من مكتبة مِداد الخطيب

بَيْنَ الوُضُوءِ والصَّلاةِ.. أَنْوَارٌ وَأَسْرَارٌ

مشاركة
🕌 بَيْنَ الوُضُوءِ والصَّلاةِ.. أَنْوَارٌ وَأَسْرَارٌ #خطبة_جمعة #الصلاة #الوضوء #الخشوع #إيمانيات #العبادة الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي جَعَلَ الماءَ طَهوراً، وجَعَلَ الصَّلاةَ نوراً، وأَشهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، يَغسِلُ بِالوُضوءِ ذُنوبَ العِبادِ، ويَرفَعُ بِالسُّجودِ دَرَجاتِهِم يَومَ المَعادِ، وأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبدُهُ ورَسولُهُ، إِمامُ الخاشِعينَ وقُدوَةُ المُتَطَهِّرينَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تَسليماً كَثيراً. أَمَّا بَعدُ: تَتَوَضَّأُ في بَيتِكَ، وتَمشي إلى المَسجِدِ، وتَجلِسُ تَنتَظِرُ الإِقامَةَ... عِبادَ اللَّهِ، في هَذِهِ الدَّقائِقِ القَليلَةِ مَحَطَّاتٌ إيمانيَّةٌ نَغفُلُ عَنها، وتَهيِئَةٌ رَبَّانيَّةٌ لِلقَلبِ قَبلَ الجَسَدِ. فَماذا يَحدُثُ في عالَمِ الغَيبِ حينَ يَقطُرُ الماءُ مِن أَطرافِكَ؟ ولِماذا نَشتَكي مِن قَسوَةِ قُلوبِنا في الصَّلاةِ؟ وما الَّذي نَخسَرُهُ حينَ نَقطَعُ هَذا الوَقتَ بِالغَفلَةِ؟ في الخَطَواتِ الَّتي تَسبِقُ التَّكبيرَةَ مَعانٍ لَو أَدرَكناها، لَتَغَيَّرَت صَلاتُنا كُلِّيَّاً. أَيُّها الإِخوَةُ الأَحِبَّةُ، كَثيراً ما نَشتَكي، نَقولُ: نُصَلِّي ولا نَخشَعُ، نَقفُ بَينَ يَدَيِ اللَّهِ وعُقولُنا في أَسواقِنا وبُيوتِنا. واليَومَ نَضَعُ أَيديَنا عَلى الجُرحِ؛ إِنَّ السَّبَبَ الأَكبَرَ في فُقدانِ لَذَّةِ الصَّلاةِ هُوَ أَنَّنا نُريدُ أَن نَنتَقِلَ مِن ضَجيجِ الدُّنيا إِلى سَكينَةِ الآخِرَةِ في كَسرٍ مِنَ الثَّانيَةِ! نُريدُ أَن نَخرُجَ مِنَ المِزاحِ واللَّغوِ وشاشاتِ الهَواتِفِ لِنَقولَ: "اللَّهُ أَكبَرُ"، ونَنتَظِرُ مِن قُلوبِنا أَن تَخشَعَ فَوراً! كَيفَ يَعقِلُ هَذا؟ وكَيفَ يَخشَعُ قَلبٌ لَم يَتَهَيَّأ لِلقاءِ المَلِكِ؟ لَقَد شَرَعَ اللَّهُ لَنا رِحلَةً كامِلَةً قَبلَ التَّكبيرَةِ، رِحلَةً تَبدَأُ مِن قَطرَةِ الماءِ الأولى، ولَو تَأَمَّلناها، لَعَلِمنا أَنَّ الصَّلاةَ تَبدَأُ قَبلَ الصَّلاةِ! تَأَمَّلوا مَعي أَوَّلَ هَذِهِ الرِّحلَةِ: الوُضوءَ. يَقولُ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6]. هَلِ الوُضوءُ مُجَرَّدُ نَظافَةٍ بَدَنِيَّةٍ؟ لَو كانَ كَذَلِكَ لَكانَ الاغتِسالُ بِالصَّابونِ بَديلاً عَنهُ، ولَكِنَّهُ عِبادَةٌ وقُربَةٌ ومِفتاحٌ. واسمَعوا لِهَذا الحَديثِ الَّذي يَهُزُّ الوِجدانَ، يَقولُ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ، خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ، حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ» (رَواهُ مُسلِمٌ). يا سُبحانَ اللَّهِ! أَيُّ عِزَّةٍ وهَيبَةٍ في هَذا الدِّينِ؟ أَنتَ لا تَغسِلُ طيناً ولا غُباراً، أَنتَ تَغسِلُ قَلبَكَ، تَغسِلُ صَحيفَتَكَ! كُلُّ نَظرَةٍ حَرامٍ قَذَفَت في قَلبِكَ نُكتَةً سَوداءَ، يَأتي ماءُ الوُضوءِ لِيَغسِلَها. كُلُّ كَلِمَةٍ لا تُرضي اللَّهَ، كُلُّ مَشيَةٍ إِلى باطِلٍ، تَتَساقَطُ مَعَ قَطَراتِ الماءِ. لِذَلِكَ خَتَمَ اللَّهُ آيَةَ الطَّهارَةِ بِقَولِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222]. جَمَعَ بَينَ طَهارَةِ القَلبِ بِالتَّوبَةِ، وطَهارَةِ الجَسَدِ بِالوُضوءِ! لِذَلِكَ كانَ السَّلَفُ يَعرِفونَ قيمَةَ هَذِهِ اللَّحظَةِ. كانَ عَلِيُّ بنُ الحُسَينِ، زَينُ العابِدينَ رَحمَةُ اللَّهِ عَلَيهِ، إِذا تَوَضَّأَ اصْفَرَّ لَونُهُ وتَغَيَّرَ وَجهُهُ، فَيُقالُ لَهُ: ما هَذا الَّذي يَعتَريكَ عِندَ الوُضوءِ؟ فَيَقولُ: "أَتَدرونَ بَينَ يَدَي مَن أُريدُ أَن أَقومَ؟". إِنَّهُ استِشعارُ المَوقِفِ، استِشعارُ أَنَّ هَذا الماءَ هُوَ لِباسُ التَّقوى الَّذي تَتَزَيَّنُ بِهِ لِمُلاقاةِ المَلِكِ الدَّيَّانِ القائِلِ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4].
ثُمَّ تَأمَّلوا المَحَطَّةَ الثَّانيَةَ بَعدَ الوُضوءِ: اللَّحظَةَ الَّتي تُنَشِّفُ فيها أَطرافَكَ. ماذا عَلَّمَنا النَّبيُّ ﷺ أَن نَقولَ؟ أَن نَرفَعَ أَبصارَنا إِلى السَّماءِ ونَقولَ: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ». وما هُوَ الجَزاءُ؟ «إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» (رَواهُ مُسلِمٌ). لِماذا الشَّهادَةُ بَعدَ الوُضوءِ؟ يَقولُ الإِمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ في مَعنىً عَظيمٍ بَديعٍ: لِأَنَّ العَبدَ طَهَّرَ جَوارِحَهُ بِالماءِ، فاحتاجَ أَن يُطَهِّرَ قَلبَهُ بِالتَّوحيدِ مِنَ الشِّركِ! طَهارَةُ الظَّاهِرِ بِالماءِ، وطَهارَةُ الباطِنِ بِلا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ! فَهَل نَستَشعِرُ هَذا النُّورَ ونَحنُ نَقولُها؟ أَم أَنَّها صارَت كَلِماتٍ تَجري عَلى الأَلسِنَةِ دونَ أَن تُلامِسَ الشَّغافَ؟ عِبادَ اللَّهِ، بَعدَ أَن يَتَطَهَّرَ العَبدُ ويُجَدِّدَ تَوحيدَهُ، تَبدَأُ المَحَطَّةُ الثَّالِثَةُ: المَشيُ إِلى المَسجِدِ. وهَنا مَفارَقَةٌ عَجيبَةٌ نَراها اليَومَ! يَتَوَضَّأُ الرَّجُلُ في بَيتِهِ، ثُمَّ يَخرُجُ لِلمَسجِدِ، وفي الطَّريقِ يُمسِكُ هاتِفَهُ، يَقرَأُ الأَخبارَ المُزعِجَةَ، يَتَصَفَّحُ الصُّوَرَ اللَّاهيَةَ، رُبَّما يُجادِلُ في الطَّريقِ، يَغضَبُ مِن سَيَّارَةٍ تَأَخَّرَت أَمامَهُ، يُطلِقُ بُوقَ سَيَّارَتِهِ غاضِباً، ثُمَّ يَنزِلُ مُسرِعاً يَرْكُضُ لِيُدرِكَ الرَّكعَةَ، فَيَرفَعُ يَدَيهِ مُباشَرَةً ويَقولُ: "اللَّهُ أَكبَرُ"! بِاللَّهِ عَلَيكُم، كَيفَ يَخشَعُ هَذا القَلبُ الَّذي كانَ يَغلي بِالغَضَبِ أَو يَغوصُ في لَهوِ الشَّاشاتِ قَبلَ ثَوانٍ؟ نَسينا هَدْيَ المُصطَفى ﷺ الَّذي بَيَّنَ أَنَّ الخُطوَةَ إِلى المَسجِدِ عِبادَةٌ مُستَقِلَّةٌ! يَقولُ ﷺ: «مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ؛ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ، كَانَتْ خَطْوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً، وَالْأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً» (رَواهُ مُسلِمٌ). قالَ السَّلَفُ: "مَن خَرَجَ إِلى الصَّلاةِ فَلْيَخرُج بِسَكينَةٍ ووَقارٍ، فَإِنَّهُ في صَلاةٍ". مَشيُكَ إِلى المَسجِدِ جُزءٌ مِن صَلاتِكَ. عَيناكَ اللَّتانِ تَغُضُّهُما في الطَّريقِ، أُذُناكَ اللَّتانِ تَحفَظُهُما، نَبَضاتُ قَلبِكَ الَّتي تَهدَأُ؛ هَذا كُلُّهُ تَهيِئَةٌ لِلرُّوحِ كَي لا تَتَصادَمَ بِقُوَّةٍ حينَ تَقِفُ عَلى السَّجَّادَةِ. ومِن عَجائِبِ هَذا الدِّينِ أَنَّهُ جَعَلَ المَحَطَّةَ الرَّابِعَةَ بَعدَ دُخولِ المَسجِدِ: الانتِظارَ. أَيُّها المُسلِمونَ، هَل جَرَّبتُم لَذَّةَ أَن تَسبِقوا إِلى المَسجِدِ بِعَشرِ دَقائِقَ؟ أَن تَجلِسوا بِلا هاتِفٍ، بِلا حَديثٍ، تَنظُرونَ إِلى القِبلَةِ في بُيوتٍ قالَ اللَّهُ عَنها: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور: 36]؟ اسْمَعوا لِهَذِهِ البِشارَةِ العَظيمَةِ، قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: «الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ» (متفق عليه). مَلائِكَةٌ، لا يَعصونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُم، يَتَفَرَّغونَ لِلدُّعاءِ لَكَ! بِأَيِّ شَيءٍ؟ بِالمَغفِرَةِ والرَّحمَةِ! وأَنتَ لا تَفعَلُ شَيئاً سِوى أَنَّكَ جالِسٌ تَنتَظِرُ الفَريضَةَ! وقالَ ﷺ في حَديثٍ آخَرَ: «لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ» (متفق عليه). أَنتَ تُصَلِّي وأَنتَ جالِسٌ تَنتَظِرُ الصَّلاةَ! فَلِماذا نَحْرِمُ أَنفُسَنا هَذِهِ الأُجورَ بِالتَّأَخُّرِ دائِماً لِإِدراكِ الرَّكعَةِ الأَخيرَةِ؟ ثُمَّ تَأتي لَحظَةُ الذِّروَةِ... المَحَطَّةُ الخامِسَةُ: وُقوفُكَ في الصَّفِّ لِتَكبيرَةِ الإِحرامِ. لَقَدِ اغتَسَلتَ ظاهِراً، وتَوَحَّدتَ باطِناً، ومَشَيتَ بِسَكينَةٍ، وانتَظَرتَ بِخُشوعٍ، فَهَلُمَّ الآنَ إِلى المِعراجِ. هُنا، حِينَ تَستَوي الصُّفوفُ، وتَسمَعُ الإِمامَ يَقولُ: "اللَّهُ أَكبَرُ"، فَاعلَم أَنَّكَ تَدخُلُ في حَضرَةِ المَلِكِ الحَقِّ المُبينِ.
يَقولُ الإِمامُ ابنُ القَيِّمِ كَلِمَةً تَكتُبُ بِماءِ الذَّهَبِ: "لِلعَبدِ بَينَ يَدَيِ اللَّهِ مَوقِفانِ: مَوقِفٌ بَينَ يَدَيهِ في الصَّلاةِ، ومَوقِفٌ بَينَ يَدَيهِ يَومَ لِقائِهِ. فَمَن قامَ بِحَقِّ المَوقِفِ الأَوَّلِ، هَوَّنَ عَلَيهِ المَوقِفَ الآخَرَ. ومَنِ استَهانَ بِهَذا المَوقِفِ ولَم يُوَفِّهِ حَقَّهُ، شُدِّدَ عَلَيهِ ذَلِكَ المَوقِفُ". وقَرَأَ قَولَهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا * إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبِّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان: 26-27]. يَومٌ ثَقيلٌ، لا يُهَوِّنُهُ إِلَّا وُقوفٌ صَحيحٌ بَينَ يَدَيِ اللَّهِ اليَومَ. الصَّلاةُ لَيسَت عادَةً نُؤَدِّيها لِنَرتاحَ مِنها، بَل عِبادَةٌ نَقومُ بِها لِنَرتاحَ بِها! ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14]. أَقولُ قَولي هَذا وأَستَغفِرُ اللَّهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فاستَغفِروهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيمُ. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللَّهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كُلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إِنَّه هُوَ الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمينَ، حَمْداً يَليقُ بِجَلالِ وَجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِهِ، وأَشهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن سارَ عَلى نَهجِهِ إِلى يَومِ الدِّينِ. أَمَّا بَعدُ: عِبادَ اللَّهِ، رَأَينا في خُطبَتِنا الأُولى أَنَّ الصَّلاةَ رِحلَةٌ مُتَكامِلَةٌ، وبَيَّنَّا أَنَّ الوُضوءَ لَيسَ غَسلاً لِلأَعضاءِ بَل تَطهيرٌ لِلذُّنوبِ، وأَنَّ الدُّعاءَ بَعدَهُ تَجديدٌ لِلتَّوحيدِ، ومَشيَنا مَعاً خُطوَةً بِخُطوَةٍ نَحوَ المَسجِدِ لِنَفهَمَ سِرَّ السَّكينَةِ، وَوَقَفنا أَمامَ بابِ الرَّحمَةِ والانتِظارِ الَّذي تَحُفُّهُ دَعَواتُ المَلائِكَةِ. والآنَ، بَعدَ هَذِهِ المَعاني العَظيمَةِ، بَقِيَ السُّؤالُ العَمَلِيُّ الَّذي سيُحَدِّدُ إِن كُنَّا سَنَتَغَيَّرُ أَم تَبقى خُطبَةً تَمُرُّ كَسائِرِ الخُطَبِ: كَيفَ نُتَرجِمُ هَذا إِلى واقِعٍ في حَياتِنا اليَومِيَّةِ؟ أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أَن أَنزِلَ مِن مِنبَري، لَعَلَّ اللَّهَ أَن يُحيِيَ بِها صَلَواتِنا: الأُولى (قَلبِيَّةٌ): استَحضِر نِيَّةً صادِقَةً وأَنتَ تَفتَحُ صُنبورَ الماءِ لِلوُضوءِ في بَيتِكَ؛ تَذَكَّر أَنَّ هَذا الماءَ يُسقِطُ عَنكَ ذُنوبَ يَومِكَ، فَلا تَتَوَضَّأُ عادَةً، بَل تَوَضَّأ عِبادَةً. الثَّانِيَةُ (لِسانِيَّةٌ): لا تَترُكُ الدُّعاءَ بَعدَ الوُضوءِ (أَشهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ...)