🕌 حسن الظن عند نقص المعلومات: لا تكمل القصة بوهمك
#خطبة_جمعة #حسن_الظن #سوء_الظن #سلامة_الصدر #أخلاق #تزكية_النفس
الحمدُ للهِ الذي أمَرَنا بِطهارةِ القُلوب، ونَهانا عن اتِّباعِ الهَوى وسُوءِ الظُّنون، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ سَلامةَ الصَّدرِ طريقًا إلى الجَنَّةِ ومَنجاةً من الكُروب، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أطْهَرُ النَّاسِ قَلبًا، وأَصدَقُهم حَديثًا، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ:
عبادَ الله، تَخَيَّلوا معي مَوقفًا يَمُرُّ بأحَدِنا كلَّ يوم: تَمُرُّ بصَديقٍ لكَ في الطَّريقِ فلا يُسَلِّمُ عليك، أو تُرسِلُ رسالةً لشخصٍ فيَقرَؤها ولا يَرُدّ، أو تَرى تصرُّفًا غريبًا من قَريبٍ لا تَفهَمُ سَبَبَه. في هذه اللَّحظة، أنتَ تَملِكُ "نِصفَ القِصَّة" فقط. لَدَيكَ حَدَثٌ تراه بعَينك، ولَديك مَعلوماتٌ ناقصةٌ عن السَّبب. فماذا يَفعَلُ العَقل؟ العقلُ البَشَريُّ يَكرَهُ النَّقص، فيَقومُ فورًا بتأليفِ النِّصفِ الآخَرِ من القِصَّة... ولكن، لماذا نُؤَلِّفُ دائمًا أسوَأَ سِيناريو مُمكِن؟ لماذا نَملأُ الفَراغَ بالوَهم، ثم نُحاكِمُ النَّاسَ على قِصَّةٍ نَحنُ مَن كَتَبَها في أذهانِنا؟ جَوابُ هذا السُّؤالِ هو الفَرقُ بينَ قَلبٍ يَعيشُ في سَكينةِ الإيمان، وقَلبٍ يَحتَرِقُ بِنارِ الشُّكوك. فَتَعالَوا نَعرِفُ كَيفَ نوقِفُ هذا النَّزيف.
أَيُّها الإخوةُ المؤمنون، إنَّنا نَعيشُ اليومَ في عَصرِ السُّرعة؛ سُرعَةٍ في التَّواصُل، وسُرعَةٍ في الحُكمِ على النَّاس. نَرى مَشهَدًا مجتزأ، أو نَسمَعُ كَلِمةً مَبتورة، فنَنصِبُ مَحاكِمَ التَّفتيشِ في صُدورِنا، ونُصدِرُ الأحكامَ القاطِعَة. نَتَّهِمُ النِّيَّات، ونَشُكُّ في المَقاصِد، ونَبني جِبالًا من العَداوات، كلُّ ذلك على أساسٍ من رِمالٍ مُتَحَرِّكَةٍ اسمُها "الظَّنّ".
واسمَعوا لِهذا النِّداءِ الرَّبَّانيِّ العَظيم، الذي يُؤَسِّسُ لِمَنهَجِ التَّفكيرِ السَّليم. يَقولُ ربُّنا تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [سورة الحجرات: 12].
تَأمَّلوا! اللهُ عَزَّ وجَلَّ لم يَقُل "اجتَنِبوا الظَّنَّ" فحَسب، بل قال: ﴿كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ﴾، لأنَّ أكثَرَ ما يَدورُ في خَلَدِكَ تِجاهَ إخوانِكَ عِندَ غِيابِ المَعلومات، هو من إيحاءِ الشَّيطان، وهو إثمٌ صَريحٌ يَأكُلُ حَسَناتِك.
ولِهذا وقَفَ النَّبيُّ ﷺ مُحَذِّرًا أُمَّتَهُ من هذا المَرَضِ العُضال، فقال في الحديثِ المتَّفقِ عليه: «إيَّاكُم والظَّنَّ، فإنَّ الظَّنَّ أكذَبُ الحَديثِ».
