الطُّهُورُ شَطرُ الإِيمَانِ وَعُنوَانُ الرُّجُولَةِ وَالرُّقِيِّ: مُحَاضَرَةٌ مَدرَسِيَّةٌ لِطُلَّابِ المَرحَلَةِ الثَّانَوِيَّةِ عَن مَكَانَةِ النَّظَافَةِ فِي الإِسلَامِ وَالعِنَايَةِ بِالنَّظَافَةِ الشَّخصِيَّةِ وَبِيئَةِ المَدرَسَةِ
الحَمدُ للهِ الطَّيِّبِ الَّذِي لَا يَقبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، الجَمِيلِ الَّذِي يُحِبُّ الجَمَالَ وَالنَّقَاءَ وَالطُّهرَ، اختَارَ لَنَا دِينَ الفِطرَةِ السَّوِيَّةِ، وَجَعَلَ الطَّهَارَةَ وَالنَّظَافَةَ مِفتَاحَ العِبَادَةِ وَشَطرَ الإِيمَانِ وَعُنوَانَ الحَضَارَةِ الإِسلَامِيَّةِ، وَأَنزَلَ فِي فَوَاتِحِ وَحيِهِ الكَرِيمِ أَمرَهُ الحَاسِمَ بِتَطهيرِ الثِّيَابِ وَالأَبدَانِ وَالأَفئِدَةِ وَالمَكَانِ، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ الشَّاكِرِينَ، وَنَستَعِينُهُ استِعَانَةَ المُستَبصِرِينَ، القَائِلِ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وَالقَائِلِ جَلَّ شَأنُهُ فِي مَدحِ أَهلِ الطَّهَارَةِ وَالنَّظَافَةِ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨].
وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةَ مَن أَيقَنَ أَنَّ دِينَ اللهِ كُلَّهُ جَمَالٌ وَنِظَامٌ وَطُهرٌ وَإِتقَانٌ، وَأَنَّ الإِسلَامَ كَمَا يُطَهِّرُ العَقِيدَةَ مِنَ الشِّركِ، وَالقَلبَ مِنَ الغِلِّ، وَاللِّسَانَ مِنَ الفُحشِ، فَإِنَّهُ يُطَهِّرُ البَدَنَ وَالثَّوبَ وَالمَقعَدَ وَالفَصلَ وَالمَدرَسَةَ وَالطَّرِيقَ مِن كُلِّ دَرَنٍ وَقَذىً وَأَذًى!
وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَقُدوَتَنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِن خَلقِهِ وَخَلِيلُهُ، كَانَ أَنظَفَ النَّاسِ بَدَنًا، وَأَطيَبَهُم رِيحًا، وَأَبهَاهُم مَنظَرًا، وَأَجمَلَهُم هَيئَةً؛ كَانَ يُعرَفُ بِطِيبِ رِيحِهِ إِذَا أَقبَلَ فِي سِكَكِ المَدِينَةِ قَبلَ أَن يُرَى، وَكَانَ يَأْمُرُ أَصحَابَهُ وَشَبَابَ أُمَّتِهِ بِإِكرَامِ الشَّعرِ، وَتَنظِيفِ الأَفنِيَةِ، وَتَطيِيبِ الأَبدَانِ، وَتَعهُّدِ الفَمِ بِالسِّوَاكِ، وَإِمَاطَةِ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ؛ فَصَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَعَلَى أَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ، وَعَلَى التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا شَبَابَ المَرحَلَةِ الثَّانَوِيَّةِ الأَعِزَّاءَ، يَا رِجَالَ الغَدِ وَبُنَاةَ المُستَقبَلِ وَعِمَادَ الأُمَّةِ:
أُحَيِّيكُم بِتَحِيَّةِ الإِسلَامِ الخَالِدَةِ: السَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.
إِنَّنِي حِينَ أَقِفُ اليَومَ بَينَ أَيدِيكُم فِي هَذَا الصَّرحِ التَّعلِيمِيِّ المُبَارَكِ، لَا أُخَاطِبُ أَطفَالًا صِغَارًا يُسَاقُونَ بِالأَوَامِرِ المُجَرَّدَةِ، بَل أُخَاطِبُ شَبَابًا نَاضِجِينَ فِي القِسمِ الثَّانَوِيِّ، قَد بَلَغُوا سِنَّ التَّكلِيفِ وَالرُّجُولَةِ وَالوَعيِ، وَأَصبَحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنكُم يَستَعِدُّ لِخَوضِ غِمَارِ الجَامِعَةِ وَالحَيَاةِ العَمَلِيَّةِ وَتَحَمُّلِ المَسؤُولِيَّةِ؛ وَحَدِيثُنَا اليَومَ عَن قِيمَةٍ عَظِيمَةٍ هِيَ مِقيَاسُ تَحَضُّرِ الشَّابِّ المُسلِمِ، وَعُنوَانُ رُجُولَتِهِ وَاحتِرَامِهِ لِنَفسِهِ وَلِدِينِهِ وَلِمُجتَمَعِهِ؛ إِنَّهَا قِيمَةُ «النَّظَافَةِ وَالطَّهَارَةِ» فِي شَخصِكَ وَهَندَامِكَ، وَفِي فَصلِكَ وَمَدرَسَتِكَ!
أَيُّهَا الشَّبَابُ النُّجَبَاءُ: اسأَلُوا أَنفُسَكُم سُؤَالًا مَنهَجِيًّا عَمِيقًا: لَو فَتَحتُم أَيَّ كِتَابٍ مِن كُتُبِ الفِقهِ الإِسلَامِيِّ الَّتِي صَنَّفَهَا عُلَمَاءُ الإِسلَامِ عَبرَ أَربَعَةَ عَشَرَ قَرنًا، فَبِأَيِّ بَابٍ يَبدَأُ الفُقَهَاءُ كُتُبَهُم قَبلَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالحَجِّ وَالبُيُوعِ؟
إِنَّهُم يَبدَؤُونَ جَمِيعًا بِـ«كِتَابِ الطَّهَارَةِ»!
وَلِمَاذَا بَدَأَ الفِقهُ الإِسلَامِيُّ بِالطَّهَارَةِ وَالنَّظَافَةِ؟ لِأَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى جَعَلَ النَّظَافَةَ وَالطَّهَارَةَ بَوَّابَةَ الدُّخُولِ إِلَى حَضرَتِهِ، فَلَا تَصِحُّ صَلَاةُ المُسلِمِ إِلَّا بِشُرُوطِ طَهَارَةٍ ثَلَاثَةٍ مُجتمِعَةٍ: طَهَارَةِ البَدَنِ، وَطَهَارَةِ الثَّوبِ، وَطَهَارَةِ البُقعَةِ وَالمَكَانِ!
بَل تَأَمَّلُوا فَوَاتِحَ الوَحيِ الإِلَهِيِّ؛ فَبَعدَ أَن نَزَلَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]، نَزَلَت سُورَةُ المُدَّثِّرِ تَأْمُرُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِأَوائِلِ تَكَالِيفِ الرِّسَالَةِ، فَمَاذَا كَانَ فِي طَلِيعَةِ تِلكَ الأَوَامِرِ؟ قَالَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١-٥]!
اللهُ أَكبَرُ! قَبلَ أَن تَنزِلَ تَفَاصِيلُ الشَّرَائِعِ وَالفَرَائِضِ، يَنزِلُ الأَمرُ الإِلَهِيُّ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾؛ لِيَعلَمَ العَالَمُ كُلُّهُ أَنَّ الإِسلَامَ دِينُ النَّظَافَةِ وَالطَّهَارَةِ وَالنَّقَاءِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا!
وَانظُرُوا -يَا شَبَابَ الإِسلَامِ- إِلَى تِلكَ الآيَةِ العَظِيمَةِ فِي سُورَةِ التَّوبَةِ، حِينَ أَثنَى اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى أَهلِ مَسجِدِ قُبَاءَ بِالمَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ؛ بِمَاذَا مَدَحَهُمُ اللهُ، وَبِأَيِّ وَصفٍ وَصَفَهُم؟ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨].
تَوَقَّفُوا عِندَ كَلِمَةِ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ﴾! لَقَد جَعَلَ القُرآنُ الكَرِيمُ مَحَبَّةَ التَّطَهُّرِ وَالنَّظَافَةِ عَلامَةً مِن عَلَامَاتِ «الرُّجُولَةِ الحَقَّةِ»! فَإِيَّاكَ أَن تَظُنَّ يَا أَخِي الشَّابَّ أَنَّ الرُّجُولَةَ وَالفُتُوَّةَ فِي إِهمَالِ المَظهَرِ، أَو تَركِ الشَّعرِ مُشَعَّثًا، أَوِ استِقذَارِ المَلبَسِ، أَوِ الفَوضَى فِي المَكَانِ؛ بَلِ الرُّجُولَةُ القُرآنِيَّةُ هِيَ النَّظَافَةُ، وَالطَّهَارَةُ، وَالنِّظَامُ، وَالأَنَاقَةُ المُنضَبِطَةُ بِشَرعِ اللهِ!
وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ مِن حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ الأَشعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الطُّهُورُ شَطرُ الإِيمَانِ»! شَطرُ الإِيمَانِ أَي نِصفُهُ؛ فَلَا يَكتَمِلُ إِيمَانُ عَبدٍ حَتَّى يَجمَعَ بَينَ طَهَارَةِ القَلبِ بِالتَّوحِيدِ وَالإِخلَاصِ، وَطَهَارَةِ القَالَبِ وَالمَكَانِ بِالنَّظَافَةِ وَالوُضُوءِ وَالاغتِسَالِ!
وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ أَيضًا عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لَمَّا حَذَّرَ مِنَ الكِبرِ، قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَن يَكُونَ ثَوبُهُ حَسَنًا وَنَعلُهُ حَسَنَةً! فَقَالَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ؛ الكِبرُ بَطَرُ الحَقِّ وَغَمطُ النَّاسِ»!
أَتَعلَمُونَ يَا شَبَابُ أَنَّ أُمَّتَكُمُ الإِسلَامِيَّةَ حِينَ تَمَسَّكَت بِهَذَا الهَديِ القُرآنِيِّ وَالنَّبَوِيِّ كَانَت أَنظَفَ أُمَّةٍ عَلَى وَجهِ الأَرضِ؟ فَفِي القُرُونِ الوُسطَى حِينَ كَانَتِ المُدُنُ الأُورُوبِّيَّةُ تَغرَقُ فِي الأَوحَالِ وَالأَوبِئَةِ، وَكَانَ الرُّهبَانُ يَعدُّونَ الاغتِسَالَ بِالمَاءِ خَطِيئَةً حَتَّى تَفتَخِرَ مَلِكَةُ قَشتَالَةَ بِأَنَّهَا لَم تَغتَسِل فِي حَيَاتِهَا إِلَّا مَرَّتَينِ، كَانَت قُرطُبَةُ وَبَغدَادُ وَدِمَشقُ وَالقَاهِرَةُ تَزخَرُ بِمِئَاتِ الحَمَّامَاتِ العَامَّةِ وَشَبَكَاتِ المِيَاهِ النَّقِيَّةِ وَالمُستَشفَيَاتِ المُعَطَّرَةِ، وَكَانَ الشَّابُّ المُسلِمُ يَتَوَضَّأُ خَمسَ مَرَّاتٍ كُلَّ يَومٍ، وَيَغتَسِلُ، وَيَستَاكُ، وَيَتَطَيَّبُ بِالمِسكِ وَالعُودِ!
إِخوَتِي وَأَبنَائِي طُلَّابَ المَرحَلَةِ الثَّانَوِيَّةِ: دَعُونَا نَنتَقِلُ الآنَ إِلَى المِحورِ الثَّانِي العَمَلِيِّ المُلَامِسِ لِحَيَاتِكُمُ اليَومِيَّةِ؛ وَهُوَ: «النَّظَافَةُ الشَّخصِيَّةُ لِلشَّابِّ فِي المَرحَلَةِ الثَّانَوِيَّةِ»:
إِنَّكُم الآنَ فِي مَرحَلَةِ الشَّبَابِ وَالفُتُوَّةِ وَالنَّشَاطِ البَدَنِيِّ؛ وَمِنَ المَعلُومِ فِسيُولُوجِيًّا وَطِبِّيًّا أَنَّ الغُدَدَ العَرَقِيَّةَ فِي هَذِهِ المَرحَلَةِ العُمرِيَّةِ تَنشَطُ بِقُوَّةٍ، لَا سِيَّمَا مَعَ الحَرَكَةِ وَالمَشيِ إِلَى المَدرَسَةِ وَطَابُورِ الصَّبَاحِ وَحِصَّةِ التَّربِيَةِ الرِّيَاضِيَّةِ وَجُلُوسِ ثَلَاثِينَ أَو أَربَعِينَ طَالِبًا فِي فَصلٍ وَاحِدٍ سَبعَ سَاعَاتٍ كُلَّ يَومٍ! وَمِن هُنَا فَإِنَّ الشَّرعَ الحَكِيمَ وَالذَّوقَ الرَّفِيعَ يُوجِبَانِ عَلَى كُلِّ شَابٍّ مِنكُم خَمسَ وَظَائِفَ يَومِيَّةٍ وَأُسبُوعِيَّةٍ فِي نَظَافَتِهِ الشَّخصِيَّةِ:
الوَظِيفَةُ الأُولَى: تَعَاهُدُ البَدَنِ بِالاغتِسَالِ، وَاستِعمَالُ الطِّيبِ وَمُزِيلَاتِ العَرَقِ، وَتَبدِيلُ المَلَابِسِ الدَّاخِلِيَّةِ وَالجَوَارِبِ بِاستِمرَارٍ:
فَفِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «غُسلُ يَومِ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحتَلِمٍ، وَأَن يَستَنَّ، وَأَن يَمَسَّ طِيبًا إِن وَجَدَ»! انظُرُوا كَيفَ خَاطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كُلَّ «مُحتَلِمٍ» أَي كُلَّ شَابٍّ بَلَغَ سِنَّ الرُّجُولَةِ وَالشَّبَابِ بِالاغتِسَالِ وَالِاستِنَانِ بِالسِّوَاكِ وَالتَّطَيُّبِ!
وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَت: «كَانَ النَّاسُ مَهَنَةَ أَنفُسِهِم، وَكَانُوا إِذَا رَاحُوا إِلَى الجُمُعَةِ رَاحُوا فِي هَيئَتِهِم، فَقِيلَ لَهُم: لَوِ اغتَسَلتُم»! فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي اجتِمَاعِ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ يَومَ الجُمُعَةِ، فَكَيفَ بِاجتِمَاعِكُم مَعَ زُمَلَائِكَ وَمُعَلِّمِيكَ فِي الفَصلِ الدِّرَاسِيِّ طَوَالَ الأُسبُوعِ؟! إِنَّ مِن أَعظَمِ الإِحسَانِ إِلَى نَفسِكَ وَإِلَى زَمِيلِكَ الجَالِسِ بِجِوَارِكَ أَن تَأتِيَ إِلَى المَدرَسَةِ كُلَّ صَبَاحٍ نَظِيفَ البَدَنِ، طَيِّبَ الرَّائِحَةِ، قَد غَيَّرتَ جَوَارِبَكَ حَتَّى لَا تَنبَعِثَ مِنهَا رَائِحَةٌ تُؤذِي المُصَلِّينَ فِي مُصَلَّى المَدرَسَةِ أَوِ الجَالِسِينَ فِي الفَصلِ!
وَالوَظِيفَةُ الثَّانِيَةُ: المُحَافَظَةُ الدَّقِيقَةُ عَلَى «سُنَنِ الفِطرَةِ» الَّتِي عَلَّمَنَا إِيَّاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ:
فَفِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «الفِطرَةُ خَمسٌ: الخِتَانُ، وَالِاستِحدَادُ، وَتَقلِيمُ الأَظفَارِ، وَنَتفُ الإِبطِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ». وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ عَشرًا مِنَ الفِطرَةِ وَمِنهَا: «السِّوَاكُ، وَاستِنشَاقُ المَاءِ، وَقَصُّ الأَظفَارِ، وَغَسلُ البَرَاجِمِ» وَالبَرَاجِمُ هِيَ عُقَدُ الأَصَابِعِ وَمَعَاطِفُ الجلدِ الَّتِي يَجتَمِعُ فِيهَا الوَسَخُ!
انظُرُوا يَا شَبَابُ إِلَى دِقَّةِ الإِسلَامِ: إِنَّ إِطَالَةَ الأَظفَارِ حَتَّى تَجتَمِعَ تَحتَهَا الأَوسَاخُ وَالمِيكرُوبَاتُ، أَو تَركَ شَعرِ الإِبطِ وَالعَانَةِ حَتَّى تَنبَعِثَ الرَّوَائِحُ الكَرِيهَةُ، مُخَالِفٌ لِلفِطرَةِ النَّبَوِيَّةِ وَالصِّحَّةِ البَدَنِيَّةِ؛ وَقَد وَضَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حَدًّا أَقصَى لَا يَجُوزُ تَجَاوُزُهُ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: «وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقلِيمِ الأَظفَارِ، وَنَتفِ الإِبطِ، وَحَلقِ العَانَةِ، أَن لَا نَترُكَ أَكثَرَ مِن أَربَعِينَ لَيلَةً»، وَالأَفضَلُ لِلشَّابِّ النَّظِيفِ أَن يَتَعَاهَدَ أَظفَارَهُ وَفِطرَتَهُ كُلَّ جُمُعَةٍ!
