من مكتبة مِداد الخطيب

فَنُّ تآلُفِ القُلوب.. جُسورُ المَوَدَّةِ في زَمَنِ الجَفوة

مشاركة
📖 فَنُّ تآلُفِ القُلوب.. جُسورُ المَوَدَّةِ في زَمَنِ الجَفوة #درس_علمي #تأليف_القلوب #الأخوة_في_الله #أخلاق #اجتماعيات #رقائق بسم الله الرحمن الرحيم. الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، مَقَلِّبِ القلوبِ والأبصار، ومُؤلِّفِ الأرواحِ بَعدَ التَّنافُرِ والاستِدبار، والصلاةُ والسلامُ الأتمَّانِ الأكمَلانِ على نبيِّنا مُحمَّدٍ، المَبعوثِ رَحمةً للعالمين، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِه إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعد: إخوتي الأفاضل، وعُمَّار بيوتِ الله.. نَجتَمِعُ في لَيلَةِ الجُمُعَةِ المُبارَكة هذه، لِنَتَدارَسَ مَسألةً ليست من نَوافِلِ الأُمور، بل هي من صَميمِ الدِّين، وقَواعِدِ اليَقين، وأُسُسِ بَقاءِ الأُمَّة. مَسألةً نَحتاجُها اليومَ أكثَرَ من أيِّ وَقتٍ مَضى؛ ففي زَمَنٍ تَقارَبَت فيهِ الأجسادُ، وتَشابَكَت فيهِ الاتِّصالاتُ، شَهِدنا أقرَبَ القلوبِ تَتَنافَر، وأمتَنَ العَلاقاتِ تَتَكَسَّر، وصِرنا نَبحَثُ عن الدِّفءِ في صَقيعِ العَلاقاتِ المُعاصِرة. مَوضُوعُ مُحاضَرَتِنا الليلة: "فَنُّ تآلُفِ القُلوب.. أسبابُه، عَوائقُه، وثِمارُه". وقَد طَلَبتُم — بارَكَ اللهُ في حِرصِكم — أن نَقِفَ على مَحاوِرَ سِتَّة، مُدَعَّمَةً بالوحيَينِ: الكِتابِ والسُّنَّة، فنَستَعينُ باللهِ ونَبدأ. أولًا: المُقَدِّمَةُ والتَّعريفُ (ما هو تآلُفُ القُلوب؟) التَّآلُفُ في اللُّغَةِ مَأخوذٌ من الأُلفَة، وهي: الضَّمُّ والجَمعُ والمُقارَبَة، وعَكسُها التَّنافُرُ والاختِلاف. أمَّا في الاصطِلاحِ الشَّرعيِّ: فهو اجتِماعُ قُلوبِ المُؤمِنينَ على المَحَبَّةِ في الله، والنُّصحِ لله، وزَوالُ التَّباغُضِ والتَّحاسُد، حتى تَصيرَ القُلوبُ كقَلبٍ واحِدٍ في الشُّعورِ بالأَلَمِ والأَمَل. وهذه الأُلفَةُ ليست صِناعَةً بَشَريَّةً مَحضَة، ولا تُشتَرى بالدِّرهَمِ والدِّينار، بل هيَ نِعمَةٌ إلَهِيَّةٌ، ومِنحَةٌ رَبَّانيَّةٌ، يَقذِفُها اللهُ في قُلوبِ المُخلِصينَ مِن عِبادِه. واستَمِعوا إلى هذا التَّقريرِ القُرآنيِّ العَجيب، يَقولُ المَولى جَلَّ وعَلا مُمتَنًّا على نَبيِّهِ ﷺ وعلى الصَّحابَة: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: 63]. قال الإمامُ ابنُ كَثيرٍ رَحِمَهُ اللهُ في تَفسيرِها: "أي: جَمَعَ بَينَهم بَعدَ العَداوَةِ والشَّناءَةِ... فَصاروا إخوانًا مُتَحابِّينَ في الله، مُتَواصِلينَ في ذاتِ الله". وقال الإمامُ السَّعديُّ: "لا يُقَدِّرُ على تَأليفِ القُلوبِ إلَّا اللهُ، ولا يُمكِنُ أن تَأتَلِفَ إلَّا على الدِّين". وإنَّ القُلوبَ إذا