🕌 عِزَّةُ الْمُؤْمِنِ.. تَارِيخٌ مَجِيدٌ وَوَاقِعٌ يَصْنَعُهُ الصَّامِدُونَ
#خطبة_جمعة #عزة_المسلمين #غزة #الثبات_على_الحق #نصرة_المستضعفين #إيمانيات
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعَزَّ مَنْ أَطَاعَهُ وَاتَّقَاهُ، وَأَذَلَّ مَنْ أَضَاعَ أَمْرَهُ وَعَصَاهُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْعِزَّةَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ الْمَتِينُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ الْمُتَّقِينَ وَقَائِدُ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ:
عِبَادَ اللَّهِ، نَبْحَثُ جَمِيعًا عَنِ الْقُوَّةِ وَالْمَهَابَةِ، وَنَظُنُّ أَنَّ الْعِزَّةَ تُشْتَرَى بِالْمَالِ أَوِ السِّلَاحِ أَوِ الْمَنَاصِبِ. لَكِنَّ هُنَاكَ سِرًّا عَظِيمًا فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَعْنًى جَعَلَ رِجَالًا بُسَطَاءَ يُزَلْزِلُونَ إِمْبِرَاطُورِيَّاتٍ، وَجَعَلَ شُعُوبًا تُبَادُ تَحْتَ الرُّكَامِ تَقِفُ شَامِخَةً لَا تَنْكَسِرُ! فَمَا هُوَ مَصْدَرُ هَذِهِ الْعِزَّةِ؟ وَكَيْفَ نَمْتَلِكُهَا نَحْنُ فِي حَيَاتِنَا الْيَوْمِيَّةِ؟ الْجَوَابُ بَعْدَ قَلِيلٍ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، هَلْ سَأَلْتُمْ أَنْفُسَكُمْ يَوْمًا: مَا هِيَ الْعِزَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ؟ هَلْ هِيَ أَنْ تَمْتَلِكَ سَيَّارَةً فَارِهَةً، أَوْ قَصْرًا مُنِيفًا، أَوْ مَنْصِبًا تَخْضَعُ لَهُ الرِّقَابُ؟ لَا وَاللَّهِ! كَمْ مِنْ غَنِيٍّ فِي الدُّنْيَا هُوَ فِي عَيْنِ اللَّهِ ذَلِيلٌ، وَكَمْ مِنْ مُسْتَضْعَفٍ لَا يَمْلِكُ قُوتَ يَوْمِهِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ! الْعِزَّةُ هِيَ امْتِلَاءُ الْقَلْبِ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ، حَتَّى يَصْغُرَ فِي عَيْنِكَ كُلُّ مَا سِوَاهُ.
يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فِي آيَةٍ لَوْ تَدَبَّرْنَاهَا لَتَغَيَّرَتْ حَيَاتُنَا: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [سُورَةُ فَاطِرٍ: 10]. تَأَمَّلُوا هَذِهِ الْآيَةَ جَيِّدًا! لَمْ يَقُلْ: فَلِلَّهِ بَعْضُ الْعِزَّةِ، أَوْ نِصْفُهَا.. بَلْ قَالَ: جَمِيعًا. فَإِذَا كَانَتِ الْعِزَّةُ كُلُّهَا بِيَدِ اللَّهِ، فَكَيْفَ نَطْلُبُهَا مِنْ غَيْرِهِ؟ كَيْفَ نَتَذَلَّلُ لِمَخْلُوقٍ ضَعِيفٍ لِنَنَالَ مَنْصِبًا، وَالْعِزَّةُ عِنْدَ اللَّهِ؟ كَيْفَ نَتَنَازَلُ عَنْ دِينِنَا لِنُرْضِيَ النَّاسَ، وَيُحَذِّرُنَا الْخَالِقُ فَيَقُولُ: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: 139].
وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الْمَعْنَى وَصْفًا بَلِيغًا حِينَ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). لَيْسَتْ قُوَّةَ الْعَضَلَاتِ فَحَسْبُ، بَلْ قُوَّةُ الْيَقِينِ، وَقُوَّةُ الْمَبْدَإِ، وَقُوَّةُ الرَّفْضِ لِلْبَاطِلِ. فَالْمُسْلِمُ لَا يَنْحَنِي إِلَّا فِي سُجُودِهِ لِخَالِقِهِ، وَبِهَذَا الرُّكُوعِ يَرْتَفِعُ هَامَةً فَوْقَ سَائِرِ الْأُمَمِ.
وَلِأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى كَانَ مَحْفُورًا فِي قُلُوبِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، صَنَعُوا أَعْظَمَ التَّارِيخِ. دَعُونَا نَعُودُ لِلْوَرَاءِ، إِلَى صَفَحَاتٍ تَتَلَأْلَأُ بِالْفَخْرِ.
تَخَيَّلُوا مَعِي رُسْتُمَ، قَائِدَ جُيُوشِ الْفُرْسِ، يَجْلِسُ عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ، مُحَاطًا بِالْحَرِيرِ وَالْفِيَلَةِ وَتِيجَانِ الْمُلُوكِ. وَيَدْخُلُ عَلَيْهِ رَجُلٌ مُسْلِمٌ بَسِيطٌ، ثِيَابُهُ مُرَقَّعَةٌ، وَفَرَسُهُ صَغِيرَةٌ، هُوَ رِبْعِيُّ بْنُ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. لَمْ يَنْبَهِرْ رِبْعِيٌّ بِالذَّهَبِ، وَلَمْ يَرْتَجِفْ أَمَامَ الْجَيْشِ الْمُهَابِ. وَمَاذَا قَالَ حِينَ سَأَلَهُ رُسْتُمُ: مَنْ أَنْتُمْ؟
قَالَ كَلِمَاتٍ خُلِّدَتْ فِي التَّارِيخِ بِمِدَادٍ مِنْ نُورٍ: "اللَّهُ ابْتَعَثَنَا لِنُخْرِجَ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَمِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا إِلَى سَعَتِهَا، وَمِنْ جَوْرِ الْأَدْيَانِ إِلَى عَدْلِ الْإِسْلَامِ". مِنْ أَيْنَ جَاءَ بِهَذِهِ الثِّقَةِ؟ جَاءَ بِهَا مِنْ قَلْبٍ عَرَفَ اللَّهَ فَاسْتَعْلَى بِالْإِيمَانِ عَلَى كُلِّ مَظَاهِرِ الْمَادَّةِ.
وَهَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، الْفَارُوقُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يَوْمَ ذَهَبَ لِيَسْتَلِمَ مَفَاتِيحَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. خَاضَ فِي مَاءٍ وَطِينٍ، فَخَلَعَ خُفَّيْهِ وَحَمَلَهُمَا، وَأَمْسَكَ بِمِقْوَدِ دَابَّتِهِ. فَقَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ: "لَقَدْ صَنَعْتَ صَنِيعًا عَظِيمًا عِنْدَ أَهْلِ الْبَلَدِ!"، فَضَرَبَ عُمَرُ فِي صَدْرِهِ وَأَطْلَقَ صَيْحَتَهُ الْمُدَوِّيَةَ الَّتِي تَرُجُّ الْأَجْيَالَ: "إِنَّا كُنَّا أَذَلَّ قَوْمٍ فَأَعَزَّنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ، فَمَهْمَا نَطْلُبِ الْعِزَّةَ فِي غَيْرِ مَا أَعَزَّنَا اللَّهُ بِهِ، أَذَلَّنَا اللَّهُ".
