🕌 حين يَهوي اللسانُ في لحظة غَضَب... تَعظيمُ اللهِ المَفقود
#خطبة_جمعة #تعظيم_الله #حفظ_اللسان #الغضب #سب_الذات_الإلهية #عقيدة #رقائق
الحمدُ للهِ العظيمِ في جلاله، الكبيرِ في سُلطانه، الحليمِ الذي يَعصيه العبدُ فيَستُره، ويَتَطاوَلُ عليه السَّفيهُ فيَحلُمُ عليه، ويَرزُقُ مَن سَبَّه كما يَرزُقُ مَن حَمِدَه، ولا تَنقُصُ شَتيمَةُ الشَّاتِمينَ من مُلكِهِ مِثقالَ ذَرَّة. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، تَعالى جَدُّ رَبِّنا وتَقَدَّسَت أسماؤُه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أعظَمُ النَّاسِ إجلالًا لربِّه، وأشَدُّهم خَشيةً لِمَولاه، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تَسليمًا كثيرًا. أمَّا بعد:
تَخَيَّلوا معي رَجلًا أَمضى خَمسينَ عامًا يَبني قَصرًا، حَجَرًا فَوقَ حَجَر، يُنفِقُ فيه مالَهُ وعُمرَهُ وصِحَّتَه، حتَّى إذا اكتَمَلَ البِناءُ وزُيِّنَ، جاءَ في لَحظةِ غَضَبٍ عابرةٍ... وأشعَلَ فيه عُودَ ثِقابٍ واحد، فأحالَ جُهدَ الخَمسينَ عامًا إلى رَمادٍ في دَقائق! سَتَقولون: هذا مَجنونٌ لا عَقلَ له. وأقولُ لكم: بَل في مُجتَمَعاتِنا مَن يَفعَلُ أشنَعَ من هذا؛ يَعبُدُ اللهَ سِنين، ويُصلِّي، ويَصوم، ويتَصَدَّق، حتَّى إذا استَفَزَّهُ مَوقِفٌ في الشَّارع أو في البَيت، غَضِبَ، فانتَفَخَت أوداجُه، وفَقَدَ عَقلَه، ونَطَقَ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ يَسُبُّ فيها خالِقَه أو يَسُبُّ فيها دِينَهُ... فأحالَ عَمَلَ السِّنينَ إلى رَمادٍ مُتَطايِر! كَلِمةٌ واحِدَة... قالَها في كَسرٍ من الثَّانية، تَهوي بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ سَبعينَ خَريفًا. فما هذه الكَلِمَة؟ ولِماذا هانَ اللهُ في قُلوبِ بَعضِ الخَلقِ حتَّى صارَت أسماؤُهُ عُرضَةً لِسَفَهِ ألسِنَتِهم؟ هذا ما سَنَقِفُ مَعَهُ اليوم.
عبادَ الله، إنَّ القَضيَّةَ الَّتي نَطرَحُها اليومَ لَيسَت مَسألَةً فِقهيَّةً فَرعيَّة، بل هي قَضيَّةُ «الرَّأسِ» من هذا الدِّين. قَضيَّةُ مَقامِ اللهِ جَلَّ جَلالُهُ في القُلوب.
يقولُ ربُّنا تبارَكَ وتَعالى واصِفًا مَقامَه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: 67].
تَأمَّلوا! السَّماواتُ السَّبعُ المَبنيَّة، الَّتي لا يَعلَمُ مَداها إلَّا خالِقُها، والأرضُ بِجِبالِها ومُحيطاتِها، كلُّها مَطويَّاتٌ بيَمينِ الجَبَّارِ سُبحانَه. المَلائِكَةُ العِظام، جِبريلُ وميكائيلُ وإسرافيلُ، وحَمَلَةُ العَرش، يَرتَعِدونَ خَوفًا من جَلاله. الجِبالُ الرَّواسي لَو أُنزِلَ عليها كَلامُهُ لَتَصَدَّعَت. السَّماواتُ تَكادُ تَتَمَزَّقُ من الخَشية، اسمعوا لِقَولِهِ تَعالى حِين ادَّعى بَعضُ الخَلقِ أنَّ للهِ وَلَدًا — مُجرَّدُ ادِّعاء — ماذا حَدَثَ لِلكَون؟ ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا﴾ [مريم: 90-91].
