من مكتبة مِداد الخطيب

ثَبَاتُ أَبنَاءِ تَعِزَّ وَصَبرُهُم فِي مَيَادِينِ الرِّبَاطِ وَدَفعِ البَغيِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن شَجَاعَةِ أَهلِ تَعِزَّ وَصُمُودِهِم فِي مُوَاجَهَةِ الحِصَارِ وَالعُدوَانِ وَفَضلِ المُرَابَطَةِ وَالذَّودِ عَنِ الدِّينِ

مشاركة
ثَبَاتُ أَبنَاءِ تَعِزَّ وَصَبرُهُم فِي مَيَادِينِ الرِّبَاطِ وَدَفعِ البَغيِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن شَجَاعَةِ أَهلِ تَعِزَّ وَصُمُودِهِم فِي مُوَاجَهَةِ الحِصَارِ وَالعُدوَانِ وَفَضلِ المُرَابَطَةِ وَالذَّودِ عَنِ الدِّينِ وَالدِّيَارِ الحَمدُ للهِ القَوِيِّ العَزِيزِ، الوَلِيِّ النَّصِيرِ، الَّذِي شَرَعَ لِعِبَادِهِ المُؤمِنِينَ دَفعَ البَغيِ وَالعُدوَانِ، وَكَتَبَ العِزَّةَ وَالنَّصرَ وَالتَّمكِينَ لِأَهلِ الصَّبرِ وَالثَّبَاتِ وَالإِيمَانِ، وَجَعَلَ الرِّبَاطَ فِي سَبِيلِهِ لحِمَايَةِ العَقِيدَةِ وَالدِّيَارِ وَالأَعرَاضِ وَالحُرُمَاتِ مِن أَعظَمِ القُرُبَاتِ الَّتِي يَرتَقِي بِهَا العَبدُ إِلَى أَعلَى غُرَفِ الجِنَانِ، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَأَشكُرُهُ عَلَى مَا أَفرَغَ عَلَى قُلُوبِ الصَّامِدِينَ فِي تَعِزَّ وَاليَمَنِ مِنَ الصَّبرِ الجَمِيلِ وَالثَّبَاتِ المَتِينِ، وَأَستَعِينُهُ عَلَى كَشفِ الغُمَّةِ وَفَكِّ الحِصَارِ وَكَبْتِ البَاغِينَ المُعتَدِينَ. وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الكَبِيرُ المُتَعَالُ، الَّذِي أَذِنَ لِلمَظلُومِينَ فِي الذَّودِ عَن حِيَاضِهِم وَتَكَفَّلَ بِنَصرِهِم وَهُوَ الصَّادِقُ فِي المَقَالِ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، أَشجَعُ النَّاسِ قَلبًا، وَأَثبَتُهُم عِندَ اللِّقَاءِ قَدَمًا، وَأَعظَمُهُم لِأَصحَابِهِ السَّابِقِينَ وَآلِ بَيتِهِ الطَّاهِرِينَ حُبًّا وَتَكرِيمًا وَوَفَاءً، بَعَثَهُ اللهُ بِالسُّنَّةِ البَيضَاءِ النَّقِيَّةِ الَّتِي لَا خُرَافَةَ فِيهَا وَلَا غُلُوَّ وَلَا طُغيَانَ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الأَطهَارِ، وَأَصحَابِهِ الأَبرَارِ الَّذِينَ بَذَلُوا المُهَجَ وَالأَروَاحَ وَالأَموَالَ ذَودًا عَن دِينِ اللهِ وَنُصرَةً لِلمُستَضعَفِينَ، وَعَلَى التَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا عِبَادَ اللهِ، يَا أَهلَ اليَمَنِ الأَبيِّ، وَيَا أَبنَاءَ تَعِزَّ الأَحْرَارَ الصَّامِدِينَ: أُوصِيكُم وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ؛ فَإِنَّ تَقوَى اللهِ وَالصَّبرَ هُمَا الجُنَّةُ الوَاقِيَةُ مِن كَيدِ الأَعدَاءِ، وَهُمَا العُدَّةُ الكَافِيَةُ فِي مَوَاطِنِ البَلَاءِ وَاللَّأوَاءِ، يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي مُحكَمِ تَنزِيلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، وَيَقُولُ سُبحَانَهُ جَامِعًا مَعَاقِدَ النَّصرِ وَالفَلَاحِ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ خَتَمَ بِهَا سُورَةَ آلِ عِمرَانَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. أَيُّهَا المُؤمِنُونَ المُرَابِطُونَ: إِنَّنَا نَقِفُ اليَومَ عَلَى مِنبَرِ الجُمُعَةِ فِي مَدِينَةِ تَعِزَّ الشَّامِخَةِ شُمُوخَ جَبَلِ صَبِرٍ، الرَّاسِخَةِ رُسُوخَ قَلعَةِ القَاهِرَةِ، المُشرِقَةِ بِنُورِ جَامِعِ الجَنَدِ وَالمُظَفَّرِ وَالأَشرَفِيَّةِ، لِنَتَحَدَّثَ عَن مَلحَمَةٍ مِن أَعظَمِ مَلَاحِمِ الصَّبرِ وَالشَّجَاعَةِ وَالثَّبَاتِ فِي العَصرِ الحَدِيثِ؛ إِنَّهَا مَلحَمَةُ صُمُودِ أَبنَاءِ تَعِزَّ فِي مُوَاجَهَةِ البَغيِ الحُوثِيِّ الغَاشِمِ وَمَشرُوعِهِ الطَّائِفِيِّ السُّلَالِيِّ الَّذِي أَرَادَ أَن يَطمسَ عَقِيدَةَ التَّوحِيدِ وَالسُّنَّةِ، وَيَطعَنَ فِي أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ، وَيَفرِضَ عَلَى أَحرَارِ اليَمَنِ وَتَعِزَّ ذُلَّ العُبُودِيَّةِ وَالخُرَافَةِ بِالحَدِيدِ وَالنَّارِ وَالحِصَارِ! لَقَد أَرَادَ المُعتَدُونَ البُغَاةُ حِينَ زَحَفُوا بِجَحَافِلِهِم وَسِلَاحِهِم المَنهُوبِ عَلَى مَدِينَةِ تَعِزَّ أَن يَكسِرُوا إِرَادَةَ مَدِينَةِ العِلمِ وَالقُرآنِ وَالحُرِّيَّةِ فِي أَيَّامٍ مَعدُودَةٍ؛ وَظَنُّوا أَنَّ تَعِزَّ الَّتِي عُرِفَ أَهلُهَا بِالأَدَبِ وَالعِلمِ وَالحِكمَةِ وَالسَّكِينَةِ لَن تَقوَى عَلَى مُقَارَعَةِ الدَّبَّابَاتِ وَالمَدَافِعِ! فَكَانَتِ المُفَاجَأَةُ الكُبرَى الَّتِي أَذهَلَتِ الدَّانِيَ وَالقَاصِيَ: انتَفَضَ أَبنَاءُ تَعِزَّ مِن كُلِّ حَارَةٍ وَقَريَةٍ وَجَبَلٍ وَوَادٍ؛ خَرَجَ العَالِمُ وَطَالِبُ العِلمِ، وَالأُستَاذُ الجَامِعِيُّ وَالطَّبِيبُ وَالمُهَندِسُ، وَالعَامِلُ وَالمُزَارِعُ وَالتَّاجِرُ وَالشَّابُّ الحَافِظُ لِكِتَابِ اللهِ، لِيَكتُبُوا بِدِمَائِهِمُ الزَّكِيَّةِ وَثَبَاتِهِمُ الأُسطُورِيِّ أَنَّ تَعِزَّ التَّوحِيدِ وَالسُّنَّةِ عَصِيَّةٌ عَلَى الانكِسَارِ، وَأَنَّ أَحفَادَ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ وَأَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ وَفُرسَانِ المَعَافِرِ وَالجَنَدِ لَا يَرضَونَ الدَّنِيَّةَ فِي دِينِهِم وَلَا يُسلِمُونَ دِيَارَهُم وَأَعرَاضَهُم لِبَاغٍ مُعتَدٍ أَبَدًا! لِمَاذَا قَاتَلَ أَبنَاءُ تَعِزَّ بِهَذِهِ البَسَالَةِ الفَائِقَةِ، وَصَبَرُوا عَلَى هَذَا الحِصَارِ المَرِيرِ سَنَوَاتٍ طِوَالًا؟ لِأَنَّ مَعرَكَتَهُم يَا عِبَادَ اللهِ لَم تَكُن مَعرَكَةَ عَصَبِيَّةٍ جَاهِلِيَّةٍ وَلَا طَمَعٍ فِي دُنيَا زَائِلَةٍ، بَل كَانَت وَلَا تَزَالُ مَعرَكَةَ دِفَاعٍ مَشرُوعٍ عَنِ الكُلِّيَّاتِ الخَمسِ الَّتِي أَوجَبَ اللهُ حِفظَهَا: دِفَاعًا عَنِ الدِّينِ وَالعَقِيدَةِ الصَّافِيَةِ وَعِرضِ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ، وَدِفَاعًا عَنِ الأَنفُسِ المَعصُومَةِ مِنَ القَنصِ وَالقَصفِ، وَدِفَاعًا عَنِ العُقُولِ مِنَ التَّجريفِ الطَّائِفِيِّ وَالخُرَافِيِّ، وَدِفَاعًا عَنِ الأَعرَاضِ وَالبُيُوتِ وَالأَموَالِ وَالدِّيَارِ! وَهَذَا الدِّفَاعُ عَنِ الدِّينِ وَالنَّفسِ وَالأَهلِ وَالدِّيَارِ هُوَ مِن أَعظَمِ مَرَاتِبِ الجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِي أَذِنَ اللهُ بِهِ وَأَوجَبَهُ عَلَى عِبَادِهِ المُؤمِنِينَ؛ يَقُولُ المَولَى جَلَّ جَلَالُهُ فِي سُورَةِ الحَجِّ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ۝ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٣٩-٤٠]، وَيَقُولُ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ مُستَنفِرًا الهِمَمَ لِنُصرَةِ المُستَضعَفِينَ وَكَفِّ العُدوَانِ عَنِ النِّسَاءِ وَالوِلدَانِ: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٧٥]. وَاستَمِعُوا إِلَى هَذَا الوِسَامِ النَّبَوِيِّ العَظِيمِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ التِّرمِذِيُّ عَن سَعِيدِ بنِ زَيدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَن قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَن قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَن قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَن قُتِلَ دُونَ أَهلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ»! فَكَيفَ إِذَا اجتَمَعَت هَذِهِ الأَربَعَةُ كُلُّهَا فِي مَيدَانٍ وَاحِدٍ كَمَا اجتَمَعَت لِأَبطَالِ تَعِزَّ؟ فَإِنَّ المُرَابِطَ عَلَى ثُغُورِ تَعِزَّ وَجِبَالِهَا يَذُودُ عَن دِينِهِ وَعقِيدَتِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَيَذُودُ عَن أَهلِهِ وَعِرضِهِ وَأَطفَالِ مَدِينَتِهِ، وَيَذُودُ عَن دَمِهِ وَأَرضِهِ وَمَالِهِ! وَلِذَلِكَ قَرَّرَ أَئِمَّةُ الإِسلَامِ قَاطِبَةً كَمَا قَالَ شَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ فِي الفَتَاوَى الكُبرَى وَالإِمَامُ الشَّوكَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي السَّيلِ الجَرَّارِ: «أَنَّ قِتَالَ الدَّفعِ عَنِ الدِّينِ وَالحُرُمَاتِ وَالدِّيَارِ هُوَ أَوجَبُ أَنوَاعِ الجِهَادِ وَالدَّفعِ إِجمَاعًا؛ لِأَنَّهُ دَفعٌ لِلصَّائِلِ البَاغِي المُفسِدِ لِلدِّينِ وَالدُّنيَا، فَلَا شَيءَ أَوجَبُ بَعدَ الإِيمَانِ مِن دَفعِهِ بِحَسَبِ الإِمكَانِ!». إِخوَةَ الإِيمَانِ: لَقَد ضَرَبَ أَبنَاءُ تَعِزَّ فِي سَنَوَاتِ الصُّمُودِ وَالمِحنَةِ أَروَعَ الأَمثِلَةِ فِي الجَمعِ بَينَ «الشَّجَاعَةِ فِي مَيَادِينِ الوَغَى» وَ«الصَّبرِ الجَمِيلِ عَلَى مَكَارِهِ الحِصَارِ»! حُوصِرَتِ المَدِينَةُ مِن جِهَاتِهَا، وَقُطِعَت عَنهَا الطُّرُقَاتُ الرَّئِيسَةُ، وَمُنِعَ عَنهَا المَاءُ وَالأُكسِجِينُ الطِّبِّيُّ وَالغِذَاءُ، وَسَقَطَتِ القَذَائِفُ عَلَى الأَحيَاءِ السَّكَنِيَّةِ وَالأَسوَاقِ وَالمَشَافِي، وَاستُهدِفَ الأَطفَالُ وَالنِّسَاءُ؛ فَمَاذَا كَانَ جَوَابُ تَعِزَّ؟ لَم تَرفَعْ تَعِزُّ الرَّايَةَ البَيضَاءَ يَومًا وَاحِدًا! بَل رَأَينَا الشَّبَابَ الَّذِينَ تَرَبَّوا فِي مَسَاجِدِ التَّوحِيدِ وَحَلَقَاتِ القُرآنِ يَثبُتُونَ فِي المَتَارِيسِ وَالجِبَالِ الشَّاهِقَةِ فِي البَردِ القَارِسِ وَالحَرِّ اللَّافِحِ ثَبَاتَ الجِبَالِ الرَّوَاسِي؛ وَرَأَينَا الأُمَّ التَّعِزِّيَّةَ الصَّابِرَةَ تُوَدِّعُ ابنَهَا الشَّهِيدَ وَتَحمَدُ اللهَ وَتَدفَعُ بِأَخِيهِ لِيَسُدَّ ثَغرَهُ؛ وَرَأَينَا النِّسَاءَ وَالشُّيُوخَ يَشقُّونَ طُرُقَ الجِبَالِ الوَعِرَةِ عَلَى أَقدَامِهِم وَعَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ لِيُوصِلُوا الدَّوَاءَ وَالغذَاءَ إِلَى قَلبِ المَدِينَةِ المُحَاصَرَةِ! وَهل هَذِهِ الشَّجَاعَةُ غَرِيبَةٌ عَلَى أَبنَاءِ تَعِزَّ وَاليَمَنِ؟ كَلَّا وَاللهِ! فَإِنَّ فِي عُرُوقِ أَبنَاءِ تَعِزَّ تَجرِي دِمَاءُ أَجدَادِهِمُ الفَاتِحِينَ الأَبطَالِ مِن قَبَائِلِ المَعَافِرِ وَالسَّكَاسِكِ وَالأَشَاعِرَةِ وَحِميَرَ وَمَذحِجٍ وَهَمدَانَ، الَّذِينَ قَالَ فِيهِم النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «أَتَاكُم أَهلُ اليَمَنِ، هُم أَرَقُّ أَفئِدَةً وَأَليَنُ قُلُوبًا، الإِيمَانُ يَمَانٍ وَالحِكمَةُ يَمَانِيَةٌ»! رِقَّةٌ وَرَحمَةٌ وَحِكمَةٌ مَعَ إِخوَانِهِمُ المُؤمِنِينَ، وَبَأسٌ شَدِيدٌ وَشَجَاعَةٌ نَادِرَةٌ عَلَى البُغَاةِ المُعتَدِينَ؛ تَحقِيقًا لِوَصفِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِأَنصَارِ دِينِهِ فِي سُورَةِ المَائِدَةِ: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤]. فَيَا أَيُّهَا المُرَابِطُ البَطَلُ عَلَى جِبَالِ تَعِزَّ وَثُغُورِهَا الشَّرقِيَّةِ وَالغَربِيَّةِ وَالشَّمَالِيَّةِ وَفِي أَريَافِهَا وَمُدِيرِيَّاتِهَا: أَبشِرْ وَليَطِبْ قَلبُكَ وَلتَقَرَّ عَينُكَ بِمَا أَعَدَّ اللهُ لَكَ مِنَ الكَرَامَةِ وَالأَجرِ العَظِيمِ! أَتَدرِي مَا قِيمَةُ اليَومِ الوَاحِدِ وَاللَّيلَةِ الوَاحِدَةِ الَّتِي تَقضِيهَا فِي مِترَاسِكَ حَارِسًا لِدِينِكَ وَمَدِينَتِكَ وَأَعرَاضِ المُسلِمِينَ؟ اسمعْ إِلَى بِشَارَةِ الصَّادِقِ المَصدُوقِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «رِبَاطُ يَومٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيرٌ مِنَ الدُّنيَا وَمَا عَلَيهَا، وَمَوضِعُ سَوطِ أَحَدِكُم مِنَ الجَنَّةِ خَيرٌ مِنَ الدُّنيَا وَمَا عَلَيهَا، وَالرَّوحَةُ يَرُوحُهَا العَبدُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ الغَدوَةُ خَيرٌ مِنَ الدُّنيَا وَمَا عَلَيهَا»! اللهُ أَكبَرُ يَا مَعشَرَ المُرَابِطِينَ! يَومٌ وَاحِدٌ تَقِفُ فِيهِ عَلَى ثَغرٍ مِن ثُغُورِ تَعِزَّ خَالِصًا لِوَجهِ اللهِ هُوَ فِي مِيزَانِ اللهِ خَيرٌ مِنَ الدُّنيَا كُلِّهَا بِذَهَبِهَا وَفِضَّتِهَا وَقُصُورِهَا وَمُلْكِهَا مِن أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا! وَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسلِمٍ عَن سَلمَانَ الفَارِسِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «رِبَاطُ يَومٍ وَلَيلَةٍ خَيرٌ مِن صِيَامِ شَهرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِن مَاتَ جَرَى عَلَيهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعمَلُهُ، وَأُجرِيَ عَلَيهِ رِزقُهُ، وَأَمِنَ الفَتَّانَ»! كُلُّ النَّاسِ إِذَا مَاتُوا انقَطَعَت أَعمَالُهُم إِلَّا المُرَابِطُ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ فَإِنَّ عَدَّادَ حَسَنَاتِهِ يَظَلُّ جَارِيًا فِي قَبرِهِ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ، وَيُجرَى عَلَى رُوحِهِ رِزقُهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَيُؤمَّنُ مِن فِتنَةِ القَبرِ! وَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «عَينَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَينٌ بَكَت مِن خَشيَةِ اللهِ، وَعَينٌ بَاتَت تَحرُسُ فِي سَبِيلِ اللهِ»! وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن أَبِي عَبسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَا اغبَرَّت قَدَمَا عَبدٍ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ»! فَهَنِيئًا لِتِلكَ الأَعيُنِ السَّاهِرَةِ عَلَى جِبَالِ تَعِزَّ تَحرُسُ المَدِينَةَ وَأَهلَهَا، وَهَنِيئًا لِتِلكَ الأَقدَامِ الَّتِي اغبَرَّت فِي سَبِيلِ اللهِ ذَودًا عَنِ الدِّينِ وَالعِرضِ وَالأَرضِ! عِبَادَ اللهِ: وَلَقَد سَارَ أَبطَالُ تَعِزَّ فِي ثَبَاتِهِم وَصَبرِهِم عَلَى خُطَى أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ نَقتَدِي بِهِم وَنَترَضَّى عَنهُم وَنَذُبُّ عَن أَعرَاضِهِم وَسُنَّةِ نَبِيِّهِم! تَذَكَّرُوا يَومَ حُوصِرَتِ المَدِينَةُ المُنَوَّرَةُ فِي غَزوَةِ الخَندَقِ، وَرُمِيَ سَعدُ بنُ مُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِسَهمٍ قَطَعَ أَكحَلَهُ (عِرقًا فِي ذِرَاعِهِ)، فَلَم يَجزَعْ وَلَم يَتَرَاجَعْ، بَل رَفَعَ يَدَيهِ إِلَى السَّمَاءِ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا وَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعلَمُ أَنَّهُ لَيسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ أَن أُجَاهِدَهُم فِيكَ مِن قَومٍ كَذَّبُوا رَسُولَكَ وَأَخرَجُوهُ... اللَّهُمَّ وَإِن كَانَ بَقِيَ مِن حَربِ قُرَيشٍ شَيءٌ فَأَبقِنِي لَهُ حَتَّى أُجَاهِدَهُم فِيكَ!»