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ يُلَخِّصُ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ: "إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا ذَلَّ لِلَّهِ وَانْكَسَرَ بَيْنَ يَدَيْهِ، أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ الْعِزَّةِ وَالْمَهَابَةِ، فَيَهَابُهُ كُلُّ شَيْءٍ". فَالْعِزَّةُ تَارِيخِيًّا لَمْ تَكُنْ يَوْمًا بِكَثْرَةِ عَدَدٍ وَلَا عُدَّةٍ، بَلْ بِمِقْدَارِ الِانْكِسَارِ بَيْنَ يَدَيِ الْجَبَّارِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَهُنَا، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: هَذَا تَارِيخٌ مَضَى وَانْقَضَى.. فَهَلْ فِي زَمَانِنَا هَذَا عِزَّةٌ أَمْ نَحْنُ فِي زَمَانِ الْغُثَائِيَّةِ وَالتَّرَاجُعِ؟ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ، كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا...» (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ).
وَالْجَوَابُ الْعَمَلِيُّ أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ: انْظُرُوا إِلَى غَزَّةَ! انْظُرُوا إِلَى تِلْكَ الْبُقْعَةِ الصَّغِيرَةِ الْمُحَاصَرَةِ، الَّتِي تُعَلِّمُ الْأَرْضَ كُلَّهَا مَعْنَى الْعِزَّةِ وَالْكَرَامَةِ. هَلِ الْعِزَّةُ عِنْدَهُمْ أَنَّ بُيُوتَهُمْ سَالِمَةٌ؟ لَا وَاللَّهِ، فَقَدْ دُمِّرَتْ. هَلِ الْعِزَّةُ أَنَّ أَطْفَالَهُمْ يَلْعَبُونَ آمِنِينَ؟ لَا، فَقَدِ اسْتُشْهِدُوا حَتَّى شَبِعَ الْمَوْتُ فِيهِمْ. إِذَنْ، أَيْنَ هِيَ هَذِهِ الْعِزَّةُ الَّتِي نَتَحَدَّثُ عَنْهَا؟
الْعِزَّةُ هُنَاكَ فِي قَلْبِ أُمٍّ فَقَدَتْ أَبْنَاءَهَا الْخَمْسَةَ، فَتَقِفُ كَطَوْدٍ شَامِخٍ تَرْفَعُ يَدَيْهَا إِلَى السَّمَاءِ دُونَ بَكْوَةِ ذُلٍّ، وَتَقُولُ بِصَوْتٍ يَشُقُّ عَنَانَ السَّمَاءِ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ، هُمْ فِدَاءٌ لِلَّهِ وَلِدِينِهِ، حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ". تِلْكَ هِيَ الْعِزَّةُ!
الْعِزَّةُ هُنَاكَ فِي رَجُلٍ يَخْرُجُ مِنْ تَحْتِ أَنْقَاضِ بَيْتِهِ الْمُدَمَّرِ، يُنْفِضُ الْغُبَارَ عَنْ وَجْهِهِ الْمُلَطَّخِ بِالدِّمَاءِ، وَيَسْجُدُ لِلَّهِ شُكْرًا عَلَى الرُّكَامِ! أَيُّ قُوَّةٍ هَذِهِ؟ وَأَيُّ إِيمَانٍ يُزَلْزِلُ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا؟
وَاللَّهِ، لَقَدْ فَضَحُوا حَضَارَةَ الْغَرْبِ الْمُزَيَّفَةَ بِأَخْلَاقِهِمْ وَصُمُودِهِمْ، وَكَشَفُوا زَيْفَ الْمَعَايِيرِ الَّتِي تَشَدَّقَ بِهَا الْعَالَمُ الظَّالِمُ! صَدَقَ فِيهِمْ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى حِينَ ذَكَرَ حَالَ الصَّادِقِينَ: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [سُورَةُ الْأَحْزَابِ: 22].
وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ فِي آيَةٍ أُخْرَى تَصِفُ وَاقِعَهُمْ بِدِقَّةٍ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 173]. كُلَّمَا جَمَعُوا لَهُمُ النِّيرَانَ وَالْحَدِيدَ، رَدُّوا عَلَيْهِمْ بِإِيمَانٍ وَتَسْلِيمٍ.
عَجَبًا لِهَؤُلَاءِ الْأَبْطَالِ الصَّابِرِينَ! جَاعُوا فَصَبَرُوا، وَخَافُوا فَلَجَؤُوا إِلَى رَبِّهِمْ، وَقُتِلُوا فَمَاتُوا شُهَدَاءَ رَافِعِينَ السَّبَّابَةَ. إِنَّهُمْ يُطَبِّقُونَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَالَ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
وَقَدْ وَصَفَهُمُ الْمُصْطَفَى ﷺ فِي بُشْرَى خَاصَّةٍ فَقَالَ: «لَا تَبْرَحُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). هُمْ أَعْلَوْنَ بِإِيمَانِهِمْ وَإِنْ هُدِمَتْ جُدْرَانُهُمْ، وَغَيْرُهُمْ مُسْتَذَلُّونَ بِتَبَعِيَّتِهِمْ وَإِنْ سَكَنُوا الْقُصُورَ الْمُشَيَّدَةَ. ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 249].
وَالْآنَ، يَا عِبَادَ اللَّهِ، بَعْدَ أَنْ رَأَيْنَا مَعَارِكَ الْعِزَّةِ عِنْدَ إِخْوَانِنَا، لِنَسْأَلْ أَنْفُسَنَا بِصِدْقٍ: مَا مَوْقِعُنَا نَحْنُ فِي بِيئَتِنَا الْآمِنَةِ مِنْ هَذِهِ الْعِزَّةِ؟
الْعِزَّةُ لَيْسَتْ مَقْصُورَةً عَلَى مَيَادِينِ الْقِتَالِ. عِزَّتُكَ تَبْدَأُ مِنْ يَوْمِكَ. إِذَا سَمِعْتَ النِّدَاءَ "اللَّهُ أَكْبَرُ" فَتَرَكْتَ تِجَارَتَكَ، وَأَغْلَقْتَ هَاتِفَكَ، وَقُمْتَ لِلصَّلَاةِ صَافًّا قَدَمَيْكَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، فَأَنْتَ رَجُلٌ عَزِيزٌ؛ لِأَنَّكَ قَدَّمْتَ أَمْرَ اللَّهِ عَلَى كُلِّ مَخْلُوقٍ.
إِذَا دَعَتْكَ نَفْسُكَ لِحَرَامٍ فِي خَلْوَةٍ، أَوْ رِشْوَةٍ فِي عَمَلٍ، فَقُلْتَ مُسْتَعْلِيًا بِإِيمَانِكَ: "مَعَاذَ اللَّهِ، إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ"، فَأَنْتَ عَزِيزٌ.
إِذَا تَمَسَّكَتِ الْأُخْتُ الْمُسْلِمَةُ بِحِجَابِهَا وَعَفَافِهَا فِي زَمَنِ التَّبَرُّجِ، غَيْرَ مُبَالِيَةٍ بِسُخْرِيَةِ الْمُنْهَزِمِينَ، فَهِيَ عَزِيزَةٌ، مَصُونَةٌ، كَرِيمَةٌ عِنْدَ رَبِّهَا.
فَيَا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، لَا تَرْكَنُوا لِلذُّلِّ، وَلَا تَبِيعُوا مَبَادِئَ دِينِكُمْ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا قَلِيلٍ. قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ جَلَّ جَلَالُهُ كَلِمَةً فَصْلًا: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سُورَةُ الْمُنَافِقِينَ: 8]. فَمَنْ أَرَادَ الْجَنَّةَ فَلْيَعْتَزَّ بِدِينِهِ سِرًّا وَجَهْرًا.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🔷 الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ كَفَى، وَصَلَاةً وَسَلَامًا عَلَى عَبْدِهِ الَّذِي اصْطَفَى، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اقْتَفَى. أَمَّا بَعْدُ:
عِبَادَ اللَّهِ، عَرَفْنَا فِي خُطْبَتِنَا الْأُولَى أَنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا يَمْنَحُهَا مَنْ يَعْبُدُهُ، وَرَأَيْنَا كَيْفَ تَرْتَفِعُ رَايَتُهَا فِي تَارِيخِنَا بِالصِّدْقِ مَعَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يُسَطِّرُهَا إِخْوَانُنَا الصَّامِدُونَ فِي غَزَّةَ الْيَوْمَ بِدِمَائِهِمْ وَثَبَاتِهِمْ الْمُبِينِ. فَالْمَسْأَلَةُ لَيْسَتْ كَلِمَاتٍ نُرَدِّدُهَا ثُمَّ نَذْهَبُ لِحَالِ سَبِيلِنَا، بَلْ هِيَ يَقِينٌ نَعِيشُهُ لَحْظَةً بِلَحْظَةٍ. وَالْآنَ، كَيْفَ نُتَرْجِمُ مَا سَمِعْنَاهُ إِلَى وَاقِعٍ حَيٍّ فِي يَوْمِيَّاتِنَا؟
أُوصِيكُمْ بِخَمْسِ وَصَايَا عَمَلِيَّةٍ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلُوا مِنْ مَقَامِكُمْ هَذَا:
الْأُولَى (قَلْبِيَّةٌ): اِمْلَأْ قَلْبَكَ بِالْيَقِينِ أَنَّ اللَّهَ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ، وَلَا تَيْأَسْ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ مَهْمَا طَالَ أَمَدُ الْبَلَاءِ عَلَى أُمَّتِنَا، فَإِنَّ الْمِحْنَةَ تَلِدُ الْمِنْحَةَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ.
الثَّانِيَةُ (لِسَانِيَّةٌ): لَا تَكُفَّ لِسَانَكَ عَنِ الدُّعَاءِ لِإِخْوَانِكَ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي غَزَّةَ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ. ادْعُ لَهُمْ فِي سُجُودِكَ وَفِي ظُلْمَةِ لَيْلِكَ اللَّيْلَةَ كَمَا تَدْعُو لِنَفْسِكَ وَوَلَدِكَ، فَإِنَّ دُعَاءَ الْغَيْبِ سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ الْمُسْتَجَابُ.
الثَّالِثَةُ (عَمَلِيَّةٌ): قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ».. فَقَاطِعْ بِنِيَّةٍ صَادِقَةٍ كُلَّ مَا يَدْعَمُ أَعْدَاءَ الْأُمَّةِ، وَاسْعَ فِي التَّبَرُّعِ لِلْمَنْكُوبِينَ بِمَا تَسْتَطِيعُ مِنْ مَالٍ مِنْ يَوْمِكَ هَذَا، فَهَذَا مِنْ أَبْسَطِ حُقُوقِ الْأُخُوَّةِ الَّتِي تُعِزُّ الدِّينَ.
الرَّابِعَةُ (اجْتِمَاعِيَّةٌ): رَبِّ أَبْنَاءَكَ عَلَى حُبِّ الْإِسْلَامِ وَتَوَارُثِ هُمُومِ الْأُمَّةِ. عَلِّمْهُمُ اللَّيْلَةَ قِصَّةً مِنْ بُطُولَاتِ الصَّحَابَةِ أَوِ الْأَنْبِيَاءِ، لِيَنْشَأَ فِي بَيْتِكَ جِيلٌ عَزِيزٌ لَا يَرْكَعُ أَبَدًا لِغَيْرِ اللَّهِ.
