🕌 زكاة الفطر: طهرة للصائم ورحمة بالمحتاج
#خطبة_جمعة #زكاة_الفطر #رمضان #الصدقة #فقه_العبادات #أخلاق
الحمدُ للهِ الذي فَرَضَ الصِّيامَ هَذيباً للنُّفوس، وجَعَلَ في خِتامِهِ زكاةَ الفِطرِ طُهرَةً للصَّائمينَ ونَماء، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وَسَّعَ على عِبادِهِ في مَواسِم الطَّاعاتِ وأجزَلَ لهمُ العَطاء، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، أندى العالَمينَ كَفّاً وأسخاهُم نَفساً في السَّرَّاءِ والضَّرَّاء، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تَسليماً كَثيراً. أمَّا بعدُ:
تَخَيَّل أنَّ صيامَكَ الذي تَعِبتَ فيهِ طَوالَ شَهرٍ كامِل، قد تَخدِشُهُ كَلمةٌ طائشة، أو نَظرَةٌ غافِلَة، فيَبقى مُعَلَّقاً أو ناقِصاً يَنتَظِرُ ما يَرفَعُهُ ويَجبُر كَسرَه. هُنالِك، وفي اللَّحَظاتِ الأخيرةِ قبلَ شُروقِ شَمسِ العِيد، تَتَدَخَّلُ شَعيرةٌ عَظيمةٌ لِتَغسِلَ هذا النَّقص، وتَمسَحَ هذا الخَدش. شَعيرةٌ شَرَعَها اللهُ لِتَجعَلَكَ في يَومِ الفِطرِ طاهِراً في نَفسِك، ومَرحَمَةً لِغَيرِك. فما هِيَ هذه الشَّعيرة؟ وكيفَ نُؤَدِّيها على وَجهِها الَّذي يُرضي رَبَّنا؟
أيُّها المُؤمنون، تَمضي الأيَّامُ سِراعاً، وتُطوى صَحائفُ شَهرِ رَمَضانَ يَوماً بَعدَ يَوم. بالأمسِ القَريبِ كُنَّا نَستَبشِرُ بِهلالِه، واليومَ نَرقُبُ وَداعَه. وفي غَمرَةِ هذا الوَداع، يَقِفُ المُؤمنُ الصَّادِقُ مُحاسِباً لِنَفسِه، ناظِراً في صَحيفةِ صيامِه. نَنظُرُ في أيَّامِنا فَنَرى فيها ثُقوباً من غَفلَة، وشُقوقاً من زَلَل، وكَلِماتٍ لَيتَ العَقلَ أمسَكَها قَبلَ أن يَنطِقَ بِها اللِّسان.
هل سَأَلنا أنفُسَنا يَوماً: ماذا لو قُبِضَت أرواحُنا وهذا النَّقصُ في صيامِنا لم يُجبَر؟ إنَّ القَلبَ لَيَرجَفُ خَوفاً من أن يُرَدَّ العَمَلُ بَعدَ التَّعَب. ولَكِنَّ رَحمَةَ اللهِ أوسَعُ من تَقصيرِنا، فَقَد أبى رَبُّنا الكَريمُ أن يُوَدِّعَنا هذا الشَّهرَ إلَّا وقَد شَرَعَ لَنا ما يَجبُرُ الكَسر، ويَرقَعُ الخَلَل، ويَمسَحُ الذَّنب.
يَقولُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى في مُحكَمِ تَنزيلِه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ﴾ [سورة الأعلى: 14-15]. تَأمَّلوا هَذا الرَّبطَ العَجيبَ في كِتابِ الله! رَبَطَ الفَلاحَ بالتَّزَكِّي قَبلَ ذِكرِ الصَّلاة. وقَد ذَكَرَ الإمامُ البَغَويُّ في تَفسيرِهِ عَن كَثيرٍ مِن عُلَماءِ السَّلَفِ أنَّ المَقصودَ بِهاتَينِ الآيَتَين هُوَ زَكاةُ الفِطرِ وصَلاةُ العِيد. يُخرِجُ المُسلِمُ زَكاتَهُ فَيَتَطَهَّر، ثُمَّ يَخرُجُ مُكَبِّراً ذاكِراً رَبَّهُ لِيُصَلِّيَ العِيد. إنَّهُ التَّرتيبُ الإلهيُّ لِلفَرَحِ المُتَوَّجِ بالطَّهارَة.