؛ فَبَقِيَ ثَابِتًا حَتَّى أَقَرَّ اللهُ عَينَهُ بهَزِيمَةِ الأَحزَابِ وَكَبْتِ الخَائِنِينَ، ثُمَّ فَاظَت رُوحُهُ الطَّاهِرَةُ فاهتَزَّ لِمَوتِهِ عَرشُ الرَّحمَنِ! وَتَذَكَّرُوا قِصَّةَ البَرَاءِ بنِ مَالِكٍ الأَنصَارِيِّ أَخِي أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا يَومَ الحَدِيقَةِ فِي حُرُوبِ الرِّدَّةِ؛ حِينَ تَحَصَّنَ أَتبَاعُ مُسَيلِمَةَ الكَذَّابِ دَاخِلَ الحَدِيقَةِ وَأَغلَقُوا البَابَ، فَقَالَ البَرَاءُ بنُ مَالِكٍ لِلمُسلِمِينَ كَمَا فِي سِيرَةِ ابنِ هِشَامٍ وَالبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ: «يَا مَعشَرَ المُسلِمِينَ، أَلقُونِي عَلَيهِم فِي الحَدِيقَةِ!»، فَحَمَلُوهُ عَلَى التُّرُوسِ وَأَلقَوهُ وَحدَهُ فَوْقَ السُّورِ، فَقَاتَلَ البُغَاةَ المُرْتَدِّينَ عَلَى بَابِ الحَدِيقَةِ وَحدَهُ وَبِهِ بَضعٌ وَثَمَانُونَ جِرَاحَةً حَتَّى فَتَحَ البَابَ لِلمُسلِمِينَ فَدَخَلُوا وَحَسَمُوا المَعرَكَةَ! هَكَذَا تَصنَعُ العَقِيدَةُ الصَّحِيحَةُ الرِّجَالَ الأَبطَالَ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ؛ وَمَا أَصدَقَ مَا قَالَهُ الشَّاعِرُ الصَّحَابِيُّ عَبدُ اللهِ بنُ رَوَاحَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَهُوَ يُثَبِّتُ نَفسَهُ وَإِخوَانَهُ فِي سَاحَةِ الجِهَادِ: يَا نَفسُ إِلَّا تُقتَلِي تَمُوتِي ... هَذَا حِمَامُ المَوتِ قَد صَلِيتِ وَمَا تَمَنَّيتِ فَقَد أُعطِيتِ ... إِن تَفعَلِي فِعلَهُمَا هُدِيتِ بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ وَخَطِيئَةٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. 🕌 الخطبة الثانية الحَمدُ للهِ الَّذِي فَرَضَ الجِهَادَ وَالرِّبَاطَ لحِفظِ الدِّينِ وَدَفعِ البُغَاةِ الطَّاغِينَ، وَجَعَلَ النَّصرَ حَلِيفَ المُؤمِنِينَ المُتَّحِدِينَ الصَّابِرِينَ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ المَلِكُ الحَقُّ المُبِينُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ الصَّادِقُ الأَمِينُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّاهِرِينَ وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا عِبَادَ اللهِ، وَيَا أَبنَاءَ تَعِزَّ الغَيُورِينَ عَلَى دِينِهِم وَعَقِيدَتِهِم وَدِيَارِهِم: اعلَمُوا أَنَّ البَاغِيَ المُعتَدِيَ الَّذِي يُحَاصِرُ تَعِزَّ وَيَترَبَّصُ بِهَا الدَّوَائِرَ لَا يَفترُ عَنِ التَّحشِيدِ وَالكَيدِ وَالمَكرِ لَيلًا وَنَهَارًا؛ وَلِذَلِكَ فَإِنَّ اليَقَظَةَ الدَّائِمَةَ، وَالنَّفِيرَ الجَمَاعِيَّ، وَإِسنَادَ الجَبَهَاتِ وَالمُرَابِطِينَ لَيسَ خِيَارًا ثَانَوِيًّا، بَل هُوَ فَرِيضَةُ الوَقتِ وَوَاجِبُ السَّاعَةِ لحِمَايَةِ مَا تَحَقَّقَ مِنَ الصُّمُودِ وَاستِكمَالِ فَكِّ الحِصَارِ وَتَطهيرِ الدِّيَارِ مِنَ البَغيِ وَالعُدوَانِ! يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ التَّوبَةِ: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٤١]، وَيَقُولُ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الصَّفِّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]. فَكَيفَ يَكُونُ النَّفِيرُ وَالإِسنَادُ الشَّامِلُ مِن أَبنَاءِ تَعِزَّ كُلٍّ فِي مَيدَانِهِ وَعَلَى قَدرِ استِطَاعَتِهِ؟ إِلَيكُم أَربَعَ فَرَائِضَ عَمَلِيَّةٍ لَا يُعذَرُ أَحَدٌ بِالتَّخَلُّفِ عَنهَا: الفَرِيضَةُ الأُولَى: النَّفِيرُ بِالنَّفسِ وَالرِّجَالِ لِلقَادِرِينَ عَلَى حَملِ السِّلَاحِ وَالمُرَابَطَةِ فِي الثُّغُورِ وَالجَبَهَاتِ تَحتَ رَايَةِ الحَقِّ وَالنِّظَامِ؛ فَلَا يَجُوزُ أَن يُترَكَ إِخوَانُكُمُ المُرَابِطُونَ فِي الجِبَالِ وَحدَهُم دُونَ رَفدٍ وَإِسنَادٍ وَمُؤَازَرَةٍ، وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ التَّوبَةِ: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]. الفَرِيضَةُ الثَّانِيَةُ: النَّفِيرُ وَالجِهَادُ بِالمَالِ لِتَجهِيزِ المُرَابِطِينَ، وَسَدِّ حَاجَةِ الجَبَهَاتِ، وَكَفَالَةِ أُسَرِ الشُّهَدَاءِ وَمُدَاوَاةِ الجَرحَى، وَرِعَايَةِ عِيَالِ المُرَابِطِينَ فِي غِيَابِهِم؛ فَإِنَّ اللهَ قَدَّمَ الجِهَادَ بِالمَالِ عَلَى الجِهَادِ بِالنَّفسِ فِي عَامَّةِ آيَاتِ القُرآنِ الكَرِيمِ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن زَيدِ بنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ فَقَد غَزَا، وَمَن خَلَفَ غَازِيًا فِي أَهلِهِ بِخَيرٍ فَقَد غَزَا»! فَيَا تُجَّارَ تَعِزَّ وَيَا أَهلَ اليَسَارِ وَالخَيرِ فِي الدَّاخِلِ وَالمَهجَرِ: ابذُلُوا مِن أَموَالِكُم فِي إِسنَادِ المُرَابِطِينَ وَتَفَقُّدِ أَيتَامِ الشُّهَدَاءِ وَعِيَالِ الحُمَاةِ تُكتَبُوا عِندَ اللهِ فِي دِيوَانِ المُجَاهِدِينَ! الفَرِيضَةُ الثَّالِثَةُ: النَّفِيرُ بِالعِلمِ وَالوَعْيِ وَالكَلِمَةِ؛ لِتَحصِينِ شَبَابِ تَعِزَّ وَأَجيَالِهَا مِن شُبُهَاتِ الغُلَاةِ البُغَاةِ الَّذِينَ يَطعَنُونَ فِي صَحَابَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَيُحَرِّفُونَ مَعَالِمَ التَّوحِيدِ وَالسُّنَّةِ؛ فَحَصِّنُوا أَولَادَكُم وَمَسَاجِدَكُم وَمَدَارِسَكُم بِالعَقِيدَةِ الصَّافِيَةِ، وَمَحَبَّةِ الآلِ وَالصَّحبِ جَمِيعًا، وَفَضحِ زَيفِ الدَّعَاوَى