🕌 أخلاقُ النبيِّ ﷺ... قرآنٌ يَمشي على الأرض
#خطبة_جمعة #أخلاق_النبي #الشمائل_المحمدية #السيرة_النبوية #الرحمة #حسن_الخلق #القدوة
الحمدُ للهِ الذي أدَّبَ نبيَّهُ فأحسَنَ تأديبَه، وزَكَّى خُلُقَهُ فَجَعَلَهُ للخَلقِ قُدوةً وإمامًا. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ حُسنَ الخُلُقِ أثقَلَ ما يُوضَعُ في ميزانِ العَبدِ يومَ القيامة، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عبدُهُ ورسولُه، ألينُ النَّاسِ طَبعًا، وأطهَرُهم قَلبًا، وأوسَعُهم صَدرًا، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تسليمًا كثيرًا.
أمَّا بعدُ:
عبادَ الله، إنَّنا نَقرأُ سيرةَ النبيِّ ﷺ كثيرًا، ولكنَّنا غالباً ما نَقرؤها كأحداثٍ وتواريخ وغزوات، ونَنسى السِّرَّ الأكبرَ الذي فَتَحَ اللهُ بهِ قُلوبَ العبادِ قَبلَ أن يَفتَحَ بهِ البِلاد. هناكَ سِلاحٌ خَفيٌّ مَلَكَ بهِ نبيُّنا ﷺ أفئدةَ أعدائِه قَبلَ أصحابِه، سِلاحٌ نحنُ اليومَ أمسُّ الحاجةِ إليهِ في بيوتِنا وشوارعِنا وأسواقِنا. فما هو هذا السِّر؟ وكيفَ نُحييهِ في زمانٍ قَسَت فيهِ القُلوبُ وجَفَّت فيه المشاعر؟ الجوابُ في خطبتِنا اليوم.
يا أمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، متى آخِرُ مرَّةٍ سألتُم أنفسَكم: لماذا آمَنَ النَّاسُ بمُحمَّدٍ ﷺ في بدايةِ دعوتِه، قبلَ أن تُفرَضَ الصلاة، وقبلَ أن تَنزِلَ الأحكام، وقبلَ أن تَكونَ للمسلمينَ دَولة؟ لماذا تَحَمَّلوا التَّعذيبَ والموتَ لأجلِ دِينٍ جَديد؟
لم يَكُن في مكَّةَ حينها سيوفٌ تُشرَع، ولا أموالٌ تُوَزَّع، بل كانَ هناكَ رَجُلٌ واحِدٌ، عُرِفَ بينَ قَومِهِ بأنه "الصَّادقُ الأمين". أخلاقُهُ كانت هي المُعجِزَةَ الأولى التي رآها النَّاسُ قَبلَ أن يَنشَقَّ لهُ القَمَر، وقبلَ أن يَنبُعَ الماءُ من بينِ أصابعِه.
تأمَّلوا معي كيفَ لخَّصَ اللهُ جلَّ جلالُه عَظَمَةَ نبيِّهِ في كتابِه. إنَّ اللهَ تعالى أثنى على أنبيائِهِ بصفاتٍ شَتَّى؛ فأثنى على إبراهيمَ بالحِلم، وعلى موسى بالقُوَّة والأمانة، وعلى داودَ بالأوْبَة، ولكنَّهُ حينَ أرادَ أن يُتَوِّجَ نبيَّنا ﷺ بتاجِ الثَّناء، لم يَذكُر صلاتَهُ ولا صيامَهُ ولا قيامَه، بل قالَ في مُحكَمِ التَّنزيلِ مُقسِمًا:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].
توقَّفوا عندَ كلمة ﴿لَعَلَىٰ﴾. لم يَقُل: "وإنَّ فيكَ خُلُقًا عظيمًا"، بل قال: ﴿لَعَلَىٰ﴾، كأنَّ الخُلُقَ العظيمَ مَرتَبةٌ عاليةٌ صَعِدَها النبيُّ ﷺ فاعتَلاها، وتَرَبَّعَ على قِمَّتِها حتى صارَ الخُلُقُ هو مُحمَّدًا، وصارَ مُحمَّدٌ هو الخُلُق!