وَالوَظِيفَةُ الثَّالِثَةُ: نَظَافَةُ الفَمِ وَالأَسنَانِ، وَتَطهيرُ الأَنفَاسِ مِن كُلِّ رَائِحَةٍ مُؤذِيَةٍ:
لَقَد بَلَغَ مِن عِنَايَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِنَظَافَةِ الفَمِ وَالأَسنَانِ أَنَّهُ كَانَ يَستَاكُ عِندَ دُخُولِ بَيتِهِ، وَعِندَ قِيَامِهِ مِنَ النَّومِ، وَعِندَ كُلِّ وُضُوءٍ وَصَلَاةٍ، حَتَّى كَانَ آخِرُ شَيءٍ فَعَلَهُ قَبلَ أَن تَفيضَ رُوحُهُ الشَّرِيفَةُ إِلَى الرَّفِيقِ الأَعلَى هُوَ السِّوَاكُ كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ! وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ وَمُسنَدِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: «السِّوَاكُ مَطهَرَةٌ لِلفَمِ، مَرضَاةٌ لِلرَّبِّ»!
فَاحرِص -أَخِي الطَّالِبَ- عَلَى تَنظِيفِ أَسنَانِكَ بِالفُرشَاةِ وَالمَعجُونِ وَالسِّوَاكِ كُلَّ صَبَاحٍ قَبلَ خُرُوجِكَ إِلَى المَدرَسَةِ وَبَعدَ الطَّعَامِ؛ وَاحذَر كُلَّ الحَذَرِ مِن آفَةِ التَّدخِينِ أَوِ الشَّيشَةِ الإِلِكترُونِيَّةِ وَغَيرِهَا مِنَ السُّمُومِ الخَبِيثَةِ الَّتِي تَفتِكُ بِالرِّئَتَينِ وَالصِّحَّةِ، وَتَجعَلُ رائِحَةَ فَمِ الشَّابِّ وَثِيَابِهِ مُنتِنَةً مُنَفِّرَةً لِلمَلَائِكَةِ وَلِزُمَلَائِهِ وَمُعَلِّمِيهِ؛ فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ قَد مَنَعَ مَن أَكَلَ ثُومًا أَو بَصَلًا -وَهُوَ حَلَالٌ- مِن قُربَانِ المَسجِدِ وَقَالَ: «فَإِنَّ المَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنهُ بَنُو آدَمَ»، فَكَيفَ بِمَن يُؤذِي إِخوَانَهُ وَيُؤذِي المَلَائِكَةَ بِرَائِحَةِ الدُّخَانِ المُحَرَّمِ الخَبِيثِ؟!
وَالوَظِيفَةُ الرَّابِعَةُ: نَظَافَةُ الزِّيِّ المَدرَسِيِّ وَإِكرَامُ الشَّعرِ بِوَقَارِ الرُّجُولَةِ بَعِيدًا عَنِ التَّقلِيدِ الأَعمَى:
فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَمُسنَدِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَرَأَى رَجُلًا شَعِثًا قَد تَفَرَّقَ شَعرُهُ، فَقَالَ: «أَمَا كَانَ يَجِدُ هَذَا مَا يُسَكِّنُ بِهِ شَعرَهُ؟!»، وَرَأَى رَجُلًا آخَرَ وَعَلَيهِ ثِيَابٌ وَسِخَةٌ، فَقَالَ: «أَمَا كَانَ هَذَا يَجِدُ مَاءً يَغسِلُ بِهِ ثَوبَهُ؟!»!