السُّلَالِيَّةِ وَالطَّائِفِيَّةِ البَاطِلَةِ. الفَرِيضَةُ الرَّابِعَةُ: تَوحِيدُ الصَّفِّ وَنَبذُ الخِلَافَاتِ وَالشَّحنَاءِ، وَإِخلَاصُ النِّيَّةِ للهِ، وَالتَّوبَةُ مِنَ الذُّنُوبِ وَالمَظَالِمِ؛ فَإِنَّمَا يُنصَرُ المُؤمِنُونَ بِطَاعَةِ اللهِ وَاجتِمَاعِ الكَلِمَةِ، كَمَا أَوصَى اللهُ تَعَالَى الفِئَةَ المُؤمِنَةَ عِندَ اللِّقَاءِ فِي سُورَةِ الأَنفَالِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۝ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٥-٤٦]. وَمَا أَصدَقَ قَولَ الشَّاعِرِ الحَمَاسِيِّ فِي الثَّبَاتِ وَالإِبَاءِ: تَأبَى الرِّمَاحُ إِذَا اجتَمَعنَ تَكَسُّرًا ... وَإِذَا افتَرَقنَ تَكَسَّرَت آحَادَا فَاصبِرْ عَلَى سُوحِ الرِّبَاطِ مُجَاهِدًا ... إِنَّ الثَّبَاتَ يُحَقِّقُ الأَمجَادَا هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى إِمَامِ المُجَاهِدِينَ وَقَائِدِ الصَّابِرِينَ المُرَابِطِينَ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، كَمَا أَمَرَكُم بِذَلِكَ رَبُّكُم فِي مُحكَمِ التَّنزِيلِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ الأَئِمَّةِ المَهدِيِّينَ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن أُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ وَآلِ البَيتِ الطَّاهِرِينَ وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَاحشُرنَا فِي زُمرَتِهِم يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ. اللَّهُمَّ مُنزِلَ الكِتَابِ، وَمُجرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأَحزَابِ، اهزِمِ البُغَاةَ المُعتَدِينَ المُحَاصِرِينَ لِتَعِزَّ وَالسَّاعِينَ فِي الأَرضِ فَسَادًا، اللَّهُمَّ اكفِنَا وَأَهلَنَا وَبِلَادَنَا شَرَّهُم وَبَغيَهُم بِمَا شِئتَ وَكَيفَ شِئتَ إِنَّكَ عَلَى مَا تَشَاءُ قَدِيرٌ. اللَّهُمَّ انصُرْ إِخوَانَنَا المُرَابِطِينَ عَلَى ثُغُورِ تَعِزَّ وَجِبَالِهَا وَفِي كُلِّ ثَغرٍ يُذَادُ فِيهِ عَن دِينِكَ وَسُنَّةِ نَبِيِّكَ وَحُرُمَاتِ عِبَادِكَ؛ اللَّهُمَّ ثَبِّتْ أَقدَامَهُم، وَاربِطْ عَلَى قُلُوبِهِم، وَسَدِّدْ رَميَهُم، وَوَحِّدْ صَفَّهُم، وَاجمَعْ كَلِمَتَهُم عَلَى الحَقِّ وَالهُدَى. اللَّهُمَّ فُكَّ الحِصَارَ عَن مَدِينَةِ تَعِزَّ فَكًّا كَامِلًا عَاجِلًا غَيرَ آجِلٍ، وَتَقَبَّلْ شُهَدَاءَهَا فِي الفِردَوسِ الأَعلَى، وَاشفِ جَرحَاهَا، وَأَطعِمْ جَائِعَهَا، وَآمِنْ خَائِفَهَا، وَاحفَظِ اليَمَنَ وَأَهلَهُ وَفِلَسطِينَ وَغَزَّةَ وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ سُوءٍ وَبَلَاءٍ وَفِتنَةٍ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ يَا رَبَّ العَالَمِينَ. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.