وقد سُئلَت أُمُّ المؤمنينَ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها عن خُلُقِهِ ﷺ، فأجابَت بكلمتَينِ اختَصَرَت بهما مجلَّدات، قالت: «كانَ خُلُقُهُ القُرآن». كأنَّهُ قُرآنٌ يَمشي على الأرض، يَغضَبُ لغَضَبِه، ويَرضى لرضاه، ويُتَرجِمُ آياتِهِ إلى ابتساماتٍ وعَفوٍ ورَحمة.
أيها المؤمنون، إنَّ الحديثَ عن أخلاقِ المُصطَفى ﷺ ليسَ حديثًا للذِّكريات، بل هو مِرآةٌ نَضَعُها اليومَ أمامَ وُجوهِنا لِنَرى كَم نَبتَعِدُ عن هَديِه. يَقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رحمهُ اللهُ في «مدارج السالكين» جملةً تُكتَبُ بماءِ الذَّهَب: "الدِّينُ كُلُّهُ خُلُق، فَمَن زادَ عليكَ في الخُلُقِ، زادَ عليكَ في الدِّين".
والسؤالُ الذي يَطرَحُ نفسَهُ الآن: أينَ نحنُ من هذه المعادلة؟ كيفَ نَرضى أن تَمتَلِئَ مساجِدُنا بالمُصَلِّين، ثم تَمتَلِئَ مَحاكِمُنا بالخُصومات، وبيوتُنا بالقَطيعة، وأسواقُنا بالغِشّ؟ ما الفَرقُ بينَ مَن يُصَلِّي خَمسَ مرَّاتٍ بجَسَدِه وقَلبُهُ غافِلٌ مُمتَلِئٌ بالحِقد، وبينَ مَن يُصَلِّي صلاتَهُ فتُهَذِّبُ ألفاظَهُ وتُرَقِّقُ طِباعَه؟
دعوني أنقُلُكُم — يا معاشرَ الصَّالحين — 1400 سنةٍ للخَلف، إلى شَوارِعِ المدينةِ المنوَّرة، لِنَرى مَشهدًا حَيًّا يُجَسِّدُ هذا الخُلُق.
كانَ هُناكَ حَبرٌ من أحبارِ اليَهودِ، عالِمٌ بكُتُبِهم، اسمُهُ "زَيدُ بنُ سَعنَة". كانَ زَيدٌ يَبحَثُ عن عَلاماتِ النُّبُوَّةِ في مُحمَّدٍ ﷺ، وقد رأى كلَّ العلاماتِ إلَّا عَلامتَين أرادَ أن يَختَبِرَهُما بنفسِه: "يَسبِقُ حِلمُهُ جَهلَه، ولا يَزيدُهُ شِدَّةُ الجَهلِ عليهِ إلَّا حِلمًا". أي أنَّهُ كلَّما أسأتَ إليهِ أكثر، كانَ أحلَمَ وأرحَمَ أكثر.
أقرَضَ زَيدٌ النبيَّ ﷺ مالًا إلى أجَلٍ مُسَمَّى. وقَبلَ أن يَحِلَّ الأجَلُ بيومَين أو ثلاثة، جاءَ زَيدٌ إلى النبيِّ ﷺ وهو في جَمعٍ من أصحابِه، فيهم عُمَرُ بنُ الخطَّاب. ماذا فَعَلَ زَيد؟ تقدَّمَ من النبيِّ ﷺ، وأمسَكَ بمَجامِعِ قَميصِه ورِدائهِ بِشِدَّة — حتَّى أثَّرَ الرِّداءُ في عُنُقِ النبيِّ ﷺ المكرَّم — ونَظَرَ إليهِ بِوَجهٍ غَليظٍ وقال مُتَعَمِّدًا الإهانة: "ألا تَقضيني حقِّي يا محمَّد؟! فَوَاللهِ إنَّكم يا بني عبدِ المُطَّلِبِ لَمَطْلٌ (أي تُماطِلونَ في أداءِ الدُّيون)!"
