من مكتبة مِداد الخطيب

مختارات للخطيب

المرافق المشتركة: أمانة السلم والمصعد والطريق

مشاركة
🕌 المرافق المشتركة: أمانة السلّم والمصعد والطريق #خطبة_جمعة #حقوق_الطريق #المرافق_المشتركة #أذى_الجيران #أخلاق_المسلم #اجتماعيات الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الإيمانَ شُعَبًا مُتَكاثِرة، وأعلاها التوحيدُ الخالص، وأدناها إماطةُ الأذى عن طَريقِ المسلمين. الحمدُ لله الذي شَرَعَ لنا من الآدابِ ما يَجعَلُ الحياةَ آمنة، وجَعَلَ الشَّوارعَ والمَرافقَ مَحاريبَ نَتَعَبَّدُ فيها بالأخلاقِ قَبلَ الأبدان. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، حَرَّمَ أذِيَّةَ المؤمنين، وتَوَعَّدَ المُفسِدين، وأشهَدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُه، إمامُ المُتَّقينَ وقُدوَةُ المُتأدِّبين، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصَحبِه، وسَلَّمَ تسليمًا كثيرًا. أمَّا بعد: تَخَيَّلوا رَجلًا وَقَفَ يومَ القيامةِ بَصيامٍ وقِيامٍ كالجبال، ثمَّ أُفلِسَ وسُحِبَ إلى النَّارِ بسَبَبِ كِيسِ قُمامَةٍ وَضَعَهُ عندَ بابِ جارِه! أو مِصعَدٍ أتلَفَهُ عَمدًا! أو مَوقِفِ سيَّارةٍ أغلَقَهُ على أخيهِ فَعَطَّلَ مَصالِحَه! نحنُ نَظُنُّ أنَّ الأذى مَحصورٌ في سَفكِ الدِّماءِ وأكلِ الأموال، فماذا عن أمانَةِ السُّلَّمِ والمِصعَدِ والطَّريق؟ هذه الخطبةُ — بإذنِ الله — ستُغَيِّرُ نَظرَتكَ لكُلِّ خُطوةٍ تَخطوها خارِجَ بابِ شُقَّتِك، وستَكشِفُ لنا زاويةً مَنسيَّةً من زَوايا دِيننا العظيم. عبادَ الله، أَيُّها المُسلِمون، في هذا العَصرِ الذي تَقارَبَت فيه الجُدران، وتَطاوَلَت فيه البُنيان، وتَكَدَّسَت فيه المُدُن، ظَهَرَ لنا اختِبارٌ إيمانيٌّ جَديدٌ لم يَكُن مَوجودًا بتلكَ الكَثافَةِ في زَمَنِ مَن سَبَق. اختِبارٌ نَرسُبُ فيهِ كُلَّ يَومٍ دونَ أن نَشعُر. إنَّهُ اختِبارُ "المَرافِقِ المُشتَرَكَة". هل سَأَلنا أنفُسَنا يَومًا: لِماذا تَلمَعُ بُيوتُنا من الدَّاخِل، وتَئِنُّ سَلالِمُنا ومِصاعِدُنا وشَوارِعُنا مِنَ الإهمالِ والقَذارَة؟ كَيفَ يُعقَلُ أن نَخرُجَ مِن صَلاةِ الفَجرِ خاشِعين، ثُمَّ نَرمي أذًى في الطَّريقِ ونحنُ نَظُنُّ أنَّنا مُهتَدون؟ المَرَضُ العَظيمُ في قُلوبِ كَثيرٍ مِنَّا، أنَّنا فَصَلنا بَينَ صِحَّةِ العِبادةِ في المَسجِد، وبَينَ نَظافَةِ السُّلوكِ في المِصعَدِ والسُّلَّمِ والطَّريق! يَقولُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى في مُحكَمِ كِتابِه، بآيةٍ تَهتَزُّ لها القُلوبُ الحَيَّة: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: 58]. تَأمَّلوا هَذا الوَعيد! لَم يَقُلِ اللهُ "يَضرِبونَ" أو "يَسرِقون"، بَل قالَ: ﴿يُؤْذُونَ﴾، والأذى كَلِمَةٌ شامِلَةٌ تَدخُلُ فيها كُلُّ شَوكَةٍ تَزرَعُها في طَريقِ أخيك، حِسِّيَّةً كانَت أو مَعنَويَّة. إخوَتي الكِرام، كانَتِ البُيوتُ في الماضي أُفُقيَّة، كُلُّ رَجُلٍ يَملِكُ بابًا يَفتَحُهُ على الفَضاء. أمَّا اليَوم، فقَد أصبَحَت عِماراتٍ عَموديَّة، وصارَ "السُّلَّمُ" و"المِصعَدُ" هُما طَريقَ المُسلِمينَ الذي نَهى النَّبيُّ ﷺ عَن إيذائِهِم فيه. واسمَعوا هَذا الحَديثَ العَظيم، الذي يُؤَسِّسُ لِفِقهِ العُمرانِ وحُقوقِ الجِوارِ المَعاصِر. قالَ الصَّادِقُ المَصدوقُ ﷺ: «واللَّهِ لا يُؤْمِنُ، واللَّهِ لا يُؤْمِنُ، واللَّهِ لا يُؤْمِنُ». قيلَ: ومَن يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: «الذي لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوائِقَهُ» (رواه البخاري). والبَوائِقُ هِيَ الشُّرورُ والأذى. فَأينَ هَذا الحَديثُ مِن رَجُلٍ يَسكُنُ في شُقَّة، فَيَخرُجُ أبناؤُهُ في أوقاتِ الرَّاحَة، يَضرِبونَ بِأقدامِهِم على السُّلَّم، ويَصرُخونَ في المَمَرَّات، والجارُ المَريضُ يَتَقَلَّبُ في فِراشِهِ لا يَجِدُ نَومًا ولا راحَة؟ أينَ هَذا الحَديثُ مِمَّن يَضَعُ كِيسَ القُمامَةِ أمامَ بابِ شُقَّتِه، فَتَسيلُ مِنهُ النَّجاساتُ وتَفوحُ الرَّوائِح، ويَضطَرُّ جِيرانُهُ لِتَحَمُّلِ أذاهُ لِيَومٍ كامِل؟ هل يَظُنُّ هَذا أنَّ إيذاءَهُ هَيِّن؟ واللهِ سَيَجِدُ رائِحَةَ ذَلِكَ الكِيسِ سَيِّئَةً في صَحيفَتِهِ يَومَ العَرضِ الأكبَر! ويَقولُ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ الله، عِندَما سُئِلَ عَن حُسنِ الخُلُق، لَم يَقُلْ هُوَ كَثرَةُ الصِّيامِ والصَّلاة، بَل قال كَلِمَةً جامِعَة: "حُسنُ الخُلُقِ: كَفُّ الأذى، وبَذلُ النَّدى، وطَلاقَةُ الوَجه". فَكَفُّ الأذى هو أوَّلُ طابوقَةٍ في بِناءِ دِينِكَ مَعَ النَّاس. وقَد كانَ الفُضَيلُ بنُ عِياض رَحِمَهُ اللهُ يَقول: "واللهِ لا يَحِلُّ لكَ أن تُؤذِيَ كَلبًا أو خِنزيرًا بِغَيرِ حَقٍّ، فكَيفَ بِمَن يُؤذي مُسلِمًا؟". أَيُّها المُسلِمون، لِنَنتَقِل معًا الآن إلى صُندوقٍ مَعدِنيٍّ ضَيِّق، نَستَخدِمُهُ جَميعًا في عِماراتِنا ومُؤسَّساتِنا... "المِصعَد". هذا المِرفَقُ المُشتَرَكُ الذي يُفطَرُ فيهِ قَلبُ المُؤمِنِ حِينَ يَرى آثارَ العَبَث! مَن الذي سَمَحَ لِشابٍّ أو رَجُلٍ أن يُشعِلَ سِيجارَتَهُ داخِلَ المِصعَد، فَيَترُكَهُ سَحابةً سَامَّةً مِنَ الدُّخانِ الخانِق، لِيَدخُلَ بَعدَهُ رَجُلٌ مُسِنٌّ أو طِفلٌ رَضيعٌ أو مَريضٌ بالرَّبوِ فَيَكادُ يَختَنِق؟ مَن الذي أعطى الحَقَّ لأبناءِ بَعضِنا أن يَخدِشوا جُدرانَ المِصعَد، أو يُتْلِفوا أزرارَه، أو يَترُكوا فيهِ أوساخَهُم؟ يَقولُ اللهُ سُبحانَهُ في وَصفِ المُفسِدين: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: 56]. واللَّهُ إنَّ إتلافَ زِرِّ مِصعَدٍ، أو كَسرَ مِصباحٍ في سُلَّم، أو تَشويهَ جِدارٍ مُشتَرَك — هُوَ مِنَ الإفسادِ في الأرضِ بَعدَ إصلاحِها. ولكِن، تَعالَوا نَرجِع إلى الوراء ألفًا وأربَعَمِئَةِ عام، لِنَرى كَيفَ كانَ النَّبيُّ ﷺ يُؤَسِّسُ لِنَظافَةِ المَرافِقِ العامَّة. رَوى الإمامُ مُسلِمٌ في صَحيحِه، مِن حَديثِ أبي هُرَيرَةَ رَضيَ اللهُ عَنه، أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: «مَرَّ رَجُلٌ بغُصنِ شَجَرَةٍ على ظَهرِ طَريق، فَقال: واللَّهِ لَأُنَحِّيَنَّ هذا عَنِ المُسلِمينَ لا يُؤذِيهِم، فَأُدخِلَ الجَنَّة». تَأمَّلوا مَعي هَذا المَشهَد العَجيب! رَجُلٌ يَمشي في الطَّريق، لَم يَبنِ مَسجِدًا، ولَم يُجَهِّز جَيشًا، ولَم يَتَصَدَّق بِملايين الدَّنانير. كُلُّ ما فَعَلَهُ أنَّهُ رَأى غُصنًا فيه شوكٌ مُلقىً في طَريقِ النَّاس المارَّة. ماذا قالَ في نَفسِه؟ قال: "واللهِ لَأُنَحِّيَنَّ هذا عَنِ المُسلِمينَ لا يُؤذيهم". نِيَّةٌ نَقِيَّةٌ سَلِيمَة. نَحَّى الغُصن، فماذا كانَ الجَزاء؟ في رِوايَةٍ أُخرى عِندَ مُسلِم تَهتَزُّ لَها القُلوب: «فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ». يا سُبحانَ الله! رَبُّ السَّماواتِ والأرض، المَلِكُ الجَبَّار، "يَشكُرُ" لِعَبدٍ ضَعيفٍ لأنَّهُ رَفَعَ غُصنًا عَن مِرفَقٍ عام! فَأدخَلَهُ الجَنَّة. إذا كانَ هَذا هو جَزاءُ مَن "أمَاطَ" الأذى... فَبِرَبِّكُم، ماذا سَيَكونُ جَزاءُ مَن "وَضَعَ" الأذى؟ ما هو عِقابُ مَن يَرمي مُخَلَّفاتِ بِنائِهِ في الطَّريق؟ ومَن يَترُكُ كِيسَ القُمامَةِ يَنضَحُ بِالقَذارَةِ في مَمَرِّ العِمارَة؟ ومَن يَرمي قُمامَتَهُ مِن نافِذَةِ سَيَّارَتِهِ لِيُشَوِّهَ شَوارِعَ المُسلِمين؟ أَيُّها الإخوَةُ الأفاضِل، إنَّ الخَطيئَةَ تَتَضاعَفُ كُلَّما تَعَدَّى ضَرَرُها. وقَد قَرَّرَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رَحِمَهُ اللهُ قاعِدَةً ذَهَبيَّةً يَجِبُ أن نَكتُبَها بِماءِ العَين، قال: "حُقوقُ اللهِ مَبنِيَّةٌ على المُسامَحَة، وحُقوقُ العِبادِ مَبنِيَّةٌ على المُشاحَّة". ما مَعنى هَذا؟ مَعناهُ أنَّكَ لَو أذنَبتَ ذَنبًا بَينَكَ وبَينَ الله (كالصَّلواتِ التي ضَيَّعتَها في سِرِّك)، فَإنَّ دَمعَةً واحِدَةً في ظَلامِ اللَّيل، مُرفَقَةً بِصِدقِ التَّوبَة، قَد تَغسِلُ كُلَّ جَرائِمِك، لأنَّ اللهَ كَريمٌ يُسامِح. لَكِن، لَو أتلَفتَ مِرفَقًا عامًّا، أو أتلَفتَ حَديقَةً مَبنِيَّةً مِن أموالِ الدَّولَة، أو عَبَثتَ بِمُمتَلَكاتِ العِمارَةِ التي يَسكُنُها عِشرونَ عائِلَة... فَهَذا الذَّنبُ العامُّ حَقٌّ لِلعِباد! يَومَ القِيامَةِ، لَن يَكفي أن تَطلُبَ العَفوَ مِن شَخصٍ واحِد، بَل سَيَقِفُ لَكَ خُصومٌ بِعَدَدِ مَن سَكَنوا العِمارَة، وبِعَدَدِ مَن مَرُّوا بِالطَّريق، وبِعَدَدِ مَن دَفَعوا ضَرائِبَ تِلكَ المَرافِق! خَطيئَةٌ عامَّةٌ لا تَكفيها دَمعَة، بَل تَحتاجُ إلى آلافِ الاعتِذاراتِ يَومَ الحِساب! فَهل مِنَّا مَن يُطيقُ ذَلك؟ وخُذوا هَذا التَّطبيقَ الواقِعيَّ المُؤلِم: "مَواقِفُ السَّيَّارات". كَم نَرى في شوارِعِنا وأمامَ مَساجِدِنا مِن أخٍ يُوقِفُ سَيَّارَتَهُ مُزدَوِجَةً (خَلفَ سَيَّاراتِ الآخَرين)، فَيُغلِقُ الطَّريق، ويَذهَبُ لِيَتَسَوَّقَ أو يَقضيَ حاجَتَه، بَل ورُبَّما لِيُصَلِّي! ويَقولُ في نَفسِه: "خَمسُ دَقائِقَ فَقط". هَذِهِ الخَمسُ دَقائِق، ماذا فَعَلَت؟ قَد تَكونُ سَبَبًا في تَأخُّرِ طَبيبٍ عَن عَملِيَّةٍ جِراحيَّةٍ عاجِلَة. قَد تُؤَخِّرُ رَجُلًا عَن رِحلَةِ طَيَران. قَد تَمنَعُ رَجُلًا مِن إسعافِ ابنِهِ المَريض. قَد تَجعَلُ شَخصًا يَغلي قَهرًا وغَضَبًا وهُوَ يَنتَظِرُ صاحِبَ السَّيَّارَة. ثُمَّ يَأتِي صَاحِبُ السَّيَّارَةِ بِكُلِّ بُرود، مُعتَقِدًا أنَّهُ لَم يَرتَكِب إثمًا! قالَ النَّبيُّ ﷺ وهُوَ يُحَذِّرُ مِن إغلاقِ طُرقاتِ المُسلِمين، كَما في حَديثِ مُعاذٍ المُخرَّجِ في السُّنَن: «اتَّقُوا المَلاعِنَ الثَّلاثَ: البَرازَ في المَوارِد، وَقَارِعَةِ الطَّريقِ، وَالظِّلِّ». المَلاعِن: أي الأفعالُ التي تَجلِبُ لَعنَةَ النَّاسِ على فاعِلِها. فَمَن ضَيَّقَ على النَّاسِ طَريقَهُم، أوقَعَ نَفسَهُ في خَطَرِ أن يَدعُوَ عَلَيهِ المَظلوم، ودَعوَةُ المَظلومِ لَيسَ بَينَها وبَينَ اللهِ حِجاب. وفي الحَديثِ الآخَرِ الذي يَرويه الإمامُ أحمَد: «مَن ضَيَّقَ مَنزِلًا، أو قَطَعَ طَريقًا، أو آذى مُؤمِنًا، فَلا جِهادَ لَه». عِبادَ الله، استَمِعوا إلى هَذِهِ القِصَّةِ النَّبَويَّةِ التي تُعطِينا مِيزانَ الإيمانِ في العَلاقَةِ مَعَ الجارِ والمَرافِقِ المُشتَرَكَة. جاءَ رَجُلٌ يَشكو جارَهُ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ مِن شِدَّةِ أذاهُ لَه، فماذا تَظُنُّونَ فَعَلَ النَّبيُّ ﷺ؟ هَل قالَ لَهُ: اذهَب فاصبِر فَقَط؟ لا، بَل قالَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ أمراً عَجيباً: «اذْهَبْ، فَاطْرَحْ مَتَاعَكَ فِي الطَّرِيقِ». (رواه أبو داود). فَذَهَبَ الرَّجُلُ وأخرَجَ عَفشَ بَيتِهِ وأثاثَهُ وَرَماهُ في الشَّارِع. فَبَدأَ النَّاسُ يَمُرُّونَ عَلَيهِ ويَسألونَه: ما شَأنُك؟ لِماذا أثاثُكَ في الطَّريق؟ فَيَقول: جاري يُؤذيني! فَماذا فَعَلَ النَّاس؟ بَدَأوا يَلعَنونَ الجارَ المُؤذي: "لَعَنَهُ الله، أبعَدَهُ الله، قَبَّحَهُ الله". فَلَمَّا بَلَغَ الجارَ المُؤذِيَ أنَّ النَّاسَ يَلعَنونَهُ وتَشهَرُ بِأذاه، جاءَ يَركُضُ مَذعورًا، وقالَ لِجارِه: "ارْجِعْ، لا تَرَى بِي شَيْئاً تَكْرَهُهُ". هَكَذا كانَ المُجتَمَعُ النَّبَويُّ، لا يَرحَمُ المُؤذي، ولا يَصمُتُ عَن حُقوقِ الجِوارِ والمَرافِق. فالحُرِّيَّةُ الشَّخصِيَّةُ تَقِفُ عِندَ حُدودِ أذى الآخَرين. ومَن ظَنَّ أنَّهُ حُرٌّ في أن يَرفَعَ صَوتَ التِّلفازِ في بَيتِهِ لِيَسمَعَهُ الشَّارِعُ كُلُّهُ فَهوَ مُخطِئ، ومَن ظَنَّت أنَّها حُرَّةٌ في أن تَغسِلَ شُرفَتَها وتَسكُبَ الماءَ والوَسَخَ على شُرفَةِ جيرانِها في الأسفَلِ فَهِيَ آثِمَةٌ ظالِمَة. قالَ اللهُ تَعالى يُؤَدِّبُنا في طَريقَةِ الحَديثِ والمَشيِ نَفسِها: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: 63]، أي بِسَكينَةٍ لا يُزعِجونَ أحَدًا ولا يَتَكَبَّرونَ على أحَد. وقالَ في وَصِيَّةِ لُقمان: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: 19]. فَكيفَ بِمَن يَتَعَمَّدُ الصُّراخَ وإزعاجَ الآمِنين؟ يا أُمَّةَ مُحَمَّد، قَد تَقولُ في نَفسِك الآن: "هَذِهِ تَفاصيلُ صَغيرَة، ودِينُنا أوسَعُ مِن ذَلك". وأقولُ لَك: بَل في هَذِهِ التَّفاصيلِ يَكمُنُ جَوهَرُ الإيمان. أَلَم نَقرَأْ جَميعًا في كِتابِ اللَّهِ قَولَه: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: 15]؟ الصَّغائِرُ عِندَما تَتَعَلَّقُ بِحُقوقِ النَّاسِ تُصبِحُ جِبالًا. وفي الحَديثِ الصَّحيح، ذُكِرَت للنبيِّ ﷺ امْرَأَةٌ صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ (يَعني تُكثِرُ الصِّيامَ والصَّلاة)، غَيرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قالَ ﷺ: «لا خَيْرَ فِيهَا، هِيَ في النَّارِ». فَيا رَبِّ سَلِّم سَلِّم! صِيامٌ وصَلاةٌ نَسَفَها إيذاءُ الجِيران! تَأمَّلوا مَعي — إخوَتي — كَيفَ تُريدُ أن يَقبَلَ اللهُ صَلاتَكَ في المَسجِد، إذا لَم يَأمَنِ النَّاسُ أذاكَ في المِصعَد؟ وكَيفَ تَطلُبُ الرَّحمَةَ مِن رَبِّ السَّماء، وأنتَ لا تَرحَمُ جيرانَكَ في الأرض؟ مِنَ اليَوم، اجعَل خُروجَكَ مِن بابِ بَيتِكَ عِبادَة. واجعَل حِفاظَكَ على نَظافَةِ السُّلَّمِ وسلامَةِ المِصعَدِ صَدَقة. واجعَل غَضَّكَ لِبَصَرِكَ وكَفَّكَ لِأذاكَ في الشَّارِعِ جِهادًا لله. أقولُ قَولي هَذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الإحسانَ عُنوانَ المُؤمِنين، وألزَمَنا بِرِعايَةِ حُقوقِ الجِوارِ ومَرافِقِ المُسلِمين، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، المَبعوثُ رَحمَةً للعالمين، صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وصحبِه، وسَلَّم تسليمًا كثيرًا. أمَّا بعد: عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عَن أمانَةِ المَرافِقِ المُشتَرَكَة (السلَّم، المِصعَد، مواقِف السيَّارات)، ووَقَفنا مَعَ حَقيقَةِ أنَّ إيذاءَ المُسلِمينَ فيها ذَنبٌ عَامٌّ يَحتاجُ إلى تَوبَةٍ ومُسامَحَةٍ مِنَ الجَميع، وتَدَبَّرنا قِصَّةَ مَن دَخَلَ الجَنَّةَ بِغُصنِ شَوكٍ أزاحَهُ عَنِ الطَّريق. والآن، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ العَمَليِّ الأَهَمّ: كَيفَ نُتَرجِمُ ما سَمِعنا إلى واقِعٍ نَعيشُهُ اليَوم، لِتَكونَ بُيوتُنا وعِماراتُنا مَحاضِنَ لِلأمنِ والإيمان؟ أوصيكم بخَمسٍ قبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، تَجعَلُ مِنكُم نَسمَةَ رَحمَةٍ في مُجتَمَعاتِكم: الأولى (قَلبيَّة): استَحضِر نِيَّةَ الصَّدَقَةِ في كُلِّ مَرَّةٍ تَستَخدِمُ فيها مِرفَقًا عامًّا. إذا رَكِبتَ المِصعَد، انوِ أن لا تُؤذيَ أحَدًا، وإذا نَزَلتَ السُّلَّم، انوِ السَّكينَة. قالَ ﷺ: «تَبَسُّمُكَ في وَجهِ أخيكَ صَدَقة، وإماطَتُكَ الأذى عَنِ الطَّريقِ صَدَقة». فالنِّيَّةُ تُحَوِّلُ العادَةَ إلى عِبادَة. الثانية (لِسانيَّة): اِخفِض صَوتَكَ وصَوتَ أبنائِكَ في المَمَرَّاتِ والسَّلالم، وعَلِّمهُم أنَّ أروِقَةَ العِماراتِ لَيسَت مَلاعِب. إذا مَرَرتُم بِجِيرانِكُم أو رَكِبتُم المِصعَد، فألقوا السَّلامَ بِابتِسامَة. فإنَّ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ في المَكانِ الضَّيِّقِ تَشرَحُ الصُّدورَ وتَنفي الحِقد. الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): كُن أنتَ المُبادِرَ بِرَفعِ الأذى، ولا تَكتَفِ بِمُجَرَّدِ عَدَمِ الإيذاء. إذا رَأيتَ مِناديلَ ورَقيَّةً مُلقاةً في المِصعَد، أو أوساخًا أمامَ السُّلَّم — فالتَقِطها وأنتَ تَحتَسِبُ أنَّ اللَّهَ يَنظُرُ إليك، لَعَلَّها تَكونُ تِلكَ اللَّمسَةَ التي تُدخِلُكَ الجَنَّةَ كَصاحِبِ الغُصن! كُن صانِعًا للجَمالِ ولو أفسَدَهُ الآخَرون. الرابعة (اجتماعيَّة): إذا أخطَأتَ واضطُرِرتَ لِلوُقوفِ الخاطِئِ يَومًا لِظَرفٍ قاهِر، أو أزعَجتَ جارَكَ بِغَيرِ قَصد — فاذهَب إلَيهِ واعتَذِر بلُطف. قُل لَه: "سامِحني يا أخي، لَقَد أخطَأتُ في حَقِّك". الاعتِذارُ يَكسِرُ الكِبرَ ويَبني شَبَكاتِ الوُدِّ بينَ الجِيران، والمُؤمِنُ هَيِّنٌ لَيِّن، يَأْلَفُ ويُؤْلَف. الخامسة (موضوعيَّة): عامِل كُلَّ مِرفَقٍ عامٍّ أفضَلَ مِمَّا تُعامِلُ مِمتَلَكاتِكَ الخاصَّة. المَسجِد، الحَديقَة، السُّلَّم، المِصعَد، الشَّارِع — كُلُّها مُمتَلَكاتُ أُمَّة. وحِمايَتُها حِمايَةٌ لِأمانَةِ الدِّين. فاتقوا الله عباد الله، فإن تقوى الله هي التي تحملكم على إعطاء الطريق حقه، وصون حقوق الجار، وتطهير القلوب قبل تطهير الدروب. ثُمَّ صلُّوا وسلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصلاةِ عَليه، عَمَلًا بِقَولِ رَبِّكم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحَمَّد، وعلى آلهِ وصَحبِهِ أجمَعين، ومَن تَبِعَهم بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين. اللَّهمَّ اجعَلنا مِمَّن كَفَّ أذاهُ عَنِ النَّاس، وبَذَلَ نَداهُ لإخوانِه. اللَّهمَّ حَسِّن أخلاقَنا، كَما حَسَّنتَ خَلقَنا، واجعَلنا مَفاتيحَ لِلخَير، مَغاليقَ لِلشَّر. اللَّهمَّ لا تَجعَلنا مِمَّن يُؤذونَ المُؤمِنينَ والمُؤمِناتِ فَيَحتَمِلوا بُهتانًا وإثمًا مُبينًا. اللَّهمَّ ارزُقنا أداءَ حُقوقِ المُصطَفى، وعِفَّةَ الأتقياء، ورَحمَةَ الأولياء. اللَّهمَّ ألِّف بَينَ قُلوبِ الجيران، وأصلِح ذاتَ بَينِ المُسلِمين، واجعَل بُيوتَنا ومَرافِقَنا مَواطِنَ أمنٍ وسلامٍ وتَراحُم. اللَّهمَّ اغفِر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. اللَّهمَّ احقِن دِماءَ إخوانِنا المُستَضعَفين في فِلَسطينَ وفي كُلِّ مَكان، وانصُرهُم على مَن ظَلَمَهُم يا قَويُّ يا عَزيز. عبادَ الله، إنَّ اللهَ يأمرُ بالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عن الفحشاءِ والمنكرِ والبَغي، يَعِظُكم لعلَّكم تَذَكَّرون. فاذكروا اللهَ العظيمَ يَذكُركم، واشكُروه على نِعَمِه يَزِدكم، ولَذِكرُ اللهِ أكبر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.