واسمَعوا لِهذا الحَديثِ الَّذي يُفَصِّلُ المُراد، وبِهِ يَتَّضِحُ المَقصَد. يَروي حَبرُ الأُمَّةِ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عَنهُما فَيَقول: «فَرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ طُهرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغوِ والرَّفَث، وطُعمَةً لِلمَساكِين، مَن أدَّاها قَبلَ الصَّلاةِ فَهِيَ زَكاةٌ مَقبولَة، ومَن أدَّاها بَعدَ الصَّلاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقات» (رواهُ أبو داود وابنُ ماجه بإسنادٍ حَسَن).
يا لَعَظَمَةِ هَذا الدِّين! ويا لَرَحمَةِ هَذا الرَّبِّ الكَريم! دَعونا نَقِفُ مَعَ هَذا الحَديثِ وَقفَةَ مُتَأمِّل. قَسَّمَ النَّبيُّ ﷺ غايَةَ زَكاةِ الفِطرِ إلى قِسمَينِ عَظيمَين: "طُهرَةٌ للصَّائِم"، و"طُعمَةٌ للمَساكين". مَصلَحَةٌ تَعودُ إلَيكَ في دينِك، ومَصلَحَةٌ تَعودُ إلى أُمَّتِكَ في دُنياها.
أمَّا كَونُها طُهرَةً للصَّائِم، فَلِأنَّ الصَّائِمَ في شَهرِ رَمَضانَ لا يَخلو مِن نَقص. كَم مَرَّةً غَضِبنا وهارَجنا في نَهارِ رَمَضان؟ كَم نَظرَةً حَرَصنا ألا تَقَعَ، فَوَقَعَت؟ كَم كَلِمَةَ غيبَةٍ أو مِراءٍ خَدَشَت صَفحَةَ الصِّيامِ البَيضاء؟ يَأتي شَهرُ رَمَضانَ فَيَكونُ كالثَّوبِ الأبيَض، وتَأتي هَذهِ الزَّلَّاتُ فَتُصيبُهُ بالبُقَع.
فَما الحَلُّ؟ هَل نَلقى اللهَ بِثَوبٍ مُبَقَّع؟ كَلَّا، بَل شَرَعَ اللهُ لَنا زَكاةَ الفِطرِ لِتَكونَ المِسحَةَ النِّهائيَّةَ الَّتي تُزيلُ تِلكَ البُقَع. يَقولُ الإمامُ وَكيعُ بنُ الجَرَّاحِ رَحِمَهُ الله، عِبارَةً تُكتَبُ بِماءِ الذَّهَب: "زَكاةُ الفِطرِ لِشَهرِ رَمَضانَ كَسَجدَتَي السَّهوِ لِلصَّلاة، تَجبُرُ نُقصانَ الصَّومِ كَما يَجبُرُ السُّجودُ نُقصانَ الصَّلاة". اللهُ أكبَر! سَجدَةُ سَهوٍ تُؤَدِّيها بمالِكَ وطَعامِك، فَيُمحى بِها سَهوُ لِسانِكَ وقَلبِك. أَلَا تُحِبُّونَ أن يَغفِرَ اللهُ لَكُم ويُطَهِّرَ صيامَكُم؟
ولْنَتَأمَّل مَعاً في الجانِبِ الثَّاني مِن غايَةِ هَذهِ الشَّعيرَة: "طُعمَةٌ للمَساكين". أيُّها المُسلِمون، إنَّ الإسلامَ دينٌ لا يَعرِفُ الفَرديَّةَ المُنعَزِلَة. يَومُ العِيدِ في شَريعَتِنا هُوَ يَومُ ضيافَةِ اللهِ لِعِبادِه، ولِذلِكَ حَرُمَ صيامُهُ إجماعاً. فَكيفَ يَرضى دينُ المَرحَمَةِ أن يَجلِسَ مُسلِمٌ عَلى مائِدَةِ الفَرَح، ويَلبَسَ أجمَلَ الثِّياب، وبِجِوارِهِ أُسرَةٌ مُسلِمَةٌ تَتَضَوَّرُ جُوعاً، ولا تَجِدُ ما تَسُدُّ بِهِ رَمَقَ أطفالِها في يَومٍ يُحَرَّمُ فيهِ الصَّوم؟