الكَونُ كُلُّهُ — السَّماءُ والأرضُ والجِبال — يَكادُ يَتَحَطَّمُ ويَتَمَزَّقُ غَيرَةً على مَقامِ اللهِ وخَوفًا من كَلِمَةٍ قِيلَت في حَقِّه!
ثُمَّ يَأتي عِبادٌ ضُعَفاء، خُلِقوا من نُطفَةٍ مَهينَة، يَأكُلونَ من رِزقِه، ويَتَنَفَّسونَ هَواءَه، وتَنبِضُ قُلوبُهم بِأمرِه، حتَّى إذا اختلفَ أحَدُهُم مَعَ زَوجَتِهِ في البَيت، أو ضايَقَهُ سائقٌ في الطَّريق، أو خَسِرَ صَفقَةً في العَمَل... أَرغى وأَزبَد، وانسَلَخَ من دينِه، وتَطاوَلَ بِلسانِهِ القَذِرِ على الذَّاتِ الإلهيَّة، أو سَبَّ الدِّينَ والشَّعائر!
أيُّ قُلوبٍ تَحمِلُها صُدورُ هؤلاء؟ ﴿مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح: 13-14]. ما لَكُم لا تُعَظِّمونَ اللهَ حَقَّ تَعظيمِه؟
واسمَعوا لِهذا الحَديثِ المُرعِب، الَّذي يَصِفُ حَجمَ الكارِثَةِ الَّتي يَصنَعُها اللِّسان. يَقولُ الصَّادقُ المَصدوقُ ﷺ: «إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ» [رواه البخاري].
كلمَةٌ واحدة... لا يُلقي لها بالًا، يَقولُها في فُورةِ الغَضَب، يَحسَبُها حُروفًا تَتَطايَرُ في الهَواء! ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: 15].
إخوَتي الكِرام، قد يَقولُ قائِل: «يا أخي، نَحنُ نَغضَب. والإنسانُ في لَحظَةِ الغَضَبِ لا يَشعُرُ بِما يَقول، وأنا لَم أَقصِد كُفرًا ولا رِدَّة، إنَّما هي فُورَةُ أعصاب، وقلبي مُؤمِن!».
ولِلرَّدِّ على هذه الدَّعوى الباطِلَة، دَعونا نَطحَنُها بِسُؤالٍ عَقليٍّ واقِعيٍّ حاسِم:
لَو أنَّكَ أيُّها الغاضِب، وقَفتَ أمامَ مُديرِكَ في العَمَل، الَّذي يَملِكُ رَميَكَ في الشَّارع وقَطعَ رِزقِك، واستَفَزَّكَ وأغضَبَكَ إغضابًا شَديدًا... هل كُنتَ سَتَسُبُّهُ وتَشتِمُهُ في وَجهِه؟ سَتَكظِمُ غَيظَك، وتَبتَلِعُ رِيقَك، وتُمسِكُ لِسانَك، وتَخرُجُ من المَكتَبِ وأنتَ تَرتَجِف، ولَن تَنطِقَ بِكلِمَةٍ واحِدَةٍ تُغضِبُه. لِماذا؟ لأنَّكَ تُعَظِّمُهُ في قَلبِك، وتَخافُ سُلطَتَه وعِقابَه!
فكيفَ أصبَحَ اللهُ — مَلِكُ المُلوكِ وجَبَّارُ السَّماواتِ والأرض — أهوَنَ في قَلبِكَ من مُديرِك؟ كيف استَطَعتَ أن تَضبِطَ فُورَةَ غَضَبِكَ أمامَ مَخلوقٍ ضَعيف، ولَم تَستَطِع أن تَضبِطَها أمامَ الخالِقِ العَظيم؟
السِّرُّ هُنا — يا عِبادَ الله — لَيسَ في الغَضَب. الغَضَبُ عاطِفَةٌ بَشَريَّةٌ مَوجودَةٌ في الكُلّ. السِّرُّ في "مُحتَوى القَلب".
يَقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّم رَحِمَهُ الله، بِكَلِمَةٍ تُكتَبُ بِماءِ الذَّهَب: «القُلوبُ قُدورٌ، تَغلي بِما فيها، والألسِنَةُ مَغارِفُها».
