من مكتبة مِداد الخطيب

اللَّحَظَاتُ الحَاسِمَةُ قَبلَ المَعصِيَةِ وَأَسلِحَةُ الثَّبَاتِ عَلَى الطَّاعَةِ

مشاركة
اللَّحَظَاتُ الحَاسِمَةُ قَبلَ المَعصِيَةِ وَأَسلِحَةُ الثَّبَاتِ عَلَى الطَّاعَةِ: مُحَاضَرَةٌ إِيمَانِيَّةٌ تَربَوِيَّةٌ مُوسَّعَةٌ فِي فِقهِ الإِحجَامِ عَنِ الذَّنبِ وَمَقَامِ الخَوفِ وَالمُرَاقَبَةِ وَحُصُونِ العِصمَةِ مِنَ الفِتَنِ الحَمدُ للهِ الَّذِي أَحَاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلمًا، وَأَحصَى كُلَّ شَيءٍ عَدَدًا، وَكَانَ بِالمُؤمِنِينَ رَحِيمًا، يَعلَمُ خَائِنَةَ الأَعيُنِ وَمَا تُخفِي الصُّدُورُ، وَيَسمَعُ دَبِيبَ الخَوَاطِرِ فِي حَنَايَا القُلُوبِ، وَيَرَى تَقَلُّبَ النُّفُوسِ بَينَ إِقدَامِ الشَّهوَةِ وَإِحجَامِ الخَشيَةِ فِي ظُلُمَاتِ الغُيُوبِ. أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى حَمدَ مَن عَرَفَ جَلَالَهُ فَاستَحيَا مِن نَظَرِهِ إِلَيهِ، وَعَلِمَ قُربَهُ وَإِحَاطَتَهُ فَوَقَفَ عِندَ حُدُودِهِ وَلَم يَتَجَرَّأْ بِالمَعَاصِي عَلَيهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الكَبِيرُ المُتَعَالُ، الرَّقِيبُ الحَسِيبُ، الَّذِي لَا تَخفَى عَلَيهِ خَافِيَةٌ فِي الأَرضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَلَا يَعزُبُ عَن عِلمِهِ مِثقَالُ ذَرَّةٍ فِي الظَّلماءِ، جَعَلَ تَركَ المَعصِيَةِ مِن أَجلِهِ بُرهَانَ الصِّدِّيقِيَّةِ، وَعُنوَانَ الإِخلَاصِ، وَسَبَبَ الظِّلِّ الظَّلِيلِ يَومَ تَدنُو الشَّمسُ مِنَ الرُّؤُوسِ وَيَعظُمُ الكَربُ وَالابتِلَاءُ. وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا وَقُدوَتَنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِن خَلقِهِ وَخَلِيلُهُ، أَتقَى البَرِيَّةِ للهِ قَلبًا، وَأَعظَمُهُم لَهُ خَشيَةً وَمُرَاقَبَةً فِي الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَثبَتُهُم عَلَى الحَقِّ وَالطَّاعَةِ قَدَمًا، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَعَلَى أَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ، الَّذِينَ كَانُوا إِذَا مَسَّهُم طَائِفٌ مِنَ الشَّيطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُبصِرُونَ، وَإِذَا دَعَتهُمُ الدُّنيَا بِزُخرُفِهَا أَوِ الشَّهوَةُ بِبَرِيقِهَا قَالُوا: مَعَاذَ اللهِ، إِنَّا نَخَافُ مِن رَبِّنَا يَومًا عَبُوسًا قَمطَرِيرًا، وَعَلَى التَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ، وَيَا طُلَّابَ العِلمِ وَحَمَلَةَ الرِّسَالَةِ، وَيَا كُلَّ قَلبٍ يَنشُدُ النَّجَاةَ وَالثَّبَاتَ فِي زَمَنٍ تَلَاطَمَت فِيهِ أَموَاجُ الفِتَنِ، وَتَزَاحَمَت فِيهِ دَوَاعِي الشَّهَوَاتِ وَالشُّبُهَاتِ، وَأَصبَحَتِ المَعصِيَةُ فِيهِ أَقرَبَ إِلَى أَحَدِنَا مِن شِرَاكِ نَعلِهِ، تُعرَضُ عَلَى الأَبصَارِ وَالأَسمَاعِ فِي الخَلَوَاتِ وَالجَلَوَاتِ، وَتُحَاصِرُ النُّفُوسَ فِي غُرَفِهَا المُغلَقَةِ وَعَبرَ شَاشَاتِهَا الصَّغِيرَةِ! إِنَّنَا نَجتَمِعُ فِي هَذِهِ المُحَاضَرَةِ الإِيمَانِيَّةِ وَالتَّربَوِيَّةِ وَالعِلمِيَّةِ المُوسَّعَةِ لِنَتَحَدَّثَ عَن أَخطَرِ لَحظَةٍ تَمُرُّ عَلَى الإِنسَانِ فِي حَيَاتِهِ الدُّنيَا؛ إِنَّهَا تِلكَ «اللَّحظَةُ الحَاسِمَةُ» الَّتِي تَسبِقُ الوُقُوعَ فِي المَعصِيَةِ! تِلكَ الثَّوَانِي الفَاصِلَةُ المَصِيرِيَّةُ الَّتِي يَقِفُ فِيهَا العَبدُ عَلَى مَفرِقِ الطَّرِيقَينِ، وَعَلَى شَفَا الجُرُفِ الهَارِ، حِينَ تَتَهَيَّأُ أَسبَابُ الذَّنبِ، وَتُغلَقُ الأَبوَابُ، وَتُرخَى السُّتُورُ، وَيَغِيبُ الرُّقَبَاءُ مِنَ البَشَرِ، وَتَثُورُ عَاصِفَةُ الشَّهوَةِ أَوِ الغَضَبِ أَوِ الطَّمَعِ فِي الدَّاخِلِ، وَيَدنُو الشَّيطَانُ بِوَسوَسَتِهِ وَتَزيِينِهِ وَنَفخِهِ، فَلَا يَبقَى بَينَ العَبدِ وَبَينَ اقتِحَامِ الحِمَى المُحَرَّمِ إِلَّا خُطوَةٌ وَاحِدَةٌ، أَو نَظرَةٌ وَاحِدَةٌ، أَو كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، أَو ضَغطَةُ زِرٍّ وَاحِدَةٌ! فِي تِلكَ اللَّحظَةِ الرَّهِيبَةِ يَشتَعِلُ الصِّرَاعُ الأَعظَمُ دَاخِلَ القَلبِ البَشَرِيِّ: صِرَاعٌ بَينَ دَاعِي الإِيمَانِ وَالرَّحمَنِ مِن جِهَةٍ، وَدَاعِي الهَوَى وَالنَّفسِ الأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ وَالشَّيطَانِ مِن جِهَةٍ أُخرَى! فَمَا الَّذِي يَحدُثُ فِي تِلكَ الثَّوَانِي الحَاسِمَةِ؟ وَمَا البَرقُ الإِيمَانِيُّ الَّذِي يَبرُقُ فِي قَلبِ المُؤمِنِ الصَّادِقِ فَيَجعَلُهُ يَنتَفِضُ وَيَتَرَاجَعُ إِلَى الوَرَاءِ، وَيَنفُضُ يَدَهُ مِنَ الحَرَامِ بَعدَ أَن كَادَ يَقبِضُ عَلَيهِ، وَيَفرُّ إِلَى اللهِ قَائِلًا: «مَعَاذَ اللهِ! إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ العَالَمِينَ»؟ وَمَا الأَسلِحَةُ الرَّبَّانِيَّةُ، وَالدُّرُوعُ الإِيمَانِيَّةُ، وَالحُصُونُ التَّربَوِيَّةُ وَالعَمَلِيَّةُ الَّتِي يَجِبُ أَن يَتَسَلَّحَ بِهَا العَبدُ قَبلَ المَعرَكَةِ وَأَثنَاءَهَا حَتَّى لَا يَسقُطَ صَرِيعًا فِي وَحلِ الفَاحِشَةِ وَالذَّنبِ، بَل يَثبُتَ عَلَى الطَّاعَةِ ثَبَاتَ الجِبَالِ الرَّوَاسِي؟ تَعَالَوا بِنَا -يَا عِبَادَ اللهِ- نَغُوصُ فِي أَعمَاقِ هَذَا المَوضُوعِ الجَلِيلِ عَبرَ ثَمَانِيَةِ مَحَاوِرَ كُبرَى، نَستَنطِقُ فِيهَا آيَاتِ القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَستَهدِي فِيهَا بِأَحَادِيثِ النَّبِيِّ الأَمِينِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَنَستَحضِرُ فِيهَا مَوَاقِفَ الأَنبِيَاءِ وَالمُرسَلِينَ، وَصَفَحَاتِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ، وَتَحلِيلَاتِ أَطِبَّاءِ القُلُوبِ وَعُلَمَاءِ السُّلُوكِ وَالتَّزكِيَةِ، لِنَخرُجَ بِمَنهَجٍ حَيَاةٍ مُتَكَامِلٍ يَحمِي قُلُوبَنَا وَشَبَابَنَا وَفَتَيَاتِنَا وَبُيُوتَنَا مِنَ الانكِسَارِ أَمَامَ العَوَاصِفِ. المِحوَرُ الأَوَّلُ: التَّشرِيحُ العِلمِيُّ وَالإِيمَانِيُّ لِـ«اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ» قَبلَ الوُقُوعِ فِي المَعصِيَةِ (مَعرَكَةُ الثَّوَانِي الفَاصِلَةِ بَينَ الهَمِّ وَالفِعلِ) أَيُّهَا الإِخوَةُ الأَحبَابُ؛ لِكَي نَفهَمَ كَيفَ يَرجِعُ العَبدُ قَبلَ المَعصِيَةِ، لَا بُدَّ أَوَّلًا أَن نَفهَمَ كَيفَ تُولَدُ المَعصِيَةُ فِي النَّفسِ البَشَرِيَّةِ! إِنَّ الذَّنبَ لَا يَقَعُ فَجأَةً مِن غَيرِ مُقَدِّمَاتٍ، بَل يَمُرُّ بِمَرَاحِلَ دَقِيقَةٍ متسلسلةٍ دَاخِلَ القَلبِ قَبلَ أَن يَظهَرَ عَلَى الجَوَارِحِ. وَقَد حَرَّرَ أَئِمَّةُ التَّحقيقِ وَفُقَهَاءُ القُلُوبِ -وَفِي مُقَدِّمَتِهِمُ الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ «الدَّاءُ وَالدَّوَاءُ» وَفِي «مَدَارِجِ السَّالِكِينَ»، وَالإِمَامُ ابنُ الجَوزِيِّ فِي «ذَمِّ الهَوَى» وَ«صَيدِ الخَاطِرِ»- هَذِهِ المَرَاحِلَ الخَمسَ بِدِقَّةٍ بَالِغَةٍ: أَوَّلًا: المَرَاحِلُ الخَمسُ لِوِلَادَةِ الذَّنبِ فِي القَلبِ: المَرحَلَةُ الأُولَى: «الخَطرَةُ»؛ وَهِيَ البَرقَةُ الأُولَى أَوِ الخَاطِرُ العَابِرُ الَّذِي يَطْرُقُ بَابَ القَلبِ، إِمَّا عَن طَرِيقِ نَظرَةٍ عَابِرَةٍ، أَو كَلِمَةٍ مَسمُوعَةٍ، أَو وَسوَسَةٍ شَيطَانِيَّةٍ خَفِيَّةٍ. وَهَذِهِ الخَطرَةُ هِيَ أَضعَفُ مَرَاحِلِ الذَّنبِ، وَدَفعُهَا أَسهَلُ مَا يَكُونُ، كَمَن يَدفَعُ شَرَارَةً صَغِيرَةً قَبلَ أَن تَمسَّ الحَطَبَ. المَرحَلَةُ الثَّانِيَةُ: «الفِكرَةُ»؛ فَإِذَا لَم يَدفَعِ العَبدُ الخَطرَةَ الأُولَى، وَاستَرسَلَ مَعَهَا، وَرَحَّبَ بِهَا فِي خَيَالِهِ، تَحَوَّلَت إِلَى فِكرَةٍ تَجُولُ فِي الذِّهنِ، فَيَبدَأُ القَلبُ يَتَأَمَّلُ صُورَةَ المَعصِيَةِ، وَيَتَخَيَّلُ لَذَّتَهَا المَوهُومَةَ، وَيُقَلِّبُ وُجُوهَ الوُصُولِ إِلَيهَا. المَرحَلَةُ الثَّالِثَةُ: «الإِرَادَةُ وَالشَّهوَةُ وَالمَيلُ»؛ فَإِذَا طَالَ الفِكرُ فِي صُورَةِ الحَرَامِ، تَحَرَّكَتِ الشَّهوَةُ الكَامِنَةُ فِي النَّفسِ، وَمَالَ القَلبُ إِلَى المُشتَهَى، وَهُنَا تَنشَأُ الرَّغبَةُ الحَارَّةُ الَّتِي تَضغَطُ عَلَى الإِنسَانِ وَتَسلُبُهُ رَاحَتَهُ وَسَكِينَتَهُ. المَرحَلَةُ الرَّابِعَةُ: «العَزِيمَةُ الجَازِمَةُ وَالهَمُّ المُصَمِّمُ»؛ حِينَ تَجتَمِعُ الفِكرَةُ مَعَ الشَّهوَةِ، فَيَعقِدُ القَلبُ العَزمَ عَلَى التَّنفِيذِ، وَيَشرَعُ فِي تَهيِئَةِ الأَسبَابِ، وَقَطعِ المَسَافَةِ نَحوَ الذَّنبِ. المَرحَلَةُ الخَامِسَةُ: «الفِعلُ وَالمُوَاقَعَةُ»؛ وَهُوَ التَّنفِيذُ الخَارِجِيُّ بِالجَوَارِحِ، مِنَ العَينِ أَوِ اللِّسَانِ أَوِ اليَدِ أَوِ الرِّجلِ أَوِ الفَرجِ. وَبَينَ المَرحَلَةِ الرَّابِعَةِ (الهَمِّ وَالعَزمِ وَتَهَيُّؤِ الأَسبَابِ) وَالمَرحَلَةِ الخَامِسَةِ (الوُقُوعِ الفِعلِيِّ فِي الذَّنبِ)، تَقَعُ تِلكَ المِنطَقَةُ الحَرِجَةُ الفَاصِلَةُ الَّتِي نَتَحَدَّثُ عَنهَا اليَومَ: إِنَّهَا «اللَّحظَةُ الحَاسِمَةُ قَبلَ المَعصِيَةِ»! ثَانِيًا: أَسرَارُ التَّشرِيعِ الإِلَهِيِّ فِي الفَصلِ بَينَ «الهَمِّ» وَ«العَمَلِ»، وَعَظَمَةُ جَزَاءِ مَن تَرَكَ السَّيِّئَةَ مِن أَجلِ اللهِ: تَأَمَّلُوا -يَا رَعَاكُمُ اللهُ- رَحمَةَ اللهِ الوَاسِعَةَ، وَكَرَمَهُ الفَيَّاضَ، وَحِكمَتَهُ البَالِغَةَ فِي مُعَامَلَةِ هَذَا الإِنسَانِ الضَّعِيفِ حِينَ يَقِفُ فِي تِلكَ اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ! لَقَد عَلِمَ اللهُ سُبحَانَهُ أَنَّ النَّفسَ البَشَرِيَّةَ قَد تَضعُفُ فَتَهُمُّ بِالمَعصِيَةِ، وَقَد تَمِيلُ بِطَبعِهَا إِلَى الشَّهوَةِ، فَفَتَحَ لَهَا بَابًا عَظِيمًا لِلرُّجُوعِ حَتَّى فِي آخِرِ ثَانِيَةٍ قَبلَ الفِعلِ، بَل جَعَلَ التَّرَاجُعَ فِي تِلكَ الثَّانِيَةِ الأَخِيرَةِ خَوفًا مِنهُ سُبحَانَهُ طَاعَةً عُظمَى وَحَسَنَةً كَامِلَةً! استَمِعُوا إِلَى مَا رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ وَالإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَروِي عَن رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ؛ فَمَن هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَم يَعمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِندَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِن هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِندَهُ عَشرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبعِمِائَةِ ضِعفٍ إِلَى أَضعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَن هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَم يَعمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ عِندَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِن هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً». وَفِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَقُولُ اللهُ: إِذَا أَرَادَ عَبدِي أَن يَعمَلَ سَيِّئَةً فَلَا تَكتُبُوهَا عَلَيهِ حَتَّى يَعمَلَهَا، فَإِن عَمِلَهَا فَاكتُبُوهَا بِمِثلِهَا، وَإِن تَرَكَهَا مِن أَجلِي فَاكتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، وَإِذَا أَرَادَ أَن يَعمَلَ حَسَنَةً فَلَم يَعمَلْهَا فَاكتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِن عَمِلَهَا فَاكتُبُوهَا لَهُ بِعَشرِ أَمثَالِهَا إِلَى سَبعِمِائَةِ ضِعفٍ». وَفِي لَفظٍ آخَرَ لِمُسلِمٍ: «قَالَتِ المَلَائِكَةُ: رَبِّ، ذَاكَ عَبدُكَ يُرِيدُ أَن يَعمَلَ سَيِّئَةً -وَهُوَ أَبصَرُ بِهِ-، فَقَالَ: ارقُبُوهُ، فَإِن عَمِلَهَا فَاكتُبُوهَا لَهُ بِمِثلِهَا، وَإِن تَرَكَهَا فَاكتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً؛ إِنَّمَا تَرَكَهَا مِن جَرَّايَ». اللهُ أَكبَرُ! تَأَمَّلُوا قَولَهُ تَعَالَى: «إِنَّمَا تَرَكَهَا مِن جَرَّايَ»، أَي: مِن أَجلِي، وَمَخَافَتِي، وَتَعظِيمِي، وَحَيَاءً مِنِّي! لَقَد كَانَ العَبدُ قَبلَ ثَوَانٍ مَعدُودَةٍ عَلَى وَشَكِ أَن يَكتُبَ فِي صَحِيفَتِهِ سَيِّئَةً مُوبِقَةً، فَلَمَّا انتَفَضَ قَلبُهُ فِي اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ وَقَالَ: «لَا وَاللهِ، لَا أَعصِي رَبِّي الَّذِي يَرَانِي!»، انقَلَبَت تِلكَ المَعرَكَةُ كُلُّهَا فِي دِيوَانِ المَلَائِكَةِ إِلَى «حَسَنَةٍ كَامِلَةٍ»! وَأَيُّ حَسَنَةٍ؟ إِنَّهَا حَسَنَةُ مُجَاهَدَةِ النَّفسِ وَقَهرِ الهَوَى فِي ذِروَةِ اشتِعَالِهِ! وَلِذَلِكَ قَرَّرَ العُلَمَاءُ أَنَّ مَن هَمَّ بِالسَّيِّئَةِ ثُمَّ تَرَكَهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقسَامٍ: القِسمُ الأَوَّلُ: مَن تَرَكَهَا خَوفًا مِنَ اللهِ وَحَيَاءً مِنهُ وَإِجلَالًا لِمَقَامِهِ مَعَ قُدرَتِهِ التَّامَّةِ عَلَى فِعلِهَا؛ فَهَذَا هُوَ الَّذِي تُكتَبُ لَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، بَل يَرتَقِي بِهَا إِلَى مَنَازِلِ الصِّدِّيقِينَ وَالأَولِيَاءِ المُقَرَّبِينَ. القِسمُ الثَّانِي: مَن تَرَكَهَا نِسيَانًا أَوِ انصِرَافًا عَنهَا مِن غَيرِ استِحضَارِ خَوفِ اللهِ وَلَا سَعيٍ فِي أَسبَابِهَا؛ فَهَذَا لَا يُكتَبُ لَهُ وَلَا عَلَيهِ؛ لِقَولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَن أُمَّتِي مَا حَدَّثَت بِهِ أَنفُسَهَا، مَا لَم تَعمَلْ أَو تَتَكَلَّمْ». القِسمُ الثَّالِثُ: مَن عَزَمَ عَزمًا جَازِمًا، وَسَعَى بِجَوَارِحِهِ فِي أَسبَابِ المَعصِيَةِ، وَلَم يَمنَعهُ مِنَ الوُقُوعِ فِيهَا إِلَّا العَجزُ القَهرِيُّ وَالحَيلُولَةُ دُونَهَا مَعَ بَقَاءِ إِصرَارِهِ وَتَمَنِّيهِ لَهَا؛ فَهَذَا يُؤَاخَذُ عَلَى عَزمِهِ وَسَعيِهِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي الصَّحِيحَينِ: «إِذَا التَقَى المُسلِمَانِ بِسَيفَيهِمَا فَالقَاتِلُ وَالمَقتُولُ فِي النَّارِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا القَاتِلُ، فَمَا بَالُ المَقتُولِ؟ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتلِ صَاحِبِهِ». ثَالِثًا: الفَرقُ الجَوهَرِيُّ بَينَ قَلبِ التَّقِيِّ وَقَلبِ الغَافِلِ عِندَ مَسِّ طَائِفِ الشَّيطَانِ: يَظُنُّ بَعضُ النَّاسِ أَنَّ المُتَّقِينَ وَالصَّالِحِينَ وَالعُلَمَاءَ هُم مَلَائِكَةٌ لَا تَخطُرُ بِبَالِهِم مَعصِيَةٌ، وَلَا تَتَحَرَّكُ فِيهِم شَهوَةٌ، وَلَا يَمَسُّهُم طَائِفٌ مِنَ الشَّيطَانِ! وَهَذَا وَهمٌ كَبِيرٌ يُخَالِفُ صَرِيحَ القُرآنِ؛ فَإِنَّ أَهلَ التَّقوَى بَشَرٌ يَجُوعُونَ وَيَعطَشُونَ، وَيَغضَبُونَ وَيَشتَهُونَ، وَيَعرِضُ لَهُمُ الشَّيطَانُ بِتَزيِينِهِ وَخَيَالَاتِهِ، وَلَكِنَّ الفَارِقَ الحَاسِمَ بَينَهُم وَبَينَ الفُجَّارِ وَالغَافِلِينَ يَظهَرُ فِي «اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ»! اقرَؤُوا هَذِهِ الآيَةَ العَظِيمَةَ مِن سُورَةِ الأَعرَافِ، وَتَدَبَّرُوا كُلَّ كَلِمَةٍ فِيهَا، حَيثُ يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ۝ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١–٢٠٢]. يا الله! مَا أَدَقَّ الوَصفَ القُرآنِيَّ! الشَّيطَانُ يَطُوفُ حَولَ قَلبِ التَّقِيِّ كَمَا يَطُوفُ اللِّصُّ حَولَ الحِصنِ المَنِيعِ يَبحَثُ عَن ثَغرَةٍ أَو لَحظَةِ غَفلَةٍ، حَتَّى إِذَا «مَسَّهُم طَائِفٌ مِنَ الشَّيطَانِ» -وَلَم يَقُلْ: سَكَنَهُم أَوِ استَوطَنَهُم، بَل هُوَ مَسٌّ عَارِضٌ وَطَيفٌ طَارِئٌ مِن غَضَبٍ أَو شَهوَةٍ أَو هَمٍّ بِذَنبٍ- مَاذَا يَحدُثُ فَوْرًا فِي اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ؟ قَالَ: ﴿تَذَكَّرُوا﴾! تَذَكَّرُوا عَظَمَةَ اللهِ، تَذَكَّرُوا نَظَرَ اللهِ، تَذَكَّرُوا وَعدَ اللهِ وَوَعِيدَهُ، تَذَكَّرُوا عَهدَ الإِيمَانِ وَمِيثَاقَ العُبُودِيَّةِ! وَمَا النَّتِيجَةُ الفَورِيَّةُ لِهَذَا التَّذَكُّرِ؟ قَالَ: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾! وَ«إِذَا» هُنَا لِلمُفَاجَأَةِ وَالسُّرعَةِ الفَائِقَةِ؛ فَبِمُجَرَّدِ التَّذَكُّرِ يَنقَشِعُ ضَبَابُ الشَّهوَةِ، وَتَزُولُ غِشَاوَةُ الغَفلَةِ، وَيُبصِرُ القَلبُ حَقِيقَةَ الفَخِّ الَّذِي نَصَبَهُ الشَّيطَانُ، فَيَرجِعُ العَبدُ عَلَى عَقِبَيهِ نَاجِيًا ثَابِتًا! أَمَّا الغَافِلُونَ الفَاسِقُونَ فَإِنَّ إِخوَانَهُم مِنَ الشَّيَاطِينِ يَمُدُّونَهُم فِي الغَيِّ مَدًّا، فَلَا الشَّيَاطِينُ تَكُفُّ عَن إِغوَائِهِم، وَلَا هُم يُقصِرُونَ عَنِ الاندِفَاعِ فِي المَعصِيَةِ! المِحوَرُ الثَّانِي: بُرهَانُ الصِّدِّيقِيَّةِ فِي لَحظَةِ المُرَاوَدَةِ وَالامتِحَانِ الأَكبَرِ (مَدرَسَةُ نَبِيِّ اللهِ يُوسُفَ عَلَيهِ السَّلَامُ فِي الثَّبَاتِ العَظِيمِ) إِذَا أَرَدنَا أَن نَرَى «اللَّحظَةَ الحَاسِمَةَ قَبلَ المَعصِيَةِ» مُجَسَّدَةً فِي أَعلَى ذُرَاهَا وَأَعظَمِ مَشَاهِدِهَا عَلَى مَرِّ التَّارِيخِ البَشَرِيِّ كُلِّهِ، فَلْنَقِفْ خَاشِعِينَ مُتَدَبِّرِينَ أَمَامَ المَشهَدِ القُرآنِيِّ الخَالِدِ فِي سُورَةِ يُوسُفَ؛ مَشهَدِ الفَتَى الكَرِيمِ ابنِ الكَرِيمِ ابنِ الكَرِيمِ ابنِ الكَرِيمِ، يُوسُفَ بنِ يَعقُوبَ بنِ إِسحَاقَ بنِ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ! أَوَّلًا: اِجتِمَاعُ أَعظَمِ دَوَاعِي الفِتنَةِ الَّتِي لَم تَجتَمِعْ لِأَحَدٍ سِوَاهُ: لَقَدِ اجتَمَعَ عَلَى يُوسُفَ عَلَيهِ السَّلَامُ فِي تِلكَ اللَّحظَةِ مَا لَوِ اجتَمَعَ عُشرُ مِعشَارِهِ عَلَى جَبَلٍ لَكَادَ أَن يَتَصَدَّعَ! وَقَد عَدَّدَ الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ فِي «الجَوَابِ الكَافِي» وَ«رَوضَةِ المُحِبِّينَ» أَسبَابَ الفِتنَةِ الَّتِي أَحَاطَت بِيُوسُفَ عَلَيهِ السَّلَامُ، فَإِذَا هِيَ عَشَرَةُ أَسبَابٍ قَاهِرَةٍ: الأَوَّلُ: أَنَّهُ شَابٌّ فِي عُنفُوَانِ الشَّبَابِ وَفَوَرَانِ القُوَّةِ الغَرِيزِيَّةِ، وَالشَّابُّ أَقوَى دَاعِيًا إِلَى الشَّهوَةِ مِنَ الشَّيخِ الكَبِيرِ. الثَّانِي: أَنَّهُ عَزَبٌ لَيسَ لَهُ زَوجَةٌ يَعِفُّ بِهَا وَيُفرِغُ فِيهَا شَهوَتَهُ الفِطرِيَّةَ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ غَرِيبٌ عَن أَهلِهِ وَوَطَنِهِ وَعَشِيرَتِهِ؛ وَالغَرِيبُ لَا يَستَحِي فِي بَلَدِ غُربَتِهِ مِمَّا يَستَحِي مِنهُ مَن كَانَ بَينَ أَهلِهِ وَقَومِهِ وَمَعَارِفِهِ. الرَّابِعُ: أَنَّهُ مَملُوكٌ فِي الظَّاهِرِ لَا سُلطَانَ لَهُ، وَالمَملُوكُ لَيسَ عَلَيهِ مِنَ الحَرجِ الاجتِمَاعِيِّ مَا عَلَى الحُرِّ الشَّرِيفِ فِي قَومِهِ. الخَامِسُ: أَنَّ المَرأَةَ الدَّاعِيَةَ لَهُ ذَاتُ مَنصِبٍ رَفِيعٍ وَجَمَالٍ بَاهِرٍ؛ فَهِيَ امرَأَةُ العَزِيزِ، سَيِّدَةُ القَصرِ الأُولَى! السَّادِسُ: أَنَّهَا هِيَ الطَّالِبَةُ المُرَاوِدَةُ المُتَزَيِّنَةُ الدَّاعِيَةُ إِلَى نَفسِهَا بِكُلِّ إِغرَاءٍ، فَقَد زَالَ عَنهُ كُلفَةُ الطَّلَبِ وَذُلُّ السُّؤَالِ وَخَوفُ الرَّدِّ! السَّابِعُ: أَنَّهَا سَيِّدَتُهُ فِي القَصرِ، وَطَاعَتُهَا مَطلُوبَةٌ، وَفِي عِصيَانِهَا خَطَرٌ شَدِيدٌ عَلَى حُرِّيَّتِهِ وَأَمنِهِ. الثَّامِنُ: أَنَّهَا غَلَّقَتِ الأَبوَابَ تَغلِيقًا مُحكَمًا -كَمَا تَدُلُّ عَلَيهِ صِيغَةُ التَّضعِيفِ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾-، فَلَم يَبقَ خَوفٌ مِن دُخُولِ دَاخِلٍ أَوِ اطِّلَاعِ رَقِيبٍ مِنَ البَشَرِ. التَّاسِعُ: أَنَّهُ فِي بَيتِهَا وَتَحتَ سَقفِهَا، فَلَا يَشُكُّ أَحَدٌ فِي وُجُودِهِ هُنَاكَ. العَاشِرُ: أَنَّهَا جَمَعَت بَينَ الرَّغبَةِ وَالرَّهبَةِ؛ فَدَعَتهُ أَوَّلًا بِاللَّذَّةِ وَالجَمَالِ، وَتَوَعَّدَتهُ ثَانِيًا بِالسِّجنِ وَالعَذَابِ وَالصَّغَارِ إِن لَم يَفعَلْ مَا تَأمُرُهُ! ثَانِيًا: الانفِجَارُ الإِيمَانِيُّ فِي اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ وَ﴿رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾: فِي وَسَطِ هَذَا الحِصَارِ المُطبِقِ، حِينَ تَهَيَّأَ كُلُّ شَيءٍ لِلمَعصِيَةِ، وَقَالَت لَهُ: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾، مَاذَا صَنَعَ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ عَلَيهِ السَّلَامُ فِي تِلكَ اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ؟ لَم يُفَكِّرْ طَوِيلًا، وَلَم يُفَاوِضِ الشَّهوَةَ، وَلَم يَبحَثْ عَن مَخَارِجَ وَأَعذَارٍ، بَل أَطلَقَ صَرخَةَ التَّوحِيدِ وَالعِفَّةِ وَالوَفَاءِ الَّتِي هَزَّت أَركَانَ القَصرِ: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ۝ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٣–٢٤]. قِفُوا طَوِيلًا عِندَ هَذِهِ الكَلِمَاتِ النُّورَانِيَّةِ الَّتِي كَشَفَت لَنَا أَسرَارَ الثَّبَاتِ فِي اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ: أَوَّلًا: قَالَ: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾! اعتَصَمَ بِاللهِ فَوْرًا، وَالتَجَأَ إِلَى حِمَاهُ، لِأَنَّ العَبدَ إِذَا اعتَمَدَ عَلَى قُوَّتِهِ وَعَقلِهِ وَحدَهُ فِي لَحظَةِ الشَّهوَةِ سَقَطَ وَانهَزَمَ، أَمَّا إِذَا عَاذَ بِاللهِ عَصَمَهُ اللهُ وَحَمَاهُ. ثَانِيًا: استَحضَرَ نِعمَةَ الإِحسَانِ وَقُبحَ الخِيَانَةِ فَقَالَ: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾؛ سَوَاءٌ أُرِيدَ بِهِ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ الَّذِي أَحسَنَ مَثوَاهُ وَأَنقَذَهُ مِنَ الجُبِّ وَآوَاهُ، أَو أُرِيدَ بِهِ سَيِّدُهُ العَزِيزُ الَّذِي أَكرَمَهُ فِي بَيتِهِ وَائتَمَنَهُ عَلَى عِرضِهِ فَلَا يُقَابَلُ الإِحسَانُ بِالخِيَانَةِ! وَكِلَا المَعنَيَينِ حَقٌّ جَلِيلٌ فِي نُفُوسِ الأَوفِيَاءِ. ثَالِثًا: استَحضَرَ السُّنَّةَ الكَونِيَّةَ وَالشَّرعِيَّةَ القَاطِعَةَ فَقَالَ: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾! فَالمَعصِيَةُ ظُلمٌ، وَالظَّالِمُ لَا يُفلِحُ أَبَدًا وَإِن تَلَذَّذَ سَاعَةً مِن نَهَارٍ! رَابِعًا: قَولُهُ تَعَالَى: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾؛ مَا هُوَ «بُرهَانُ رَبِّهِ» الَّذِي رَآهُ يُوسُفُ عَلَيهِ السَّلَامُ فِي تِلكَ اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ فَصَرَفَ اللهُ بِهِ عَنهُ السُّوءَ وَالفَحشَاءَ؟ قَالَ أَئِمَّةُ التَّفسِيرِ وَالتَّحقِيقِ -كَشَيخِ الإِسلَامِ ابنِ تَيمِيَّةَ وَتِلمِيذِهِ ابنِ القَيِّمِ وَالحَافِظِ ابنِ كَثِيرٍ رَحِمَهُمُ اللهُ-: بُرهَانُ رَبِّهِ هُوَ نُورُ الإِيمَانِ وَاليَقِينِ الَّذِي أَشرَقَ فِي قَلبِهِ؛ فَعَلِمَ بِهِ عَظَمَةَ اللهِ وَإِحَاطَتَهُ، وَرَأَى بِبَصِيرَتِهِ قُبحَ الفَاحِشَةِ وَدَنَاءَتَهَا، وَاستَحضَرَ مَقَامَ النُّبُوَّةِ وَالعُبُودِيَّةِ، فَطَفِئَت نَارُ الهَمِّ البَشَرِيِّ الفِطرِيِّ تَحتَ سُلطَانِ البُرهَانِ الإِيمَانِيِّ الرَّبَّانِيِّ! خَامِسًا: لَم يَكتَفِ يُوسُفُ عَلَيهِ السَّلَامُ بِالتَّوَقُّفِ فِي مَكَانِهِ، بَل فَرَّ بِجَسَدِهِ هَارِبًا نَحوَ البَابِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ [يوسف: ٢٥]؛ لِيُعَلِّمَنَا أَنَّ الصَّادِقَ فِي اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ لَا يَبقَى فِي مَيدَانِ الفِتنَةِ، بَل يَقطَعُ الخَلوَةَ فَوْرًا وَيَفرُّ إِلَى البَابِ! سَادِسًا: حِينَ اجتَمَعَ عَلَيهِ كَيدُ النِّسوةِ وَتَهدِيدُ السِّجنِ، قَدَّمَ عَذَابَ الدُّنيَا وَضِيقَ الزِّنزَانَةِ عَلَى لَذَّةِ المَعصِيَةِ وَغَضَبِ الجَبَّارِ، فَهَتَفَ بِدُعَائِهِ الخَالِدِ الَّذِي يَجِبُ أَن يَحفَظَهُ كُلُّ مُؤمِنٍ: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ۝ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٣–٣٤]. وَانظُرُوا إِلَى التَّعلِيلِ الإِلَهِيِّ العَظِيمِ لِسَبَبِ هَذَا الثَّبَاتِ الأُسطُورِيِّ: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾! لَقَد أَخلَصَ للهِ فِي الرَّخَاءِ وَالطَّاعَةِ، فَاستَخلَصَهُ اللهُ لِنَفسِهِ وَعَصَمَهُ فِي لَحظَةِ الشِّدَّةِ وَالفِتنَةِ! المِحوَرُ الثَّالِثُ: نَمَاذِجُ خَالِدَةٌ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَسِيَرِ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ فِي الارتِدَادِ عَنِ المَعصِيَةِ فِي الثَّانِيَةِ الأَخِيرَةِ أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ؛ لَيسَ مَقَامُ الثَّبَاتِ فِي اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ مَحصُورًا فِي الأَنبِيَاءِ المَعصُومِينَ عَلَيهِمُ السَّلَامُ، بَل هُوَ بَابٌ مَفتُوحٌ لِكُلِّ مُؤمِنٍ وَمُؤمِنَةٍ صَدَقَ مَعَ اللهِ تَعَالَى! وَلَقَد خَلَّدَت لَنَا السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ الصَّحِيحَةُ، وَدَوَاوِينُ التَّارِيخِ وَالسِّيَرِ، قِصَصًا عَجِيبَةً تَقشَعِرُّ لَهَا الجُلُودُ، وَتَدمَعُ لَهَا العُيُونُ، لِرِجَالٍ وَشَبَابٍ وَصَلُوا إِلَى حَافَّةِ الذَّنبِ، وَتَمَكَّنُوا مِنَ الحَرَامِ تَمَكُّنًا تَامًّا، ثُمَّ أَيقَظَتْهُم كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ أَو خَاطِرَةٌ إِيمَانِيَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي الثَّانِيَةِ الأَخِيرَةِ، فَقَامُوا عَنِ المَعصِيَةِ للهِ، فَفَتَحَ اللهُ بِفِعلِهِم الصُّخُورَ الصَّمَّاءَ، وَكَتَبَهُم فِي أَصحَابِ الظِّلِّ يَومَ القِيَامَةِ! النَّمُوذَجُ الأَوَّلُ: صَاحِبُ الظِّلِّ العَرشِيِّ الَّذِي قَالَ فِي لَحظَةِ الإِغرَاءِ: «إِنِّي أَخَافُ اللهَ»: كَمَا رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «سَبعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَومَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الإِمَامُ العَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجتَمَعَا عَلَيهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتهُ امرَأَةٌ ذَاتُ مَنصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخفَى حَتَّى لَا تَعلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَت عَينَاهُ». تَأَمَّلُوا -يَا عِبَادَ اللهِ- هَذَا الرَّجُلَ الخَامِسَ فِي الحَدِيثِ: امرَأَةٌ جَمَعَت أَقوَى مُغرِيَينِ فِي الدُّنيَا: «ذَاتُ مَنصِبٍ» تَحمِيهِ بِجَاهِهَا وَمَالِهَا وَسُلطَانِهَا، «وَجَمَالٍ» يَأخُذُ بِمَجَامِعِ القُلُوبِ وَالأَبصَارِ، وَهِيَ الَّتِي طَلَبَتهُ وَدَعَتهُ! فَبِمَاذَا أَجَابَهَا فِي تِلكَ اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ؟ لَم يَقُلْ لَهَا: أَخَافُ الفَضِيحَةَ، أَو أَخَافُ أَهلَكِ، أَو أَخَافُ المَرَضَ؛ بَل قَالَ كَلِمَةً وَاحِدَةً تَقطُرُ تَوحِيدًا وَإِيمَانًا: «إِنِّي أَخَافُ اللهَ»! تَرَكَ لَذَّةَ سَاعَةٍ فِي ظِلِّ الحَرَامِ الزَّائِلِ، فَعَوَّضَهُ اللهُ ظِلَّ عَرشِهِ فِي يَومٍ مِقدَارُهُ خَمسُونَ أَلفَ سَنَةٍ! النَّمُوذَجُ الثَّانِي: الرَّجُلُ الثَّانِي مِن أَصحَابِ الغَارِ الَّذِي قَامَ بَعدَ أَن قَعَدَ مَقعَدَ الرَّجُلِ مِنَ المَرأَةِ: استَمِعُوا إِلَى هَذَا المَشهَدِ النَّبَوِيِّ المَهِيبِ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، عَن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي قِصَّةِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ آوَاهُمُ المَبِيتُ إِلَى غَارٍ فَانحَدَرَت صَخرَةٌ مِنَ الجَبَلِ فَسَدَّت عَلَيهِمُ الغَارَ، فَتَوَسَّلُوا إِلَى اللهِ بِصَالِحِ أَعمَالِهِم، فَقَالَ الثَّانِي مِنهُم: «اللَّهُمَّ كَانَت لِيَ ابنَةُ عَمٍّ كَانَت أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَأَرَدتُهَا عَن نَفسِهَا فَامتَنَعَت مِنِّي، حَتَّى أَلَمَّت بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ، فَجَاءَتنِي فَأَعطَيتُهَا عِشرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَن تُخَلِّيَ بَينِي وَبَينَ نَفسِهَا، فَفَعَلَت، حَتَّى إِذَا قَدَرتُ عَلَيهَا -وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَمَّا قَعَدتُ بَينَ رِجلَيهَا- قَالَت: لَا أُحِلُّ لَكَ أَن تَفُضَّ الخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ! فَتَحَرَّجتُ مِنَ الوُقُوعِ عَلَيهَا، فَانصَرَفتُ عَنهَا وَهِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَتَرَكتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعطَيتُهَا، اللَّهُمَّ إِن كُنتُ فَعَلتُ ذَلِكَ ابتِغَاءَ وَجهِكَ فَافرُجْ عَنَّا مَا نَحنُ فِيهِ! فَانفَرَجَتِ الصَّخرَةُ»! قِفُوا بِاللهِ عَلَيكُم عِندَ هَذِهِ اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ! رَجُلٌ يَعشَقُ ابنَةَ عَمِّهِ حَتَّى صَارَت أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيهِ، وَظَلَّ يَطلُبُهَا سِنِينَ طَوِيلَةً وَهِيَ تَمتَنِعُ، حَتَّى اضطَرَّتهَا المَجَاعَةُ وَالفَاقَةُ، فَدَفَعَ لَهَا ثَروَةً طَائِلَةً (مِائَةً وَعِشرِينَ دِينَارًا مِنَ الذَّهَبِ الخَالِصِ)، وَخَلَا بِهَا، وَقَدَرَ عَلَيهَا، وَقَعَدَ مَقعَدَ الرَّجُلِ مِنَ امرَأَتِهِ، لَم يَبقَ بَينَهُ وَبَينَ الفَاحِشَةِ إِلَّا لَحظَةٌ وَاحِدَةٌ! وَفِي تِلكَ الثَّانِيَةِ الأَخِيرَةِ نَطَقَت تِلكَ المَرأَةُ العَفِيفَةُ المَكسُورَةُ بِكَلِمَةٍ هَزَّت أَعمَاقَ فِطرَتِهِ وَإِيمَانِهِ: «اتَّقِ اللهَ، وَلَا تَفُضَّ الخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ»! مَاذَا صَنَعَت هَذِهِ الكَلِمَةُ فِي قَلبِهِ؟ لَقَد أَيقَظَتِ الخَوفَ مِنَ اللهِ فِي صَدرِهِ، فَارتَعَدَت فَرَائِصُهُ، وَقَامَ عَنهَا فَوْرًا وَهُوَ فِي قِمَّةِ شَهوَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ لَهَا، وَتَرَكَ لَهَا المِائَةَ وَالعِشرِينَ دِينَارًا لَم يَأخُذْ مِنهَا دِينَارًا وَاحِدًا! تِلكَ الوَقفَةُ الصَّادِقَةُ فِي الثَّانِيَةِ الأَخِيرَةِ هِيَ الَّتِي زَحزَحَتِ الصَّخرَةَ العَظِيمَةَ عَن فَمِ الغَارِ، وَهِيَ الَّتِي تُزَحزِحُ صُخُورَ الكُرُوبِ وَالأَزَمَاتِ عَن كُلِّ عَبدٍ يَترُكُ الحَرَامَ للهِ! النَّمُوذَجُ الثَّالِثُ: الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ مَرثَدُ بنُ أَبِي مَرثَدٍ الغَنَوِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي لَيَالِي مَكَّةَ: كَمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالنَّسَائِيُّ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: أَنَّ مَرثَدَ بنَ أَبِي مَرثَدٍ الغَنَوِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَانَ رَجُلًا شُجَاعًا قَوِيًّا يَحمِلُ الأَسَارَى وَالمُستَضعَفِينَ مِنَ المُؤمِنِينَ مِن مَكَّةَ سِرًّا فِي اللَّيلِ حَتَّى يَأتِيَ بِهِمُ المَدِينَةَ، وَكَانَتِ امرَأَةٌ بَغِيٌّ بِمَكَّةَ يُقَالُ لَهَا «عَنَاقُ» ذَاتُ جَمَالٍ كَانَت صَدِيقَةً لَهُ فِي الجَاهِلِيَّةِ. قَالَ مَرثَدٌ: فَجِئتُ حَتَّى انتَهَيتُ إِلَى ظِلِّ حَائِطٍ مِن حِيطَانِ مَكَّةَ فِي لَيلَةٍ مُقمِرَةٍ، فَجَاءَت عَنَاقُ فَأَبصَرَت سَوَادَ ظِلِّي بِجَنبِ الحَائِطِ، فَلَمَّا انتَهَت إِلَيَّ عَرَفَتنِي، فَقَالَت: مَرثَدٌ؟ فَقُلتُ: مَرثَدٌ! فَقَالَت: مَرحَبًا وَأَهلًا، هَلُمَّ فَبِتْ عِندَنَا اللَّيلَةَ! انظُرُوا إِلَى اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ: لَيلٌ، وَغُربَةٌ، وَتَخَفٍّ فِي مَكَّةَ، وَامرَأَةٌ كَانَت خَلِيلَتَهُ فِي الجَاهِلِيَّةِ تَدعُوهُ إِلَى المَبِيتِ عِندَهَا! فَمَاذَا قَالَ لَهَا البَطَلُ المُؤمِنُ الَّذِي غَسَلَ الإِسلَامُ قَلبَهُ؟ قَالَ لَهَا فَوْرًا: «يَا عَنَاقُ، إِنَّ اللهَ قَد حَرَّمَ الزِّنَا»! فَلَمَّا يَئِسَت مِنهُ صَاحَت بِأَهلِ الخِيَامِ: يَا أَهلَ الخِيَامِ، هَذَا الرَّجُلُ يَحمِلُ أَسَارَاكُم! فَتَبِعَهُ ثَمَانِيَةٌ مِن رِجَالِ قُرَيشٍ، فَهَرَبَ حَتَّى دَخَلَ حَائِطًا وَعَمَّى اللهُ أَبصَارَهُم عَنهُ حَتَّى رَجَعُوا، ثُمَّ حَمَلَ صَاحِبَهُ الأَسِيرَ حَتَّى أَوصَلَهُ المَدِينَةَ! النَّمُوذَجُ الرَّابِعُ: تَوبَةُ الكِفلِ فِي آخِرِ لَحظَةٍ حِينَ رَأَى رِعدَةَ المَرأَةِ وَبُكَاءَهَا مِن خَشيَةِ اللهِ: كَمَا رَوَى الإِمَامُ التِّرمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَالإِمَامُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ، وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «كَانَ الكِفلُ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ لَا يَتَوَرَّعُ مِن ذَنبٍ عَمِلَهُ، فَأَتَتهُ امرَأَةٌ فَأَعطَاهَا سِتِّينَ دِينَارًا عَلَى أَن يَطَأَهَا، فَلَمَّا قَعَدَ مِنهَا مَقعَدَ الرَّجُلِ مِنَ امرَأَتِهِ أَرعَدَت وَبَكَت! فَقَالَ: مَا يُبكِيكِ؟ أَأَكرَهتُكِ؟ قَالَت: لَا، وَلَكِنَّهُ عَمَلٌ مَا عَمِلتُهُ قَطُّ، وَمَا حَمَلَنِي عَلَيهِ إِلَّا الحَاجَةُ! فَقَالَ: تَفعَلِينَ أَنتِ هَذَا وَمَا فَعَلتِهِ؛ اذهَبِي فَهِيَ لَكِ، وَوَاللهِ لَا أَعصِي اللهَ بَعدَهَا أَبَدًا! فَمَاتَ مِن لَيلَتِهِ، فَأَصبَحَ مَكتُوبًا عَلَى بَابِهِ: إِنَّ اللهَ قَد غَفَرَ لِلكِفلِ»! سبحان الله! رَجُلٌ كَانَ مُسرِفًا عَلَى نَفسِهِ لَا يَتَوَرَّعُ عَن ذَنبٍ، لَكِنَّهُ فِي تِلكَ اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ، حِينَ رَأَى دُمُوعَ الخَوفِ مِنَ اللهِ فِي عَينَي تِلكَ المَرأَةِ المِسكِينَةِ، استَيقَظَ قَلبُهُ مِن رَقدَتِهِ، وَخَاطَبَ نَفسَهُ: هَذِهِ تَبكِي وَتَرتَعِدُ مِن مَعصِيَةٍ لَم تَفعَلْهَا قَطُّ، وَأَنَا أُبَارِزُ اللهَ بِهَا؟ فَقَامَ عَنهَا، وَأَقسَمَ أَلَّا يَعصِيَ اللهَ بَعدَهَا أَبَدًا، فَقَبَضَهُ اللهُ فِي تِلكَ اللَّيلَةِ تَائِبًا مَغفُورًا لَهُ! النَّمُوذَجُ الخَامِسُ: مَوَاقِفُ أَئِمَّةِ السَّلَفِ وَالصَّالِحِينَ فِي لَحَظَاتِ الامتِحَانِ الخَفِيِّ: وَكَم فِي سِيَرِ سَلَفِنَا الصَّالِحِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم مِن مَوَاقِفَ بَاهِرَةٍ فِي قَمعِ النَّفسِ قُبَيلَ المَعصِيَةِ! فَهَذَا التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ الرَّبِيعُ بنُ خُثَيمٍ رَحِمَهُ اللهُ -كَمَا ذَكَرَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ فِي «سِيَرِ أَعلَامِ النُّبَلَاءِ» وَابنُ الجَوزِيِّ فِي «صِفَةِ الصَّفوَةِ»- أَرَادَ قَومٌ مِنَ الفُسَّاقِ أَن يَفتِنُوهُ، فَأَغرَوا امرَأَةً فَاِئقَةَ الجَمَالِ بِمَالٍ كَثِيرٍ إِن هِيَ فَتَنَتهُ، فَتَعَرَّضَت لَهُ فِي طَرِيقِهِ خَالِيًا وَكَشَفَت عَن وَجهِهَا وَتَزَيَّنَت، فَلَمَّا رَآهَا فِي تِلكَ اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ نَظَرَ إِلَيهَا بِنَظرَةِ الوَاعِظِ المُشفِقِ وَقَالَ لَهَا: «يَا أَمَةَ اللهِ، كَيفَ بِكِ إِذَا نَزَلَ بِكِ مَلَكُ المَوتِ فَقَطَعَ مِنكِ حَبلَ الوَتِينِ؟ كَيفَ بِكِ إِذَا سَأَلَكِ مُنكَرٌ وَنَكِيرٌ؟ كَيفَ بِكِ إِذَا وَقَفتِ بَينَ يَدَيِ الرَّبِّ الجَلِيلِ يَومَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ؟» فَمَا زَالَ يُذَكِّرُهَا بِالمَوتِ وَالقَبرِ وَالحِسَابِ حَتَّى سَقَطَت تَبكِي، وَتَابَت إِلَى اللهِ تَوبَةً نَصُوحًا، وَصَارَت مِن أعْبَدِ نِسَاءِ الكُوفَةِ حَتَّى كَانَت تُسَمَّى «عَابِدَةَ الكُوفَةِ»! وَهَذَا الشَّابُّ التَّقِيُّ أَبُو بَكرٍ المِسكِيُّ -كَمَا أَورَدَ ابنُ القَيِّمِ فِي «رَوضَةِ المُحِبِّينَ» وَابنُ الجَوزِيِّ فِي «ذَمِّ الهَوَى»- سُئِلَ عَن سَبَبِ رَائِحَةِ المِسكِ الَّتِي كَانَت تَفُوحُ مِن جَسَدِهِ دَائِمًا مِن غَيرِ أَن يَمسَّ طِيبًا، فَقَالَ: استَدرَجَتنِي امرَأَةٌ إِلَى دَارِهَا وَأَغلَقَتِ الأَبوَابَ وَدَعَتنِي إِلَى نَفسِهَا، فَتَحَيَّرتُ فِي أَمرِي، فَقُلتُ لَهَا: إِنَّ لِي حَاجَةً إِلَى الخَلَاءِ، فَدَخَلتُ بَيتَ الخَلَاءِ فَلَطَّختُ جَسَدِي وَثِيَابِي بِالقَذَرِ، ثُمَّ خَرَجتُ إِلَيهَا، فَلَمَّا رَأَتنِي وَشَمَّت رَائِحَتِي استَقذَرَتنِي وَطَرَدَتنِي مِن بَيتِهَا! فَرَجَعتُ إِلَى بَيتِي فَاغتَسَلتُ وَبَكَيتُ للهِ شُكرًا أَن نَجَّانِي مِنَ الفَاحِشَةِ، فَنِمتُ تِلكَ اللَّيلَةَ فَرَأَيتُ فِي المَنَامِ مَن يَقُولُ لِي: طَيَّبتَ جَسَدَكَ بِالعِفَّةِ للهِ وَلَطَّختَهُ فِي الدُّنيَا هَرَبًا مِن مَعصِيَتِهِ، لَنُطَيِّبَنَّ رِيحَكَ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ! فَأَصبَحتُ وَجَسَدِي يَفُوحُ مِسكًا! المِحوَرُ الرَّابِعُ: الخَوَاطِرُ الإِيمَانِيَّةُ العَشرُ الَّتِي تَقدَحُ فِي قَلبِ المُؤمِنِ قُبَيلَ المَعصِيَةِ فَتَردَعُهُ عَنِ الحَرَامِ أَيُّهَا الإِخوَةُ وَالأَخَوَاتُ؛ إِنَّ السُّؤَالَ العَمَلِيَّ الأَهَمَّ الَّذِي يَطرَحُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا عَلَى نَفسِهِ هُوَ: مَا هِيَ الأَفكَارُ وَالخَوَاطِرُ وَالحَقَائِقُ الإِيمَانِيَّةُ الَّتِي إِذَا استَحضَرَهَا العَبدُ فِي ذِهنِهِ وَقَلبِهِ فِي تِلكَ «اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ» قَبلَ المَعصِيَةِ، أَطفَأَت نَارَ الشَّهوَةِ فَوْرًا، وَأَلقَت فِي رُوعِهِ الرَّهبَةَ وَالحَيَاءَ، وَجَعَلَت قَدَمَهُ تَتَسَمَّرُ أَو تَرجِعُ إِلَى الوَرَاءِ؟ لَقَدِ استَقرَأَ عُلَمَاءُ التَّربِيَةِ وَالسُّلُوكِ كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَوَجَدُوا عَشرَ خَوَاطِرَ إِيمَانِيَّةٍ كُبرَى، هِيَ بِمَثَابَةِ «الصَّوَاعِقِ المُوقِظَةِ» لِلقَلبِ فِي لَحظَةِ الضَّعفِ: الخَاطِرَةُ الأُولَى: استِحضَارُ عَظَمَةِ مَن تَعصِيهِ، وَمَقَامُ الرُّؤيَةِ وَالإِحَاطَةِ الإِلَهِيَّةِ: فِي لَحظَةِ الخَلوَةِ بِالذَّنبِ، يَخدَعُكَ الشَّيطَانُ فَيُوهِمُكَ أَنَّكَ وَحدَكَ! أَنَّ البَابَ مُغلَقٌ، وَالنَّاسَ نِيَامٌ، وَالهَاتِفَ مُشَفَّرٌ! فَهُنَا يَجِبُ أَن تَضْرِبَ قَلبَكَ بِهَذِهِ الصَّاعِقَةِ القُرآنِيَّةِ: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤]! وَقَولِهِ سُبحَانَهُ: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٠٨]. اسأَلْ نَفسَكَ فِي تِلكَ الثَّانِيَةِ: لَو أَنَّ طِفلًا صَغِيرًا يَجلِسُ مَعَكَ فِي الغُرفَةِ الآنَ، أَو لَو أَنَّ أَبَاكَ أَو أُمَّكَ أَو صَدِيقَكَ فَتَحَ البَابَ فَجأَةً، هَل كُنتَ تَجرُؤُ عَلَى الاستِمرَارِ فِي هَذِهِ المَعصِيَةِ؟ كَلَّا وَاللهِ، لَارتَعَدتَ خَجَلًا وَلَأَخفَيتَ مَا بِيَدِكَ! فَكَيفَ تَجعَلُ اللهَ أَهوَنَ النَّاظِرِينَ إِلَيكَ؟! وَاستَحضِرْ مَا قَالَهُ التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ بِلَالُ بنُ سَعدٍ رَحِمَهُ اللهُ فِي كَلِمَتِهِ الذَّهَبِيَّةِ الَّتِي سَطَّرَهَا الأَئِمَّةُ بِمَاءِ العُيُونِ: «لَا تَنظُرْ إِلَى صِغَرِ الخَطِيئَةِ، وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى عَظَمَةِ مَن عَصَيتَ»! وَقَالَ الإِمَامُ أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ رَحِمَهُ اللهُ يُرددُ هَذَينِ البَيتَينِ وَيَبكِي حَتَّى تَبتَلَّ لِحيَتُهُ: إِذَا مَا خَلَوتَ الدَّهرَ يَومًا فَلَا تَقُلْ ... خَلَوتُ وَلَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيبُ وَلَا تَحسَبَنَّ اللهَ يَغفُلُ سَاعَةً ... وَلَا أَنَّ مَا يَخفَى عَلَيهِ يَغِيبُ الخَاطِرَةُ الثَّانِيَةُ: الحَيَاءُ مِنَ اللهِ الَّذِي تَعصِيهِ بِنِعَمِهِ وَعَلَى أَرضِهِ وَتَحتَ سَمَائِهِ: قَبلَ أَن تَمُدَّ يَدَكَ إِلَى الحَرَامِ، أَو تَفتَحَ عَينَكَ عَلَى المَشهَدِ المُحَرَّمِ، تَوَقَّفْ لَحظَةً وَاحِدَةً وَخَاطِبْ نَفسَكَ: بِأَيِّ عَينٍ أَنظُرُ إِلَى مَا حَرَّمَ اللهُ؟ أَلَيسَت بِالعَينِ الَّتِي خَلَقَهَا اللهُ لِي وَمَتَّعَنِي بِنُورِهَا، وَلَو شَاءَ لَسَلَبَ بَصَرِي فِي هَذِهِ اللَّحظَةِ؟ بِأَيِّ يَدٍ أَلمِسُ الحَرَامَ؟ أَلَيسَت بِاليَدِ الَّتِي أَمدَّنِي اللهُ بِقُوَّتِهَا وَحَرَكَتِهَا، وَلَو شَاءَ لَأَيبَسَهَا وَشَلَّ أَركَانَهَا؟ بِأَيِّ قَلبٍ أَتَلَذَّذُ بِالمَعصِيَةِ؟ أَلَيسَ بِالقَلبِ الَّذِي يَنبِضُ بِإِذنِ اللهِ فِي كُلِّ ثَانِيَةٍ؟! أَيُّ لُؤمٍ وَأَيُّ كُفرَانٍ أَقبَحُ مِن أَن يَنزِلَ خَيرُ اللهِ وَنِعَمُهُ وَأَرزَاقُهُ وَعَافِيَتُهُ وَسِترُهُ إِلَيكَ فِي كُلِّ نَفَسٍ، ثُمَّ تَتَقَوَّى بِهَذِهِ النِّعَمِ عَلَى مُبَارَزَتِهِ بِالمَعَاصِي؟! كَمَا رَوَى التِّرمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «استَحيُوا مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَستَحيِي وَالحَمدُ للهِ، قَالَ: «لَيسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الاستِحيَاءَ مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ أَن تَحفَظَ الرَّأسَ وَمَا وَعَى، وَالبَطنَ وَمَا حَوَى، وَلتَذكُرِ المَوتَ وَالبِلَى، وَمَن أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنيَا، فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ استَحيَا مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ». الخَاطِرَةُ الثَّالِثَةُ: خَوفُ فَجأَةِ مَلَكِ المَوتِ، وَالرُّعبُ مِن سُوءِ الخَاتِمَةِ وَالبَعثِ عَلَى المَعصِيَةِ: هَذِهِ الخَاطِرَةُ وَحدَهَا كَفِيلَةٌ بِأَن تُجَمِّدَ الدَّمَ فِي عُرُوقِ مَن يَهُمُّ بِالذَّنبِ! اسأَلْ نَفسَكَ فِي اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ قَبلَ المَعصِيَةِ: مَن يَضمَنُ لِي أَنَّ مَلَكَ المَوتِ لَن يَدخُلَ عَلَيَّ وَأَنَا فِي وَسَطِ هَذِهِ المَعصِيَةِ فَيَقبِضَ رُوحِي عَلَيهَا؟! لَقَد سَمِعنَا وَرَأَينَا عَبرَ العُصُورِ وَفِي زَمَانِنَا هَذَا مَن مَاتَ وَهُوَ عَلَى فِرَاشِ الفَاحِشَةِ، وَمَن سَقَطَ مَيِّتًا بِسَكتَةٍ قَلبِيَّةٍ وَشَاشَتُهُ مَفتُوحَةٌ عَلَى الفَوَاحِشِ وَالقَبَائِحِ، وَمَن قُبِضَت رُوحُهُ وَهُوَ يَأكُلُ الحَرَامَ أَو يَشرَبُ الخَمرَ أَو يَظلِمُ العِبَادَ! فَكَيفَ يَلقَى اللهَ؟ وَبِأَيِّ وَجهٍ يُحشَرُ يَومَ القِيَامَةِ؟! تَذَكَّرْ قَولَ الصَّادِقِ المَصدُوقِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «يُبعَثُ كُلُّ عَبدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيهِ»! وَتَذَكَّرْ قَولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «وَإِنَّمَا الأَعمَالُ بِالخَوَاتِيمِ»! أَتَرضَى لِنَفسِكَ أَن تَكُونَ آخِرُ صُورَةٍ لَكَ فِي الدُّنيَا، وَأَوَّلُ صُورَةٍ تُبعَثُ عَلَيهَا أَمَامَ الخَلَائِقِ يَومَ القِيَامَةِ، هِيَ صُورَةُ هَذَا الذَّنبِ الَّذِي تُرِيدُ أَن تَقتَرِفَهُ الآنَ؟! الخَاطِرَةُ الرَّابِعَةُ: المِيزَانُ العَقلِيُّ الحَاسِمُ (ذَهَابُ اللَّذَّةِ فِي دَقَائِقَ، وَبَقَاءُ الحَسرَةِ وَالإِثمِ وَالعَارِ دُهُورًا): فِي اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ قَبلَ المَعصِيَةِ، يَعمَى البَصَرُ عَنِ العَوَاقِبِ، وَيُصَوِّرُ الشَّيطَانُ لِلعَبدِ أَنَّ فِي هَذَا الذَّنبِ سَعَادَةً عُظمَى وَلَذَّةً لَا تُقَاوَمُ! فَهُنَا يَجِبُ أَن يَتَدَخَّلَ العَقلُ الإِيمَانِيُّ الحَصِيفُ لِيُجرِيَ مُقَارَنَةً حِسَابِيَّةً سَرِيعَةً بَينَ «عُمُرِ اللَّذَّةِ» وَ«عُمُرِ الحَسرَةِ»! كَم تَستَغرِقُ لَذَّةُ المَعصِيَةِ؟ دَقَائِقَ مَعدُودَةً، أَو لَحَظَاتٍ عَابِرَةً! ثُمَّ مَاذَا يَحدُثُ بَعدَ انقِضَائِهَا مُبَاشَرَةً؟ تَذهَبُ اللَّذَّةُ كَأَن لَم تَكُنْ، وَيَبقَى فِي القَلبِ ظُلمَةٌ وَحَسرَةٌ وَضِيقٌ وَندَامَةٌ، وَفِي الصَّحِيفَةِ إِثمٌ مَكتُوبٌ، وَفِي القَبرِ وَالآخِرَةِ حِسَابٌ وَعِقَابٌ إِلَّا أَن يَتَغَمَّدَكَ اللهُ بِرَحمَتِهِ! وَرَحِمَ اللهُ أَمِيرَ المُؤمِنِينَ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَمَن قَالَهَا مِنَ السَّلَفِ حِينَ جَمَعُوا هَذِهِ الحِكمَةَ فِي كَلِمَاتٍ تُوزَنُ بِالذَّهَبِ: «تَفَكَّرُوا قَبلَ أَن تَعزِمُوا؛ فَإِنَّ التَّعَبَ يَزُولُ وَالأَجرَ يَبقَى، وَإِنَّ اللَّذَّةَ تَزُولُ وَالإِثمَ يَبقَى»! وَقَالَ الإِمَامُ ابنُ الجَوزِيِّ رَحِمَهُ اللهُ فِي «صَيدِ الخَاطِرِ» مُخَاطِبًا النَّفسَ فِي لَحظَةِ المَعصِيَةِ: «تَأَمَّلْ فِي سَاعَةِ اللِّذَّةِ كَيفَ تَنقَضِي، وَفِي زَمَانِ العُقُوبَةِ كَيفَ يَطُولُ! وَاعلَمْ أَنَّ ذُلَّ المَعصِيَةِ لَا يُفَارِقُ القَلبَ أَبَدًا»! الخَاطِرَةُ الخَامِسَةُ: خَوفُ هَتكِ السِّترِ الإِلَهِيِّ وَالفَضِيحَةِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ: كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَغتَرُّ بِحِلمِ اللهِ وَسِترِهِ عَلَيهِ؛ يَعصِي المَرَّةَ الأُولَى فَيَستُرُهُ اللهُ، وَيَعصِي الثَّانِيَةَ فَيَستُرُهُ اللهُ، وَيَعصِي الثَّالِثَةَ فَيَستُرُهُ اللهُ، فَيَظُنُّ المَغرُورُ أَنَّ السِّترَ دَائِمٌ إِلَى الأَبَدِ! وَلَا يَدرِي أَنَّ لِهَتكِ السِّترِ لَحظَةً إِذَا أَصَرَّ العَبدُ وَاستَمرَأَ القَبِيحَ وَاستَهَانَ بِنَظَرِ الرَّقِيبِ! تَذَكَّرْ فِي اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ قَولَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا رَوَى الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «لَا يَستُرُ اللهُ عَلَى عَبدٍ فِي الدُّنيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ». فَإِذَا دَعَتكَ نَفسُكَ إِلَى الذَّنبِ فَقُلْ لَهَا: يَا نَفسُ، لَقَد سَتَرَنِي رَبِّي مَرَّاتٍ كَثِيرَةً، فَمَا يُؤَمِّنُنِي أَن تَكُونَ هَذِهِ المَعصِيَةُ هِيَ القَاصِمَةَ الَّتِي يَرفَعُ اللهُ فِيهَا سِترَهُ عَنِّي، فَأُفضَحَ بَينَ أَهلِي وَزَوجِي وَأَولَادِي وَجِيرَانِي، ثُمَّ أُفضَحَ يَومَ القِيَامَةِ عَلَى رُؤُوسِ الأَشهَادِ يَومَ تُبلَى السَّرَائِرُ؟! الخَاطِرَةُ السَّادِسَةُ: تَذَكُّرُ شَهَادَةِ المَكَانِ وَالأَرضِ وَالجَوَارِحِ وَالجُلُودِ يَومَ القِيَامَةِ: إِذَا أَغلَقتَ بَابَ غُرفَتِكَ وَظَنَنتَ أَنَّهُ لَا شَاهِدَ عَلَيكَ، فَتَذَكَّرْ أَنَّكَ مُحَاطٌ بِشُهُودٍ لَا يَقبَلُونَ الرِّشوَةَ، وَلَا يَنسَونَ الوَاقِعَةَ، وَلَا يَكتُمُونَ الشَّهَادَةَ يَومَ القِيَامَةِ! الشَّاهِدُ الأَوَّلُ: المَلَكَانِ الكَرِيمَانِ الكَاتِبَانِ عَن يَمِينِكَ وَعَن شِمَالِكَ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]. الشَّاهِدُ الثَّانِي: الأَرضُ وَالبُقعَةُ الَّتِي تَقِفُ عَلَيهَا وتَعصِي اللهَ فَوقَهَا: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ۝ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٤–٥]؛ كَمَا رَوَى التِّرمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾، قَالَ: «أَتَدرُونَ مَا أَخبَارُهَا؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّ أَخبَارَهَا أَن تَشهَدَ عَلَى كُلِّ عَبدٍ أَو أَمَةٍ بِمَا عَمِلَ عَلَى ظَهرِهَا، أَن تَقُولَ: عَمِلَ كَذَا وَكَذَا يَومَ كَذَا وَكَذَا، فَهَذِهِ أَخبَارُهَا»! الشَّاهِدُ الثَّالِثُ: أَعضَاؤُكَ وَجَوَارِحُكَ وَجِلدُكَ الَّذِي تَعصِي بِهِ! قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَشهَدٍ تَنفَطِرُ لَهُ القُلُوبُ: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ۝ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت: ٢٠–٢١]. فَكِّرْ فِي تِلكَ اللَّحظَةِ قَبلَ المَعصِيَةِ: كَيفَ تَعصِي اللهَ بِعَينٍ سَتَشهَدُ عَلَيكَ، وَبِأُذُنٍ سَتَشهَدُ عَلَيكَ، وَبِيَدٍ وَجِلدٍ سَيَنطِقَانِ بِكُلِّ تَفَاصِيلِ ذَنبِكَ أَمَامَ مَحكَمَةِ الجَبَّارِ جَلَّ جَلَالُهُ؟! الخَاطِرَةُ السَّابِعَةُ: استِحضَارُ خَطَرِ حُبُوطِ الحَسَنَاتِ بِذُنُوبِ الخَلَوَاتِ: يَا مَن تُصَلِّي مَعَ الجَمَاعَةِ، وَتَصُومُ النَّوَافِلَ، وَتَقرَأُ القُرآنَ، وَتَطلُبُ العِلمَ، وَيَذكُرُكَ النَّاسُ بِالخَيرِ وَالصَّلَاحِ: إِذَا وَقَفتَ فِي خَلوَتِكَ أَمَامَ المَعصِيَةِ فِي اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ، فَتَذَكَّرْ أَنَّ هَذِهِ المَعصِيَةَ الخَفِيَّةَ قَد تَكُونُ النَّارَ الَّتِي تَحرِقُ جِبَالَ حَسَنَاتِكَ يَومَ القِيَامَةِ! استَمِعْ بِقَلبِكَ إِلَى الحَدِيثِ الرَّهِيبِ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ ابنُ مَاجَه بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن ثَوبَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَأَعلَمَنَّ أَقوَامًا مِن أُمَّتِي يَأتُونَ يَومَ القِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجعَلُهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنثُورًا»! قَالَ ثَوبَانُ: يَا رَسُولَ اللهِ، صِفْهُم لَنَا، جَلِّهِم لَنَا أَن لَا نَكُونَ مِنهُم وَنَحنُ لَا نَعلَمُ! قَالَ: «أَمَا إِنَّهُم إِخوَانُكُم وَمِن جِلدَتِكُم، وَيَأخُذُونَ مِنَ اللَّيلِ كَمَا تَأخُذُونَ، وَلَكِنَّهُم أَقوَامٌ إِذَا خَلَوا بِمَحَارِمِ اللهِ انتَهَكُوهَا»! قِفْ عِندَ قَولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا خَلَوا بِمَحَارِمِ اللهِ انتَهَكُوهَا»! لَم يَكُونُوا مَعصُومِينَ، وَلَكِنَّ مُصِيبَتَهُم أَنَّهُم كَانُوا يَجمَعُونَ بَينَ التَّجمُّلِ أَمَامَ الخَلقِ وَالاستِخفَافِ بِنَظَرِ الخَالِقِ عِندَ الخَلوَةِ، فَلَا يَتَرَدَّدُونَ وَلَا يَرتَدِعُونَ فِي اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ بَل يَقتَحِمُونَ الحَرَامَ بِلَا مُبَالَاةٍ! الخَاطِرَةُ الثَّامِنَةُ: الخَوفُ مِنَ العقُوبَاتِ العَاجِلَةِ لِلذَّنبِ فِي القَلبِ وَالرِّزقِ وَالبَيتِ وَالذُّرِّيَّةِ: لَا تَظُنَّنَّ أَنَّ عُقُوبَةَ الذَّنبِ مُؤَجَّلَةٌ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ فَقَط؛ بَل إِنَّ لِلمَعصِيَةِ عُقُوبَاتٍ نَقدِيَّةً عَاجِلَةً تَنزِلُ بِالعَبدِ فِي دُنيَاهُ! وَقَد لَخَّصَهَا حَبرُ الأُمَّةِ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا فِي كَلِمَتِهِ المَشهُورَةِ الَّتِي نَقَلَهَا ابنُ القَيِّمِ فِي «الدَّاءِ وَالدَّوَاءِ»: «إِنَّ لِلحَسَنَةِ ضِيَاءً فِي الوَجهِ، وَنُورًا فِي القَلبِ، وَسَعَةً فِي الرِّزقِ، وَقُوَّةً فِي البَدَنِ، وَمَحَبَّةً فِي قُلُوبِ الخَلقِ؛ وَإِنَّ لِلسَّيِّئَةِ سَوَادًا فِي الوَجهِ، وَظُلمَةً فِي القَلبِ، وَوَهنًا فِي البَدَنِ، وَنَقصًا فِي الرِّزقِ، وَبُغضَةً فِي قُلُوبِ الخَلقِ»! فَإِذَا هَمَمتَ بِالمَعصِيَةِ فِي اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ فَقُلْ لِنَفسِكَ: أَأَبِيعُ نُورَ وَجهِي، وَانشِرَاحَ صَدرِي، وَبَرَكَةَ رِزقِي، وَصَلَاحَ زَوجِي وَذُرِّيَّتِي، وَحِفظَ قُرآنِي وَعِلمِي، وَمَحَبَّتِي فِي قُلُوبِ عِبَادِ اللهِ، بِنَظرَةٍ مُحَرَّمَةٍ أَو شَهوَةٍ عَابِرَةٍ تُورِثُنِي الوَحشَةَ وَالظُّلمَةَ وَالحِرمَانَ؟! وَلِذَلِكَ كَانَ الفُضَيلُ بنُ عِيَاضٍ وَغَيرُهُ مِنَ السَّلَفِ رَحِمَهُمُ اللهُ يَقُولُونَ: «إِنِّي لَأَعصِي اللهَ فَأَعرِفُ ذَلِكَ فِي خُلُقِ دَابَّتِي وَامرَأَتِي وَخَادِمِي»! الخَاطِرَةُ التَّاسِعَةُ: تَذَكُّرُ شِدَّةِ عَذَابِ النَّارِ وَضَعفِ الجَسَدِ عَنِ احتِمَالِهِ: فِي لَحظَةِ الغَليَانِ الشَّهوَانِيِّ، لَا يَطفِئُ نَارَ الشَّهوَةِ فِي الدُّنيَا إِلَّا تَذَكُّرُ نَارِ الآخِرَةِ! قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨١]. تَأَمَّلْ فِي تِلكَ اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ: هَل تُطِيقُ أَن تَضَعَ إِصبَعَكَ فِي نَارِ الدُّنيَا ثَانِيَةً وَاحِدَةً؟ وَاللهِ لَا تُطِيقُ! وَنَارُ الدُّنيَا جُزءٌ وَاحِدٌ مِن سَبعِينَ جُزءًا مِن نَارِ جَهَنَّمَ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ! وَتَذَكَّرْ قَولَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «يُؤتَى بِأَنعَمِ أَهلِ الدُّنيَا مِن أَهلِ النَّارِ يَومَ القِيَامَةِ، فَيُصبَغُ فِي النَّارِ صَبغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابنَ آدَمَ، هَل رَأَيتَ خَيرًا قَطُّ؟ هَل مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللهِ يَا رَبِّ»! غَمسَةٌ وَاحِدَةٌ فِي النَّارِ تُنسِي الإِنسَانَ كُلَّ لَذَّةٍ وَكُلَّ شَهوَةٍ ذَاقَهَا فِي الدُّنيَا! فَكَيفَ تُخَاطِرُ بِجَسَدِكَ الضَّعِيفِ أَمامَ عَذَابِ اللهِ مِن أَجلِ لَذَّةٍ تَنقَضِي فِي ثَوَانٍ؟! الخَاطِرَةُ العَاشِرَةُ: تَذَكُّرُ قَانُونِ العِوَضِ الإِلَهِيِّ وَحَلَاوَةِ الِانتِصَارِ الإِيمَانِيِّ فَوْرَ التَّركِ: هَذِهِ الخَاطِرَةُ العَاشِرَةُ مِن أَعظَمِ مَا يُثَبِّتُ القَلبَ فِي اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ؛ أَن تَعلَمَ عِلمَ اليَقِينِ أَنَّكَ إِذَا تَرَكتَ هَذِهِ المَعصِيَةَ الآنَ مِن أَجلِ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ سَيُعَوِّضُكَ فَوْرًا فِي قَلبِكَ وَدُنيَاكَ وَآخِرَتِكَ مَا هُوَ أَعظَمُ وَأَحلَى وَأَبقَى مِنهَا بِمَلَايِينِ المَرَّاتِ! استَمِعْ إِلَى هَذَا الوَعدِ النَّبَوِيِّ الصَّادِقِ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن رَجُلٍ مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّكَ لَن تَدَعَ شَيئًا للهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا بَدَّلَكَ اللهُ بِهِ مَا هُوَ خَيرٌ لَكَ مِنهُ»! وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، مَا مِن عَبدٍ يَقِفُ أَمَامَ المَعصِيَةِ وَهُوَ يَشتَهِيهَا وَيَقدِرُ عَلَيهَا، ثُمَّ يَقهَرُ نَفسَهُ وَيَترُكُهَا للهِ، إِلَّا وَجَدَ فِي قَلبِهِ مِن تِلكَ السَّاعَةِ بَردَ السَّكِينَةِ، وَحَلَاوَةَ الإِيمَانِ، وَعِزَّةَ الِانتِصَارِ، وَانشِرَاحَ الصَّدرِ، وَقُوَّةَ الرُّوحِ مَا لَا يُشتَرَى بِكُنُوزِ الأَرضِ كُلِّهَا! كَمَا قَالَ بَعضُ السَّلَفِ: «مَن تَرَكَ للهِ شَيئًا عَوَّضَهُ اللهُ خَيرًا مِنهُ، وَأَوَّلُ العِوَضِ: أُنسُ القَلبِ بِاللهِ، وَفَرَحُهُ بِطَاعَتِهِ، وَسَلَامَتُهُ مِن ذُلِّ الخَطِيئَةِ»! المِحوَرُ الخَامِسُ: فِقهُ التَّعَامُلِ مَعَ «الثَّوَانِي العَشرِ الأُولَى» عِندَ هُجُومِ دَاعِي المَعصِيَةِ (إِسعَافُ القَلبِ الطَّارِئُ) أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ؛ لِنَنتَقِلِ الآنَ مِنَ التَّأصِيلِ العِلمِيِّ وَالوَعظِيِّ إِلَى «البَرنَامَجِ التَّطبِيقِيِّ المَيدَانِيِّ»؛ مَاذَا يَفعَلُ العَبدُ عَمَلِيًّا فِي الثَّوَانِي العَشرِ الأُولَى حِينَ يَهجُمُ عَلَيهِ دَاعِي المَعصِيَةِ فَجأَةً؟ كَيفَ يُدِيرُ تِلكَ اللَّحظَةَ الحَاسِمَةَ حَتَّى لَا يَنهَارَ دِفَاعُهُ؟ هُنَاكَ خَمسُ خُطُوَاتٍ إِسعَافِيَّةٍ فَوْرِيَّةٍ يَجِبُ أَن يُدَرِّبَ المُؤمِنُ نَفسَهُ عَلَيهَا حَتَّى تَصِيرَ رَدَّ فِعلٍ تِلقَائِيًّا عِندَ الخَطَرِ: الخُطوَةُ الأُولَى: القَطعُ الفَوْرِيُّ لِلمُثِيرِ الأَوَّلِ دُونَ مُفَاوَضَةٍ أَو تَسويفٍ («قاعدةُ الصَّدمَةِ القَاطِعَةِ»): أَكبَرُ خَطَأٍ يَقَعُ فِيهِ الإِنسَانُ فِي اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ أَن يَدخُلَ فِي حِوَارٍ وَتَفَاوُضٍ مَعَ الشَّيطَانِ وَالنَّفسِ الأَمَّارَةِ! فَيَقُولُ لِنَفسِهِ: «سَأَنظُرُ نَظرَةً وَاحِدَةً فَقَط ثُمَّ أُغلِقُ الشَّاشَةَ»، أَو «سَأَتَحَدَّثُ مَعَهَا دَقِيقَةً وَاحِدَةً ثُمَّ أَقطَعُ الاتِّصَالَ»، أَو «سَأَجلِسُ فِي هَذَا المَجلِسِ قَلِيلًا وَلَن أُشَارِكَهُم فِي الحَرَامِ»! اعلَمْ أَنَّ التَّفَاوُضَ مَعَ الشَّهوَةِ فِي لَحظَةِ اشتِعَالِهَا هَزِيمَةٌ مُحَقَّقَةٌ! فَالنَّارُ لَا تُفَاوَضُ، بَل تُطفَأُ فَوْرًا! وَلِذَلِكَ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِالصَّرفِ الفَوْرِيِّ لِلبَصَرِ فِي التَّوِّ وَاللَّحظَةِ؛ كَمَا رَوَى الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن جَرِيرِ بنِ عَبدِ اللهِ البَجَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَأَلتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَن نَظَرِ الفُجَاءَةِ، فَأَمَرَنِي أَن أَصرِفَ بَصَرِي! وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَن بُرَيدَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «يَا عَلِيُّ، لَا تُتبِعِ النَّظرَةَ النَّظرَةَ؛ فَإِنَّ لَكَ الأُولَى وَلَيسَت لَكَ الآخِرَةُ». فَالقَاعِدَةُ الذَّهَبِيَّةُ فِي الثَّانِيَةِ الأُولَى: أَغلِقِ النَّافِذَةَ فَوْرًا، اصرِفْ بَصَرَكَ فَوْرًا، وَإِيَّاكَ وَالاستِرسَالَ وَلَو لِثَانِيَتَينِ! الخُطوَةُ الثَّانِيَةُ: الجَهرُ بِالاستِعَاذَةِ وَالنُّطقُ بِلَفظِ الجَلَالَةِ لِكَسرِ الصَّمتِ الشَّيطَانِيِّ: الشَّيطَانُ يَعمَلُ فِي الصَّمتِ وَالسُّكُونِ وَالخَيَالِ الذِّهنِيِّ؛ فَإِذَا نَطَقَ اللِّسَانُ جَهرًا بِذِكرِ اللهِ تَمَزَّقَ حِصَارُ الوَسوَسَةِ! قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦]. فَفِي اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ، لَا تَكتَفِ بِالتَّفكِيرِ الصَّامِتِ، بَل حَرِّكْ لِسَانَكَ وَأَسمِعْ أُذُنَكَ: «أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ! مَعَاذَ اللهِ! إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ العَالَمِينَ! اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلبِي عَلَى دِينِكَ»! إِنَّ سَمَاعَ أُذُنِكَ لِصَوتِكَ وَأَنتَ تَذكُرُ اللهَ يَطرُدُ الشَّيطَانَ الخَنَّاسَ وَيُعِيدُ القَلبَ إِلَى وَعيِهِ وَبَصِيرَتِهِ. الخُطوَةُ الثَّالِثَةُ: التَّغيِيرُ الفَوْرِيُّ لِلوَضعِيَّةِ الجَسَدِيَّةِ وَالمَكَانِ (كَسرُ بِيئَةِ الذَّنبِ): مِن أَعظَمِ أَسرَارِ الهَديِ النَّبَوِيِّ فِي التَّعَامُلِ مَعَ ثَوَرَانِ النَّفسِ (سَوَاءٌ كَانَ ثَوَرَانَ شَهوَةٍ أَو ثَوَرَانَ غَضَبٍ) تَغيِيرُ الهَيئَةِ وَالمَكَانِ فَوْرًا! كَمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَأَحمَدُ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُم وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجلِسْ، فَإِن ذَهَبَ عَنهُ الغَضَبُ وَإِلَّا فَلْيَضطَجِعْ». وَكَذَلِكَ فِي لَحظَةِ الشَّهوَةِ وَالفِتنَةِ: إِذَا كُنتَ مُستَلقِيًا عَلَى فِرَاشِكَ وَحدَكَ فِي غُرفَةٍ مُظلِمَةٍ وَمَعَكَ الهَاتِفُ وَهَجَمَت عَلَيكَ الفِتنَةُ، فَلَا تَبقَ عَلَى فِرَاشِكَ تُصَارِعُ الوَسَاوِسَ! قُمْ فَوْرًا مِن مَكَانِكَ، أَشعِلِ الضَّوءَ، افتَحْ بَابَ الغُرفَةِ، اخرُجْ إِلَى صَالَةِ البَيتِ بَينَ أَهلِكَ، أَوِ اترُكِ الجِهَازَ فِي الغُرفَةِ وَاخرُجْ! إِنَّ مُجَرَّدَ قِيَامِكَ وَفَتحِ البَابِ وَمُغَادَرَةِ بُقعَةِ الخَلوَةِ يَكسِرُ سَبعِينَ فِي المِائَةِ مِن سُلطَانِ الشَّهوَةِ فِي التَّوِّ وَاللَّحظَةِ! الخُطوَةُ الرَّابِعَةُ: الإِطفَاءُ بِالوُضُوءِ وَالِالتِجَاءُ إِلَى رَكعَتَينِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ: الشَّيطَانُ خُلِقَ مِن نَارٍ، وَالشَّهوَةُ وَالغَضَبُ جَمرَةٌ مِن نَارٍ يُلقِيهَا الشَّيطَانُ فِي قَلبِ ابنِ آدَمَ، وَإِنَّمَا تُطفَأُ النَّارُ بِالمَاءِ وَالصَّلَاةِ! فَفِي اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ حِينَ تَشعُرُ أَنَّ نَفسَكَ تَغلِي بِالمَعصِيَةِ، انهَضْ فَوْرًا إِلَى المَاءِ البَارِدِ فَتَوَضَّأْ وُضُوءًا سَابِغًا، ثُمَّ استَقبِلِ القِبلَةَ وَكَبِّرْ للهِ تَكبِيرَةَ الإِحرَامِ وَخِرَّ سَاجِدًا بَينَ يَدَي رَبِّكَ! وَاللهِ لَن يَستَطِيعَ الشَّيطَانُ أَن يَقتَرِبَ مِنكَ وَأَنتَ مُتَوَضِّئٌ سَاجِدٌ تَستَغِيثُ بِرَبِّ العَالَمِينَ! الخُطوَةُ الخَامِسَةُ: استِبدَالُ الفِكرَةِ بِعَمَلٍ فَوْرِيٍّ مُزَاحِمٍ: الفَرَاغُ الذِّهنِيُّ وَالجَسَدِيُّ فِي لَحظَةِ الفِتنَةِ هُوَ المَيدَانُ الَّذِي يَصولُ فِيهِ الشَّيطَانُ؛ فَإِذَا قَطَعتَ سَبَبَ المَعصِيَةِ، فَلَا تَجلِسْ فَارِغًا تُفَكِّرُ فِيمَا تَرَكتَهُ! بَلِ اشغَلْ نَفسَكَ فِي التَّوِّ بِمُهَاتَفَةِ صَدِيقٍ صَالِحٍ، أَو فَتْحِ المُصحَفِ وَالقِرَاءَةِ بِصَوتٍ مَسمُوعٍ، أَو مُطَالَعَةِ كِتَابٍ نَافِعٍ، أَو مُمَارَسَةِ حَرَكَةٍ بَدَنِيَّةٍ تُفرِغُ الطَّاقَةَ، حَتَّى يَنصَرِفَ الذِّهنُ كُلِّيًّا عَن مَسَارِ الخَطرَةِ الشَّيطَانِيَّةِ. المِحوَرُ السَّادِسُ: تَرسَانَةُ الأَسلِحَةِ الشَّرعِيَّةِ وَالتَّربَوِيَّةِ العَشرَةِ الَّتِي يَتَسَلَّحُ بِهَا العَبدُ لِلثَّبَاتِ عَلَى الطَّاعَةِ وَقَهرِ الشَّهوَةِ أَيُّهَا الإِخوَةُ الفُضَلَاءُ؛ إِنَّ الجُندِيَّ الَّذِي يَدخُلُ المَعرَكَةَ بِلَا سِلَاحٍ وَلَا دِرعٍ وَلَا تَدرِيبٍ مُسبَقٍ يُقتَلُ مِن أَوَّلِ سَهمٍ يُرمَى بِهِ! وَكَذَلِكَ العَبدُ المُؤمِنُ؛ لَا يُمكِنُ أَن يَنتَصِرَ فِي «اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ قَبلَ المَعصِيَةِ» إِذَا كَانَ قَلبُهُ خَرَابًا خَاوِيًا طَوَالَ اليَومِ وَاللَّيلَةِ! إِنَّ الثَّبَاتَ فِي لَحظَةِ الزِّلزَالِ هُوَ ثَمَرَةُ البِنَاءِ الإِيمَانِيِّ المَتِينِ وَالتَّسَلُّحِ الدَّائِمِ قَبلَ وُقُوعِ الفِتنَةِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا فِيمَا رَوَاهُ أَحمَدُ وَالتِّرمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ: «تَعَرَّفْ إِلَى اللهِ فِي الرَّخَاءِ يَعرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ»! وَأَيُّ شِدَّةٍ أَعظَمُ مِن شِدَّةِ الفِتنَةِ حِينَ تُحَاصِرُ القَلبَ وَتَكَادُ تَسلُبُهُ دِينَهُ؟! فَمَا هِيَ الأَسلِحَةُ العَشرَةُ الكُبرَى الَّتِي يَتَسَلَّحُ بِهَا العَبدُ لِيَثبُتَ عَلَى الطَّاعَةِ وَيَصمُدَ أَمَامَ العَوَاصِفِ؟ السِّلَاحُ الأَوَّلُ: سِلَاحُ الإِخلَاصِ وَتَحقِيقِ التَّوحِيدِ وَالعُبُودِيَّةِ الخَالِصَةِ للهِ تَعَالَى: هَذَا هُوَ السِّلَاحُ الأَعظَمُ وَالدِّرعُ الأَحصَنُ الَّذِي تَتَحَطَّمُ عَلَيهِ جَمِيعُ سِهَامِ إِبلِيسَ! لِمَاذَا؟ لِأَنَّ إِبلِيسَ نَفسَهُ حِينَ أَقسَمَ بَينَ يَدَيِ اللهِ أَنَّهُ سَيُغوِي بَنِي آدَمَ أَجمَعِينَ مِن بَينِ أَيدِيهِم وَمِن خَلفِهِم وَعَن أَيمَانِهِم وَعَن شَمَائِلِهِم، استَثنَى طَائِفَةً وَاحِدَةً أَعلَنَ عَجزَهُ التَّامَّ عَن إِغوَائِهَا، فَقَالَ كَمَا حَكَى اللهُ عَنهُ: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ۝ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢–٨٣]. وَقَالَ اللهُ تَعَالَى مُصَدِّقًا لِهَذَا الاستِثنَاءِ: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]. وَفِي قِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيهِ السَّلَامُ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]. وَتَأَمَّلُوا مَا قَالَهُ شَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيمِيَّةَ وَتِلمِيذُهُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُمَا اللهُ فِي سِرِّ هَذِهِ الآيَةِ: إِنَّ القَلبَ إِذَا أَخلَصَ عُبُودِيَّتَهُ وَمَحَبَّتَهُ وَتَعَلُّقَهُ للهِ وَحدَهُ، امْتَلَأَ بِمَحَبَّةِ اللهِ وَإِجلَالِهِ، فَلَم يَبقَ فِيهِ فَرَاغٌ لِعِشقِ الصُّوَرِ المُحَرَّمَةِ وَلَا لِذُلِّ الشَّهَوَاتِ الدَّنِيئَةِ! فَبِقَدرِ ضَعفِ الإِخلَاصِ وَالتَّوحِيدِ فِي القَلبِ يَتَسَلَّطُ عَلَيهِ الهَوَى وَالشَّيطَانُ، وَبِقَدرِ قُوَّةِ الإِخلَاصِ وَصَفَاءِ التَّوحِيدِ تَرتَدُّ سِهَامُ الفِتنَةِ خَاسِئَةً عَن حِمَى القَلبِ! السِّلَاحُ الثَّانِي: سِلَاحُ حِرَاسَةِ المَنَافِذِ الأَربَعَةِ (اللَّحَظَاتِ، وَالخَطَرَاتِ، وَاللَّفَظَاتِ، وَالخُطُوَاتِ): لَقَد وَضَعَ الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ فِي «الجَوَابِ الكَافِي» قَاعِدَةً عَسكَرِيَّةً إِيمَانِيَّةً فَرِيدَةً لِحِمَايَةِ مَملَكَةِ القَلبِ قَبلَ أَن يَصِلَ العَدُوُّ إِلَى عُمقِهَا، فَقَالَ مَا مَعنَاهُ: إِنَّ لِلقَلبِ أَربَعَةَ أَبوَابٍ وَثُغُورٍ يَدخُلُ مِنهَا الشَّيطَانُ، فَمَن رَابَطَ عَلَى هَذِهِ الثُّغُورِ الأَربَعَةِ لَم يَستَطِعِ العَدُوُّ أَن يَنفُذَ إِلَى دَاخِلِ حِصنِهِ: الثَّغرُ الأَوَّلُ: «اللَّحَظَاتُ» (غَضُّ البَصَرِ)؛ فَالبَصَرُ هُوَ رَائِدُ القَلبِ وَبَرِيدُ الشَّهوَةِ، وَالنَّظرَةُ سَهمٌ مَسمُومٌ، فَمَن أَطلَقَ بَصَرَهُ فِي الحَرَامِ أَورَدَ قَلبَهُ المَهَالِكَ، وَمَن غَضَّ بَصَرَهُ فِي البِدَايَةِ أَرَاحَ قَلبَهُ فِي النِّهَايَةِ! قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيثٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠] —تِلَاوَتُهَا الصَّحِيحَةُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠]. انظُرُوا كَيفَ قَدَّمَ اللهُ غَضَّ البَصَرِ عَلَى حِفظِ الفَرجِ؛ لِأَنَّ إِطلَاقَ البَصَرِ هُوَ الشَّرَارَةُ الَّتِي تُوقِدُ نَارَ الفَاحِشَةِ، وَغَضَّ البَصَرِ هُوَ السَّدُّ المَنِيعُ الَّذِي يَحفَظُ الفَرجَ وَيُزَكِّي القَلبَ! الثَّغرُ الثَّانِي: «الخَطَرَاتُ» (مُدَافَعَةُ الأَفكَارِ الرَّدِيئَةِ فِي مَهدِهَا)؛ فَإِذَا طَرَقَتِ الخَطرَةُ المُحَرَّمَةُ بَابَ ذِهنِكَ، فَلَا تَستَضِفْهَا وَلَا تُطعِمْهَا بِالخَيَالِ وَالتَّمَنِّي، بَلِ اقطَعْهَا فَوْرًا بِذِكرِ اللهِ وَالانشِغَالِ بِمَا يَنفَعُكَ؛ لِأَنَّ الخَطرَةَ إِن لَم تَدفَعْهَا صَارَت فِكرَةً، فَشَهوَةً، فَعَزِيمَةً، فَفِعلًا، فَعَادَةً يَصعُبُ الفِكَاكُ مِنهَا! الثَّغرُ الثَّالِثُ: «اللَّفَظَاتُ» (حِفظُ اللِّسَانِ عَنِ الكَلَامِ المُحَرَّمِ وَالخُضُوعِ بِالقَولِ وَالمُزَاحِ المَشبُوهِ)؛ فَكَم مِن فَاحِشَةٍ كَبِيرَةٍ بَدَأَت بِكَلِمَةِ مُزَاحٍ، أَو رِسَالَةِ إِعجَابٍ، أَو حَدِيثٍ لَيِّنٍ بَينَ رَجُلٍ وَامرَأَةٍ أَجنَبِيَّةٍ تَحتَ ذَرِيعَةِ الزَّمَالَةِ أَوِ السُّؤَالِ أَوِ المَوَاقِعِ الاجتِمَاعِيَّةِ! وَلِذَلِكَ قَالَ اللهُ لِأَطهَرِ نِسَاءِ الأَرضِ أُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢]. الثَّغرُ الرَّابِعُ: «الخُطُوَاتُ» (حِفظُ الأَقدَامِ وَالأَيدي عَنِ الاقتِرَابِ مِن حِمَى الشُّبُهَاتِ وَمَوَاطِنِ الفِتَنِ)؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]، وَلَم يَقُلْ فَقَط: «لَا تَزنُوا»، بَل نَهَى عَنِ القُربِ مِن كُلِّ ذَرِيعَةٍ وَطَرِيقٍ يُفضِي إِلَيهِ! السِّلَاحُ الثَّالِثُ: سِلَاحُ الصَّلَاةِ الخَاشِعَةِ الحَيَّةِ الَّتِي تَنهَى عَنِ الفَحشَاءِ وَالمُنكَرِ: يَشتَكِي كَثِيرٌ مِنَ الشَّبَابِ فَيَقُولُ: «أَنَا أُصَلِّي، وَلَكِنِّي أَضعُفُ أَمَامَ المَعصِيَةِ فِي الخَلوَةِ»! وَالجَوَابُ القُرآنِيُّ الشَّافِي فِي قَولِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. إِنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي تَنهَى صَاحِبَهَا فِي اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ عَنِ الفَحشَاءِ وَالمُنكَرِ هِيَ الصَّلَاةُ الَّتِي «أُقِيمَت» بِأَركَانِهَا وَشُرُوطِهَا وَخُشُوعِهَا وَحُضُورِ القَلبِ فِيهَا! فَالَّذِي يَقِفُ خَمسَ مَرَّاتٍ فِي اليَومِ وَاللَّيلَةِ بَينَ يَدَيِ اللهِ، يَستَحضِرُ عَظَمَتَهُ، وَيَقرَأُ الفَاتِحَةَ مُنَاجِيًا رَبَّهُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وَيَركَعُ مُعَظِّمًا، وَيَسجُدُ مُتَذَلِّلًا؛ كَيفَ يُمكِنُ أَن يَفرُغَ مِن صَلَاتِهِ ثُمَّ يَذهَبَ لِيَعصِيَ الرَّبَّ الَّذِي كَانَ يُنَاجِيهِ قَبلَ قَلِيلٍ وَهُوَ يَعلَمُ أَنَّهُ سَيَرجِعُ لِيَقِفَ بَينَ يَدَيهِ فِي الصَّلَاةِ التَّالِيَةِ بَعدَ سَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ؟! فَإِذَا أَرَدتَ قُوَّةً تَحجِزُكَ عَنِ الذَّنبِ فِي اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ، فَأَصلِحْ صَلَاتَكَ، وَحَافِظْ عَلَى تَكبِيرَةِ الإِحرَامِ مَعَ الجَمَاعَةِ فِي بُيُوتِ اللهِ، وَأَطِلْ سُجُودَكَ فِي جَوفِ اللَّيلِ؛ فَإِنَّ نُورَ الصَّلَاةِ فِي القَلبِ يَطرُدُ ظُلمَةَ الفَوَاحِشِ! السِّلَاحُ الرَّابِعُ: سِلَاحُ القُرآنِ الكَرِيمِ وَتَدَبُّرِ آيَاتِهِ (المُثَبِّتُ الأَعظَمُ لِلأَفئِدَةِ): أَيُّهَا الإِخوَةُ؛ مَا الَّذِي ثَبَّتَ قَلبَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَقُلُوبَ أَصحَابِهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم أَمَامَ كُلِّ فِتَنِ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ وَإِغرَاءَاتِ الدُّنيَا وَتَهدِيدَاتِ الأَعدَاءِ؟ إِنَّهُ القُرآنُ العَظِيمُ! اسْمَعُوا إِلَى قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢]، وَقَولِهِ سُبحَانَهُ: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ١٠٢]. إِنَّ القَلبَ الَّذِي يَعيشُ مَعَ القُرآنِ تِلَاوَةً وَحِفظًا وَتَدَبُّرًا وَعَمَلًا، تَصِيرُ آيَاتُ القُرآنِ فِيهِ كَالحُرَّاسِ الأَيقَاظِ؛ فَكُلَّمَا هَمَّتِ النَّفسُ بِمَعصِيَةٍ، بَرَقَت فِي ذِهنِهِ آيَةٌ مِن كِتَابِ اللهِ تَزجُرُهُ وَتُوقِفُهُ! إِذَا دَعَتهُ نَفسُهُ إِلَى نَظرَةٍ مُحَرَّمَةٍ، صَاحَت فِي قَلبِهِ آيَةُ: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]! وَإِذَا دَعَتهُ إِلَى أَكلِ مَالٍ حَرَامٍ أَو غِشٍّ أَو رِشوَةٍ، صَاحَت فِي قَلبِهِ آيَةُ: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]! وَإِذَا دَعَتهُ إِلَى اتِّبَاعِ الهَوَى وَالشَّهوَةِ، صَاحَت فِي قَلبِهِ آيَةُ: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ۝ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠–٤١]! وَلِذَلِكَ قَالَ عُثمَانُ بنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «لَو طَهُرَت قُلُوبُنَا مَا شَبِعَت مِن كَلَامِ رَبِّنَا»، وَمَا اجتَمَعَ حُبُّ القُرآنِ وَحُبُّ الفَوَاحِشِ فِي قَلبِ عَبدٍ إِلَّا طَرَدَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ! السِّلَاحُ الخَامِسُ: سِلَاحُ الذِّكرِ الدَّائِمِ وَحِصنِ الأَذكَارِ النَّبَوِيَّةِ فِي الصَّبَاحِ وَالمَسَاءِ: لَقَد ضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِذِكرِ اللهِ مَثَلًا عَجِيبًا يَكشِفُ لَنَا كَيفَ يَحمِي الذِّكرُ صَاحِبَهُ مِنَ الشَّيطَانِ فِي لَحظَةِ الهُجُومِ؛ فَفِي الحَدِيثِ الطَّوِيلِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَأَحمَدُ وَالحَاكِمُ وَصَحَّحُوهُ عَنِ الحَارِثِ الأَشعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي وَصَايَا يَحيَى بنِ زَكَرِيَّا عَلَيهِمَا السَّلَامُ لِبَنِي إِسرَائِيلَ قَالَ: «وَآمُرُكُم أَن تَذكُرُوا اللهَ؛ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ العَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصنٍ حَصِينٍ فَأَحرَزَ نَفسَهُ مِنهُم؛ كَذَلِكَ العَبدُ لَا يُحرِزُ نَفسَهُ مِنَ الشَّيطَانِ إِلَّا بِذِكرِ اللهِ»! يَا لَهُ مِن تَشبِيهٍ نَبَوِيٍّ بَدِيعٍ! الشَّيطَانُ وَالشَّهَوَاتُ يَركُضُونَ خَلفَكَ سِرَاعًا لِيَفتَرِسُوكَ، وَلَا يُوجَدُ فِي الأَرضِ حِصنٌ يَحمِيكَ مِنهُم إِلَّا «حِصنُ ذِكرِ اللهِ»! فَالَّذِي يُحَافِظُ عَلَى أَذكَارِ الصَّبَاحِ وَالمَسَاءِ، وَأَذكَارِ الدُّخُولِ وَالخُرُوجِ، وَأَذكَارِ النَّومِ وَالاستِيقَاظِ، وَيَلهَجُ لِسَانُهُ بِالتَّسبِيحِ وَالتَّهلِيلِ وَالاستِغفَارِ طَوَالَ يَومِهِ، يَعيشُ فِي دِرعٍ رَبَّانِيٍّ مَنِيعٍ، فَإِذَا جَاءَتِ اللَّحظَةُ الحَاسِمَةُ قَبلَ المَعصِيَةِ وَجَدَ قَلبَهُ يَقِظًا حَيًّا مُتَّصِلًا بِاللهِ فَلَا يَسقُطُ فِي الفَخِّ! السِّلَاحُ السَّادِسُ: سِلَاحُ الصِّيَامِ وَتَقوَى الجَوفِ وَكَسرِ حِدَّةِ الشَّهوَةِ: إِنَّ النَّفسَ إِذَا شَبِعَت وَتَرَفَّهَت طَغَت وَتَمَرَّدَت وَطَلَبَتِ الشَّهَوَاتِ، وَإِذَا جَاعَتِ انكَسَرَت وَذَلَّت وَخَضَعَت لِلحَقِّ! وَلِذَلِكَ وَجَّهَ الطَّبِيبُ الأَعظَمُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الشَّبَابَ إِلَى هَذَا الدَّوَاءِ النَّبَوِيِّ الفَعَّالِ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «يَا مَعشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ استَطَاعَ مِنكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلبَصَرِ وَأَحصَنُ لِلفَرجِ، وَمَن لَم يَستَطِعْ فَعَلَيهِ بِالصَّومِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»! وَالصَّومُ لَيسَ مُجَرَّدَ إِمسَاكٍ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ يُضعِفُ مَجَارِيَ الشَّيطَانِ فِي الدَّمِ فَحَسبُ، بَل هُوَ مَدرَسَةٌ عَمَلِيَّةٌ يَومِيَّةٌ لِلتَّدرُّبِ عَلَى «اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ»! فَالَّذِي يَصُومُ للهِ يَكونُ فِي بَيتِهِ وَحدَهُ فِي يَومٍ قَائِظٍ شَدِيدِ الحَرِّ، وَالمَاءُ البَارِدُ أَمَامَهُ، وَالطَّعَامُ الشَّهِيُّ بَينَ يَدَيهِ، وَهُوَ يَشتَهِيهِ أَشدَّ الاشتِهَاءِ، وَلَا يَرَاهُ أَحَدٌ مِنَ البَشَرِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَمتَنِعُ عَن شَربَةِ المَاءِ الحَلَالِ طَاعَةً للهِ وَمُرَاقَبَةً لَهُ! فَمَن دَرَّبَ نَفسَهُ بِالصِّيَامِ عَلَى تَركِ «المُبَاحِ الحَلَالِ» فِي الخَلوَةِ خَوفًا مِنَ اللهِ، كَيفَ يَعجِزُ عَن تَركِ «المُحَرَّمِ الخَبِيثِ» فِي الخَلوَةِ خَوفًا مِنَ اللهِ؟! قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]. السِّلَاحُ السَّابِعُ: سِلَاحُ قَطعِ الخَلوَةِ القَاتِلَةِ وَالهِجرَةِ المَكَانِيَّةِ وَالرَّقَمِيَّةِ عَن بِيئَةِ الذَّنبِ: أَيُّهَا الشَّبَابُ، وَأَيُّهَا الآبَاءُ وَالمُرَبُّونَ: اعلَمُوا أَنَّ أَخطَرَ كَمِينٍ يَصطَادُ فِيهِ الشَّيطَانُ فَرَائِسَهُ فِي هَذَا العَصرِ هُوَ «الخَلوَةُ الفَارِغَةُ مَعَ الأَجهِزَةِ الذَّكِيَّةِ فِي جَوفِ اللَّيلِ»! لَقَد حَذَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مِن خَطَرِ الوَحدَةِ وَالِانفِرَادِ؛ فَرَوَى الإِمَامُ أَحمَدُ وَالتِّرمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «عَلَيكُم بِالجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُم وَالفُرقَةَ؛ فَإِنَّ الشَّيطَانَ مَعَ الوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثنَينِ أَبعَدُ»، وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا عِندَ أَبِي دَاوُدَ وَأَحمَدَ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ عَن أَبِي الدَّردَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «فَعَلَيكَ بِالجَمَاعَةِ، فَإِنَّمَا يَأكُلُ الذِّئبُ القَاصِيَةَ»! وَتَذَكَّرُوا قِصَّةَ قَاتِلِ المِائَةِ نَفسٍ فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ؛ حِينَ ذَهَبَ إِلَى العَالِمِ الربَّانِيِّ يَسأَلُهُ عَنِ التَّوبَةِ وَالثَّبَاتِ عَلَيهَا، مَاذَا قَالَ لَهُ العَالِمُ؟ قَالَ: «وَمَن يَحُولُ بَينَهُ وَبَينَ التَّوبَةِ؟ انطَلِقْ إِلَى أَرضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعبُدُونَ اللهَ فَاعبُدِ اللهَ مَعَهُم، وَلَا تَرجِعْ إِلَى أَرضِكَ فَإِنَّهَا أَرضُ سُوءٍ»! إِنَّ «أَرضَ السُّوءِ» اليَومَ لَيسَت بَلدَةً جُغرَافِيَّةً فَقَط، بَل قَد تَكُونُ مَجمُوعَةً رَقَمِيَّةً فاسِدَةً عَلَى الهَاتِفِ، أَو حِسَابًا مَشبُوهًا، أَو تَطبِيقًا يَفتَحُ لَكَ أَبوَابَ الفِتنَةِ، أَو غُرفَةً تُغلِقُهَا عَلَى نَفسِكَ بِالسَّاعَاتِ الطِّوَالِ بِلَا حَاجَةٍ! فَمِن أَعظَمِ أَسلِحَةِ الثَّبَاتِ: أَن تَقطَعَ دَابِرَ الخَلوَةِ القَاتِلَةِ؛ فَلَا تَدخُلْ إِلَى فِرَاشِكَ إِلَّا عِندَ النَّومِ، وَاجعَلْ شَاحِنَ هَاتِفِكَ بَعِيدًا عَن يَدِكَ عِندَ الرُّقَادِ، وَاحذِفْ فَوْرًا وَبِلَا تَرَدُّدٍ كُلَّ مَوقِعٍ أَو تَطبِيقٍ أَو رَقَمٍ أَو صَفحَةٍ تَعلَمُ أَنَّهَا تَستَدرِجُكَ إِلَى اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ! السِّلَاحُ الثَّامِنُ: سِلَاحُ الصُّحبَةِ الصَّالِحَةِ وَالبِيئَةِ الإِيمَانِيَّةِ الحَاضِنَةِ: الإِنسَانُ ضَعِيفٌ بِنَفسِهِ، قَوِيٌّ بِإِخوَانِهِ! وَالصَّاحِبُ سَاحِبٌ؛ إِمَّا أَن يَسحَبَكَ إِلَى الجَنَّةِ وَالثَّبَاتِ، وَإِمَّا أَن يَسحَبَكَ إِلَى النَّارِ وَالانتِكَاسِ! انظُرُوا كَيفَ أَمَرَ اللهُ سُبحَانَهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَن يَعتَصِمَ بِمَجَالِسِ الصَّالِحِينَ وَأَهلِ الذِّكرِ لِيَثبُتَ عَلَى الحَقِّ فَقَالَ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنظُرْ أَحَدُكُم مَن يُخَالِلُ». الصَّدِيقُ الصَّالِحُ التَّقِيُّ هُوَ الَّذِي إِذَا رَآكَ فَتَرتَ نَشَّطَكَ، وَإِذَا رَآكَ غَفَلتَ ذَكَّرَكَ، وَإِذَا نَظَرتَ إِلَى سَمتِهِ وَطَاعَتِهِ استَحيَيتَ مِن تَقصِيرِكَ، وَإِذَا هَمَمتَ بِمَعصِيَةٍ استَحيَيتَ أَن تَلقَاهُ غَدًا فِي حَلقَةِ العِلمِ أَو فِي صَفِّ المَسجِدِ وَأَنتَ مُلَطَّخٌ بِأَوحَالِ الخَطَايَا! السِّلَاحُ التَّاسِعُ: سِلَاحُ مَلءِ الفَرَاغِ بِالعَمَلِ النَّافِعِ وَالهِمَّةِ العَالِيَةِ («نَفسُكَ إِن لَم تَشغَلْهَا بِالحَقِّ شَغَلَتكَ بِالبَاطِلِ»): مَا سَقَطَ مَن سَقَطَ فِي أوحَالِ الشَّهَوَاتِ وَالعِشقِ المُحَرَّمِ وَالتَّفَاهَاتِ إِلَّا بِسَبَبِ «الفَرَاغِ القَاتِلِ»! كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «نِعمَتَانِ مَغبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ». وَقَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ كَلِمَتَهُ الخَالِدَةَ الَّتِي نَقَلَهَا ابنُ القَيِّمِ فِي «الجَوَابِ الكَافِي» وَ«مَدَارِجِ السَّالِكِينَ»: «نَفسُكَ إِن لَم تَشغَلْهَا بِالحَقِّ شَغَلَتكَ بِالبَاطِلِ»! وَقَالَ ابنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «إِنِّي لَأَمقُتُ الرَّجُلَ أَن أَرَاهُ فَارِغًا لَيسَ فِي شَيءٍ مِن عَمَلِ الدُّنيَا وَلَا عَمَلِ الآخِرَةِ»! فَإِذَا أَرَدتَ أَن تَنجُوَ مِن لَحَظَاتِ الضَّعفِ وَالسُّقُوطِ، فَاملَأْ يَومَكَ وَسَاعَاتِكَ بِمَشرُوعٍ عَظِيمٍ يَستَفرِغُ طَاقَتَكَ وَتَفكِيرَكَ: حِفظُ القُرآنِ، طَلَبُ العِلمِ الشَّرعِيِّ، إِتقَانُ مِهنَةٍ أَو تِجَارَةٍ نَافِعَةٍ، خِدمَةُ الوَالِدَينِ وَالأَهلِ، إِغَاثَةُ المَلهُوفِينَ وَنُصرَةُ المُستَضعَفِينَ، الرِّيَاضَةُ البَدَنِيَّةُ النَّافِعَةُ؛ فَإِنَّ صَاحِبَ الهِمَّةِ العَالِيَةِ وَالرِّسَالَةِ الكَبِيرَةِ أَشغَلُ وَأَرفَعُ مِن أَن يَتَسَكَّعَ عَلَى أَبوَابِ الشَّهَوَاتِ الرَّخِيصَةِ! السِّلَاحُ العَاشِرُ: سِلَاحُ الِانكِسَارِ وَالافتِقَارِ وَالدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ وَالأسحَارِ: وَخِتَامُ الأَسلِحَةِ وَرُوحُهَا وَمِفتَاحُهَا جَمِيعًا: أَن تَبرَأَ مِن حَولِكَ وَقُوَّتِكَ إِلَى حَولِ اللهِ وَقُوَّتِهِ! إِيَّاكَ ثُمَّ إِيَّاكَ أَن تَغتَرَّ بِعِلمِكَ أَو عِبَادَتِكَ أَو قُوَّةِ إِرَادَتِكَ فَتَظُنَّ أَنَّكَ مَعصُومٌ بِنَفسِكَ عَنِ الفِتنَةِ! تَذَكَّرْ أَنَّ يُوسُفَ النَّبِيَّ الصِّدِّيقَ عَلَيهِ السَّلَامُ قَالَ فِي ذِروَةِ ثَبَاتِهِ: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]! وَتَذَكَّرْ أَنَّ سَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ وَأَتقَى الخَلقِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَكثَرُ دُعَائِهِ كَمَا رَوَى التِّرمِذِيُّ وَأَحمَدُ وَصَحَّحَهُ عَن أُمِّ سَلَمَةَ وَأَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلبِي عَلَى دِينِكَ»! فَلَمَّا سَأَلَتهُ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَكثَرَ دُعَاءَكَ يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلبِي عَلَى دِينِكَ! قَالَ: «يَا أُمَّ سَلَمَةَ، إِنَّهُ لَيسَ آدَمِيٌّ إِلَّا وَقَلبُهُ بَينَ أُصبُعَينِ مِن أَصَابِعِ اللهِ، فَمَن شَاءَ أَقَامَ، وَمَن شَاءَ أَزَاغَ»! ثُمَّ تَلَا مُعَاذٌ رَاوِي الحَدِيثِ قَولَ اللهِ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]. فَأَكثِرْ فِي سُجُودِكَ وَفِي ثُلُثِ اللَّيلِ الآخِرِ مِن هَذِهِ الأَدعِيَةِ النَّبَوِيَّةِ العَظِيمَةِ: — «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلبِي عَلَى دِينِكَ، وَيَا مُصَرِّفَ القُلُوبِ صَرِّفْ قَلبِي عَلَى طَاعَتِكَ» (رَوَاهُ مُسلِمٌ وَالتِّرمِذِيُّ). — «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلُكَ الهُدَى وَالتُّقَى وَالعَفَافَ وَالغِنَى» (رَوَاهُ مُسلِمٌ عَنِ ابنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ). — «اللَّهُمَّ طَهِّرْ قَلبِي، وَحَصِّنْ فَرجِي، وَاغفِرْ ذَنبِي» (كَمَا فِي حَدِيثِ الشَّابِّ الَّذِي استَأذَنَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الزِّنَا عِندَ الإِمَامِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ). — «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَينَا الإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهْ إِلَينَا الكُفرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصيَانَ، وَاجعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ» (رَوَاهُ أَحمَدُ وَالبُخَارِيُّ فِي الأَدَبِ المُفرَدِ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ). المِحوَرُ السَّابِعُ: كَشفُ خُدَعِ إِبلِيسَ وَمَصَايِدِهِ السَّبعِ فِي اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ قَبلَ المَعصِيَةِ (فِقهُ إِبطَالِ التَّلبِيسِ) أَيُّهَا الإِخوَةُ النُّبَلَاءُ؛ إِنَّ الشَّيطَانَ خَبِيرٌ قَدِيمٌ بِنُفُوسِ بَنِي آدَمَ، وَإِذَا رَأَى العَبدَ قَد تَوَقَّفَ وَتَرَدَّدَ فِي «اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ قَبلَ المَعصِيَةِ»، فَإِنَّهُ لَا يَستَسلِمُ بِسُهُولَةٍ، بَل يَرمِي عَلَى القَلبِ سَبعَ شُبُهَاتٍ وَخُدَعٍ خَبِيثَةٍ لِيَدفَعَهُ دَفعًا إِلَى الهَاوِيَةِ! وَلَا يَتِمُّ لِلعَبدِ الثَّبَاتُ إِلَّا إِذَا عَرَفَ هَذِهِ الخُدَعَ السَّبعَ وَحَفِظَ جَوَابَهَا الشَّرعِيَّ القَاطِعَ: الخُدعَةُ الأُولَى: خُدعَةُ «افعَلِ الذَّنبَ الآنَ ثُمَّ تُبْ بَعدَ قَلِيلٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ»! هَذِهِ أَشهَرُ مَصيَدَةٍ يَصطَادُ بِهَا الشَّيطَانُ المُؤمِنِينَ فِي اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ! يَقُولُ لَكَ: «مَاذَا سَيَحدُثُ؟ افعَلْ هَذِهِ المَعصِيَةَ هَذِهِ المَرَّةَ فَقَط، وَبَعدَ عَشرِ دَقَائِقَ تَوَضَّأْ وَصَلِّ رَكعَتَينِ وَاستَغفِرِ اللهَ، وَاللهُ يَقبَلُ التَّوبَةَ عَن عِبَادِهِ»! وَالجَوَابُ القَاطِعُ الَّذِي تَردَعُ بِهِ هَذِهِ الوَسوَسَةَ مِن ثَلَاثَةِ أَوجُهٍ: الأَوَّلُ: مَن يَضمَنُ لَكَ أَن تَعِيشَ حَتَّى تَفرُغَ مِنَ الذَّنبِ وَتَتُوبَ؟ فَكَم مِن عَاصٍ قُبِضَت رُوحُهُ قَبلَ أَن يَنطِقَ بِحَرفٍ وَاحِدٍ مِنَ الاستِغفَارِ! الثَّانِي: مَن يَضمَنُ لَكَ أَنَّ اللهَ سَيُوَفِّقُكَ لِلتَّوبَةِ بَعدَ الذَّنبِ؟ فَإِنَّ التَّوبَةَ لَيسَت كَلِمَةً بِاللِّسَانِ تَملِكُهَا مَتَى شِئتَ، بَل هِيَ تَوفِيقٌ وَهدَايَةٌ مِنَ اللهِ لِلقَلبِ، وَقَد يُعَاقَبُ المُتَجَرِّئُ عَلَى اللهِ بِالطَّبعِ عَلَى قَلبِهِ وَالرَّانِ وَالحِرمَانِ مِنَ التَّوبَةِ! قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]، وَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]. الثَّالِثُ: أَنَّ مَن يَعقِدُ النِّيَّةَ قَبلَ الذَّنبِ عَلَى أَن يَعصِيَ ثُمَّ يَتُوبَ، فَهُوَ مُستَهِينٌ بِمَقَامِ الرَّبِّ جَلَّ جَلَالُهُ، كَالمَرِيضِ الَّذِي يَشرَبُ السُّمَّ القَاتِلَ عَمدًا وَيَقُولُ: سَأَذهَبُ بَعدَهُ إِلَى الطَّبِيبِ! الخُدعَةُ الثَّانِيَةُ: خُدعَةُ «هَذِهِ صَغِيرَةٌ هَيِّنَةٌ وَلَيسَت مِنَ الكَبَائِرِ المُوبِقَاتِ»! حِينَ يَعجِزُ الشَّيطَانُ عَن إِيقَاعِكَ فِي الكَبِيرَةِ دَفعَةً وَاحِدَةً، يُهَوِّنُ فِي عَينِكَ النَّظرَةَ، أَوِ الكَلِمَةَ، أَوِ اللَّمسَةَ، أَوِ المَقطَعَ الصَّغِيرَ، وَيَقُولُ لَكَ: «هَذَا مِنَ اللَّمَمِ وَالصَّغَائِرِ المَكفَّرَةِ بِالصَّلَوَاتِ»! فَاضرِبْ هَذِهِ الشُّبهَةَ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ أَحمَدُ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ وعَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «إِيَّاكُم وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ؛ فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَمَثَلِ قَومٍ نَزَلُوا بَطنَ وَادٍ، فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، حَتَّى حَمَلُوا مَا أَنضَجُوا بِهِ خُبزَهُم، وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهلِكْهُ»! وَتَذَكَّرْ قَاعِدَةَ السَّلَفِ الصَّالِحِ: «لَا صَغِيرَةَ مَعَ إِصرَارٍ واستِخفَافٍ، وَلَا كَبِيرَةَ مَعَ استِغفَارٍ»، وَأَنَّ كُلَّ كَبِيرَةٍ عُظمَى بَدَأَت بِصَغِيرَةٍ استَهَانَ بِهَا صَاحِبُهَا فِي اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ! الخُدعَةُ الثَّالِثَةُ: خُدعَةُ «كُلُّ النَّاسِ يَفعَلُونَ هَذَا، وَلَستَ وَحدَكَ فِي هَذَا الزَّمَانِ»! يُحَاوِلُ الشَّيطَانُ أَن يُخَدِّرَ ضَمِيرَكَ الإِيمَانِيَّ بِكَثرَةِ الهَالِكِينَ مِن حَولِكَ، وَيَقُولُ لَكَ: «انظُرْ إِلَى النَّاسِ وَالشَّبَابِ فِي المَوَاقِعِ وَالأَسوَاقِ، كُلُّهُم يَفعَلُونَ ذَلِكَ، فَلِمَاذَا تُشَدِّدُ عَلَى نَفسِكَ؟»! فَرُدَّ عَلَيهِ فَوْرًا بِقَولِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]، وَقَولِهِ سُبحَانَهُ: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥]! أَنتَ سَتَدخُلُ قَبرَكَ وَحدَكَ، وَسَتُحَاسَبُ بَينَ يَدَيِ اللهِ وَحدَكَ، وَلَن يَحمِلَ عَنكَ أَحَدٌ مِن هَؤُلَاءِ النَّاسِ وَزْرَ ذَنبٍ وَاحِدٍ يَومَ يَفِرُّ المَرءُ مِن أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ! الخُدعَةُ الرَّابِعَةُ: خُدعَةُ اليَأسِ وَالقُنُوطِ («أَنتَ قَد أَفسَدتَ تَوبَتَكَ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً فَلَا فَائِدَةَ مِنَ المُقَاوَمَةِ الآنَ»)! هَذِهِ مِن أَخبَثِ حِيَلِ إِبلِيسَ مَعَ الشَّابِّ الَّذِي يَتُوبُ ثُمَّ يَضعُفُ؛ فَحِينَ تَأتِيهِ اللَّحظَةُ الحَاسِمَةُ يَقُولُ لَهُ الشَّيطَانُ: «أَنتَ مُنَافِقٌ كَذَّابٌ! لَقَد تُبتَ مِائَةَ مَرَّةٍ وَنَقَضتَ تَوبَتَكَ، فَلَا تَتعَبْ فِي المُقَاوَمَةِ، اِقعْ فِي الذَّنبِ فَإِنَّكَ خَارِبٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ»! إِيَّاكَ أَن تُصَدِّقَ هَذَا الكَذَّابَ اللَّعِينَ! بَلِ استَحضِرْ فِي تِلكَ اللَّحظَةِ الحَدِيثَ القُدسِيَّ الجَلِيلَ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَحكِي عَن رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: «أَذنَبَ عَبدٌ ذَنبًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغفِرْ لِي ذَنبِي! فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذنَبَ عَبدِي ذَنبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغفِرُ الذَّنبَ وَيَأخُذُ بِالذَّنبِ! ثُمَّ عَادَ فَأَذنَبَ فَقَالَ: أَي رَبِّ اغفِرْ لِي ذَنبِي! فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَبدِي أَذنَبَ ذَنبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغفِرُ الذَّنبَ وَيَأخُذُ بِالذَّنبِ! ثُمَّ عَادَ فَأَذنَبَ فَقَالَ: أَي رَبِّ اغفِرْ لِي ذَنبِي! فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذنَبَ عَبدِي ذَنبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغفِرُ الذَّنبَ وَيَأخُذُ بِالذَّنبِ، اعمَلْ مَا شِئتَ فَقَد غَفَرتُ لَكَ»! أَي: مَا دُمتَ كُلَّمَا أَذنَبتَ نَدِمتَ وَتُبتَ وَجَاهَدتَ نَفسَكَ بِصِدقٍ! وَاجعَلْ هَذِهِ المَرَّةَ هِيَ نُقطَةَ البِدَايَةِ لِالانتِصَارِ؛ فَإِنَّ انتِصَارًا وَاحِدًا عَلَى نَفسِكَ فِي اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ يَكسِرُ سِلسِلَةَ الهَزَائِمِ السَّابِقَةِ كُلِّهَا! الخُدعَةُ الخَامِسَةُ: خُدعَةُ «أَنتَ صَاحِبُ طَاعَاتٍ وَحَسَنَاتٍ كَثِيرَةٍ فَلَا تَضُرُّكَ هَذِهِ المَعصِيَةُ»: يَأتِي الشَّيطَانُ لِطَالِبِ العِلمِ أَوِ الدَّاعِيَةِ أَوِ المُصلِّي فَيَقُولُ لَهُ فِي اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ: «أَنتَ صَلَّيتَ الفَجرَ فِي جَمَاعَةٍ، وَقَرَأتَ وِردَكَ، وَتَصَدَّقتَ، فَحَسَنَاتُكَ الكَثِيرَةُ تَشفَعُ لَكَ فِي هَذِهِ الزَّلَّةِ»! فَرُدَّ عَلَيهِ بِقَولِ اللهِ تَعَالَى عَن خَيرِ المُؤمِنِينَ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠]؛ وَكَمَا رَوَى التِّرمِذِيُّ وَابنُ مَاجَه وَأَحمَدُ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَت: سَأَلتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَن هَذِهِ الآيَةِ فَقُلتُ: أَهُمُ الَّذِينَ يَشرَبُونَ الخَمرَ وَيَسرِقُونَ؟ قَالَ: «لَا يَا بِنتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ وَيَصُومُونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُم يَخَافُونَ أَن لَا يُقبَلَ مِنهُم، أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيرَاتِ»! وَقَالَ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ: «إِنَّ المُؤمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَن يَقَعَ عَلَيهِ، وَإِنَّ الفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنفِهِ فَقَالَ بِهِ هَكَذَا»! الخُدعَةُ السَّادِسَةُ: خُدعَةُ الاحتِجَاجِ بِالقَدَرِ أَو بِضَعفِ الطَّبعِ البَشَرِيِّ: يُوحِي الشَّيطَانُ إِلَى الإِنسَانِ فِي لَحظَةِ الضَّعفِ: «هَذِهِ شَهوَةٌ رَكَّبَهَا اللهُ فِيكَ لَا تَملِكُ دَفعَهَا، وَهَذَا أَمرٌ مَقدُورٌ عَلَيكَ لَا مَفَرَّ مِنهُ»! فَاقمَعْ هَذِهِ الحِيلَةَ بِأَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ فِيكَ الشَّهوَةَ خَلَقَ فِيكَ العَقلَ وَالإِرَادَةَ وَالقُدرَةَ عَلَى الكَفِّ، وَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وَلَو لَم يَكُنْ فِي وُسعِكَ وَمَقدُورِكَ أَن تَمتَنِعَ عَنِ المَعصِيَةِ فِي اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ لَمَا أَمَرَكَ اللهُ بِتَركِهَا وَلَمَا حَاسَبَكَ عَلَيهَا! وَأَنتَ لَا تَعلَمُ القَدَرَ إِلَّا بَعدَ وُقُوعِهِ، فَكَمَا أَنَّكَ لَا تَرمِي نَفسَكَ فِي النَّارِ مُحتَجًّا بِالقَدَرِ، فَلَا تَرمِ قَلبَكَ فِي مَعصِيَةِ الجَبَّارِ مُحتَجًّا بِالقَدَرِ! الخُدعَةُ السَّابِعَةُ: خُدعَةُ «الاستِطلَاعِ وَالفُضُولِ» (سَأَنظُرُ فَقَط لِأَعرِفَ مَا هَذَا وَلَن أَقَعَ فِي الحَرَامِ): كَثِيرًا مَا يَدخُلُ الشَّيطَانُ مِن بَابِ الفُضُولِ فِي اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ، فَيَقُولُ لَكَ: «افتَحْ هَذَا الرَّابِطَ أَو هَذَا المَقطَعَ مِن بَابِ الاطِّلَاعِ وَالمَعرِفَةِ فَقَط، وَأَنتَ ثَابِتٌ قَوِيٌّ لَن تَتَأَثَّرَ»! فَتَذَكَّرْ حَدِيثَ النُّعمَانِ بنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا فِي الصَّحِيحَينِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ استَبرَأَ لِدِينِهِ وَعِرضِهِ، وَمَن وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرعَى حَولَ الحِمَى يُوشِكُ أَن يَرتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ»! فَالَّذِي يَقتَرِبُ مِن حَافَّةِ البِئرِ بِدَعوَى الفُضُولِ وَالنَّظَرِ تَزِلُّ قَدَمُهُ فَيَهوِي فِي قَعرِهَا! المِحوَرُ الثَّامِنُ: مَا بَعدَ اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ (ثَمَرَاتُ الِانتِصَارِ لِمَن ثَبَتَ، وَطَوقُ النَّجَاةِ الفَوْرِيُّ لِمَن زَلَّت قَدَمُهُ) أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ؛ لَقَد وَصَلنَا إِلَى المِحوَرِ الثَّامِنِ وَالأَخِيرِ مِن هَذِهِ المُحَاضَرَةِ الجَامِعَةِ، وَفِيهِ نَقِفُ أَمَامَ النَّتِيجَتَينِ اللَّتَينِ تَعقُبَانِ «اللَّحظَةَ الحَاسِمَةَ قَبلَ المَعصِيَةِ»: إِمَّا أَن يَنتَصِرَ العَبدُ فَيَترُكَ الذَّنبَ للهِ، وَإِمَّا أَن تَغلِبَهُ شِقوَتُهُ وَضَعفُهُ فَيَزِلَّ وَيَسقُطَ؛ فَمَاذَا بَعدَ كِلَا الحَالَينِ؟ أَوَّلًا: البَشَائِرُ السَّبعُ العُظمَى لِمَنِ انتَصَرَ فِي اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ وَثَبَتَ عَلَى الطَّاعَةِ: يَا مَن وَقَفتَ أَمَامَ المَعصِيَةِ وَأَنتَ قَادِرٌ عَلَيهَا مُشتَهٍ لَهَا، ثُمَّ ذَكَرتَ اللهَ فَأَعرَضتَ عَنهَا وَقَهَرتَ هَوَاكَ؛ أَبشِرْ وَاللهِ بَسبعِ بَشَائِرَ رَبَّانِيَّةٍ وَنَبَوِيَّةٍ تَنتَظِرُكَ فِي الدُّنيَا وَالبَرزَخِ وَالآخِرَةِ: البِشَارَةُ الأُولَى: ذُوقُ حَلَاوَةِ الإِيمَانِ وَنُورِ اليَقِينِ فِي قَلبِكَ فَوْرًا؛ فَمَا تَرَكَ عَبدٌ شَهوَةً مُحَرَّمَةً للهِ إِلَّا صَبَّ اللهُ فِي قَلبِهِ مِن نُورِ مَعرِفَتِهِ، وَأُنسِ قُربِهِ، وَبَردِ مَحَبَّتِهِ مَا يَجعَلُهُ يَطِيرُ فَرَحًا بِنَصرِ اللهِ لَهُ! البِشَارَةُ الثَّانِيَةُ: زِيَادَةُ القُوَّةِ الإِيمَانِيَّةِ وَالمَنَاعَةِ القَلبِيَّةِ لِلمَعَارِكِ القَادِمَةِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مَعصِيَةٍ تَنتَصِرُ عَلَيهَا فِي اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ تَرفَعُ رَصِيدَ ثَبَاتِكَ، وَتُضعِفُ سُلطَانَ الشَّيطَانِ عَلَيكَ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]، وَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]. البِشَارَةُ الثَّالِثَةُ: المَخرَجُ مِنَ الضِّيقِ وَالرِّزقُ مِن حَيثُ لَا تَحتَسِبُ، وَتَفرِيجُ الكُرُوبِ الدُّنيَوِيَّةِ العَظِيمَةِ؛ كَمَا فَرَّجَ اللهُ عَن يُوسُفَ عَلَيهِ السَّلَامُ سِجنَهُ وَمَكَّنَ لَهُ فِي الأَرضِ بَعدَ عِفَّتِهِ، وَكَمَا فَرَّجَ الصَّخرَةَ عَن أَصحَابِ الغَارِ، وَكَمَا قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢–٣]، وَقَالَ جَلَّ شَأنُهُ: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠]. البِشَارَةُ الرَّابِعَةُ: صَلَاحُ البَيتِ وَحِفظُ العِرضِ وَالأَهلِ وَالذُّرِّيَّةِ؛ فَإِنَّ الجَزَاءَ مِن جِنسِ العَمَلِ، فَمَن عَفَّ عَن مَحَارِمِ اللهِ فِي خَلوَتِهِ، حَفِظَ اللهُ عَلَيهِ بَيتَهُ وَزَوجَهُ وَبَنَاتِهِ وَأَبنَاءَهُ فِي حَضرَتِهِ وَغَيبَتِهِ وَبَعدَ مَمَاتِهِ! البِشَارَةُ الخَامِسَةُ: الثَّبَاتُ عِندَ المَوتِ وَفِي سُؤَالِ القَبرِ؛ فَإِنَّ مَن ثَبَتَ أَمَامَ فِتنَةِ الشَّهَوَاتِ وَالشُّبُهَاتِ فِي الدُّنيَا، ثَبَّتَهُ اللهُ بِالقَولِ الثَّابِتِ عِندَ خُرُوجِ الرُّوحِ وَعِندَ سُؤَالِ المَلَكَينِ فِي القَبرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. البِشَارَةُ السَّادِسَةُ: الأَمنُ التَّامُّ يَومَ الفَزَعِ الأَكبَرِ، وَالاستِظلَالُ بِظِلِّ عَرشِ الرَّحمَنِ؛ لِخَوفِكَ مِنَ اللهِ فِي الدُّنيَا حِينَ دَعَتكَ المَعصِيَةُ! البِشَارَةُ السَّابِعَةُ: جَنَّتَانِ عَالِيَتَانِ وَمَأوًى كَرِيمٌ فِي الفِردَوسِ الأَعلَى؛ استَمِعُوا إِلَى هَذَا الجَزَاءِ القُرآنِيِّ المُذهِلِ لِمَن خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ فِي اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ وَنَهَى نَفسَهُ عَنِ الهَوَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، قَالَ مُجَاهِدٌ وَإِبرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَغَيرُهُمَا مِن أَئِمَّةِ السَّلَفِ فِي تَفسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الجَلِيلَةِ: «هُوَ الرَّجُلُ يَهُمُّ بِالمَعصِيَةِ فَيَذكُرُ مَقَامَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيهِ فَيَدَعُهَا مِن خَوفِ اللهِ، فَلَهُ جَنَّتَانِ»! وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ۝ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠–٤١]! ثَانِيًا: طَوقُ النَّجَاةِ الفَوْرِيُّ لِمَن ضَعُفَ فِي اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ وَسَقَطَ فِي الذَّنبِ (مَعرَكَةُ «مَا بَعدَ المَعصِيَةِ مُبَاشَرَةً»): وَلَكِنْ؛ مَاذَا لَو غَلَبَتِ الإِنسَانَ شَهوَتُهُ فِي سَاعَةِ غَفلَةٍ، فَسَقَطَ فِي الذَّنبِ؟ هَلِ انتَهَى كُلُّ شَيءٍ؟ هَل يُغلَقُ البَابُ فِي وَجهِهِ؟ كَلَّا وَاللهِ! إِنَّ هُنَاكَ «لَحظَةً حَاسِمَةً ثَانِيَةً» تَأتِي بَعدَ الذَّنبِ مُبَاشَرَةً؛ إِنَّهَا لَحظَةُ الإِفَاقَةِ وَالتَّذَكُّرِ وَالفِرَارِ إِلَى بَابِ التَّوبَةِ فَوْرَ الفَرَاغِ مِنَ الخَطِيئَةِ! اسْمَعُوا إِلَى وَصفِ اللهِ تَعَالَى لِأَهلِ الجَنَّةِ المُتَّقِينَ حِينَ يَزِلُّ أَحَدُهُم فِي فاحِشَةٍ أَو ظُلمٍ لِنَفسِهِ، مَاذَا يَفعَلُونَ فَوْرًا؟ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ۝ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٥–١٣٦]. فَإِذَا زَلَّت بِكَ القَدَمُ يَومًا، فَلَا تَمكُثْ فِي وَحلِ الذَّنبِ سَاعَةً وَاحِدَةً، وَلَا تُصِرَّ عَلَيهِ، بَل قُمْ مِن فَورِكَ بِأَربَعَةِ أَعمَالٍ تَمحُو أَثَرَ السَّقطَةِ وَتُعِيدُكَ إِلَى حِصنِ الثَّبَاتِ أَقوَى مِمَّا كُنتَ: الأَوَّلُ: النَّدَمُ القَلبِيُّ الصَّادِقُ، وَالإِقلَاعُ الفَوْرِيُّ، وَالعَزمُ الجَازِمُ عَلَى عَدَمِ العَودَةِ، مَعَ قَطعِ السَّبَبِ الَّذِي أَوقَعَكَ فِي الذَّنبِ قَطعًا بَاتًّا. الثَّانِي: صَلَاةُ رَكعَتَيِ التَّوبَةِ فَوْرًا؛ كَمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ وَأَحمَدُ وَصَحَّحَهُ الأَئِمَّةُ عَن أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِن عَبدٍ يُذنِبُ ذَنبًا فَيُحسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكعَتَينِ، ثُمَّ يَستَغفِرُ اللهَ، إِلَّا غَفَرَ اللهُ لَهُ»، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾! الثَّالِثُ: إِتبَاعُ السَّيِّئَةِ بِحَسَنَاتٍ عَظِيمَةٍ مُضَاعَفَةٍ تَمحُوهَا وَتُذهِبُ ظُلمَتَهَا مِنَ القَلبِ؛ كَصَدَقَةٍ خَفِيَّةٍ، أَو صِيَامِ يَومٍ، أَو خَتمَةٍ قُرآنِيَّةٍ، أَو قِيَامِ لَيلٍ، عَمَلًا بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]، وَقَولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ وَأَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا كَمَا عِندَ التِّرمِذِيِّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ: «اتَّقِ اللهَ حَيثُمَا كُنتَ، وَأَتبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ». الرَّابِعُ: سِترُ النَّفسِ بِسِترِ اللهِ وَعَدَمُ التَّحَدُّثِ بِالذَّنبِ عِندَ أَحَدٍ مِنَ الخَلقِ؛ كَمَا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا المُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ المُجَاهَرَةِ أَن يَعمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصبِحَ وَقَد سَتَرَهُ اللهُ عَلَيهِ، فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ، عَمِلتُ البَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَد بَاتَ يَستُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصبِحُ يَكشِفُ سِترَ اللهِ عَنهُ»! خَاتِمَةُ المُحَاضَرَةِ وَمِيثَاقُ العَهدِ وَالثَّبَاتِ: فَيَا عِبَادَ اللهِ، وَيَا شَبَابَ الإِسلَامِ وَفَتَيَاتِهِ، وَيَا حُمَاةَ الدِّينِ وَالعَقِيدَةِ: إِنَّ العُمُرَ قَصِيرٌ، وَالأَنفَاسَ مَعدُودَةٌ، وَالدُّنيَا كُلَّهَا سَاعَةٌ عَابِرَةٌ، فَاجعَلُوهَا طَاعَةً! وَاعلَمُوا أَنَّ مَيدَانَ البُطُولَةِ الحَقِيقِيَّةِ لَيسَ فَقَط أَمَامَ أَعيُنِ النَّاسِ وَكَامِيرَاتِ التَّصوِيرِ، بَل مَيدَانُ البُطُولَةِ الكُبرَى وَالصِّدِّيقِيَّةِ العُظمَى هُوَ فِي تِلكَ «اللَّحظَةِ الحَاسِمَةِ» حِينَ تَخلُو بِنَفسِكَ، وَتَتَهَيَّأُ لَكَ المَعصِيَةُ، وَتَدعُوكَ الشَّهوَةُ، فَتَنتَفِضُ انتِفَاضَةَ المُؤمِنِ الصَّادِقِ، وَتَنظُرُ إِلَى السَّمَاءِ قَائِلًا: «مَعَاذَ اللهِ! إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ العَالَمِينَ! وَعَجِلتُ إِلَيكَ رَبِّ لِتَرضَى»! خُذُوا مِنَ اليَومِ هَذَا المِيثَاقَ العَمَلِيَّ مَعَ اللهِ تَعَالَى: ١. حَصِّنُوا أَبصَارَكُم وَأَسمَاعَكُم وَخَوَاطِرَكُم مِنَ الشَّرَارَةِ الأُولَى قَبلَ أَن تَصِيرَ حَرِيقًا. ٢. إِيَّاكُم وَالخَلوَةَ الفَارِغَةَ فِي جَوفِ اللَّيلِ مَعَ مَنَافِذِ الفِتنَةِ وَالشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ. ٣. اجعَلُوا لِقُلُوبِكُم وِردًا يَومِيًّا لَا يَنقَطِعُ مِنَ القُرآنِ العَظِيمِ، وَالصَّلَاةِ الخَاشِعَةِ، وَأَذكَارِ الصَّبَاحِ وَالمَسَاءِ، وَصِيَامِ النَّوَافِلِ. ٤. إِذَا هَجَمَت عَلَيكُمُ اللَّحظَةُ الحَاسِمَةُ قَبلَ المَعصِيَةِ، فَاقطَعُوا المُثِيرَ فَوْرًا بِلَا تَفَاوُضٍ، وَاستَعِيذُوا بِاللهِ جَهرًا، وَغَيِّرُوا مَكَانَكُم، وَتَوَضَّؤُوا وَصَلُّوا رَكعَتَينِ للهِ. ٥. الزَمُوا رِفقَةَ الصَّالِحِينَ، وَاملَؤُوا أَوقَاتَكُم بِمَعَالِي الأُمُورِ، وَأَكثِرُوا فِي سُجُودِكُم مِن سُؤَالِ اللهِ الثَّبَاتَ حَتَّى المَمَاتِ. اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ، يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ وَالأَبصَارِ، ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ، وَيَا مُصَرِّفَ القُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ وَمَرضَاتِكَ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ خَشيَتَكَ فِي الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ، وَنَسأَلُكَ كَلِمَةَ الحَقِّ فِي الرِّضَا وَالغَضَبِ، وَنَسأَلُكَ القَصدَ فِي الفَقرِ وَالغِنَى، وَنَسأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنفَدُ، وَنَسأَلُكَ قُرَّةَ عَينٍ لَا تَنقَطِعُ، وَنَسأَلُكَ الرِّضَا بَعدَ القَضَاءِ، وَنَسأَلُكَ بَردَ العَيشِ بَعدَ المَوتِ، وَنَسأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجهِكَ الكَرِيمِ، وَالشَّوقَ إِلَى لِقَائِكَ، فِي غَيرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتنَةٍ مُضِلَّةٍ. اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَينَا الإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهْ إِلَينَا الكُفرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصيَانَ، وَاجعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ. اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاقِ، وَأَعمَالَنَا مِنَ الرِّيَاءِ، وَأَلسِنَتَنَا مِنَ الكَذِبِ، وَأَعيُنَنَا مِنَ الخِيَانَةِ، فَإِنَّكَ تَعلَمُ خَائِنَةَ الأَعيُنِ وَمَا تُخفِي الصُّدُورُ. اللَّهُمَّ احفَظْ شَبَابَ المُسلِمِينَ وَفَتَيَاتِهِم بِحِفظِكَ، وَاعصِمْهُم مِنَ الفَوَاحِشِ وَالفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ، وَاصرِفْ عَنَّا وَعَنهُم السُّوءَ وَالفَحشَاءَ كَمَا صَرَفتَهُ عَن عَبدِكَ وَنَبِيِّكَ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ عَلَيهِ السَّلَامُ، وَاجعَلْنَا مِن عِبَادِكَ المُخلَصِينَ، وَأَظِلَّنَا فِي ظِلِّ عَرشِكَ يَومَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّكَ، وَاِختِمْ لَنَا بِخَيرٍ وَأَنتَ رَاضٍ عَنَّا غَيرَ غَضبَانَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ، وَالسَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.