تَآلَفَت، كانَت أصلَبَ من حُصونِ الحِجارَة، وإذا تَنافَرَت، لم يَجمَعها نَسَبٌ ولا جِوار. ثانيًا: حُكمُ الأُلفَةِ وأهَمِّيَّتُها مِنَ الكِتابِ والسُّنَّة قد يَظُنُّ بَعضُ النَّاسِ أنَّ التَّآلُفَ والمَحَبَّةَ مُجَرَّدُ "أخلاقٍ تَحسينيَّة" (أي: إن وُجِدَت فَبِها ونِعمَت، وإن غابَت فلا بأس). وهذا خَلَلٌ عَظيمٌ في فَهمِ الشَّريعَة. الأُلفَةُ بَينَ المُؤمِنينَ فَريضَةٌ شَرعيَّةٌ واجِبَة، والتَّفَرُّقُ والاختِلافُ مُحَرَّمٌ قَطعًا. أدلَّةُ الوُجوبِ مِنَ القُرآنِ الكَريم: يَقولُ الحَقُّ تَبارَكَ وتَعالى بِلَفظِ الأمرِ الصَّريح: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: 103]. ويَقولُ سُبحانَهُ قاطِعًا لِكُلِّ شَكٍّ في طبيعَةِ العَلاقَة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: 10]. ويُحَذِّرُ من ضِدِّها تَحذيرًا مُخيفًا: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 105]. أدلَّةُ الوُجوبِ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَويَّةِ المُطَهَّرَة: اسمعوا لهذه الأحاديثِ التي تَرسمُ خريطَةَ المُجتَمَعِ المُسلِم: قال رَسولُ اللهِ ﷺ: «المُسلِمُ أخو المُسلِم، لا يَظلِمُه، ولا يُسْلِمُه، ومَن كان في حاجَةِ أخيهِ كان اللهُ في حاجَتِه» (متفق عليه). وقال ﷺ مُصَوِّرًا حَقيقَةَ هذا التَّلاحُم: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمِهِمْ وتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الجَسَدِ؛ إذَا اشْتَكَى منه عُضْوٌ تَدَاعَى له سَائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والحُمَّى» (متفق عليه). وقال ﷺ جازِمًا حاسِمًا: «لَا تَحَاسَدُوا، ولَا تَنَاجَشُوا، ولَا تَبَاغَضُوا، ولَا تَدَابَرُوا، ولَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ علَى بَيْعِ بَعْضٍ، وكُونُوا عِبَادَ اللهِ إخْوَانًا» (رواه مسلم). قال شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّة
رَحِمَهُ الله: "وعلى هذا اعتَمَدَ أهلُ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، فإنَّ الجَماعَةَ هيَ الاجتِماع، وضِدُّها الفُرقَة... وبِالِاعتِصامِ بِحَبلِ اللهِ يَحصُلُ الاجتِماع، وبِتَركِهِ تَحصُلُ الفُرقَة". فالأُلفَةُ إذن ليست كَماليَّات، بَل هي السِّياجُ الذي يَحمي بيضَةَ الإيمانِ في القُلوب. ثالثًا: أسبابُ الأُلفَةِ وجُسورُ التَّواصُل كيفَ نَبني هذه الأُلفَة؟ ما هي العَناصِرُ التي تَربِطُ القُلوبَ وتُقَرِّبُ المَسافات؟ الشَّريعَةُ لم تَأمُرنا بالأُلفَةِ وتَترُكنا، بل وَضَعَت لنا خَطَواتٍ عَمَليَّة، إذا سِرنا عَلَيها صارَت قُلوبُنا وِعاءً لِلمَحَبَّة. إليكُم سَبعَةَ جُسورٍ رَبَّانيَّةٍ ونَبَويَّة: 1. إفشاءُ السَّلام: السَّلامُ لَيسَ مُجَرَّدَ تَحيَّة، بل هوَ "شِيفْرَةُ" أمانٍ تُرسِلُها لِقَلبِ أخيك. يَقولُ النَّبيُّ ﷺ: «لا تَدخُلُونَ الجَنَّةَ حتَّى تُؤْمِنُوا، ولا تُؤْمِنُوا حتَّى تَحابُّوا، أوَلا أدُلُّكُمْ علَى شيءٍ إذا فَعَلْتُمُوهُ تَحابَبْتُمْ؟ أفْشُوا السَّلامَ بيْنَكُمْ» (رواه مسلم). يا لَعَظَمَةِ هذا الدِّين! كَلِمَةٌ صَغيرَةٌ تَقولُها لمَن تَعرِفُ ومَن لا تَعرِف، تَصنَعُ المَحَبَّة، والمَحَبَّةُ تَصنَعُ الإيمان، والإيمانُ يُدخِلُكَ الجَنَّة! 2. الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ والتَّخاطُبُ بِأحسَنِ الألفاظ: يَقولُ اللهُ تَعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: 53]. لاحِظوا الدِّقَّةَ القُرآنيَّة: لم يَقُل "يَقولوا الَّتي هيَ حَسَنَة"، بل ﴿أَحْسَنُ﴾. إن كانَ هُناك كَلِمَةٌ حَسَنَةٌ وكَلِمَةٌ أحسَن، فاختَرِ الأَحسَن، لأنَّ الشَّيطانَ يَصطادُ في الكَلِماتِ المُزدَوَجَةِ لِيُوقِعَ العَداوَة. 3. التَّهادي والجُود: الهَديَّةُ بَريدُ القُلوب، ومِفتاحُ الأبوابِ المُغلَقَة. قال ﷺ: «تَهادَوْا تَحابُّوا» (رواه البخاري في الأدب المفرد). والهديةُ لا تُقاسُ بِثَمَنِها، بل بِقيمَتِها المَعنَويَّة، لِأنَّها رِسالَةٌ صامِتَةٌ تَقول: "أنتَ في بالي". 4. التَّغافُلُ والعَفوُ عنِ الزَّلَّات: لا يُمكِنُ لِعَلاقَةٍ بَشَريَّةٍ أن تَستَمِرَّ دونَ غَضِّ الطَّرف، والتَّغافُلِ عنِ الهَفَوات. الذي يُحاسِبُ على كُلِّ صَغيرَةٍ وكَبيرَةٍ، سَيَعيشُ وَحيدًا. قال تَعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: 22]. وكانَ الإمامُ أحمدُ رَحِمَهُ اللهُ يَقول: "تِسعَةُ أعشارِ حُسنِ الخُلُقِ في التَّغافُل". وفي دَفعِ الإساءَةِ بِالإحسانِ لِجَلبِ الأُلفَة، يَقولُ سُبحانَه: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34]. 5. الدُّعاءُ بِظَهرِ الغَيب: أعظَمُ رِباطٍ خَفيٍّ بَينَ القُلوبِ أن تَدعُوَ لِأخيكَ وهو لا يَعلَم. قال ﷺ: «دَعْوَةُ المَرْءِ المُسْلِمِ لأَخِيهِ بظَهْرِ الغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ كُلَّما دَعَا لأَخِيهِ بخَيْرٍ، قالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بهِ: آمِينَ ولَكَ بمِثْلٍ» (رواه مسلم). 6. السَّعيُ في قَضاءِ الحَوائج: النَّاسُ تُحِبُّ مَن يَنفَعُها ويَقِفُ مَعَها في أزَماتِها. يَقولُ النَّبيُّ ﷺ: «ومَن كانَ في حاجَةِ أخِيهِ كانَ اللَّهُ في حاجَتِهِ، ومَن فَرَّجَ عن مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عنْه كُرْبَةً مِن كُرُبَاتِ يَومِ القِيَامَةِ» (متفق عليه). 