دَعوني أسأَلُكُم هنا: لِماذا سَمَّاهُ النَّبيُّ ﷺ "أكذَبَ الحَديث" مع أنَّهُ لَيس حَديثًا يَنطِقُ به اللِّسان، بَل هُوَ حَديثُ نَفسٍ في القَلب؟
لأنَّ الكَذِبَ العاديَّ تَعرِفُ أنَّكَ تَكذِبُ فيه، أمَّا الظَّنُّ السَّيِّئ، فإنَّ الشَّيطانَ يُزَيِّنُهُ لكَ حتَّى تُصَدِّقَهُ أنت، وتَتَعامَلَ مَعَهُ كأنَّهُ حَقيقَةٌ مُطلَقَة! تَبني عليه قَراراتِك، وتَقطَعُ به أرحامَك، وتُعادي به أصحابَك، وهُوَ في أصلِهِ كِذبَةٌ صَنَعَها وَهمُك.
عبادَ الله، عِندَما تَنقُصُ المَعلومات، يَتَدَخَّلُ الشَّيطان. يَقولُ النَّبيُّ ﷺ: «إنَّ الشَّيطانَ يَجري منِ ابنِ آدَمَ مَجرى الدَّمِ» [متفق عليه]. وحينَ تَرى أخاكَ يَفعَلُ فِعلًا يَحتَمِلُ وَجهَين، يَأتيكَ الشَّيطانُ ليُخفيَ عَنكَ الوَجهَ الحَسَن، ويُضَخِّمَ لَكَ الوَجهَ القَبيح.
ولَكِن، كَيفَ تَعامَلَ النَّبيُّ ﷺ مَع نَقصِ المَعلوماتِ والمَواقِفِ الغامِضَة؟
تَعالَوا نَعودُ بالزَّمانِ إلى السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلهِجرَة. جيشُ المُسلِمينَ يَتَجَهَّزُ لِفَتحِ مَكَّةَ في سِرِّيَّةٍ تامَّة. وفي هذه اللَّحظَةِ الحَرِجَة، يَكتَشِفُ النَّبيُّ ﷺ أنَّ هُناكَ خِيانَةً عُظمى! صَحابِيٌّ بَدريٌّ اسمُهُ حاطِبُ بنُ أبي بَلتَعَة، أرسَلَ رِسالَةً سِرِّيَّةً إلى قُرَيش، يُخبِرُهُم فيها بِتَحَرُّكِ جيشِ النَّبيِّ ﷺ.
المَعلوماتُ المُتَوَفِّرَة: رِسالَةٌ فيها خِيانَةٌ عُظمى، تَكشِفُ سِرًّا عَسكَريًّا خَطيرًا، ضُبِطَت مَع امرَأَةٍ في الطَّريق.
عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه — بِغَيرَتِهِ وحُبِّهِ للهِ ورَسولِه — حَكَمَ على المَعلوماتِ الظَّاهِرَةِ فقال: "يا رَسولَ الله، دَعني أضرِب عُنُقَ هذا المُنافِق!".
لقد اكتَمَلَت القِصَّةُ في ذِهنِ عُمَر: فِعلُ خِيانَة = مُنافِق يَستَحِقُّ القَتل.
ولَكِنَّ النَّبيَّ ﷺ، المُعَلِّمَ الأوَّل، كان يَعرِفُ أنَّ القِصَّةَ ناقِصَة. هُناكَ مَعلومةٌ مَفقودةٌ وهي: "النِّيَّة". لماذا فَعَلَ حاطِبٌ ذلك؟
لم يُكمِل النَّبيُّ ﷺ القِصَّةَ بِوَهمِهِ، ولم يُصادِر حَقَّ الرَّجُلِ في التَّوضيح، بَل ناداهُ وسَألَهُ سُؤالًا مُباشِرًا: «ما هذا يا حاطِب؟».
فأجابَ حاطِبٌ يَكشِفُ الفَراغَ المَفقود: "لا تَعجَل عَلَيَّ يا رَسولَ الله، واللهِ إنِّي لَمُؤمِنٌ باللهِ ورَسولِه، وما ارتَدَدتُ ولا بَدَّلتُ، ولَكِن كُنتُ امرَأً مُلصَقًا في قُرَيشٍ، وكانَ لِمَن مَعَكَ مِنَ المُهاجِرينَ قَراباتٌ يَحمونَ أهاليهِم بمَكَّة، فأحبَبتُ إذ فاتَني ذلِكَ النَّسَبُ فيهِم، أن أَتَّخِذَ عِندَهُم يَدًا يَحمونَ بِها قَرابَتي".