تَخَيَّلوا المَوقِف! رَجُلٌ يَهوديٌّ، يَعتَدي جَسديًّا ولَفظيًّا على حاكِمِ المدينة، وعلى نَبيِّ
الأمَّة، بَينَ أصحابِه الذين يَفدُونَهُ بأرواحهم!
انتَفَضَ عُمَرُ بنُ الخطَّاب، وشَخَصَت عَيناه، وقال: "يا عَدُوَّ الله! أتقولُ لرسولِ اللهِ ما أسمَع وتَصنَعُ بهِ ما أَرى؟! فَوَالذي بَعَثَهُ بالحَقِّ، لولا ما أُحاذِرُ فَوْتَهُ (أي لولا أني أخشى غضبه) لَضَرَبتُ بسَيفي هذا عُنُقَك!".
هنا... في هذه اللَّحظةِ المُتَوَتِّرَة... الدَّمُ يَغلي، والسَّيفُ يَكادُ يَخرُجُ من غِمدِه... كيفَ تَصَرَّفَ قائدُ الأمَّة؟
نَظَرَ النبيُّ ﷺ إلى عُمَرَ في هُدوءٍ عجيب، وتبَسَّم! نعم، تَبَسَّم!
ثم قالَ جملةً تُزَلزِلُ مَفاهيمَ القُوَّةِ في تاريخ البشريَّة. قال:
«أنا وهوَ كُنَّا أحوَجَ إلى غيرِ هذا مِنكَ يا عُمَر؛ أن تَأمُرَني بحُسنِ الأداء، وتَأمُرَهُ بحُسنِ التِّباعَة (أي حُسن المطالبة). اذهَب بهِ يا عُمَرُ فاقضِهِ حَقَّه، وزِدهُ عِشرينَ صاعًا مِن تَمْرٍ مَكانَ ما رَوَّعتَه!».
...
يا لعَظَمَةِ هذا الدِّين! ويا لرَحمةِ هذا النَّبيِّ الكريم!
لم يُدافِع عن نَفسِه! لم يَنتَقِم لكَرامَتِه المَهْدورة! بل أنَّبَ عُمَرَ لأنَّهُ أخافَ الرَّجُل، وأمَرَهُ أن يَزيدَهُ فوقَ حقِّهِ تَعويضًا عن هذا الخَوف!
فماذا كانت النتيجة؟ لمَّا رَأى زَيدُ بنُ سَعنَةَ هذا المَشهَد، انهَمَرَ قلبُهُ قَبلَ دُموعِه، وقالَ لعُمَرَ في الطريق: "يا عُمَر، أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ الله".
أيُّها المسلمون، قارِنوا هذا المشهدَ بواقعِنا اليوم.
اليومَ، يَتَقاطَعُ سَيَّارتان في شارع، فيَنزِلُ الرجلان لِيَتَسابَّا بأقذَرِ الألفاظ، ورُبَّما يَصِلُ الأمرُ إلى الدِّماء، لمجرَّدِ "نَظرة" أو "مُزاحَمَة"!
اليومَ، يَكتُبُ أحدهم تَعلِيقًا في وسائل التَّواصُل، فَيَرُدُّ عليهِ الآخرُ بشَتمِ أمِّهِ وأبيه وعشيرتِه!
اليومَ، يَقِفُ الأخُ أمامَ أخيهِ في المحاكمِ لِسَنواتٍ طِوال من أجلِ أمتارٍ من الأرض، ولا يَتنازَلُ أحدُهما للآخر!
أينَ نحنُ من خُلُقِ النبيِّ ﷺ؟ أينَ نحنُ من قولِهِ تعالى يَمْدَحُ هذا النَّهج:
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]؟
ولنتأمَّل معًا سِرًّا آخَرَ من أسرارِ أخلاقِه. إنَّ الميدانَ الحقيقيَّ لاختبارِ الخُلُقِ ليسَ أمامَ النَّاس، ولا في المناسباتِ الرَّسميَّة حيثُ نَرتَدي جميعًا أقنعةَ المُجاملة. الميدانُ الحقيقيُّ هو "البَيت". بين الجُدرانِ الأربعة، حيثُ لا يَراكَ إلَّا أهلُك.