الْخَامِسَةُ (مَوْضُوعِيَّةٌ): اعْتَزَّ بِدِينِكَ وَبِسُنَّةِ نَبِيِّكَ ﷺ غَدًا فِي مَكَانِ عَمَلِكَ وَبَيْنَ زُمَلَائِكَ. لَا تَسْتَحِ مِنْ إِظْهَارِ شَعَائِرِكَ وَصَلَاتِكَ فِي وَقْتِهَا، فَمَنْ يَعْتَزُّ بِدِينِهِ يَرْفَعْهُ اللَّهُ وَيُجِلَّهُ النَّاسُ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْعِزَّةَ ثَمَرَةُ التَّقْوَى.
ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سُورَةُ الْأَحْزَابِ: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.
🤲 الدعاء
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْعَزِيزِ الْجَبَّارِ، أَنْ تَجْعَلَنَا مِمَّنْ يَعْتَزُّونَ بِدِينِكَ، وَيَسْتَمْسِكُونَ بِسُنَّةِ نَبِيِّكَ ﷺ فِي زَمَنِ الْغُرْبَةِ وَالْفِتَنِ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَارْفَعْ بِمَنِّكَ رَايَةَ الْحَقِّ وَالدِّينِ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ.
اللَّهُمَّ كُنْ لِإِخْوَانِنَا الْمُسْتَضْعَفِينَ الْمُرَابِطِينَ فِي غَزَّةَ وَفِي فِلَسْطِينَ عَامَّةً.. اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ حُفَاةٌ فَاحْمِلْهُمْ، وَجِيَاعٌ فَأَطْعِمْهُمْ، وَعُرَاةٌ فَاكْسُهُمْ، وَمَظْلُومُونَ فَمُنَّ عَلَيْهِمْ بِنَصْرِكَ.
اللَّهُمَّ ارْبِطْ عَلَى قُلُوبِهِمْ بِرِبَاطِ السَّكِينَةِ، وَثَبِّتْ أَقْدَامَهُمْ، وَسَدِّدْ رَمْيَهُمْ، وَأَفْرِغْ عَلَيْهِمْ صَبْرًا يَلِيقُ بِمَقَامِهِمْ.
اللَّهُمَّ اجْبُرْ كَسْرَهُمْ، وَارْحَمْ شُهَدَاءَهُمْ، وَدَاوِ جَرْحَاهُمْ، وَاكْفِهِمْ شَرَّ أَعْدَائِهِمْ بِمَا شِئْتَ وَكَيْفَ شِئْتَ يَا قَوِيُّ يَا مَتِينُ.
اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَتَوَفَّنَا وَأَنْتَ رَاضٍ عَنَّا غَيْرَ غَضْبَانَ.
عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.
✍️ إِلَى هُنَا تَنْتَهِي الْخُطْبَةُ، وَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الْخَطِيبُ الْكَرِيمُ — فَهَذِهِ مَادَّةٌ صَاغَهَا نَمُوذَجٌ يُعِينُكَ لَا يُغْنِيكَ، وَالْخَطَأُ وَارِدٌ فِي كُلِّ نِتَاجٍ آلِيٍّ. فَاقْرَأْهَا قَبْلَ أَنْ تَصْعَدَ، وَحَقِّقْ آيَاتِهَا وَأَحَادِيثَهَا مِنْ مَصَادِرِهَا، وَأَلْبِسْهَا ثَوْبَ تَجْرِبَتِكَ وَبَصْمَةَ قَلْبِكَ وَعَيْشَ لُغَتِكَ. الْمِنْبَرُ أَمَانَةٌ يَسْأَلُكَ اللَّهُ عَنْهَا، وَمَا يُلْقَى عَلَيْهِ يَحْمِلُهُ صَاحِبُهُ وَحْدَهُ. وَإِنْ أَرَدْتَ تَطْوِيرَهَا فَاكْتُبْ طَلَبَكَ وَاضِحًا مُفَصَّلًا — فَإِنَّ الْإِجَابَةَ بِقَدْرِ السُّؤَالِ.