الوَلَاءُ للهِ لَا لِلرَّاتِبِ: مَوعِظَةٌ بَلِيغَةٌ عَن تَوحِيدِ الرَّزَّاقِ وَالثَّبَاتِ عَلَى المَبَادِئِ أَمَامَ فِتنَةِ المَعَاشِ وَالأَطمَاعِ
الحَمدُ للهِ الرَّزَّاقِ ذِي القُوَّةِ المَتِينِ، الغَنِيِّ الحَمِيدِ، المَلِكِ الحَقِّ المُبِينِ، الَّذِي تَكَفَّلَ بِأَرزَاقِ الخَلَائِقِ أَجمَعِينَ، فَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزقُهَا وَيَعلَمُ مُستَقَرَّهَا وَمُستَودَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَأَشكُرُهُ، بِيَدِهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ يُنفِقُ كَيفَ يَشَاءُ، يَبسُطُ الرِّزقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً تُحَرِّرُ القُلُوبَ مِن ذُلِّ التَّعَلُّقِ بِالفَانِينَ، وَتَربِطُ الأَروَاحَ بِعِزَّةِ التَّوَكُّلِ عَلَى رَبِّ العَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أَعظَمُ الخَلقِ يَقِينًا بِمَوعُودِ اللهِ، وَأَثبَتُهُم عَلَى الحَقِّ لَا يَخشَى فِي اللهِ لَومَةَ لَائِمٍ وَلَا فَوَاتَ مَطمَعٍ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ، فَيَا إِخوَةَ الإِيمَانِ: أُوصِيكُم وَنَفسِيَ المُقَصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَجرِيدِ الوَلَاءِ وَالطَّاعَةِ وَالعُبُودِيَّةِ لَهُ وَحدَهُ؛ كَمَا أَمَرَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَن يُعلِنَهَا مَنهَجَ حَيَاةٍ لَا يَقبَلُ المُسَاوَمَةَ وَلَا الشَّرِكَةَ فِي سُورَةِ الأَنعَامِ فَقَالَ: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾.
أَيُّهَا الأَحِبَّةُ فِي اللهِ: إِنَّ مِن أَخطَرِ الفِتَنِ الَّتِي تَمتَحِنُ إِيمَانَ العَبدِ وَصِدقَ تَوحِيدِهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ: «فِتنَةَ الرَّاتِبِ وَالمَعَاشِ وَالوَظِيفَةِ»!
نَعَم وَاللهِ؛ لَقَد تَحَوَّلَ «الرَّاتِبُ» عِندَ فِئَامٍ مِنَ النَّاسِ مِن وَسِيلَةٍ شَرعِيَّةٍ كَرِيمَةٍ لِكَسبِ الرِّزقِ وَإِعْفَافِ النَّفسِ وَالعِيَالِ، إِلَى قَيدٍ ثَقِيلٍ يَأسِرُ الضَّمِيرَ، وَيُخرِسُ اللِّسَانَ عَن قَولِ الحَقِّ، بَل قَد يَتَحَوَّلُ عِندَ ضِعَافِ اليَقِينِ إِلَى صَنَمٍ خَفِيٍّ يُقَدَّمُ رِضَا مَانِحِهِ عَلَى رِضَا اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ!
فَكَم مِن مُوَظَّفٍ أَو عَامِلٍ أَو صَاحِبِ مَنصِبٍ يُؤمَرُ بِظُلمِ ضَعِيفٍ، أَو تَزوِيرِ شَهَادَةٍ، أَو أَكلِ مَالٍ حَرَامٍ، أَو غَشٍّ لِلمُسلِمِينَ، أَو مُدَاهَنَةٍ عَلَى حِسَابِ دِينِهِ وَمَبَادِئِهِ؛ فَإِذَا قِيلَ لَهُ: اتَّقِ اللهَ يَا عَبدَ اللهِ وَلَا تَبِع دِينَكَ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنيَا قَلِيلٍ! تَنَهَّدَ وَقَالَ بِكَلِمَتِهِ المَعهُودَةِ: «مَاذَا أَفعَلُ؟! أَنَا عَبدٌ مَأمُورٌ، وَأَخَافُ عَلَى رَاتِبِي وَقُوتِ أَولَادِي»!