7. تَوَاضُعُ النَّفسِ ولِينُ الجانِب: قالَ ﷺ: «وإنَّ اللَّهَ أَوْحَى إلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حتَّى لا يَفْخَرَ أَحَدٌ علَى أَحَدٍ، ولا يَبْغِي أَحَدٌ علَى أَحَدٍ» (رواه مسلم). والقلوب تنفر من المتكبر، وتهفو إلى المتواضع الهين اللين. رابعًا: عَوائقُ الأُلفَةِ وآفاتُ التَّفَرُّق كما أنَّ لِلأُلفَةِ أسبابًا تَبنيها، فإنَّ لها مَعاوِلَ تَهدِمُها. ما الذي يُدَمِّرُ العَلاقاتِ ويُمَزِّقُ المُجتَمَعات؟ 1. المَعاصي والذُّنوب: نَعَم، الذَّنبُ الذي تَرتَكِبُهُ في خَلوَتِكَ، قَد يَكونُ سَبَبًا في نُفورِ أقربِ النَّاسِ إليك! قال النَّبيُّ ﷺ: «والذي نَفسُ مُحَمَّدٍ بيدِهِ، ما تَوادَّ اثنانِ، فَيُفَرَّقُ بينهما؛ إلا بِذَنْبٍ يُحدِثُهُ أَحَدُهُما» (رواه أحمد وصححه الألباني). وكان بَعضُ السَّلَفِ يَقول: "إنِّي لأَعصي اللهَ، فأعرِفُ ذلكَ في خُلُقِ دابَّتي وزَوجَتي". المعصية تورث الوحشة في القلب، فتنعكس وحشةً مع الخلق. 2. النَّميمَةُ وإفسادُ ذاتِ البَين: النَّميمَةُ هيَ السِّحرُ الأَسودُ الذي يُدَمِّرُ الصَّداقاتِ في لَحظَة. أن يَنقُلَ الشَّخصُ كَلامًا لِيُوقِعَ بَينَ اثنَين. قال اللهُ تَعالى مُحَذِّرًا من هذا الصِّنف: ﴿هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: 11]. وقال النَّبيُّ ﷺ كَلِمَةً تَقطَعُ القُلوب: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ نَمَّامٌ» (متفق عليه). 3. الحَسَدُ والبَغضاء: الحَسَدُ أصلُ كُلِّ قَطيعَة، وهو
داءُ الأُمَمِ السَّالِفَة. يَقولُ الحَقُّ سُبحانَه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: 54]. ويَقولُ ﷺ: «دَبَّ إلَيْكُم دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُم: الحَسَدُ والبَغْضَاءُ، هي الحَالِقَةُ، لا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ، ولَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ» (رواه الترمذي وحسنه). الحسد يجعل الأخ يتمنى زوال النعمة عن أخيه، فكيف تأتلف القلوب مع هذا المرض؟ 4. سُوءُ الظَّنِّ وتَفسيرُ المَقاصِد: أن تَحمِلَ تَصَرُّفَ أخيكَ على أسوَأِ المَحامِل، وأن تَدخُلَ في نِيَّتِهِ التي لا يَعلَمُها إلَّا الله. قال تَعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: 12]. وقال ﷺ: «إيَّاكُمْ والظَّنَّ، فإنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَديثِ» (متفق عليه). وقد أَرشَدَنا أميرُ المُؤمِنينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه قائِلًا: "لا تَظُنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَت مِن أخيكَ المُؤمِنِ شَرًّا، وأنتَ تَجِدُ لها في الخَيرِ مَحمَلًا". 