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن كَانَ لَهُ شَعرٌ فَلْيُكرِمْهُ». وَإِكرَامُ الشَّعرِ يَا شَبَابُ يَكُونُ بِغَسلِهِ وَتَرجِيلِهِ وَتَمشِيطِهِ بِمَظهَرٍ رَجُولِيٍّ مُحترَمٍ، وَاجتِنَابِ «القَزَعِ» وَالتَّقليعاتِ الغَرِيبَةِ الَّتِي نَهَى عَنهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا؛ وَالقَزَعُ هُوَ حَلقُ جَانِبَيِ الرَّأسِ أَو بَعضِهِ وَتَركُ بَعضِهِ تَشَبُّهًا بِالتَّائِهِينَ؛ فَالشَّابُّ المُسلِمُ أَعَزُّ وَأَرفَعُ مِن أَن يَكُونَ إِمَّعَةً يُقَلِّدُ كُلَّ نَاعِقٍ فِي قَصَّةِ شَعرِهِ أَو هَيئَةِ لِبَاسِهِ!
أَيُّهَا الشَّبَابُ الأَعِزَّاءُ: وَإِذَا كَانَت هَذِهِ هِيَ النَّظَافَةُ الشَّخصِيَّةُ فِي بَدَنِكَ وَثَوبِكَ، فَتَعَالَوا إِلَى المِحوَرِ الثَّالِثِ الجَوهَرِيِّ، وَهُوَ: «المُحَافَظَةُ عَلَى نَظَافَةِ المَدرَسَةِ وَفُصُولِهَا وَمَرَافِقِهَا»:
إِنَّ هَذِهِ المَدرَسَةَ الَّتِي تَقضُونَ فِيهَا أَجمَلَ سَنَوَاتِ شَبَابِكُم هِيَ بَيتُكُمُ الثَّانِي، وَهِيَ مَيدَانُ تَلقِّي العِلمِ الَّذِي تَحفُّكُم فِيهِ المَلَائِكَةُ بِأَجنِحَتِهَا رِضًا بِمَا تَصنَعُونَ؛ فَهَل يَلِيقُ بِمَكَانٍ تَحضُرُهُ المَلَائِكَةُ وَيُقرَأُ فِيهِ العِلمُ أَن يُدَنَّسَ بِالفَوضَى وَالقَاذُورَاتِ؟!
فَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ عَن سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الجُودَ؛ فَنَظِّفُوا أَفنِيَتَكُم»!
نَظِّفُوا أَفنِيَتَكُم: أَي سَاحَاتِ بُيُوتِكُم وَمَدَارِسِكُم وَمَسَاجِدِكُم! وَإِنَّ الحِفَاظَ عَلَى نَظَافَةِ المَدرَسَةِ يَتَجَلَّى فِي أَربَعَةِ مَظَاهِرَ عَمَلِيَّةٍ نُرِيدُ أَن نَرَاهَا وَاقِعًا حَيًّا فِي قِسمِنَا الثَّانَوِيِّ:
المَظهَرُ الأَوَّلُ: نَظَافَةُ الفَصلِ الدِّرَاسِيِّ وَالمَقعَدِ وَالجُدرَانِ:
إِنَّ المَقعَدَ وَالطَّاوِلَةَ الَّتِي تَجلِسُ عَلَيهَا أَمَانَةٌ بَينَ يَدَيكَ، يَجلِسُ عَلَيهَا زَمِيلُكَ مِن بَعدِكَ، فَحِفَاظُكَ عَلَى نَظَافَتِهَا، وَامتِنَاعُكَ عَنِ الكِتَابَةِ وَالخَربَشَةِ عَلَيهَا أَو عَلَى جُدرَانِ الفَصلِ، وَحِرصُكَ عَلَى أَلَّا تَرمِيَ قُصَاصَةَ وَرَقٍ أَو مِنْدِيلًا تَحتَ طَاوِلَتِكَ أَو فِي مَمَرِّ الفَصلِ، بَل تَضَعُهُ فِي سَلَّةِ المُهمَلَاتِ، هُوَ دَلِيلٌ عَلَى رُقِيِّ عَقلِكَ وَيَقَظَةِ ضَمِيرِكَ!