الرَّجُلُ خافَ على عائلَتِهِ الضَّعيفةِ في مَكَّة، فَظَنَّ مُخطِئًا أنَّ هذه الرِّسالَةَ سَتَحمي أطفالَهُ، وهو مُوقِنٌ أنَّ اللهَ ناصِرٌ رَسولَه. حَدَثَ خَلَلٌ في التَّفكيرِ الاستِراتيجي، لا خَلَلٌ في العَقيدة.
تَأمَّلوا جَوابَ النَّبيِّ ﷺ لَمَّا اكتَمَلَت القِصَّة: قال لأصحابِه: «إنَّهُ قد صَدَقَكُم». ثُمَّ التَفَتَ إلى عُمَرَ الذي كان لا يَزالُ غاضِبًا وقال: «وما يُدريكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ علَى أهْلِ بَدرٍ، فقالَ: اعمَلوا ما شِئتُم، فقَد غَفَرتُ لَكُم!» [متفق عليه].
يا سُبحانَ الله! كَلِمةٌ واحِدةٌ، وسُؤالٌ واحِد: "ما هذا يا حاطِب؟" أنقَذَ عُنُقَ صَحابِيٍّ بَدريٍّ منَ القَتل، وأسقَطَ عَنهُ تُهمَةَ النِّفاق.
كَم مِن "حاطِبٍ" في حَياتِنا ذَبَحناهُ بِسُوءِ ظُنونِنا، ولَم نُكَلِّف أنفُسَنا أن نَسألَه: "لماذا فَعَلتَ ذلك؟". كَم مِن عَلاقَةٍ قُطِعَت، وكَم مِن بَيتٍ هُدِم، لأنَّ أحَدَ الطَّرَفَينِ رَأى نِصفَ المَشهَد، وتَبَرَّعَ عقلُهُ المَوهومُ بِتأليفِ النِّصفِ الآخَر؟
أَيُّها المُسلِمون، إنَّ استِعجالَ النَّتائِجِ قَبلَ استِكمالِ المَعلوماتِ قَد يُؤَدِّي إلى كَوارِثَ لا يُمكِنُ إِصلاحُها.
دَعونا نَنتَقِل إلى مَشهَدٍ آخَرَ من مَشاهِدِ السِّيرَةِ المُطَهَّرَة. المَكانُ: ساحَةُ مَعرَكَةٍ حامِيَةِ الوَطيس. الصَّحابِيُّ الشَّابُّ أُسامَةُ بنُ زَيد — حِبُّ رَسولِ اللهِ ﷺ — يُلاحِقُ رَجُلًا مِنَ المُشرِكينَ أثخَنَ في المُسلِمينَ قَتلًا. ولَمَّا تَمَكَّنَ مِنهُ أُسامة، وعَلا السَّيفُ فَوقَ رَأسِه، صَرَخَ الرَّجُلُ: "لا إلهَ إلَّا الله!".
لَحظَةٌ حاسِمَة، ومَعلوماتٌ مُتَضارِبَة. رَجُلٌ كانَ يَقتُلُ المُسلِمينَ قَبلَ ثَوانٍ، والآنَ يَنطِقُ بِكلِمَةِ التَّوحيدِ وتَحتَهُ سَيفٌ مُصلَت. العَقلُ البَشَرِيُّ يُحَلِّلُ المَوقِفَ بِسُرعَة: هُوَ لم يَقُلها إيمانًا، بَل قالَها خَوفًا منَ السَّيف.
فاكتَمَلَت القِصَّةُ في ذِهنِ أُسامة بِهذا الوَهم، فَهَوى بِسَيفِهِ وقَتَلَ الرَّجُل.
ولَمَّا بَلَغَ الخَبَرُ النَّبيَّ ﷺ، غَضِبَ غَضَبًا شَديدًا. غَضَبٌ لم يَشهَد أُسامَةُ مِثلَهُ قَطّ. ناداهُ النَّبيُّ ﷺ وقال: «أقَتَلتَهُ بَعدَما قالَ لا إِلهَ إِلَّا الله؟».
حاوَلَ أُسامَةُ أن يُبَرِّرَ حُكمَهُ المَبنيَّ على الاستِنتاجِ قائِلًا: "يا رَسولَ اللهِ، إِنَّما قالَها تَعَوُّذًا مِنَ السَّيفِ!" (أي أنِّي قَرَأتُ نِيَّتَه).