سبحَانَ اللهِ العَظِيمِ! مَنِ الَّذِي يَرزُقُكَ وَيَرزُقُ أَولَادَكَ؟! أَهُوَ المُدِيرُ وَالوَزِيرُ وَصَاحِبُ الشَّرِكَةِ وَالمَصنَعِ، أَم هُوَ اللهُ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ؟!
لَقَد فَضَحَ القُرآنُ الكَرِيمُ تِلكَ النُّفُوسَ المَعلُولَةَ الَّتِي يَدُورُ وَلَاؤُهَا وَرِضَاهَا وَسَخَطُهَا مَعَ العَطَاءِ المَادِّيِّ وُجُودًا وَعَدَمًا؛ فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ التَّوبَةِ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾!
وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ دَعَا عَلَى هَذَا الصِّنفِ الَّذِي جَعَلَ وَلَاءَهُ لِلدِّرهَمِ وَالدِّينَارِ وَالرَّاتِبِ فَقَالَ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ»!
تَأَمَّلُوا يَا عِبَادَ اللهِ: لِمَاذَا سَمَّاهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ «عَبدَ الدِّينَارِ وَعَبدَ الدِّرهَمِ»؟ لِأَنَّ مَن جَعَلَ الدِّرهَمَ وَالرَّاتِبَ هُوَ المُحَرِّكَ الأَوَّلَ لِمَوَاقِفِهِ وَمَبَادِئِهِ، فَيُوَالي مَن يَدفَعُ لَهُ وَلَو كَانَ ظَالِمًا مُبطِلًا، وَيُعَادِي الحَقَّ إِذَا خَافَ مِنهُ عَلَى دَرَاهِمِهِ، فَقَد أَشْرَبَ قَلبَهُ ذُلَّ العُبُودِيَّةِ لِلمَالِ مِن دُونِ اللهِ!
يَا مَن تَخَافُ عَلَى رَاتِبِكَ فَتُوشِكُ أَن تُفرِّطَ فِي أَمَانَتِكَ أَو تَرضَى بِمَعصِيَةِ رَبِّكَ: اسْمَع بِقَلبِكَ إِلَى هَذَا القَسَمِ الإِلَهِيِّ العَظِيمِ الَّذِي أَقسَمَ اللهُ فِيهِ بِنَفسِهِ العَلِيَّةِ فِي سُورَةِ الذَّارِيَاتِ فَقَالَ: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾!
رِزقُكَ مَكتُوبٌ مَحفُوظٌ فِي السَّمَاءِ عِندَ مَن لَا تَنفَدُ خَزَائِنُهُ، وَلَيسَ فِي دَفتَرِ الرَّوَاتِبِ فِي الأَرضِ! إِنَّ الوَظِيفَةَ وَالتِّجَارَةَ وَالصَّنعَةَ مَا هِيَ إِلَّا قَنَاةٌ مِن قَنَوَاتِ الرِّزقِ الَّتِي سَخَّرَهَا اللهُ لَكَ، وَالمُدِيرُ أَو رَبُّ العَمَلِ لَا يَملِكُ لِنَفسِهِ وَلَا لَكَ ذَرَّةً مِنَ الرِّزقِ إِلَّا مَا أَجرَاهُ اللهُ عَلَى يَدَيهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ العَنكَبُوتِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾!
وَاستَمِعُوا إِلَى هَذَا المِيثَاقِ النَّبَوِيِّ الَّذِي يَسكُبُ اليَقِينَ وَالسَّكِينَةَ فِي كُلِّ قَلبٍ مُؤمِنٍ؛ فَفِي حِليَةِ الأَولِيَاءِ وَصَحِيحِ الجَامِعِ عَن أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ -وَرَوَاهُ ابنُ مَاجَه وَابنُ حِبَّانَ عَن جَابِرٍ وَابنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُم- أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ أَجَلَهَا وَتَسْتَوْعِبَ رِزْقَهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّ أَحَدَكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ يَطْلُبَهُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ»!