وَالمَظهَرُ الثَّانِي: نَظَافَةُ سَاحَةِ المَدرَسَةِ وَفِنَائِهَا أَثنَاءَ الفُسحَةِ وَبَعدَهَا، وَإِكرَامُ النِّعمَةِ:
كَم يَحزَنُ القَلبُ حِينَ يَرنُّ جَرَسُ نِهَايَةِ الفُسحَةِ وَيَدخُلُ الطُّلَّابُ إِلَى الفُصُولِ، فَتَنظُرُ إِلَى فِنَاءِ المَدرَسَةِ فَإِذَا عُلَبُ العَصِيرِ وَقَوَارِيرُ المَاءِ وَالأَكيَاسُ مَرمِيَّةٌ عَلَى الأَرضِ وَبَينَهَا بَقَايَا الخُبزِ وَالطَّعَامِ وَأَحيَازُ القُمَامَةِ عَلَى بُعدِ خُطُوَاتٍ قَلِيلَةٍ!
يَا شَبَابَ الإِسلَامِ: إِنَّ رَميَ بَقَايَا الطَّعَامِ وَالخُبزِ عَلَى الأَرضِ حَيثُ تَطَؤُهُ الأَقدَامُ كُفرَانٌ لِنِعمَةِ اللهِ وَإِهَانَةٌ لِلرِّزقِ الَّذِي لَا يَجِدُهُ مَلَايِينُ الجَوعَى فِي العَالَمِ! تَذَكَّرُوا نَبِيَّكُم صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ حِينَ مَرَّ بِتَمرَةٍ سَاقِطَةٍ فِي الطَّرِيقِ فَرَفَعَهَا إِكرَامًا لِلنِّعمَةِ! وَتَذَكَّرُوا أَنَّ إِمَاطَةَ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ شُعبَةٌ مِن شُعَبِ الإِيمَانِ وَصَدَقَةٌ تَغفِرُ الذُّنُوبَ؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «الإِيمَانُ بِضعٌ وَسَبعُونَ شُعبَةً، فَأَفضَلُهَا قَولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ». فَإِذَا كَانَ مَن يَرفَعُ الأَذَى الَّذِي رَمَاهُ غَيرُهُ يُؤجَرُ وَيُغفَرُ لَهُ، فَمَا بَالُ مَن يَرمِي الأَذَى وَالقُمَامَةَ بِيَدِهِ فِي سَاحَةِ مَدرَسَتِهِ؟!
وَالمَظهَرُ الثَّالِثُ: إِكرَامُ عُمَّالِ النَّظَافَةِ فِي المَدرَسَةِ، وَإِيَّاكُم وَتِلكَ الكَلِمَةَ القَبِيحَةَ الَّتِي يَقُولُهَا بَعضُ الجُهَلَاءِ حِينَ يَرمِي القُمَامَةَ عَلَى الأَرضِ: «دَعهَا، فَهَذَا عَمَلُ عَامِلِ النَّظَافَةِ»!
كَلَّا وَاللهِ يَا أَخِي الشَّابَّ! إِنَّ عَامِلَ النَّظَافَةِ فِي المَدرَسَةِ رَجُلٌ كَرِيمٌ، قَد يَكُونُ فِي سِنِّ وَالِدِكَ، تَغَرَّبَ عَن أَهلِهِ وَأَولَادِهِ لِيَكسِبَ اللُّقمَةَ الحَلَالَ بِعَرَقِ جَبِينِهِ، وَوَظِيفَتُهُ أَن يُنَظِّفَ المَدرَسَةَ مِمَّا يَجتَمِعُ فِيهَا طَبِيعِيًّا مِنَ الغُبَارِ وَالأَترِبَةِ، لَا أَن يَنحَنِيَ ظَهرُهُ مِائَةَ مَرَّةٍ كُلَّ يَومٍ لِيَلتَقِطَ كِيسًا أَو قَارُورَةً رَمَيتَهَا أَنتَ بِاستِهتَارٍ وَعَلَى بُعدِ مِترَينِ مِنكَ سَلَّةُ المُهمَلَاتِ!
أَتَدرُونَ كَيفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يُكَرِّمُ مَن يَقُومُ عَلَى نَظَافَةِ المَسجِدِ؟ فَفِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: أَنَّ امرَأَةً سَودَاءَ -أَو شَابًّا- كَانَت تَقُمُّ المَسجِدَ (أَي تَكنُسُهُ وَتُخرِجُ مِنهُ القَذَى وَالأَعوَادَ)، فَمَاتَت بِلَيلٍ فَدَفَنُوهَا وَلَم يُؤذِنُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أَصبَحَ افتَقَدَهَا وَسَأَلَ عَنهَا، فَقَالُوا: مَاتَت يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَالَ: «أَفَلَا كُنتُم آذَنتُمُونِي؟ دُلُّونِي عَلَى قَبرِهَا»، فَأَتَى قَبرَهَا فَصَلَّى عَلَيهَا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ! يَا لَعَظَمَةِ الإِسلَامِ! رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَمشِي بِنَفسِهِ إِلَى المَقَابِرِ وَفَاءً وَتَكرِيمًا لِمَن كَانَ يَكنُسُ المسجِدَ وَيَحفَظُ نَظَافَتَهُ!