، فَإِنَّها كَلِماتٌ قَليلَةٌ تَفتَحُ لَكَ أَبوابَ الجَنَّةِ الثَّمانِيَةَ، وعَوِّد لِسانَكَ تَرادُدَ الأَذانِ مَعَ المُؤَذِّنِ، فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِحُلولِ شَفاعَةِ المُصطَفى ﷺ لَكَ. الثَّالِثَةُ (عَمَلِيَّةٌ): بَكِّر إِلى الصَّلاةِ وَلَو بِخَمسِ دَقائِقَ، صَلِّ تَحِيَّةَ المَسجِدِ، واجلِس بِهُدوءٍ تَتَنَفَّسُ السَّكينَةَ وتَسمَعُ دُعاءَ المَلائِكَةِ لَكَ؛ لا تَجعَل كُلَّ صَلَواتِكَ رَكضاً وإِدراكاً لِلرَّكعَةِ الأَخيرَةِ. الرَّابِعَةُ (اجتِماعِيَّةٌ): في طَريقِكَ إِلى المَسجِدِ وفي وُقوفِكَ في الصَّفِّ، لا تُؤذِ أَحَداً؛ لا بِمُزاحَمَةٍ، ولا بِرَفعِ صَوتٍ، ولِن في أَيدي إِخوانِكَ، فَالمُسلِمُ مَن سَلِمَ المُسلِمونَ مِن أَذاهُ قَبلَ الصَّلاةِ وفي الصَّلاةِ. الخامِسَةُ (مَوضوعِيَّةٌ): اتْرُك هاتِفَكَ الجَوَّالَ في جَيبِكَ أَو في سَيَّارَتِكَ! المَسجِدُ مَكانٌ لِقَطعِ الاِتِّصالِ بِالخَلقِ والِاتِّصالِ بِالخالِقِ. ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1-2]، ولا يَجتَمِعُ خُشوعُ القَلبِ مَعَ تَقَليبِ البَصَرِ في صَفَحاتِ الدُّنيا ونَحنُ في بَيتِ اللَّهِ. فَاتَّقوا اللَّهَ عِبادَ اللَّهِ، فَإِنَّ تَقوى اللَّهِ هِيَ الَّتي تَحمِلُكُم عَلى تَعظيمِ شَعائِرِهِ، وإِقامَةِ صَلَواتِكُم كَما يُريدُ سُبحانَهُ. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَلَيهِ، عَمَلاً بِقَولِهِ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك عَلى عَبْدِكَ ورَسولِكَ مُحَمَّدٍ، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَنِ اتَّبَعَهُ بِإِحسانٍ إِلى يَومِ الدِّينِ.
🤲 الدعاء اللَّهُمَّ اجعَلنا مِنَ المُحافِظينَ عَلى طَهارَتِهِم، القائِمينَ بِحَقِّ صَلَواتِهِم، الخاشِعينَ بَينَ يَدَيكَ. اللَّهُمَّ كَما طَهَّرتَ أَبدانَنا بِالماءِ، طَهِّر قُلوبَنا بِالتَّقوى والتَّوحيدِ، واغسِل حَوباتِنا، ونَقِّنا مِنَ الذُّنوبِ والخَطايا كَما يُنَقَّى الثَّوبُ الأَبيَضُ مِنَ الدَّنَسِ. اللَّهُمَّ ارْزُقْنا لَذَّةَ الصَّلاةِ، وحَلاوَةَ المُناجاةِ، واجعَلها قُرَّةَ أَعيُنِنا، وراحَةَ أَرواحِنا، ومِعراجاً لِقُلوبِنا إِلَيكَ. اللَّهُمَّ مَن سَبَقَنا مِن آبائِنا وأُمَّهاتِنا إِلى دارِ البَقاءِ، فَاغفِر لَهُم وارحَمهُم، واجعَل ما أَقَمناهُ مِن صَلاةٍ في مَوازينِ حَسَناتِهِم. اللَّهُمَّ آمِن رَوعاتِ المُسلِمينَ المُستَضعَفينَ في كُلِّ مَكانٍ، واربِط عَلى قُلوبِهِم، وانصُرهُم بِنَصرِكَ المُؤَزَّرِ يا قَوِيُّ يا مَتينُ. عِبادَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.