5. المِراءُ والجِدالُ العَقيم: كُلَّما كَثُرَ الجِدالُ، قَسَتِ القُلوبُ ونَفَرَت الأَرواح، حَتَّى وإن كُنتَ على صَواب. لِذَلِكَ جَعَلَ النَّبيُّ ﷺ جائِزَةً عُظمى لِمَن يَترُكُ الجِدالَ حِفاظًا على القُلوب، فَقال: «أنا زَعِيمٌ ببَيتٍ في رَبَضِ الجَنَّةِ لِمَن تَرَكَ المِراءَ وإنْ كانَ مُحِقًّا» (رواه أبو داود). 6. التَّنافُسُ المَذمومُ على الدُّنيا: عِندَما يَكونُ المالُ والمَنصِبُ هو المِعيار، تَتَقَطَّعُ الأَرحامُ والأُخُوَّات. حَذَّرَنا النَّبيُّ ﷺ مِن ذلِكَ يَومَ قال: «فَوَاللَّهِ لا الفَقْرَ أخْشَى علَيْكُم، ولَكِنْ أخَشَى علَيْكُم أنْ تُبْسَطَ علَيْكُمُ الدُّنْيَا كما بُسِطَتْ علَى مَن كانَ قَبْلَكُم، فَتَنَافَسُوهَا كما تَنَافَسُوهَا، وتُهْلِكَكُمْ كما أهْلَكَتْهُمْ» (متفق عليه). خامسًا: ثِمارُ الأُلفَةِ وفَضائلُ المُتَحابِّينَ في الله إخوتي طَلَبَةَ العِلم.. إذا تَجاوَزَ المُسلِمونَ هذهِ العَوائق، وبَنَوا جُسورَ الأُلفَة، فَماذا يُحصِّلونَ في الدُّنيا والآخِرَة؟ ثِمارُ التَّآلُفِ والمَحَبَّةِ في اللهِ تَفوقُ الوَصف، ومِنها: 1. الإظلالُ في ظِلِّ عَرشِ الرَّحمنِ يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه: في يَومٍ تَدنُو فيهِ الشَّمسُ مِنَ الرُّؤوس، ويَعرَقُ النَّاسُ في عَرَصاتِ القِيامَة، يُنادي المَلِكُ الدَّيَّان. يَقولُ النَّبيُّ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ يقولُ يَومَ القِيامَةِ: أيْنَ المُتَحابُّونَ بجَلالِي؟ اليومَ أُظِلُّهُمْ في ظِلِّي يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلِّي» (رواه مسلم). وفي حَديثِ السَّبعَةِ الذينَ يُظِلُّهُمُ الله: «وَرَجُلَانِ تَحَابَّا في اللَّهِ اجْتَمَعَا عليه وتَفَرَّقَا عليهِ» (متفق عليه). 2. مَنابِرُ مِن نورٍ ومَحَبَّةُ اللهِ لَهُم: هذهِ المَنزِلَةُ التي يَغبِطُهُم عَلَيها صَفوةُ الخَلق. يَقولُ النَّبيُّ ﷺ قالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «المُتَحابُّونَ في جَلالي لهم مَنابِرُ مِن نُورٍ يَغبِطُهُمُ النَّبيُّونَ والشُّهَداءُ» (رواه الترمذي وقال حسن صحيح). وفي الحَديثِ القُدسيِّ الآخَر: «وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ» (رواه الإمام مالك وأحمد). 3. تذَوُّقُ حَلاوَةِ الإيمان: الإيمانُ لَهُ حَلاوَةٌ وطَعمٌ لا يَعرِفُهُ إلَّا مَن حَقَّقَ شُروطَه. قال ﷺ: «ثَلَاثٌ مَن كُنَّ فيه وجَدَ حَلَاوَةَ الإيمَانِ: ... (وذَكَرَ مِنها) وأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ» (متفق عليه). 4. مَغفِرَةُ الذُّنوبِ وتَكفيرُ السَّيِّئات: هَل تَعلَمونَ أنَّ المُصافَحَةَ بَينَ المُتَحابِّينَ تُسقِطُ الذُّنوب؟ قال رَسولُ اللهِ ﷺ: «ما مِن مُسلِمَيْنِ يَلْتَقِيانِ فَيَتَصَافَحَانِ، إلَّا غُفِرَ لهما قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا» (رواه أبو داود). 