هُنا أَلقى النَّبيُّ ﷺ جُملَتَهُ القاطِعَةَ التي تَهدِمُ كُلَّ بُنيانِ الظَّنِّ إلى يَومِ القِيامَة: «أَفَلا شَقَقتَ عَن قَلبِهِ حتَّى تَعلَمَ أقالَها أم لا؟!» [متفق عليه].
أفَلا شَقَقتَ عَن قَلبِه؟!
مَن مِنَّا يا عِبادَ الله يَملِكُ جِهازًا يَشُقُّ بِهِ القُلوبَ لِيَقرَأَ النِّيَّات؟
إذا كانَ النَّبيُّ ﷺ لم يَقبَل هذا التَّبريرَ في ساحَةِ مَعرَكَة، والظَّواهِرُ كُلُّها تُؤَيِّدُ ظَنَّ أُسامَة، فَكَيفَ نَقبَلُهُ نَحنُ في مَكاتِبِنا، وبُيوتِنا، ومَجالِسِنا؟
تَجِدُ الرَّجُلَ يُقسِمُ لكَ بِاللهِ أنَّ فُلانًا كانَ يَقصِدُ كَذا وكَذا بِكلِمَتِه! ويَحلِفُ أنَّ زَميلَهُ في العَمَلِ تَعَمَّدَ إِهانتَه! وتُقسِمُ المَرأَةُ أنَّ أُختَ زَوجِها تَعَمَّدَت تَجاهُلَها في المَجلِس!
سُبحانَ الله! أفَلا شَقَقتُم عن قُلوبِهِم؟! مِن أينَ جِئتُم بِهذا اليَقينِ في تَفسيرِ المَقاصِد؟
يَقولُ الحَقُّ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [سورة النجم: 28].
لا تَقِف ما لَيسَ لكَ بِهِ عِلم. النِّيَّاتُ والمَقاصِدُ سِرٌّ بَينَ العَبدِ ورَبِّه، والتَّدَخُّلُ فيها تَجاوُزٌ لِحُدودِ العُبوديَّة.
أَيُّها الإِخوَةُ، لِنَنزِل بِهذا المَعنى إلى واقِعِنا اليَوميّ، إِلى حَيثُ نَعيشُ ونَتَفاعَل.
أَكثَرُ مَكانٍ تَنتَشِرُ فيه آفةُ "نَقصِ المَعلومات" اليَوم، هي وسائِلُ التَّواصُلِ الاجتِماعيّ. رِسالَةٌ في "الواتساب"، تَتَكَوَّنُ من ثَلاثِ كَلِمات. تَقرَؤُها أنتَ، فَتَتَخَيَّلُ نَبرَةَ صَوتِ المُرسِل، وتَتَخَيَّلُ مَلامِحَ وَجهِه، وتَستَنتِجُ أنَّهُ كانَ يَكتُبُها باحتِقارٍ أو غَضَب. فَترُدُّ علَيهِ بِقَسوة، وتَبدَأُ مَعرَكةٌ كُبرى.
لَو سَأَلتَ نَفسَك لَحظَة: هَل سَمِعتُ صَوتَه؟ لا. هَل رَأيتُ وَجهَه؟ لا. هَل أعرِفُ ظُروفَهُ وهُوَ يَكتُب؟ قَد يَكونُ مَريضًا، قَد يَكونُ في مُشكِلَة، قَد يَكونُ مُتَعَجِّلًا! المَعلوماتُ مَفقودة، فَلِماذا أكْمَلتَ القِصَّةَ بِوَهمِكَ الأسوَد؟
ويَأتيكَ شَخصٌ في المَجلِسِ لِيَنقُلَ لكَ نِصفَ قِصَّةٍ عن أخيِك. يَقولُ لَك: "فُلانٌ قالَ عَنكَ كَذا". المَعلوماتُ مَفقودَة: ما هُوَ السِّياقُ الذي قيلَت فيه الكَلِمَة؟ لِماذا قيلَت؟ هَل هي مَزحَةٌ أم جِدّ؟ هَل هي مَدحٌ أُخِذَ مَأخَذَ الذَّمّ؟
قالَ الإِمامُ ابنُ سيرين رَحِمَهُ الله — بِحِكمَتِهِ وعُمقِ فَهمِه —: "إذا بَلَغَكَ عَن أخيكَ شَيءٌ، فالتَمِس لَهُ عُذرًا، فإن لَم تَجِد، فَقُل: لَعَلَّ لَهُ عُذرًا لا أعرِفُه!".
