من مكتبة مِداد الخطيب

أَمَانَةُ التَّدرِيبِ وَخُطُورَةُ التَّسَلُّطِ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ: دَرسٌ تَربَوِيٌّ وَإِيمَانِيٌّ لِلمُدَرِّبِينَ فِي ذَمِّ التَّكَبُّرِ وَصِنَاعَةِ القِيَمِ وَالقُدُوَاتِ وَتَقوَى اللهِ فِيمَنِ استَرعَانَا

مشاركة
أَمَانَةُ التَّدرِيبِ وَخُطُورَةُ التَّسَلُّطِ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ: دَرسٌ تَربَوِيٌّ وَإِيمَانِيٌّ لِلمُدَرِّبِينَ فِي ذَمِّ التَّكَبُّرِ وَصِنَاعَةِ القِيَمِ وَالقُدُوَاتِ وَتَقوَى اللهِ فِيمَنِ استَرعَانَا الحَمدُ للهِ العَلِيمِ الحَكِيم، العَزِيزِ الرَّحِيم، الَّذِي رَفَعَ بِالعِلمِ وَالحِكمَةِ وَالتَّزكِيَةِ أَقدَارَ العَامِلِين، وَجَعَلَ وِلَايَةَ التَّعلِيمِ وَالتَّدرِيبِ وَالتَّوجِيهِ أَمَانَةً عُظمَى فِي أَعنَاقِ المُصلِحِين، وَحَذَّرَ مِنَ البَغيِ وَالتَّجَبُّرِ وَالِاستِعلَاءِ عَلَى خَلقِهِ أَجمَعِين، القَائِلِ فِي كِتَابِهِ المُبِين: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]. وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، الرَّقِيبُ عَلَى السَّرَائِرِ وَالضَّمَائِر، الحَكَمُ العَدلُ الَّذِي لَا تَخفَى عَلَيهِ خَافِيَةٌ فِي البَوَاطِنِ وَالظَّوَاهِر، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُه، إِمَامُ المُعَلِّمِينَ، وَسَيِّدُ المُرَبِّينَ وَالمُدَرِّبِينَ، وَقَائِدُ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، الَّذِي بَنَى بِرَحمَتِهِ وَتَوَاضُعِهِ وَحَزمِهِ أَعظَمَ جِيلٍ عَرَفَهُ التَّارِيخ، فَلَم يَكُنْ فَظًّا وَلَا غَلِيظَ القَلبِ وَلَا مُتَسَلِّطًا، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ هُدَاةِ الأَنَام، وَمَن سَارَ عَلَى نَهجِهِم إِلَى يَومِ القِيَام. أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا مَعَاشِرَ المُدَرِّبِينَ وَالمُرَبِّينَ وَالمُوَجِّهِينَ الكِرَام: إِنَّ المَقَامَ الَّذِي أَقَامَكُمُ اللهُ فِيهِ لَيسَ مُجَرَّدَ وَظِيفَةٍ تُؤَدَّى، وَلَا مِهنَةٍ يُكتَسَبُ بِهَا الرِّزقُ أَو يُنَالُ بِهَا الجَاه، بَل هُوَ مَوقِعُ صِنَاعَةِ الإِنسَانِ، وَمَيدَانُ صِيَاغَةِ العُقُولِ وَالهِمَمِ وَالأَخلَاق! إِنَّ المُدَرِّبَ حِينَ يَقِفُ أَمَامَ مُتَدَرِّبِيهِ -سَوَاءٌ أَكَانَ فِي مَيدَانِ الإِعدَادِ وَالانضِبَاطِ، أَم فِي قَاعَاتِ المَهَارَاتِ وَالعُلُومِ، أَم فِي مَحَاضِنِ التَّربِيَةِ وَالبِنَاء- فَإِنَّهُ يَقبِضُ بِيَدِهِ عَلَى أَمَانَةٍ ثَقِيلَةٍ سَيُسأَلُ عَن كُلِّ لَحظَةٍ فِيهَا بَينَ يَدَيِ اللهِ عَزَّ وَجَلّ. وَمِن هُنَا، فَإِنَّ أَحوَجَ مَا يَحتَاجُ إِلَيهِ المُدَرِّبُ النَّاجِحُ قَبلَ إِتقَانِ حَقِيبَتِهِ التَّدرِيبِيَّةِ وَبَرَاعَتِهِ المَيدَانِيَّةِ هُوَ أَن يُوقِفَ نَفسَهُ وَقفَةَ مُحَاسَبَةٍ صَادِقَةٍ أَمَامَ ثَلَاثِ قَضَايَا مَصِيرِيَّةٍ تَدُورُ عَلَيهَا بَرَكَةُ التَّدرِيبِ وَنَجَاتُهُ عِندَ الله: خُطُورَةُ التَّسَلُّطِ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ وَالتَّكَبُّرِ عَلَيهِم، وَسمُوُّ الهَدَفِ فِي بِنَاءِ القِيَمِ وَصِنَاعَةِ القُدُوَات، وَتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَن وَلَّانَا اللهُ أَمرَهُم. إِخوَةَ الإِيمَانِ وَأَربَابَ التَّدرِيبِ وَالعَطَاء: إِنَّ القَضِيَّةَ الأُولَى وَالعَقَبَةَ الكَؤُودَ الَّتِي يَنصِبُهَا الشَّيطَانُ فِي طَرِيقِ كُلِّ مَن مُنِحَ سُلطَةَ التَّوجِيهِ وَالأَمرِ وَالنَّهيِ وَالتَّقيِيمِ هِيَ «آفَةُ التَّسَلُّطِ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ وَالتَّكَبُّرِ عَلَيهِم»! فَإِنَّ النَّفسَ البَشَرِيَّةَ إِذَا أَنِسَت مِن ذَاتِهَا قُوَّةً فِي البَدَنِ، أَو تَفَوُّقًا فِي المَهَارَةِ، أَو سَبقًا فِي الخِبرَةِ، أَو صَلَاحِيَّةً فِي إِصدَارِ الأَوَامِرِ وَالعُقُوبَاتِ، دَبَّ إِلَيهَا دَاءُ الكِبرِ وَالطُّغيَانِ خَفِيًّا كَدَبِيبِ النَّمل، كَمَا شَخَّصَ القُرآنُ الكَرِيمُ هَذِهِ العِلَّةَ النَّفسِيَّةَ الدَّقِيقَةَ بِقَولِ الحَقِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى ۝ أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦-٧]. مَا أَسرَعَ مَا يَخدَعُ الشَّيطَانُ المُدَرِّبَ الغَافِلَ عَن رَبِّه، فَيُصَوِّرُ لَهُ أَنَّ قُوَّتَهُ وَهَيبَتَهُ لَا تَتِمَّانِ إِلَّا بِكَسرِ النُّفُوسِ، وَإِذلَالِ الرِّقَابِ، وَالتَّعَالِي عَلَى المُتَدَرِّبِينَ، وَالسُّخرِيَةِ مِن أَخطَائِهِم، وَالقَسوَةِ الفَجَّةِ عَلَى ضَعِيفِهِم! وَيَنسَى ذَلِكَ المُتَسَلِّطُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَقِفُونَ أَمَامَهُ هُم عِبَادُ اللهِ وَأَحرارٌ كَرَّمَهُمُ اللهُ بِنَفخَةِ رُوحِهِ وَشَرَفِ الإِيمَان، وَلَيسُوا مَمَالِيكَ عِندَهُ وَلَا أَرقَّاءَ فِي ضَيعَتِه! تَأَمَّلُوا يَا رَعَاكُمُ اللهُ كَيفَ أَغلَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بَابَ الجَنَّةِ دُونَ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ يَحتَقِرُ النَّاسَ مِن فَوْقِ مِنَصَّتِهِ أَو مَوقِعِه؛ فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ مَن كَانَ فِي قَلبِهِ مِثقَالُ ذَرَّةٍ مِن كِبرٍ»، ثُمَّ فَسَّرَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حَقِيقَةَ الكِبرِ بِقَولِه: «الكِبرُ: بَطَرُ الحَقِّ، وَغَمطُ النَّاسِ». وَغَمطُ النَّاسِ يَا مَعَاشِرَ المُدَرِّبِينَ هُوَ ازدِرَاؤُهُم، وَالنَّظَرُ إِلَيهِم بِعَينِ النَّقصِ وَالِاحتِقَار، وَالتَّأَفُّفُ مِن تَعَلُّمِهِم، وَرَفضُ سَمَاعِ الحَقِّ إِذَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ مُتَدَرِّبٍ صَغِيرٍ فِي السِّنِّ أَوِ الرُّتبَة! وَاسْمَعُوا إِلَى هَذَا الوَعِيدِ النَّبَوِيِّ الزَّاجِرِ الَّذِي يَنبَغِي أَن يَكتُبَهُ كُلُّ مُدَرِّبٍ وَمَسؤُولٍ نُصبَ عَينَيه؛ فَقَد أَخرَجَ الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَت: سَمِعتُ مِن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي بَيتِي هَذَا: «اللَّهُمَّ مَن وَلِيَ مِن أَمرِ أُمَّتِي شَيئًا فَشَقَّ عَلَيهِم فَاشقُقْ عَلَيهِ، وَمَن وَلِيَ مِن أَمرِ أُمَّتِي شَيئًا فَرَفَقَ بِهِم فَارفُقْ بِهِ!». يَا الله! دَعوَةٌ خَرَجَت مِن فَمِ النَّبِيِّ المُصطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لَا تُرَدّ! لَم يَقُلْ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَن وَلِيَ الخِلَافَةَ أَوِ الإِمَارَةَ الكُبرَى فَحَسب»، بَل قَالَ: «مَن وَلِيَ مِن أَمرِ أُمَّتِي شَيئًا»؛ وَأَيُّ شَيءٍ مِن أَمرِ الأُمَّةِ تَحتَ يَدِكَ -وَلَو كَانَ حَلقَةَ تَدرِيبٍ أَو فَرِيقَ عَمَلٍ أَو مَجمُوعَةَ طُلَّابٍ- إِن تَسَلَّطتَ فِيهِ عَلَى النَّاسِ وَشَقَقتَ عَلَيهِم بِغَيرِ حَقٍّ، فَقَد عَرَّضتَ نَفسَكَ لِدَعوَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَن يَشقُقَ اللهُ عَلَيكَ فِي دُنيَاكَ وَقَبرِكَ وَآخِرَتِك! وَعَلَينَا هُنَا أَن نُفَرِّقَ بِوَعْيٍ وَبَصِيرَةٍ بَينَ أَمرَينِ يَخلِطُ بَينَهُمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاس: بَينَ «الحَزمِ التَّربَوِيِّ البَنَّاءِ» وَبَينَ «التَّسَلُّطِ وَالتَّكَبُّرِ الهَدَّام»؛ فَالحَزمُ وَالجِدِّيَّةُ وَالانضِبَاطُ فِي التَّدرِيبِ أَمرٌ مَطلُوبٌ شَرعًا وَعَقلًا لِتَقوِيَةِ العَزَائِمِ وَصَقلِ المَوَاهِبِ وَمَنعِ التَّسيُّب، وَلَكِنَّ الحَزمَ الحَقِيقِيَّ يَصدُرُ مِن قَلبٍ رَحِيمٍ مُتَوَاضِعٍ يُرِيدُ رِفعَةَ المُتَدَرِّبِ وَمَصلَحَتَهُ مَعَ حِفظِ كَرَامَتِهِ الإِنسَانِيَّة، أَمَّا التَّسَلُّطُ فَهُوَ إِشبَاعٌ لِرُعُونَةِ النَّفسِ وَحُبِّ السَّيطَرَةِ وَالتَّشَفِّي وَكَسرِ الكَرَامَة! الحَازِمُ يَبنِي رِجَالًا أَعِزَّاءَ أَقوِيَاء، وَالمُتَسَلِّطُ المُتَكَبِّرُ لَا يَصنَعُ إِلَّا نُفُوسًا مَهزُومَةً أَو صُدُورًا مَملُوءَةً بِالغلِّ وَالأَحقَاد! ثُمَّ انتَقِلُوا بِي يَا مَعَاشِرَ المُدَرِّبِينَ إِلَى القَضِيَّةِ الثَّانِيَةِ الكُبرَى، وَهِيَ: «تَحدِيدُ البَوصَلَةِ؛ أَن يَكُونَ هَدَفُنَا الأَسمَى بِنَاءَ القِيَمِ وَبِنَاءَ القُدُوَاتِ»! اسأَلْ نَفسَكَ أَيُّهَا المُدَرِّبُ الكَرِيمُ قَبلَ أَن تَدخُلَ مَيدَانَكَ: مَا هُوَ المُنتَجُ النِّهَائِيُّ الَّذِي أُرِيدُ أَن أُخَرِّجَهُ لِأُمَّتِي؟ أَتُرِيدُ أَن تُخَرِّجَ آلَةً صَمَّاءَ تُتقِنُ حَرَكَةً أَو مَهَارَةً وَهِيَ خَاوِيَةُ الرُّوحِ، مُنفَلِتَةُ الضَّمِيرِ، مَهرُومَةُ القِيَم؟! إِنَّ المَهَارَةَ بِلَا قِيَمٍ سِلَاحٌ قَد يَنقَلِبُ عَلَى صَاحِبِهِ وَعَلَى أُمَّتِه، وَالقُوَّةَ بِلَا أَخلَاقٍ وَإِيمَانٍ بَلَاءٌ وَطُغيَان! انظُرُوا كَيفَ حَدَّدَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَظِيفَةَ المُعَلِّمِ وَالمُدَرِّبِ الأَعظَمِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي سُورَةِ الجُمُعَةِ حِينَ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢]. لَقَد قَدَّمَ اللهُ تَعَالَى «التَّزكِيَةَ» -وَهِيَ بِنَاءُ القِيَمِ، وَتَطهيرُ الأَخلَاقِ، وَتَقوِيمُ السُّلُوكِ- عَلَى تَعلِيمِ الكِتَابِ وَالحِكمَة! فَوَظِيفَتُكَ أَيُّهَا المُدَرِّبُ وَأَنتَ تُعَلِّمُ المَهَارَةَ أَوِ الفَنَّ أَوِ العِلمَ أَوِ الانضِبَاطَ، أَن تَغرِسَ فِي قُلُوبِ مُتَدَرِّبِيكَ قِيَمَ الصِّدقِ، وَالأَمَانَةِ، وَالمَسؤُولِيَّةِ، وَالإِيثَارِ، وَالشَّجَاعَةِ المُنضَبِطَةِ بِالشَّرعِ، وَعِزَّةِ النَّفسِ، وَاحتِرَامِ الحُقُوقِ، وَمُرَاقَبَةِ اللهِ فِي السِّرِّ وَالعَلَن. وَاعلَمْ أَيُّهَا المُدَرِّبُ أَنَّكَ لَن تَستَطِيعَ بِنَاءَ القِيَمِ وَلَا صِنَاعَةَ القُدُوَاتِ بِكَثرَةِ الخُطَبِ وَالتَّنظِيرِ إِذَا لَم تَكُنْ أَنتَ فِي نَفسِكَ «قُدوَةً حَيَّةً» تَمشِي أَمَامَهُم! فَإِنَّ عُيُونَ المُتَدَرِّبِينَ تَرصُدُ سُلُوكَكَ قَبلَ أَن تَسمَعَ آذَانُهُم كَلَامَك؛ يَتَعَلَّمُونَ التَّوَاضُعَ مِن خَفضِ جَنَاحِكَ لَهُم، وَيَتَعَلَّمُونَ الانضِبَاطَ مِنِ التِزَامِكَ بِوَقتِكَ وَعَهدِكَ، وَيَتَعَلَّمُونَ الحِلمَ وَضَبطَ النَّفسِ مِن سَعَةِ صَدرِكَ عِندَ الغَضَبِ، وَيَتَعَلَّمُونَ العَدلَ مِن إِنصَافِكَ لِلمُخطِئِ وَالمُصِيب. تَأَمَّلُوا مَدرَسَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي التَّدرِيبِ وَبِنَاءِ القُدُوَات؛ كَيفَ تَعَامَلَ مَعَ المُتَدَرِّبِ المُخطِئ؟ يَروِي الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ مُعَاوِيَةُ بنُ الحَكَمِ السُّلَمِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ أَنَّهُ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ حَدِيثُ عَهدٍ بِمَجيءٍ مِنَ البَادِيَةِ، فَعَطَسَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ وَهُوَ فِي الصَّلَاة: «يَرحَمُكَ اللهُ!»، فَرَمَاهُ النَّاسُ بِأَبصَارِهِم، فَقَالَ: «وَاثُكلَ أُمِّيَاه! مَا شَأنُكُم تَنظُرُونَ إِلَيَّ؟»، فَجَعَلُوا يَضرِبُونَ بِأَيدِيهِم عَلَى أَفخَاذِهِم لِيُسكِتُوهُ فَسَكَت، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، مَاذَا صَنَعَ مَعَ هَذَا المُتَعَلِّمِ الَّذِي أَخطَأَ فِي أَعظَمِ شَعِيرَة؟ يَقُولُ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِكَلِمَاتٍ تَقطُرُ مَحَبَّةً وَإِجْلَالًا: «فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيتُ مُعَلِّمًا قَبلَهُ وَلَا بَعدَهُ أَحسَنَ تَعلِيمًا مِنهُ، فَوَاللهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصلُحُ فِيهَا شَيءٌ مِن كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسبِيحُ وَالتَّكبِيرُ وَقِرَاءَةُ القُرآنِ!». هَكَذَا تُصنَعُ القُدُوَاتُ يَا مَعَاشِرَ المُدَرِّبِين! بِهَذَا السُّمُوِّ النَّبَوِيِّ خَرَّجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَادَةً عِظَامًا وَهُم فِي عُمرِ الزُّهُور: خَرَّجَ مُصعَبَ بنَ عُمَيرٍ أَوَّلَ سَفِيرٍ وَمُدَرِّبٍ دَعَوِيٍّ فِي المَدِينَة، وَخَرَّجَ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ إِمَامَ العُلَمَاءِ وَأَرسَلَهُ إِلَى اليَمَنِ قَاضِيًا وَمُعَلِّمًا، وَخَرَّجَ أُسَامَةَ بنَ زَيدٍ قَائِدًا لِجَيشٍ فِيهِ كِبَارُ المَهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَعُمرُهُ دُونَ العِشرِين؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبنِي فِيهِمُ القِيَمَ وَالعِزَّةَ وَالثِّقَةَ بِاللهِ، وَلَم يَكُنْ يَكسِرُ نُفُوسَهُم وَلَا يَتَسَلَّطُ عَلَى رِقَابِهِم! وَأَمَّا القَضِيَّةُ الثَّالِثَةُ وَالركِيزَةُ الجَامِعَةُ لِذَلِكَ كُلِّهِ، فَهِيَ: «أَن نَتَّقِيَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَن وَلَّانَا اللهُ عَلَيهِم»! أَيُّهَا المُدَرِّبُ الكَرِيم: تَذكَّرْ فِي كُلِّ صَبَاحٍ تَخرُجُ فِيهِ إِلَى مَيدَانِ تَدرِيبِكَ أَنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي استَرعَاكَ هَؤُلَاءِ النَّاس، وَأَنَّهُ سَائِلُكَ عَنهُم يَومَ تَقِفُ بَينَ يَدَيهِ فَرْدًا بِلَا رُتبَةٍ وَلَا لَقَبٍ وَلَا سُلطَان! فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَلَا كُلُّكُم رَاعٍ، وَكُلُّكُم مَسؤُولٌ عَن رَعِيَّتِهِ». وَفِي الصَّحِيحَينِ أَيضًا مِن حَدِيثِ مَعقِلِ بنِ يَسَارٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِن عَبدٍ يَستَرعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَومَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الجَنَّةَ!». وَإِنَّ مِنَ الغِشِّ لِمَن وَلَّاكَ اللهُ تَدرِيبَهُم أَن تَبخَلَ عَلَيهِم بِالنُّصحِ وَالعِلمِ خَوفًا مِن أَن يَتَفَوَّقُوا عَلَيك، وَمِنَ الغِشِّ لَهُم أَن تُحَابِيَ بَعضَهُم لِقَرَابَةٍ أَو مَصلَحَةٍ وَتَظلِمَ آخَرِين، وَمِنَ الغِشِّ لَهُم أَن تُحَمِّلَهُم مَا يُلحِقُ الضَّرَرَ بِأَجسَادِهِم أَو نُفُوسِهِم بِلَا مَصلَحَةٍ مَشرُوعَة، وَمِنَ الغِشِّ لَهُم أَن تَشتُمَ أَعرَاضَهُم أَو تُهينَ كَرَامَتَهُم! ضَعُوا نُصبَ أَعيُنِكُم يَا مَعَاشِرَ المُدَرِّبِينَ تِلكَ الوَاقِعَةَ المَهِيبَةَ الَّتِي رَوَاهَا الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ أَبِي مَسعُودٍ الأَنصَارِيِّ البَدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: «كُنتُ أَضرِبُ غُلَامًا لِي بِالسَّوطِ، فَسَمِعتُ صَوتًا مِن خَلفِي: اعلَمْ أَبَا مَسعُودٍ! فَلَم أَفهَمِ الصَّوتَ مِنَ الغَضَبِ، فَلَمَّا دَنَا مِنِّي إِذَا هُوَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا هُوَ يَقُولُ: اعلَمْ أَبَا مَسعُودٍ، اعلَمْ أَبَا مَسعُودٍ، لَلَّهُ أَقدَرُ عَلَيكَ مِنكَ عَلَى هَذَا الغُلَامِ! قَالَ: فَسَقَطَ السَّوطُ مِن يَدِي مِن هَيبَتِهِ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هُوَ حُرٌّ لِوَجهِ اللهِ! فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: أَمَا لَو لَم تَفعَلْ لَلَفَحَتكَ النَّارُ، أَو لَمَسَّتكَ النَّارُ!». اللهُ أَكبَرُ يَا عِبَادَ الله! كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَسقَطَتِ السَّوطَ مِن يَدِ صَحَابِيٍّ شَهِدَ بَدرًا وَالعَقَبَة: «لَلَّهُ أَقدَرُ عَلَيكَ مِنكَ عَلَى هَذَا الغُلَامِ!». فَيَا كُلَّ مُدَرِّبٍ وَمُعَلِّمٍ وَقَائِدٍ وَمَسؤُول: كُلَّمَا دَعَتكَ قُوَّتُكَ أَو صَلَاحِيَّتُكَ إِلَى ظُلمِ مُتَدَرِّبٍ، أَو التَّجَبُّرِ عَلَى ضَعِيفٍ، أَو كَسرِ خَاطِرِ مُتَعَلِّمٍ، تَذكَّرْ أَنَّ اللهَ الجَبَّارَ القَاهِرَ فَوقَ عِبَادِهِ أَقدَرُ عَلَيكَ مِنكَ عَلَيه! فَلْنَجعَلْ مَيَادِينَ تَدرِيبِنَا مَحَاضِنَ إِيمَانٍ وَرُجُولَةٍ وَكَرَامَةٍ وَإِتقَان؛ نَجمَعُ فِيهَا بَينَ قُوَّةِ الإِعدَادِ وَرَحمَةِ الفُؤَاد، وَبَينَ حَزمِ الانضِبَاطِ وَتَوَاضُعِ العُلَمَاءِ العَامِلِين، وَنَحتَسِبُ كُلَّ كَلِمَةٍ وَمَهَارَةٍ وَتَوجِيهٍ صَدَقَةً جَارِيَةً نَلقَى بِهَا اللهَ يَومَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُون. وَللهِ دَرُّ القَائِلِ حِينَ لَخَّصَ رِسَالَةَ المُرَبِّي وَالمُدَرِّبِ التَّقِيّ: إِذَا مَا وَلِيتَ الأَمرَ فِي القَومِ فَاتَّئِدْ ... وَخَفْ مَوقِفًا لَا يَنفَعُ المَرءَ مَنصِبُ وَلَا تَطغَ بِالسُّلطَانِ فَاللهُ قَادِرٌ ... وَعِندَ إِلهِ العَرشِ تُحصَى المَطَالِبُ وَشَيِّدْ بِنَاءَ الجِيلِ بِالعَدلِ وَالتُّقَى ... فَبِالقُدوَةِ العَليَاءِ تَسمُو المَوَاهِبُ تَوَاضَعْ لِمَن دَرَّبتَ وَارفُقْ بِضعفِهِم ... يَنَلْكَ مِنَ الرَّحمَنِ فَضلٌ وَمَوهِبُ فَاتَّقُوا اللهَ يَا مَعَاشِرَ المُدَرِّبِينَ فِيمَنِ استَرعَاكُمُ اللهُ إِيَّاهُم، وَكُونُوا لَهُم آبَاءً رُحَمَاءَ، وَقُدُوَاتٍ أَتقِيَاءَ، وَبُنَاةً أُمَنَاءَ؛ يَرفَعِ اللهُ ذِكرَكُم، وَيُبَارِكْ فِي أَعمَارِكُم وَجُهُودِكُم، وَيَجعَلْ مَا تُقَدِّمُونَهُ فِي مَوَازِينِ حَسَنَاتِكُم يَومَ القِيَامَة. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ بِأَسمَائِكَ الحُسنَى وَصِفَاتِكَ العُلَى أَن تُطهِّرَ قُلُوبَنَا مِنَ الكِبرِ وَالرِّيَاءِ وَالبَغيِ وَالتَّسَلُّطِ وَالعُجب. اللَّهُمَّ ارزُقنَا الإِخلَاصَ فِي القَولِ وَالعَمَل، وَزَيِّنْ ظَوَاهِرَنَا وَبَوَاطِنَنَا بِالتَّوَاضُعِ وَالرِّفقِ وَالعَدلِ وَالحِكمَة. اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى أَدَاءِ أَمَانَةِ التَّدرِيبِ وَالتَّربِيَةِ وَالتَّعلِيمِ عَلَى الوَجهِ الَّذِي يُرضِيكَ عَنَّا، وَاجعَلنَا مَفَاتِيحَ لِلخَيرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، وَابْنِ عَلَى أَيدِينَا جِيلًا صَالِحًا مُصلِحًا يَحفَظُ القِيَمَ وَيَرفَعُ رَايَةَ الحَقِّ وَالهدَى. اللَّهُمَّ مَن وَلِيَ مِن أَمرِ المُسلِمِينَ شَيئًا فَرَفَقَ بِهِم فَارفُقْ بِهِ، وَاحفَظنَا مِن ظُلمِ العِبَادِ أَو هَضمِ حُقُوقِهِم يَا رَبَّ العَالَمِين. وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى عَبدِهِ وَرَسُولِهِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِين، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِين، وَالسَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.