من مكتبة مِداد الخطيب

التَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ وَالِاستِشفَاءُ بِالرُّقيَةِ الشَّرعِيَّةِ: خطبةُ جُمُعَةٍ مُؤَثِّرَةٌ وَمُختَصَرَةٌ فِي التَّحذِيرِ مِنَ الدَّجَلِ وَالشَّعوَذَةِ وَالتَّمَائِمِ

مشاركة
التَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ وَالِاستِشفَاءُ بِالرُّقيَةِ الشَّرعِيَّةِ: خطبةُ جُمُعَةٍ مُؤَثِّرَةٌ وَمُختَصَرَةٌ فِي التَّحذِيرِ مِنَ الدَّجَلِ وَالشَّعوَذَةِ وَالتَّمَائِمِ الحَمدُ للهِ الكَافِي لِمَن تَوَكَّلَ عَلَيه، الشَّافِي لِمَن فَوَّضَ أَمرَهُ إِلَيه، الَّذِي بِيَدِهِ وَحدَهُ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيه. أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ المُوقِنِينَ بِأَنَّهُ لَا نَافِعَ وَلَا ضَارَّ وَلَا شَافِيَ سِوَاه، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، خَابَ مَن تَعَلَّقَ قَلبُهُ بِغَيرِ مَولَاه، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُه، الَّذِي هَدَمَ أَوثَانَ الشِّركِ وَالدَّجَلِ وَالتَّمَائِم، وَأَرشَدَ أُمَّتَهُ إِلَى الرُّقيَةِ الشَّرعِيَّةِ الصَّافِيَةِ مِنَ الشِّركِ وَالطَّلَاسِم، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَمَنِ اهتَدَى بِهَديِهِ إِلَى يَومِ الدِّين. أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ الله: أُوصِيكُم وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَجرِيدِ التَّوحِيدِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيه؛ فَمَنِ اعتَصَمَ بِاللهِ كَفَاه، وَمَنِ استَغنَى بِهِ أَغنَاه، كَمَا قَالَ جَلَّ فِي عُلَاه: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]. أَيُّهَا المُسلِمُون: إِنَّ رُوحَ التَّوحِيدِ وَتَاجَ الإِيمَانِ هُوَ «التَّوَكُّلُ الصَّادِقُ عَلَى اللهِ تَعَالَى»؛ أَن يَمتَلِئَ قَلبُكَ يَقِينًا بِأَنَّ الأَرضَ وَمَن عَلَيهَا، وَالسَّمَاوَاتِ وَمَن فِيهَا، إِنَّمَا هُم تَحتَ قَهرِ اللهِ وَسُلطَانِه، فَلَا يَنزِلُ مَرَضٌ إِلَّا بِقَدَرِه، وَلَا يُرفَعُ بَلَاءٌ إِلَّا بِإِذنِه! هَذَا خَلِيلُ الرَّحمَنِ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلَامُ يُعلِنُ هَذِهِ الحَقِيقَةَ الإِيمَانِيَّةَ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ فَيَقُول: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]؛ نَسَبَ المَرَضَ إِلَى نَفسِهِ تَأَدُّبًا مَعَ الله، وَحَصَرَ الشِّفَاءَ فِي اللهِ وَحدَهُ يَقِينًا وَتَوَكُّلًا! وَقَالَ رَبُّنَا سُبحَانَهُ قَاطِعًا تَعَلُّقَ القُلُوبِ بِغَيرِه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧]. وَلِهَذَا كَانَ أَعلَى الموَحِّدِينَ مَنزِلَةً يَومَ القِيَامَةِ هُم أَهلَ التَّوَكُّلِ الخَالِص؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَصَفَ السَّبعِينَ أَلفًا الَّذِينَ يَدخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ فَقَال: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَستَرقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِم يَتَوَكَّلُونَ». قَالَ التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ سَعِيدُ بنُ جُبَيرٍ رَحِمَهُ الله: «التَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ جِمَاعُ الإِيمَانِ»! فَيَا عَجبًا لِمَن عَرَفَ رَبَّهُ القَوِيَّ الشَّافِي، كَيفَ يَرضَى لِنَفسِهِ عِندَ نُزُولِ المَرَضِ أَوِ البَلَاءِ أَن يَطرُقَ أَبوَابَ الدَّجَّالِينَ وَالمُشَعوِذِينَ وَالسَّحَرَةِ وَالكَهَنَة، أَو أَن يُعَلِّقَ عَلَى صَدرِهِ أَو صَدرِ أَطفَالِهِ أَو فِي بَيتِهِ أَو سَيَّارَتِهِ عُوذَةً شِركِيَّةً أَو تَمِيمَةً أَو خَرَزَةً زَرقَاءَ أَو حِجَابًا مَملُوءًا بِالطَّلَاسِمِ وَالأَرقَام، يَظُنُّ أَنَّ خَيطًا أَو وَرَقَةً أَو حَجَرًا يَملِكُ دَفعَ العَينِ أَو كَشفَ البَلَاء؟! استَمِعُوا إِلَى هَذَا النَّذِيرِ النَّبَوِيِّ المُجلجِلِ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ أَحمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «مَن تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلَا أَتَمَّ اللهُ لَهُ، وَمَن تَعَلَّقَ وَدَعَةً فَلَا وَدَعَ اللهُ لَهُ»، وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَة: «مَن عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَد أَشرَكَ»! وَرَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا فِي يَدِهِ حَلقَةٌ مِن صُفرٍ -أَي مِن نُحَاسٍ- فَقَالَ لَهُ كَمَا