اللهُ أَكبَرُ! قَاعِدَةٌ نَبَوِيَّةٌ تَهدِمُ أَوهَامَ الخَوفِ مِن قَطعِ الأَرزَاقِ: لَن تَمُوتَ يَا ابنَ آدَمَ حَتَّى تَستَوفِيَ آخِرَ لُقمَةٍ وَآخِرَ شَربَةٍ وَآخِرَ دِرهَمٍ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجتَمَعَ أَهلُ الأَرضِ كُلُّهُم عَلَى أَن يَقطَعُوا عَنكَ رِزقًا قَسَمَهُ اللهُ لَكَ لَم يَقدِرُوا عَلَى ذَلِكَ! فَلِمَاذَا تَطلُبُ مَا قَد ضَمِنَهُ اللهُ لَكَ بِمَعصِيَةِ مَن تَكَفَّلَ لَكَ بِهِ؟!
إِخوَةَ الإِيمَانِ: إِنَّ تَحقِيقَ شِعَارِ «الوَلَاءُ للهِ لَا لِلرَّاتِبِ» فِي حَيَاةِ المُسلِمِ العَمَلِيَّةِ وَالوَظِيفِيَّةِ يَتَجَلَّى فِي مَوقِفَينِ عَظِيمَينِ لَا يَستَقِيمُ دِينُ المَرءِ إِلَّا بِهِمَا:
المَوقِفُ الأَوَّلُ: أَلَّا تَبِيعَ دِينَكَ وَلَا ذِمَّتَكَ وَلَا تَسْكُتَ عَن بَاطِلٍ يَجِبُ إِنكَارُهُ خَوفًا عَلَى رَاتِبِكَ أَو طَمَعًا فِي عِلَاوَةٍ وَمَنصِبٍ!
فَإِذَا دُعِيتَ فِي وَظِيفَتِكَ أَو تِجَارَتِكَ أَو مَيدَانِ عَمَلِكَ إِلَى مَا يُغضِبُ اللهَ؛ مِن ظُلمِ بَرِيءٍ، أَو هَضمِ حَقِّ مُستَحِقٍّ، أَو تَمرِيرِ فَاسِدٍ، أَو قَبُولِ رِشوَةٍ، أَو نُصرَةِ بَاطِلٍ؛ فَقِفْ وَقفَةَ المُؤمِنِ العَزِيزِ بِرَبِّهِ، وَتَذَكَّرْ قَولَ نَبِيِّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَاهُ الشَّيخَانِ عَن عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ»! وَتَذَكَّرْ قَولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَاهُ الإِمَامُ أَحمَدُ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «أَلَا لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ رَهْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ أَوْ شَهِدَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُقَرِّبُ مِنْ أَجَلٍ وَلَا يُبَاعِدُ مِنْ رِزْقٍ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ أَوْ يُذَكِّرَ بِعَظِيمٍ»!
وَثِقْ ثِقَةً جَازِمَةً أَنَّكَ إِن خَسِرتَ وَظِيفَةً أَو دِرهَمًا مِن أَجلِ طَاعَةِ اللهِ وَالامتِنَاعِ عَنِ الحَرَامِ، فَإِنَّ عِوَضَ الغَنِيِّ الكَرِيمِ أَعظَمُ وَأَوسَعُ وَأَطيَبُ؛ كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الطَّلَاقِ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، وَفِي مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن رَجُلٍ مِن أَهلِ البَادِيَةِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِهِ فَقَالَ: «إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا اتِّقَاءَ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَاكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ»!
وَأَمَّا المَوقِفُ الثَّانِي الَّذِي لَا يَقِلُّ أَهَمِّيَّةً عَنِ الأَوَّلِ: فَهُوَ أَن تُتْقِنَ عَمَلَكَ وَتُؤَدِّيَ أَمَانَتَكَ وَتَرحَمَ المُرَاجِعِينَ وَالمُحتَاجِينَ وَلَاءً للهِ وَمُرَاقَبَةً لَهُ، لَا عَلَى قَدرِ الرَّاتِبِ وَلَا خَوفًا مِن عَينِ المُدِيرِ!