ما مَعنى هذا؟ القَلبُ كالوِعاءِ المَملوء. إذا اهتَزَّ هذا الوِعاء (بِسَبَبِ الغَضَبِ أو الصَّدمَة)، فإنَّهُ يَسكُبُ ما بِداخِلِه. فإذا كانَ القَلبُ مَملوءًا بِتَعظيمِ اللهِ وإجلالِه، واهتَزَّ بِالغَضَب، ماذا يَسكُب؟ يَسكُبُ استِغفارًا، وتَعَوُّذًا بِاللهِ من الشَّيطان، وحَوقَلَةً. أمَّا إذا كانَ القَلبُ فارِغًا من تَعظيمِ الله، مَملوءًا بِغَفلةِ الدُّنيا، واهتَزَّ بِالغَضَب، فإنَّهُ يَسكُبُ قَذارَةً، وسَبًّا للدِّين، وتَطاوُلًا على الخالِق!
إذًا، السَّبُّ في لَحظَةِ الغَضَبِ لَيسَ زَلَّةَ لِسان... بل هو "فَضيحَةُ قَلب". القَلبُ اختُبِرَ، فَفَضَحَهُ اللِّسان! ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: 24].
واسمَعوا إلى صَرامَةِ الحُكمِ الشَّرعيِّ في هَذهِ المَسألَة، حتَّى لا يَبقى لِعابِثٍ عُذر.
يَقولُ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رَحِمَهُ الله: «إنَّ سَبَّ اللهِ أو سَبَّ رَسولِهِ كُفرٌ ظاهِرًا وباطِنًا، سَواءٌ كانَ السَّابُّ يَعْتَقِدُ أنَّ ذلك مُحَرَّمٌ، أو كانَ مُستَحِلًّا لَه، أو كانَ غاضِبًا، أو مازِحًا».
نَعَم، مَن سَبَّ اللهَ تَعالى، أو سَبَّ الدِّينَ، أو استَهزَأ بِالرَّسولِ ﷺ أو بِالقرآن، فقد ارْتَدَّ عَن دِينِ الإسلام، وَخَرَجَ من المِلَّةِ بِإجماعِ عُلَماءِ المُسلِمين. وما أثَرُ هَذهِ الرِّدَّة؟ ﴿وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: 108].
إنَّ العَبدَ إذا قالَ هَذهِ الكَلِمَةَ — والعياذُ بِالله — حَبِطَ عَمَلُه! صَلاتُهُ، حَجُّهُ، صَدَقاتُهُ الَّتي مَضَت، كُلُّها تَتبَخَّر، ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: 65]. وتَحرُمُ عليهِ زَوجَتُهُ المُسلِمَة، ولا يُغَسَّلُ إن ماتَ على هذهِ الحالِ ولا يُصلَّى عليهِ ولا يُدفَنُ في مَقابِر المُسلِمين!
هَل رَأيتُم حَجمَ الدَّمارِ الَّذي تُحدِثُهُ كَلِمَةٌ واحِدَةٌ في لَحظَةِ غَضَب؟!
تَأمَّلوا مَعي هَذا المَوقِفَ النَّبَويَّ المَهيب، لِنَعرِفَ كَيفَ كانَ النَّبيُّ ﷺ يَغارُ عَلى جَنابِ الله.
جاءَ أعرابيٌّ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ يَشكو الجَدبَ والقَحط، وقالَ كَلِمَةً — يَظُنُّها حَسَنَةً في عُرفِ العَرَب — قال: «يا رَسولَ اللهِ، هَلَكَتِ الأموالُ وجاعَ العِيالُ، فاستَسقِ لَنا رَبَّك، فَإنَّا نَستَشفِعُ بِاللهِ عَلَيكَ، ونَستَشفِعُ بِكَ عَلى الله».
تَوقَّفوا هُنا! الأعرابيُّ جَعَلَ اللهَ شَفيعًا وواسطةً عِندَ الرَّسول، وهذا قَلبٌ لِلأُصولِ وانتقاصٌ لِمَقامِ الأُلوهيَّة. فماذا فَعَلَ النَّبيُّ ﷺ؟ هَل عذَرَهُ لِجَهلِهِ ولِمُصيبَتِهِ وسَكَت؟
يَقولُ الرَّاوي: فَغَضِبَ رَسولُ اللهِ ﷺ وقال: «سُبحانَ الله! سُبحانَ الله!» فَما زالَ يُسَبِّحُ حتَّى عُرِفَ ذلِكَ في وُجوهِ أصحابِه! (أي تَغَيَّرَت وُجوهُهم من شِدَّةِ خَوفِهِم لِغَضَبِ النَّبيّ). ثُمَّ قال: «وَيحَك! أتَدري مَا اللَّهُ؟! إِنَّ شَأْنَ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّهُ لَا يُسْتَشْفَعُ بِاللَّهِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ» [رواه أبو داود وصحَّحه الألباني].