تَأمَّلوا جَلالَ هذا الفِقه! حتَّى لو عَجَزَ عَقلُكَ عن إيجادِ العُذر، لا تَستَسلِم لِسوءِ الظَّن، بَل أرجِعِ الأَمرَ إلى جَهلِكَ أنت، وقُل: لَعَلَّ لَهُ عُذرًا أنا لا أُدرِكُه. هَكَذا كانَ السَّلَفُ يَحمونَ قُلوبَهُم منَ الاحتِراق.
إِخوَتي الأَحِبَّة، إنَّ عِلاجَ هذا المَرَضِ العُضال يَبنِني على رُكنَين: سَلامَةِ الصَّدر، والتَّثَبُّت.
يَقولُ اللهُ تَعالى في مُحكَمِ تَنزيلِه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [سورة الحجرات: 6].
التَّبَيُّنُ هُوَ طَلَبُ البَيانِ واكتِمالِ المَعلومات. عِندَما تَنقُصُ الصُّورَة، لا تَتَّخِذ قَرارًا بِمُعاقَبَةِ النَّاس، ولا تَسمَح لِقَلبِكَ أَن يَحقِد.
كَم مِن شَخصٍ هَجَرناهُ سَنَوات، وبِتنا اللَّيالِيَ نَأكُلُ أنفُسَنا غَضَبًا مِن فِعلِه، ثُمَّ دارَتِ الأيَّامُ فَاكتَشَفنا أنَّهُ كانَ مَظلومًا بَرِيئًا، وأنَّهُ كانَ يَمُرُّ بِظُروفٍ قاهِرَةٍ مَنَعَتهُ من أداءِ حَقِّنا! كَم بَكَينا نَدَمًا حينَ رَأينا الصُّورَةَ كامِلَة؟
﴿فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾... والنَّدَمُ هُنا قَد لا يُصلِحُ الزُّجاجَ الذي تَكَسَّر، ولا يَردُّ السِّنينَ التي ضاعَت في القَطيعَة.
لقَد لَخَّصَ لنا أميرُ المُؤمِنينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه هذه المَدرَسَةَ الأَخلاقيَّةَ العَظيمَةَ في قَولِه: "لا تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَت مِن أَخيكَ المُؤمِنِ إِلَّا خَيرًا، وأَنتَ تَجِدُ لَها في الخَيرِ مَحمَلًا".
هذا هُوَ الجُهدُ الإيمانيّ المَطلوبُ مِنكَ: أن تَبحَثَ وتُنَقِّبَ في العِبارَة، في التَّصَرُّف، في المَوقِف، حتَّى تَجِدَ "مَحمَلًا مِنَ الخَير". إذا احتَمَلَ التَّصَرُّفُ تِسعَةً وتِسعينَ وَجهًا منَ الشَّرِّ، ووَجهًا واحِدًا منَ الخَير، فاحمِلهُ عَلى وَجهِ الخَير.
فيا مَن تُرهِقُ نَفسَكَ بالتَّحليلات، وتُدَقِّقُ في النَّظَرات، وتُحاسِبُ على الفَلَتات، رِفقًا بِقَلبِك! إنَّكَ تَحمِلُ جَبَلًا من الهُمومِ لم يَفرِضهُ اللهُ علَيك. سَلامَةُ الصَّدرِ راحَةٌ في الدُّنيا قَبلَ الآخِرَة، قالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله: "والقَلبُ السَّليمُ هُوَ الذي سَلِمَ مِنَ الشِّركِ والغِلِّ والحِقدِ والحَسَد، وسَلِمَ مِن أن يَكونَ لِغَيرِ اللهِ فيهِ شَرِكَة".
فَطَهِّروا قُلوبَكُم عِبادَ الله، ولا تَدَعوا الشَّيطانَ يَنسِجُ في خَيالِكُم قَصَصًا تَأكُلُ دينَكُم ودُنياكُم. ولا تَنصِبوا المَحاكِمَ لِلنَّاسِ في أذهانِكُم، فَإنَّ اللهَ هو الدَّيَّانُ وَحدَه، ويَومَ القِيامَةِ تُبلَى السَّرائِر، وَتَظهَرُ الخَفايا، وسَيَقِفُ كُلُّ إِنسانٍ أمامَ اللهِ لِيُسألَ عن ظُنونِهِ قَبلَ أفعالِه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [سورة الإسراء: 36]. الفُؤادُ سَيُسأل! ما الَّذي ظَنَنتَه؟ وما الذي خَبَّأتَه لإِخوانِك؟
بارَكَ اللهُ لي ولَكُم في القُرآنِ العَظيم، ونَفَعَني وإيَّاكُم بِما فيهِ مِنَ الآياتِ والذِّكرِ الحَكيم.
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً كثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يَعلَمُ خائِنَةَ الأعيُنِ وما تُخفي الصُّدور، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله، المَبعوثُ رَحمَةً لِلعالَمين، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه ومَن تَبِعَهُم بِإحسانٍ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعد:
عبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأولى مَعَ آفَةٍ مُدَمِّرَةٍ تَفتِكُ بعلاقاتِنا ومُجتَمَعاتِنا، وهي آفةُ نَقصِ المَعلوماتِ التي نَملَؤُها بِوَهمِنا وسُوءِ ظُنونِنا، ورَأَينا كَيفَ حَذَّرَنا القُرآنُ من ذَلِك، وكَيفَ أوقَفَ النَّبيُّ ﷺ التَّكَهُّناتِ بِسُؤالِهِ المُباشِر: "ما هذا يا حاطِب؟".
والآن، أَيُّها الإِخوَة، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ العَمَليِّ الأَهَم: كَيفَ نوقِفُ مَصنَعَ الأَوهامِ في عُقولِنا؟ كَيفَ نُتَرجِمُ حُسنَ الظَّنِّ إِلى واقِعٍ نَعيشُه؟
أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أَنزِلَ مِن مِنبَري، تَحفَظونَ بِها قُلوبَكُم وبُيوتَكُم:
الأولى (قَلبيَّة): طَهِّر قَلبَكَ مِن شَهوَةِ الحُكمِ على النَّاس. إِذا سَمِعتَ خَبَرًا أو رَأَيتَ مَوقِفًا ناقِصًا، قُل في قَلبِكَ فورًا: "لا أَعلَم... واللهُ يَعلَم". توَقُّفُكَ عَنِ استِكمالِ الصُّورَةِ لَيسَ ضَعفًا، بَل هُوَ عِبادَةٌ قَلبيَّةٌ صامِتَةٌ تُرضي الله. ذَكِّر نَفسَكَ دائِمًا بِقَولِه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ — فَالعِلمُ بِالنِّيَّاتِ للهِ وَحدَه، فَدَع لِلَّهِ ما لِلَّه.
الثانية (لِسانيَّة): استَبدِل الاِتِّهامَ بِالاِستِفسار. بَدَلًا مِن أَن تَقولَ لِأَخيكَ أَو زَوجَتِكَ أو وَلَدِك: "أنتَ تَعَمَّدتَ إِهانَتي" أَو "أَنتَ تَتَجاهَلُني"، قُل لَهُ بِلِسانٍ حَكيم: "قَد حَدَثَ كَذا وكَذا، فَماذا كُنتَ تَقصِد؟". هَذا السُّؤالُ البَسيطُ يَفتَحُ بابَ الأَعذار، ويَقطَعُ طَريقَ الشَّيطان، وقَد سَمَّى النَّبيُّ ﷺ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ صَدَقة، ومِن أَعظَمِ الصَّدَقاتِ أَن تَتَصَدَّقَ على أَخيكَ بِفُرصَةٍ لِيَشرَحَ مَوقِفَه.
الثالثة (عَمَليَّة): طَبِّق قاعِدَةَ السَّبعينَ عُذرًا العَظيمَة. إِذا رَأيتَ مِن زَميلِكَ في العَمَلِ أو جِيِرانِكَ تَقصِيرًا، أَجبِر عقلَكَ اليَومَ عَلى استِحداثِ الأَعذار. قُل: لَعَلَّهُ مَريض، لَعَلَّهُ مَهموم، لَعَلَّ حادِثًا أَلَمَّ بِه. وإِن عَجَزتَ، فافعَل كما قالَ السَّلَف: "لَعَلَّ لَهُ عُذرًا أنا لا أعلَمُه". جَرِّبها اليَومَ مَعَ أَوَّلِ مَوقِفٍ مُستَفِز، وسَتَرى كَيفَ تَتَنَزَّلُ السَّكينَةُ عَلى صَدرِك.