فَإِنَّ بَعضَ النَّاسِ إِذَا قَلَّ رَاتِبُهُ أَو تَأَخَّرَ أَو غَابَ عَنهُ رَقِيبُ البَشَرِ، ضَيَّعَ الأَمَانَةَ المَوكُولَةَ إِلَيهِ؛ فَالمُعَلِّمُ يُقَصِّرُ فِي تَعلِيمِ أَبنَاءِ المُسلِمِينَ وَيَقُولُ: «عَلَى قَدرِ رَاتِبِهِم أُعَلِّمُهُم»! وَالطَّبِيبُ يُهمِلُ المَرِيضَ الفَقِيرَ فِي المُستَشفَى العَامِّ! وَالمُوَظَّفُ يُعَطِّلُ مَصَالِحَ العِبَادِ وَيَعبِسُ فِي وُجُوهِهِم!
وَهَذَا وَاللهِ خَلَلٌ عَظِيمٌ فِي مِيزَانِ الإِيمَانِ وَالأَمَانَةِ؛ فَإِنَّ أَبنَاءَ المُسلِمِينَ وَمَرضَاهُم وَمَصَالِحَهُم أَمَانَةٌ فِي عُنُقِكَ سَيَسأَلُكَ اللهُ عَنهَا يَومَ القِيَامَةِ؛ وَالمُؤمِنُ الصَّادِقُ الَّذِي جَعَلَ وَلَاءَهُ للهِ يَحتَسِبُ عَمَلَهُ قُربَةً وَعِبَادَةً يَنتَظِرُ أَجرَهَا الأَعظَمَ مِن رَبِّ العَالَمِينَ الَّذِي قَالَ فِي سُورَةِ الكَهفِ: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾، وَقَالَ نَبِيُّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو يَعلَى وَالبَيهَقِيُّ وَحَسَّنَهُ الأَلبَانِيُّ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ»!
انظُرُوا يَا عِبَادَ اللهِ إِلَى ذَلِكَ الرَّاعِي البَسِيطِ الَّذِي كَانَ يَرعَى غَنَمًا لِسَيِّدِهِ فِي الصَّحرَاءِ، بَعِيدًا عَن أَعيُنِ النَّاسِ، فَمَرَّ بِهِ عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا فَأَرَادَ أَن يَختَبِرَ أَمَانَتَهُ وَوَلَاءَهُ للهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا رَاعِيَ الغَنَمِ، بِعنِي شَاةً مِن هَذِهِ الغَنَمِ وَخُذ ثَمَنَهَا لَكَ، فَإِذَا سَأَلَكَ سَيِّدُكَ فَقُل لَهُ: أَكَلَهَا الذِّئبُ! فَنَظَرَ إِلَيهِ ذَلِكَ الرَّاعِي المُؤمِنُ الَّذِي عَمَرَ التَّوحِيدُ قَلبَهُ وَصَاحَ صَيحَةً تَهُزُّ الجِبَالَ: «فَأَينَ اللهُ؟! فَأَينَ اللهُ؟!»؛ فَبَكَى ابنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، وَمَا زَالَ يُرَدِّدُ: «فَأَينَ اللهُ؟!»، ثُمَّ اشتَرَى الرَّاعِيَ مِن مَولَاهُ فَأَعتَقَهُ، وَاشترَى لَهُ الغَنَمَ كُلَّهَا فَوَهَبَهَا لَهُ، وَقَالَ لَهُ: «أَعتَقَتكَ هَذِهِ الكَلِمَةُ فِي الدُّنيَا، وَأَرجُو أَن تُعتِقَكَ فِي الآخِرَةِ»!