النَّبيُّ ﷺ غَضِبَ واحمَرَّ وَجهُهُ لِمُجرَّدِ عِبارَةٍ فيها إخلالٌ بِمَقامِ اللهِ عزَّ وجَلّ، رَغمَ أنَّ قائِلَها لَم يَقصِد السَّبَّ أصلًا! فكَيفَ بِحالِهِ ﷺ لَو سَمِعَ ما يَدورُ في أسواقِ المُسلِمينَ اليوم، وفي بَعضِ شَوارعهم وبيوتهم، من شَتائِمَ تَمَسُّ الذَّاتَ الإلهيَّةَ وتَنالُ من الدِّين؟! كيفَ بِحالِ أُمَّةٍ يُسَبُّ إلهُها في طُرُقاتِها ثُمَّ تَمُرُّ الجُموعُ كأنَّ شَيئًا لَم يَكُن؟!
يا عِبادَ الله، لَقَد كانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَرتَعِدونَ من فَلَتاتِ ألسِنَتِهم.
هَذا أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ — رَضيَ اللهُ عنه — أفضَلُ الأُمَّةِ بَعدَ نَبيِّها، المُبَشَّرُ بِالجنَّة، يَدخُلُ عَليهِ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ فيَجِدُهُ يُمسِكُ بِلِسانِهِ ويَجذِبُهُ جَذبًا شَديدًا ويَبكي! فيَقولُ له عُمَر: "مَه! يَغفِرُ اللهُ لَك!" فَيَقولُ أبو بَكر: "إنَّ هَذا أورَدَني المَوارِد!". أبو بَكرٍ يَخافُ من لِسانِه! فَماذا نَقولُ نَحن؟
ولمَّا سألَ مُعاذُ بنُ جَبَلٍ رَسولَ اللهِ ﷺ عَن أبوابِ الخَير، أخبَرَهُ بها، ثُمَّ قالَ له: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟» قُلتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ وَقَالَ: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا». فَقُلتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ! وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ -أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ- إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟!» [رواه الترمذي وقال حسن صحيح].
أيُّها الإخوة، إنَّ الشَّيطانَ يَنتَظِرُ لَحظَةَ الغَضَبِ لِيَستَلمَ مِقوَدَ العَقل. الغَضَبُ جَمرَةٌ يُلقيها الشَّيطانُ في قَلبِ ابنِ آدَم. فَإذا غَضِبتَ، فَاعلَم أنَّكَ في حالةِ استِنفارٍ رُُوحيّ، وأنَّ الشَّيطانَ يُريدُ أن يَخرُجَ بِكَ من دِيرَةِ الإيمانِ إلى هاوِيَةِ الكُفر. فلا تُعطِهِ المِقوَد. ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: 200].
إنَّ اللهَ تَعالى أمَرَنا بِحِفظِ اللِّسانِ في أصعَبِ اللَّحَظات، وجَعَلَ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ قُربانًا يَرتَفِعُ إليه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10]. فكَيفَ يَصعَدُ إليهِ الكَلِمُ الخَبيث؟ كيفَ تَرفَعُ المَلائِكَةُ صَحيفتَكَ إلى السَّماءِ مَكتوبًا فيها أنَّكَ شَتَمتَ الله؟ بأيِّ وَجهٍ تَقِفُ بَينَ يَدَيهِ غَدًا؟
نَسألُ اللهَ أن يُطَهِّرَ ألسِنَتَنا، وأن يَملَأَ قُلوبَنا مَهابَةً لَهُ وإجلالًا. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمْدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيه كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، صَلَّى اللهُ عَليهِ وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بعد:
عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عَن خُطورَةِ الكَلِمَةِ في لَحظَةِ الغَضَب، ووَقَفنا مَعَ قَضيَّةِ تَطاوُلِ بَعضِ النَّاسِ على الذَّاتِ الإلهيَّةِ أو سَبِّ الدِّين، وبَيَّنَّا أنَّ هذا العَمَلَ رِدَّةٌ وخُروجٌ عن مِلَّةِ الإسلام مَهما كانَ الغَضَبُ شديدًا، وأنَّ السِّرَّ يَكمُنُ في خُلوِّ القَلبِ من تَعظيمِ الجَبَّارِ سُبحانَه. والآن، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ الأهمِّ: كَيفَ نُعالِجُ هذه الطَّامَّة؟ وكيفَ نَحمي ألسِنَتَنا وقُلوبَنا؟
أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ من مِنبَري:
الأولى (قَلبيَّة): مَن وَقَعَ مِنهُ سَبٌّ للهِ أو لِلدِّين في لَحظَةِ غَضَب، فَليُجَدِّد إسلامَهُ فَورًا. نَعَم! فَلْيَنطِق بِالشَّهادَتَينِ من جَديد، ولْيَغتَسِل، ولْيَتُب توبَةً نَصوحًا باكيَةً مُرتَجِفَة، ولْيَعزِم ألَّا يَعودَ لِتِلكَ الهَواوِيَةِ أبدًا. اللهُ غَفورٌ رَحيم، يَقبَلُ التَّوبَةَ ما لَم يُغَرغِر العَبد.