يقولُ النبيُّ ﷺ في الحديثِ الذي رواهُ الترمذي: «خَيرُكُم خَيرُكُم لأهلِه، وأنا خَيرُكُم لأهلي».
كيفَ كانَ ﷺ في بَيتِه؟
يَسألُ السَّائلُ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها: ما كانَ النبيُّ ﷺ يَصنَعُ في بيتِه؟ فماذا قالت؟ هل قالت كانَ يَنعَزِلُ للعبادة؟ هل قالت كان يَأمُرُ ويَنهى ولا يُراجَع؟
قالت: «كانَ يَكونُ في مِهنَةِ أهلِهِ — أي خِدمَةِ أهلِه — يَخْصِفُ نَعلَه، ويَرقَعُ ثَوبَه، ويَحلُبُ شاتَه، فإذا حَضَرَتِ الصلاةُ خَرَجَ إلى الصَّلاة».
حاكِمُ دَولةِ الإسلام، وقائدُ الجيوش، ومُبَلِّغُ الوَحي، ومَن يُنادى في السَّماءِ والأرض... يَرقعُ ثَوبَهُ بيدِه لِيُخَفِّفَ العِبءَ عن زَوجَتِه!
فما بالُ بعضِ رِجالِنا اليوم، يَدخُلُ بَيتَهُ كأنَّهُ جَبَّارٌ مُتَسَلِّط، إن وُجِدَ الطعامُ مُتأخِّرًا دقيقةً أقامَ الدُّنيا ولم يُقعِدها، وإن أخطَأتِ الزَّوجَةُ خطأً يَسيرًا أسمَعَها من مُرِّ الكلامِ ما يَبقى جُرحُهُ سَنوات؟
يَقولُ أنسُ بنُ مالكٍ رضيَ اللهُ عنه — وهو الخادمُ الذي عاشَ في عُمقِ بُيوتِ النبيِّ ﷺ —: «خَدَمتُ النبيَّ ﷺ عَشرَ سِنين، فَما قالَ لي أُفٍّ قَطّ، وما قال لشيءٍ صَنَعتُهُ: لِمَ صَنَعتَه؟ ولا لشيءٍ تَرَكتُهُ: لِمَ تَرَكتَه؟ وكان أحسَنَ النَّاسِ خُلُقًا».
عَشرُ سَنوات! كم عددُ الأيَّام؟ كم عددُ المواقف التي يُخطِئُ فيها صَبيٌّ صغير؟ ورَغمَ ذلك، لم يَسمَع "أُفٍّ" واحدة!
لقد صَدَقَ اللهُ حينَ قالَ يُخاطِبُهُ ويُخاطِبُنا من وَرائه:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].
يا عبادَ الله، إنَّ سوءَ الخُلُقِ يُفسِدُ العَمَلَ كما يُفسِدُ الخَلُّ العَسَل. جِيءَ للنبيِّ ﷺ يُقالُ له: "يا رسولَ الله، إنَّ فُلانةَ تَقومُ اللَّيل، وتَصومُ النَّهار، وتَفعَلُ، وتَصَّدَّق، غيرَ أنَّها تُؤذي جيرانَها بلسانِها!". ماذا تتوقَّعونَ منِ امرأةٍ قَوَّامَةٍ صَوَّامة؟ قال ﷺ بِحَسم: «لا خَيرَ فيها، هيَ من أهلِ النَّار».
الصَّلاةُ لم تَشفَع! الصِّيامُ لم يَشفَع! الصَّدَقةُ لم تَشفَع! لماذا؟ لأنَّ العِبادةَ التي لا تُهَذِّبُ الخُلُقَ وتُقَوِّمُ السُّلوكَ وتَكُفُّ الأذى عن النَّاس، هي عِبادةٌ مَنقوصَةٌ لم تُثمِر ثَمرتَها المطلوبة. وفي المقابل، يَقولُ ﷺ: «أكمَلُ المُؤمِنينَ إيمانًا أحسَنُهم خُلُقًا».