وَللهِ دَرُّ الإِمَامِ الزَّاهِدِ حَاتِمٍ الأَصَمِّ رَحِمَهُ اللهُ حِينَ سُئِلَ كَمَا أَورَدَ ابنُ الجَوزِيِّ فِي صِفَةِ الصَّفوَةِ: عَلَى مَا بَنَيتَ أَمرَكَ هَذَا فِي التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ؟ قَالَ: «عَلَى خِصَالٍ أَربَعٍ: عَلِمتُ أَنَّ رِزقِي لَا يَأكُلُهُ غَيرِي فَاطمَأَنَّت بِهِ نَفسِي، وَعَلِمتُ أَنَّ عَمَلِي لَا يَعمَلُهُ غَيرِي فَأَنَا مَشغُولٌ بِهِ، وَعَلِمتُ أَنَّ المَوتَ يَأتِينِي بَغتَةً فَأَنَا أُبَادِرُهُ، وَعَلِمتُ أَنِّي لَا أَخلُو مِن عَينِ اللهِ حَيثُ كُنتُ فَأَنَا مُستَحيٍ مِنهُ»!
فَيَا أَخِي المُسلِمَ فِي كُلِّ مَوقِعٍ وَوَظِيفَةٍ وَعَمَلٍ: حَرِّر قَلبَكَ مِن ذُلِّ الخَوفِ عَلَى الرِّزقِ، وَاجعَل وَلَاءَكَ للهِ وَحدَهُ؛ فَكُلْ حَلَالًا وَلَو كَانَ قَلِيلًا، وَاصدَع بِالحَقِّ، وَأَدِّ الأَمَانَةَ بِإِحسَانٍ، وَاعلَم أَنَّ الرَّوَاتِبَ وَالمَنَاصِبَ تَنقَطِعُ عِندَ أَوَّلِ لَحظَةٍ مِن لَحَظَاتِ المَوتِ، وَلَا يَبقَى مَعَكَ فِي قَبرِكَ وَيَومَ حَشرِكَ إِلَّا مَا قَدَّمتَهُ مِن صِدقِ الوَلَاءِ وَالطَّاعَةِ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ! وَمَا أَصدَقَ قَولَ الشَّاعِرِ الحَكِيمِ:
تَوَكَّلْ عَلَى الرَّحمَنِ فِي الأَمرِ كُلِّهِ ... فَمَا خَابَ حَقًّا مَن عَلَيهِ تَوَكَّلَا
وَلَا تَبِعِ الدِّينَ القَوِيمَ بِدِرهَمٍ ... يَزُولُ وَيُبقِي فِي الصَّحَائِفِ مَعزِلَا
فَرِزقُكَ مَقسُومٌ وَعُمرُكَ نَافِدٌ ... فَكُنْ مُخلِصًا للهِ قَولًا وَمَفعَلَا
اللهمَّ يَا غَنِيُّ يَا حَمِيدُ، يَا مَبدِئُ يَا مُعِيدُ، يَا رَحِيمُ يَا وَدُودُ: اكفِنَا بِحَلَالِكَ عَن حَرَامِكَ، وَأَغنِنَا بِفَضلِكَ عَمَّن سِوَاكَ. اللهمَّ طَهِّر قُلُوبَنَا مِنَ التَّعَلُّقِ بِغَيرِكَ، وَاجعَل وَلَاءَنَا وَحُبَّنَا وَخَوفَنَا وَرَجَاءَنَا خَالِصًا لِوَجهِكَ الكَرِيمِ، وَثَبِّتنَا عَلَى الحَقِّ وَالأَمَانَةِ وَالعَفَافِ حَتَّى نَلقَاكَ وَأَنتَ رَاضٍ عَنَّا يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى عَبدِهِ وَرَسُولِهِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِينَ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
الوَلَاءُ للهِ لَا لِلرَّاتِبِ: مَوعِظَةٌ بَلِيغَةٌ عَن تَوحِيدِ الرَّزَّاقِ وَالثَّبَاتِ عَلَى المَبَادِئِ أَمَامَ فِتنَةِ المَعَاشِ وَالأَطمَاعِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.