الثانية (لِسانيَّة): رَوِّض لِسانَكَ على "الاستِعاذَة" بَدَلَ السِّباب. كانَ النَّبيُّ ﷺ إذا رَأى رَجُلًا غاضِبًا قَدِ احمَرَّ وَجهُهُ وانتَفَخَت أوداجُه، قال: «إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا ذَهَبَ عَنْهُ مَا يِجِدُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» [متفق عليه]. دَرِّب نَفسَكَ: كُلَّما اشتَدَّ غَضَبُك، استَعِذ بِالله.
الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): طَبِّق وَصيَّةَ النَّبيِّ ﷺ العَمَليَّةَ لِكَسرِ الغَضَب. إذا غَضِبتَ فَاسكُت. قال ﷺ: «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْكُتْ» [رواه أحمد]. ثُمَّ غَيِّر هَيئَتَك: إن كُنتَ قائِمًا فاجلِس، وإن كُنتَ جالِسًا فاضطَجِع. وتَوَضَّأ، فَإنَّ الغَضَبَ من النَّار، والنَّارُ لا يُطفِئُها إلَّا الماء.
الرابعة (اجتماعيَّة): لا تَجلِس في مَجلِسٍ يُستَهزَأُ فيهِ بِاللهِ أو بِالدِّينِ أو يُسَبَّان. إن سَمِعتَ أحَدًا يَسُبُّ الدِّين، فأنكِر عَليهِ بِحَزم، فَإن لَم يَنتَهِ، فَقُم وغادِرِ المَكان، ولا تُكثِّر سَوادَ المُستَهزِئين، قال تَعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾ [النساء: 140].
الخامسة (موضوعيَّة): املَأ قَلبَكَ بِتَعظيمِ الله. تَفَكَّر في الكَون، في السَّماوات، في المَوت، في القِيامَة. اقرَأ القُرآنَ بتَدَبُّر. القَلبُ المَملوءُ بِمَهابَةِ اللهِ لا يُمكِنُ أن يَسمَحَ لِلِّسانِ بِأن يَزِلَّ في حَقِّ الخالِقِ مَهما عَصَفَت بِهِ رِياحُ الغَضَب.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ مَحسوبَة، ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَليه، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك عَلى نَبيِّنا مُحَمَّد، وعلى آلهِ وصَحبِهِ أجمَعين.
اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن يُعَظِّمُ حُرُماتِك، ويُجِلُّ قَدرَك، ويَهابُ مَقامَك.
اللَّهُمَّ طَهِّر ألسِنَتَنا من الخَطايا، وقُلوبَنا من الغَفلة، وأعمالَنا من الرِّياء.
اللَّهُمَّ إنَّا نَعوذُ بِكَ أن نُشرِكَ بِكَ شيئًا نَعلَمُه، ونَستَغفِرُكَ لِما لا نَعلَمُه.
اللَّهُمَّ مَن زَلَّ لِسانُهُ منَّا في سَاعَةِ جَهلٍ وغَضَب، فَيا رَبَّنا رُدَّهُ إلَيكَ رَدًّا جَميلًا، وافتَح لَهُ بابَ التَّوبَة، ونَقِّ قَلبَهُ من قَذارَةِ المَعصيَة.
اللَّهُمَّ ارزُقنا الحِلمَ عِندَ الغَضَب، والصَّبرَ عِندَ البَلاء، واليَقينَ في القَضاء.
اللَّهُمَّ أصلِح أحوالَ المُسلِمين، واحقِن دِماءَهم، وانصُر مُستَضعَفيهم في كُلِّ مَكانٍ يا أرحَمَ الرَّاحمين.
عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.