إنَّ دينَنا ليسَ دينَ قَهرٍ واستِعلاء، بل دينُ رَحمةٍ وعَفوٍ وتَواضُع. قال
تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
يقولُ الحَسَنُ البَصريُّ رضيَ اللهُ عنه واصفًا أخلاقَ المؤمن: "مِن أخلاقِ المؤمنِ: قُوَّةٌ في دِين، وحَزمٌ في لين، وإيمانٌ في يَقين، وحِلمٌ في عِلم، وقَصدٌ في غِنًى، وتَحَمُّلٌ في فاقة، وإحسانٌ في قُدرة".
تأمَّلوا مَعنى "إحسانٌ في قُدرة"! يومَ فَتحِ مَكَّة، وَقَفَ النبيُّ ﷺ أمامَ قُريش. هؤلاءِ هُم الذين طَرَدوه، وكَذَّبوه، وسَبُّوه، وَوَضَعوا سَلَى الجَزورِ على ظَهرِه وهو ساجد، وقَتَلوا أصحابَه، وحاصَروهُ في الشِّعبِ ثلاثَ سَنواتٍ حتى أَكَلَ وَرَقَ الشَّجر. الآن... هُم مَأسورونَ تَحتَ سَيفِه، لا حَولَ لهم ولا قُوَّة.
يَسألُهم: «يا مَعشَرَ قُريش، ما تَظُنُّونَ أنِّي فاعلٌ بكم؟». قالوا، وهم يَرتَجِفونَ بانتظارِ حُكمِ المُنتَصِر: "خَيرًا، أخٌ كريم، وابنُ أخٍ كَريم".
في هذه اللَّحظة التي تَنشَطُ فيها نَشوَةُ الانتِقامِ عِندَ كلِّ المُلوكِ والفاتحين، قالَ النبيُّ الخاتم ﷺ كلمتَهُ التي غَسَلَت الدِّماءَ من شَوارعِ مكَّة: «اذهَبوا... فأنتمُ الطُّلَقاء».
هذا هو نبيُّكم! هذا هو مَن نَنتَمي إليه. ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128].
فَيا مَن غَرَّتْهُ الدُّنيا، وأغضَبَهُ فُلان، وقاطَعَ عِلَّان! إلى متى هذا الجَفاء؟ الدُّنيا كُلُّها سِجنٌ للمؤمِن، فما بالُنا نُحَوِّلُ هذا السِّجنَ إلى جَحيمٍ بالتَّقاطُعِ وسُوءِ الخُلُق؟ ادفَعوا السَّيِّئةَ بالحَسَنة، واعمَلوا بقولِهِ تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34].
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً يَليقُ بجَلالِ وجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، أحمَدُهُ سبحانَهُ أن جَعَلَنا مِن أُمَّةِ سيِّدِ المُرسَلين، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمعين.
أمَّا بعد:
عبادَ الله، وَقَفنا في خُطبتِنا الأولى مع عَظَمَةِ أخلاقِ نبيِّنا ﷺ، وكيفَ كانَ رَحمةً لأعدائهِ قَبلَ أصدقائه، وكيفَ كانَ ألينَ النَّاسِ في بيتِه، وأعظَمَهم حِلمًا عِندَ قُدرَتِه. ورَأَينا أنَّ الخُلُقَ الحَسَنَ ليسَ مُجَرَّدَ "شَيءٍ إضافيٍّ" في الدِّين، بل هو جَوهَرُهُ وثَمَرتُه. والآن، ونحنُ نَستَعِدُّ لِمُغادَرَةِ هذا المَجلِس، بَقيَ السُّؤالُ العَمَليُّ الأهم: كيفَ نُتَرجِمُ حُبَّنا للنبيِّ ﷺ إلى واقِعٍ في حَياتِنا؟
أوصيكُم بخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري:
الأولى (قَلبيَّة): نَقِّ قَلبَكَ مِن الغِلِّ والحَسَد. لا تُبِتِ اللَّيلةَ وفي قَلبِكَ ذَرَّةُ حِقدٍ على مُسلِم. قالَ النبيُّ ﷺ إنَّ من أحَبِّ الناسِ إليهِ "المَخمومُ القَلب"، وهو التَّقيُّ النَّقيُّ الذي لا إثمَ فيه ولا بَغيَ ولا غِلَّ ولا حَسَد. نَظِّف هذا القَلبَ يَفتَحِ اللهُ لكَ أبوابَ الرَّحمة.