عِندَ أَحمَدَ وَابنِ مَاجَه عَن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ رَضِيَ اللهُ عَنه: «مَا هَذِهِ؟» قَالَ: مِنَ الوَاهِنَةِ -وَهِيَ مَرَضٌ يُصِيبُ العَضُدَ-، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَلِمَةً تَرتَجِفُ لَهَا القُلُوب: «انزِعهَا؛ فَإِنَّهَا لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهنًا، فَإِنَّكَ لَو مِتَّ وَهِيَ عَلَيكَ مَا أَفلَحتَ أَبَدًا»! وَأَمَّا مَن ذَهَبَ إِلَى الدَّجَّالِينَ وَالمُشَعوِذِينَ الَّذِينَ يَسأَلُونَ المَرِيضَ عَنِ اسمِهِ وَاسمِ أُمِّه، وَيَدَّعُونَ مَعرِفَةَ الغَيبِ وَمَكَانِ السِّحر، فَقَد حَكَمَ عَلَيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِالوَعِيدِ الشَّدِيدِ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ أَحمَدُ وَأَهلُ السُّنَنِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنه: «مَن أَتَى كَاهِنًا أَو عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَد كَفَرَ بِمَا أُنزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ»! وَلِلَّهِ دَرُّ القَائِل: تَوَكَّل عَلَى الرَّحمَنِ فِي كُلِّ حَاجَةٍ ... وَلَا تَرجُ إِلَّا فَضلَ رَبِّكَ وَحدَهُ فَمَا خَابَ عَبدٌ لَاذَ بِاللهِ مُخلِصًا ... وَمَن قَصَدَ الدَّجَّالَ أَهلَكَ قَصدَهُ بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيم، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيم، أَقُولُ قَولِي هَذَا وَأَستَغفِرُ اللهَ لِي وَلَكُم، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم. 🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِين، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِين، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ الصَّادِقُ الأَمِين، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِين. أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ الله: إِنَّ التَّوَكُّلَ عَلَى اللهِ لَا يُنَافِي الأَخذَ بِالأَسبَابِ المَشرُوعَةِ فِي الِاستِشفَاءِ وَالتَّدَاوِي؛ بَل مِن تَمَامِ التَّوَكُّلِ أَن تَتَدَاوَى بِالحَلَالِ الطَّيِّبِ وَقَلبُكَ مُعَلَّقٌ بِمُسَبِّبِ الأَسبَابِ سُبحَانَه، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنه: «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ». وَإِنَّ أَعظَمَ مَا يُستَشفَى بِهِ مِنَ الأَسقَامِ وَالعَينِ وَالحَسَدِ وَالسِّحرِ وَالهمُومِ هُوَ «الرُّقيَةُ الشَّرعِيَّةُ بِالقُرآنِ الكَرِيمِ وَالأَدعِيَةِ النَّبَوِيَّةِ الصَّحِيحَة»؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن عَوفِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنه: «لَا بَأسَ بِالرُّقَى مَا لَم يَكُن فِيهِ شِركٌ». فَارقِ نَفسَكَ وَأَهلَكَ وَأَولَادَكَ بِنَفسِكَ يَا عَبدَ الله؛ اقرَأ عَلَيهِم سُورَةَ الفَاتِحَةِ الَّتِي هِيَ أَعظَمُ رُقيَةٍ فِي الكِتَاب، وَآيَةَ الكُرسِيّ، وَآخِرَ آيَتَينِ مِن سُورَةِ البَقَرَة، وَسُورَةَ الإِخلَاصِ وَالمُعَوِّذَتَين، وَادعُ بِرُقيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الثَّابِتَةِ فِي الصَّحِيحَينِ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: «اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ، مُذهِبَ البَأسِ، اشفِ أَنتَ الشَّافِي، لَا شَافِيَ إِلَّا أَنتَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا»؛ تَجمَعْ بِذَلِكَ بَينَ صَفَاءِ التَّوحِيد، وَقُوَّةِ التَّوَكُّل، وَبَرَكَةِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّة! ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى خَيرِ البَرِيَّة، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم فَقَال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّد، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ وَالصَّحَابَةِ أَجمَعِين، وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين. اللَّهُمَّ املَأ قُلُوبَنَا تَوَكُّلًا عَلَيك، وَثِقَةً بِك، وَغِنًى بِكَ عَمَّن سِوَاك! اللَّهُمَّ احفَظ عَلَينَا تَوحِيدَنَا وَإِيمَانَنَا، وَأَعِذنَا وَذُرِّيَّاتِنَا مِن شَرِّ السَّحَرَةِ وَالدَّجَّالِينَ وَالمُشَعوِذِينَ وَالحَاسِدِين، وَاشفِ مَرضَانَا وَمَرضَى المُسلِمِينَ شِفَاءً عَاجِلًا لَا يُغَادِرُ سَقَمًا، وَاحفَظ بِلَادَنَا وَبِلَادَ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ سُوءٍ يَا رَبَّ العَالَمِين. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.