وَالمَظهَرُ الرَّابِعُ: نَظَافَةُ مُصَلَّى المَدرَسَةِ وَدَورَاتِ المِيَاهِ وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ:
فَمِن عَلامَاتِ الشَّابِّ المُسلِمِ المُتحَضِّرِ أَن يَترُكَ المَكَانَ بَعدَ استِعمَالِهِ أَنظَفَ مِمَّا كَانَ قَبلَ دُخُولِهِ؛ فَيُحَافِظُ عَلَى نَظَافَةِ دَورَاتِ المِيَاهِ وَصَنَابِيرِ المَاءِ، وَيَقتَصِدُ فِي مَاءِ الوُضُوءِ فَلَا يُسرِفُ فِيهِ وَلَا يَبلُّ ثِيَابَ زُمَلَائِهِ أَو سَجَّادَ المُصَلَّى، وَيَرتِّبُ المَصَاحِفَ فِي أَمَاكِنِهَا اللائِقَةِ بِهَا!
إِخوَتِي الشَّبَابَ: وَخِتَامُ مَا أُوصِيكُم بِهِ وَنَفسِي فِي هَذِهِ المُحَاضَرَةِ:
اعلَمُوا أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى كَمَا يُحِبُّ مِنكُم نَظَافَةَ البَدَنِ وَالثَّوبِ وَالفَصلِ وَالمَدرَسَةِ، فَإِنَّهُ يُحِبُّ مِنكُم قَبلَ ذَلِكَ وَمَعَهُ: نَظَافَةَ القَلبِ، وَنَظَافَةَ اللِّسَانِ، وَنَظَافَةَ العَينِ وَالهَاتِفِ! فَاجعَلُوا قُلُوبَكُم نَقِيَّةً مِنَ الحَسَدِ وَالبَغضَاءِ، وَأَلسِنَتَكُم طَاهِرَةً مِنَ الشَّتمِ وَاللعنِ وَالبَذَاءَةِ وَالغِيبَةِ، وَأَبصَارَكُم وَهَوَاتِفَكُم عَفِيفَةً عَنِ المَقَاطِعِ المُحَرَّمَةِ؛ فَمَتَى اجتَمَعَت فِي الشَّابِّ طَهَارَةُ البَاطِنِ وَطَهَارَةُ الظَّاهِرِ، كَانَ مِنَ الشَّبَابِ الَّذِينَ يُباهِي اللهُ بِهِم مَلَائِكَتَهُ وَيُظِلُّهُم فِي ظِلِّ عَرشِهِ يَومَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ!
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ، طَهِّر قُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاقِ، وَأَعمَالَنَا مِنَ الرِّيَاءِ، وَأَلسِنَتَنَا مِنَ الكَذِبِ وَالبَذَاءِ، وَأَعيُنَنَا مِنَ الخِيَانَةِ، وَاجعَلنَا مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجعَلنَا مِنَ المُتَطَهِّرِينَ.
اللَّهُمَّ بَارِك فِي شَبَابِنَا وَطُلَّابِنَا فِي هَذِهِ المَدرَسَةِ وَفِي سَائِرِ مَدَارِسِ المُسلِمِينَ، اللَّهُمَّ زَيِّنهُم بِزِينَةِ الإِيمَانِ وَالطَّهَارَةِ وَالعِفَّةِ وَالوَقَارِ وَالعِلمِ النَّافِعِ، وَاجعَلهُم قُرَّةَ عَينٍ لِوَالِدِيهِم وَمُعَلِّمِيهِم وَأُمَّتِهِم، وَاحفَظهُم مِن كُلِّ سُوءٍ وَمَكرُوهٍ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.
وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ، وَالسَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.
من مكتبة مِداد الخطيب
الطُّهُورُ شَطرُ الإِيمَانِ وَعُنوَانُ الرُّجُولَةِ وَالرُّقِيِّ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.