الثانية (لِسانيَّة): أمسِك لِسانَك! الكَلِمةُ الَّتي تَخرُجُ في لَحظَةِ غَضَبٍ قَد تَهدِمُ عُمرًا مِنَ العَلاقات. عاهِد نفسَكَ اليومَ أن تَبتَسِمَ أكثر، وأن تَقولَ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَة. إن استَفَزَّكَ مَوقِفٌ في الشَّارعِ أو في العَمَل، فَقُل: "اللهمَّ إنِّي أحلُمُ لوَجهِك"، ولا تَرُدَّ السَّيِّئةَ بالسَّيِّئة.
الثالثة (عَمَليَّة): غَيِّر سُلوكَكَ في بَيتِك. اللَّيلةَ، كُن أنتَ المُبادِرَ بالابتسامةِ عِندَ الدُّخول. عاوِن في شُؤونِ البَيتِ اقْتِداءً بنبيِّكَ ﷺ. قُل كَلِمةَ شُكرٍ لِزَوجَتِكَ، ولأُمِّك. لا تَكُن ثَقيلَ الظِّلِّ دائمَ الشِّكايَة. بَيتُكَ هو اختِبارُكَ الحقيقيّ.
الرابعة (اجتماعيَّة): مَن قاطَعَكَ فَصِلهُ، ومَن ظَلَمَكَ فاعفُ عَنه. ارفَع هاتِفَكَ اليومَ — بَعدَ الصَّلاةِ مُباشَرَةً — واتَّصِل بِرَحِمٍ قاطَعتَها، أو أخٍ هَجَرتَه. كُن أنتَ الأفضَلَ والأكثَرَ خُلُقًا، واجعَلها خُطوةً للهِ لا لانتِصارِ النَّفس.
الخامسة (موضوعيَّة): اجعَل سِيرَةَ النبيِّ ﷺ جُزءًا مِن يّومِك. لا تَدَع أولادَكَ يَتَرَبَّونَ على أبطالِ الوَهمِ في الشَّاشات، وهُم لا يَعرِفونَ كيفَ عاشَ مُحمَّدٌ ﷺ وكيفَ صَبَر. اِقرَأ لَهُم حَديثًا أو قِصَّةً مِن سِيرَتِهِ كُلَّ يَوم، لِيَكُونَ هوَ قُدوَتَهُم الحَقيقيَّة.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ المُؤمِنَ يُدرِكُ بِحُسنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ القائِم.
ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عَليه، عَمَلًا بقَولِهِ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا
تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين.
اللَّهمَّ حَسِّن أخلاقَنا كما حَسَّنتَ خَلقَنا. اللَّهمَّ جَنِّبنا مُنكِراتِ الأخلاقِ والأهواءِ والأعمالِ والأدواء.
اللَّهمَّ ارزُقنا حِلمًا يَسَعُ زَلَّاتِ إخوانِنا، ورَحمةً نَعطِفُ بِها على ضُعَفائِنا، وتَواضُعًا نَخفِضُ بهِ جَناحَنا للمؤمِنين.
اللَّهمَّ اجعَلنا مِمَّن يَقتَدي بنَبيِّكَ ﷺ في قَولِهِ وفِعلِهِ وسِرِّهِ وعَلانِيَتِه، واجعَلنا مِمَّن يَرِدُ حَوضَهُ ويُسقى مِن يَدِهِ الشَّريفَةِ شَربَةً هَنيئَةً لا نَظمَأُ بَعدَها أبدًا.
اللَّهمَّ أصلِح أحوالَ المُسلِمينَ عامَّة، وارحَم أمواتَنا، واشفِ مَرضانا، واربُط على قُلوبِ المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ في كُلِّ مَكان، واجعَل أيَّامَنا خَيرًا مِن أمسِنا، وغَدَنا خَيرًا مِن يَومِنا.
عِبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عن الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ ذكاء اصطناعي يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.