الرابعة (اجتماعيَّة): كُن حائِطَ صَدٍّ لِلشَّائِعات، ولا تَكُن مِعبَرًا لَها. إِذا جاءَكَ شَخصٌ بِنِصفِ قِصَّةٍ عَن طَرَفٍ ثالِث، أَوقِفهُ عِندَ حَدِّه. قُل لَه: "هَل تَثَبَّتَّ؟ هَل شَقَقتَ عَن قَلبِه؟". اللهُ حَذَّرَنا مِن استِقبالِ الكَلامِ بِلا تَفكيرٍ فَقال: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾، ولَم يَقُل "بِعُقولِكُم"، لِأَنَّ مَن يَنقُلُ الظَّنَّ لا يَستَخدِمُ عَقلَهُ بَل لِسانَهُ فَقَط. احمِ أَعراضَ المُسلِمينَ يَحمِ اللهُ عِرضَك.
الخامسة (موضوعيَّة تَتَعَلَّقُ بِواقِعِنا): احذَروا مِن رَسائِلِ الأَجهِزَةِ والشَّاشات. النَّصُّ المَكتوبُ لا صَوتَ لَهُ ولا مَلامِح. فَإِيَّاكُم أَن تَقرَؤوا رَسائِلَ إِخوانِكُم بِصَوتِ الشَّيطان، أو تُفَسِّروا تَأَخُّرَهُم في الرَّدِّ بِأَنَّهُ إِهمالٌ وتَكَبُّر. أَعطوا لِلحُروفِ المَكتوبَةِ أَحسَنَ المَعاني، ولا تَبنوا مَواقِفَ حَياتِيَّةً قاطِعَةً عَلى نَصٍّ صامِت.
فاتقوا الله عباد الله، واعلَموا أنَّ العَيشَ بِقَلبٍ سَليمٍ مُتَغافِل، يَحمِلُ حَماقاتِ النَّاسِ على مَحامِلِ الرَّحمَة والاعتذار، لَهُوَ من نَعيمِ الدُّنيا المُعَجَّل، قَبلَ نَعيمِ الآخِرَة.
ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، إمامِ المُتَقين والمَبعوث رحمة للعالمين. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين.
اللهمَّ طَهِّر قُلوبَنا من النِّفاق، وأعمالَنا من الرِّياء، وألسِنَتَنا من الكَذِب، وأعيُنَنا من الخِيانَة، فإنَّكَ تَعلَمُ خائِنَةَ الأعيُنِ وما تُخفي الصُّدور.
اللهمَّ رُدَّنا إليكَ رَدًّا جَميلًا، واجعَلنا ممَّن إذا أحسَنوا استَبشَروا، وإذا أساؤوا استَغفَروا.
اللهمَّ اجعَلنا من عِبادِكَ الذين يَلتَمِسونَ لإخوانِهِمُ الأعذار، ونَقِّ صُدورَنا منَ الغِلِّ والحِقدِ والحَسَدِ وسُوءِ الظَّنِّ بالمُؤمِنين.
اللهمَّ ارزُقنا قُلوبًا سَليمَة، نَلقاكَ بِها يَومَ لا يَنفَعُ مالٌ ولا بَنون إلا مَن أتاكَ بِقَلبٍ سَليم.
اللهمَّ آتِ نُفوسَنا تَقواها، وزَكِّها أنتَ خَيرُ مَن زَكَّاها، أنتَ وَلِيُّها ومَولاها.
اللهمَّ انصُرِ المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ منَ المُسلِمينَ في كلِّ مَكان، اللهمَّ كُن لهم ناصِرًا ومُعينًا وحافِظًا وأمينًا، واربُط على قُلوبِهِم يا أرحَمَ الرَّاحِمين.
عبادَ الله، إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
وأقم الصلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
مختارات للخطيبحسن الظن عند نقص المعلومات: لا تكمل القصة بوهمك
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.