5. قُوَّةُ الأُمَّةِ ومَهابَتُها في الدُّنيا: الأُمَّةُ المُتَآلِفَةُ لا يُمكِنُ اختِراقُها، والأُمَّةُ المُمَزَّقَةُ لا تَحتاجُ إلى عَدُوٍّ لِيُسقِطَها! يَقولُ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46]. سادسًا: الخاتِمَةُ والوَصايا العَمَليَّة إخوتي الأَحِبَّة.. تَدَارَسنا مَعًا عِظَمَ هذا الجانِبِ من دِينِنا، وكَيفَ أنَّ الإِسلامَ لم يَبنِ الفَردَ وَحدَه، بَل بَنى المُجتَمَعَ المُتَراصَّ. إنَّ دينًا يَجعَلُ ابتِسامَتَكَ في وَجهِ أخيكَ صَدَقة، وإفشاءَ السَّلامِ سَبيلًا لِلجَنَّة، وعِيادَةَ المَريضِ رَوضَةً من رياضِ الجَنَّة، وسَعيَكَ في حاجَةِ أخيكَ خَيرًا مِنِ اعتِكافٍ في مَسجِدِ النَّبيِّ ﷺ شَهرًا... هو دينٌ يُريدُ مِنَّا أن نَكونَ أُمَّةً واحِدَةً، قَلبُها يَنبِضُ بِالحُبِّ في الله. ولكَي لا نَخرُجَ من مَجلِسِنا هذا
بِمُجَرَّدِ مَعلوماتٍ تَبخَرُها الأيَّام، أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أختِمَ حَديثي: الأولى (قَلبيَّة): نَقِّ قَلبَكَ اللَّيلَةَ من كُلِّ غِلٍّ وحِقدٍ عَلى أيِّ مُسلِم، واجعَل نِيَّتَكَ سَلامَةَ الصَّدر، فَإنَّها مِفتاحُ نَجاةِ صَدْرِك. الثانية (لِسانيَّة): عَوِّد لِسانَكَ من غَدٍ عَلى إفشاءِ السَّلامِ لمَن تَعرِف ومَن لا تَعرِف، والكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ في بَيتِكَ ومَعَ زُمَلائك. الثالثة (عَمَليَّة): بادِر اللَّيلَةَ بالدُّعاءِ بظَهرِ الغَيبِ لِأَخٍ لَكَ في ضيقٍ، لِيَقولَ لَكَ المَلَك: "ولَكَ بِمِثل". الرابعة (اجتِماعيَّة): مَن كانَ بَينَهُ وبَينَ رَحِمِهِ أو صَديقِهِ قَطيعَة، فلْيَرفَع هاتِفَهُ اللَّيلَةَ ولْيَبدَأ بالسَّلام، "وخَيرُهُما الَّذي يَبْدَأُ بالسَّلام". الخامسة (مَوضوعيَّة): تَغافَل عَن زَلَّاتِ إخوانِك، ولا تُفَسِّرِ المَقاصِد، واتْرُكِ السَّرائِرَ لِعَلَّامِ الغُيوب. اللَّهُمَّ ألِّف بَينَ قُلوبِنا، وأصلِح ذاتَ بَينِنا، واهدِنا سُبُلَ السَّلام، ونَجِّنا مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّور. اللَّهُمَّ طَهِّر قُلوبَنا مِنَ الغِلِّ والحِقدِ والحَسَدِ لإخوانِنا المُؤمِنين. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِنَ المُتَحابِّينَ في جَلالِك، المُتَزاوِرينَ فيك، المُتَباذِلينَ فيك، الذينَ تُظِلُّهُم في ظِلِّكَ يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّك. ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. وصلَّى اللهُ وسَلَّمَ على نَبيِّنا مُحمَّدٍ، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. والسلامُ عليكُم ورَحمَةُ اللهِ وبَرَكاتُه. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.