِبَادِ، أَو فُحشًا فِي اللِّسَانِ، فَقَالُوا: «انظُرُوا إِلَى أَهلِ القُرآنِ وَالمَسَاجِدِ كَيفَ يَتعَامَلُونَ»! وَبِئسَ حَامِلُ القُرآنِ أَنتَ إِن أُوتِيَ الإِسلَامُ مِن قِبَلِ بَيتِكَ وَأُسرَتِكَ؛ فَتَرَكتَ أَولَادَكَ وَأَهلَكَ فَرِيسَةً لِلتَّغْرِيبِ وَإِضَاعَةِ الصَّلَاةِ وَالتَّبَرُّجِ دُونَ تَربِيَةٍ وَلَا نُصحٍ وَلَا قُدوَةٍ! وَبِئسَ حَامِلُ القُرآنِ أَنتَ إِن أُوتِيَ الإِسلَامُ مِن قِبَلِ وَظِيفَتِكَ وَمَسؤُولِيَّتِكَ؛ فَخُنتَ الأَمَانَةَ، أَو قَصَّرتَ فِي إِتقَانِ عَمَلِكَ، أَو دَاهَنتَ البَاطِلَ طَمَعًا فِي عَرَضٍ مِنَ الدُّنيَا قَلِيلٍ! لَقَد قَالَ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا رَوَى الآجُرِّيُّ فِي أَخلَاقِ حَمَلَةِ القُرآنِ وَالبَيهَقِيُّ: «يَنبَغِي لِحَامِلِ القُرآنِ أَن يُعرَفَ بِلَيلِهِ إِذِ النَّاسُ نَائِمُونَ، وَبِنَهَارِهِ إِذِ النَّاسُ مُفطِرُونَ، وَبِحُزنِهِ إِذِ النَّاسُ يَفرَحُونَ، وَبِبُكَائِهِ إِذِ النَّاسُ يَضحَكُونَ، وَبِصَمتِهِ إِذِ النَّاسُ يَخُوضُونَ، وَبِخُشُوعِهِ إِذِ النَّاسُ يَختَالُونَ»! وَقَالَ الفُضَيلُ بنُ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللهُ: «حَامِلُ القُرآنِ حَامِلُ رَايَةِ الإِسلَامِ، لَا يَنبَغِي أَن يَلهُوَ مَعَ مَن يَلهُو، وَلَا يَسهُوَ مَعَ مَن يَسهُو، وَلَا يَلغُوَ مَعَ مَن يَلغُو، تَعظِيمًا لِحَقِّ القُرآنِ»! وَللهِ دَرُّ القَائِلِ حِينَ صَوَّرَ ثَبَاتَ سَالِمٍ وَعِزَّةَ حَامِلِ القُرآنِ فَقَال: وَسَالِمٌ يَومَ اليَمَامَةِ صَاحَ فِي ... وَجهِ المَنُونِ وَمَا استَكَانَ لِنَازِلِ أَنَا حَامِلُ القُرآنِ لَا تُؤتَونَ مِنْ ... قِبَلِي وَلَو قُطِعَتْ يَدَايَ بِكَاهِلِي فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاجعَلُوا القُرآنَ العَظِيمَ قَائِدَكُم وَإِمَامَكُم فِي قُلُوبِكُم وَبُيُوتِكُم وَأَخلَاقِكُم وَثَبَاتِكُم عَلَى الحَقِّ، وَزَيِّنُوا القُرآنَ بِالفِعَالِ كَمَا زَيَّنَهُ سَالِمٌ وَأَصحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، يَرفَعْكُمُ اللهُ بِهِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ. أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَن أُنزِلَ عَلَيهِ الفُرقَانُ هُدًى وَنُورًا، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم جَلَّ فِي عُلَاهُ فَقَال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَالِمٍ مَولَى أَبِي حُذَيفَةَ وَشُهَدَاءِ اليَمَامَةِ وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين. اللَّهُمَّ اجعَلِ القُرآنَ العَظِيمَ رَبِيعَ قُلُوبِنَا، وَنُورَ صُدُورِنَا، وَجَلَاءَ أَحزَانِنَا، وَذَهَابَ هُمُومِنَا، وَقَائِدَنَا وَسَائِقَنَا إِلَيكَ وَإِلَى جَنَّاتِكَ جَنَّاتِ النَّعِيمِ. اللَّهُمَّ ارزُقنَا تِلَاوَتَهُ آنَاءَ اللَّيلِ وَأَطرَافَ النَّهَارِ عَلَى الوَجهِ الَّذِي يُرضِيكَ عَنَّا، وَاجعَلنَا مِمَّن يُقِيمُ حُدُودَهُ وَأَخلَاقَهُ وَلَا يَقتَصِرُ عَلَى إِقَامَةِ حُرُوفِهِ، وَثَبِّتْ أَقدَامَنَا عَلَى الحَقِّ حَتَّى نَلقَاكَ وَأَنتَ رَاضٍ عَنَّا يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِين. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.