كيفَ نَجرُؤُ عَلى الفَرَحِ بِعِيدٍ، وفي حَيِّنا بُطونٌ لَم تَذُق طَعمَ الشَّبَع؟ أيُعقَلُ أن يَمِلكَ الواحِدُ مِنَّا قُوتَ يَومِهِ ولَيلَتِه، ويَشتَرِيَ لِأبنائِهِ أغلَى الثِّياب، ثُمَّ يَبخَلَ بِصاعٍ مِن طَعامٍ يُطَهِّرُ بِهِ شَهرَهُ كُلَّه؟
يَقولُ اللهُ سُبحانَهُ مُمتَدِحاً عِبادَهُ الأبرار: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [سورة الإنسان: 8-9]. زَكاةُ الفِطرِ لَيسَت مُجَرَّدَ طَعامٍ يُنقَلُ مِن بَيتٍ إلى بَيت، بَل هِيَ رَحمَةٌ تُسكَبُ في قُلوبِ المُنكَسِرين. الفَقيرُ في يَومِ العِيدِ لا يَبحَثُ عَن حَفنَةِ رُزٍّ أو تَمرٍ يَسُدُّ بِها جُوعَهُ فَحَسب، بَل يَبحَثُ عَن يَدٍ تَربِتُ عَلى كَتِفِه، ورِسالَةٍ مِن أُمَّتِهِ تَقولُ لَه: "أنتَ لَستَ وَحدَك، نَحنُ جَسَدٌ واحِد، فَرَحُنا لا يَكتَمِلُ إلَّا بِفَرَحِك".
وهُنا سِرٌّ فِقهيٌّ واجتِماعيٌّ بَديع، لَو تَأمَّلناهُ لَعَرَفنا عَظَمَةَ التَّشريعِ الإلهي. هَل سَأَلنا أنفُسَنا: لِماذا فُرِضَت هَذهِ الزَّكاةُ عَلى الرُّؤوسِ والأبدانِ لا عَلى الأموالِ المُدَّخَرَة؟ لِماذا تُفرَضُ عَلى الرَّضيعِ الَّذي وُلِدَ قَبلَ غُروبِ آخِرِ يَومٍ مِن رَمَضان؟ بَل لِماذا تُفرَضُ حَتَّى عَلى الفَقيرِ الَّذي يَملِكُ قُوتَ يَومِهِ ولَيلَتِهِ فَحَسب؟
إنَّ اللهَ تَعالى يُريدُ أن يُذيقَ الفَقيرَ — ولَو مَرَّةً واحِدَةً في العام — حَلاوَةَ اليدِ العُليا. يُريدُ أن يَنتَشِلَهُ مِن شُعورِ الانكِسارِ المُستَمِرِّ كَمُتَلَقٍّ لِلصَّدَقات، لِيَجعَلَهُ في يَومِ العِيدِ "مُعطِياً" ومُتَصَدِّقاً بِنَفسِه. الفَقيرُ الَّذي قَدِمَت إلَيهِ الصَّدَقات، يَأخُذُ كِفايَتَه، ثُمَّ يُخرِجُ زَكاتَهُ عَن نَفسِهِ وأهلِ بَيتِهِ لِمَن هُوَ أفقَرُ مِنه. أيُّ رِفعَةٍ نَفسيَّةٍ هَذِه؟ أيُّ كَرامَةٍ يَصنَعُها هَذا الدِّينُ في قُلوبِ أتباعِه؟ إنَّهُ دينٌ يَبني المَحَبَّةَ عَلى أُسُسِ العَطاء المتبادل.
وَلْيَتَأمَّل كُلُّ واحِدٍ مِنَّا في حالِهِ مَعَ العَطاء، ثُمَّ لِيُقارِنهُ بِحالِ تِلكَ الثُّلَّةِ المُبارَكَةِ مِن سَلَفِنا الصَّالِح. دَعونا نَنتَقِلُ الآنَ 1400 سَنَةٍ لِلخَلف، إلى حُجرَةٍ صَغيرَةٍ في المَدينَةِ المُنَوَّرَة، حَيثُ تَجلِسُ أُمُّ المُؤمِنينَ عائِشَةُ رَضيَ اللهُ عَنها. كانَت صائِمَةً في يَومٍ شَديدِ الحَرّ. جاءَها عَطاءٌ مِن بَيتِ المالِ يَبلُغُ مِائَةَ ألفِ دِرهَم — ثَروَةٌ طائِلَةٌ بِمَقاييسِ ذَلِكَ الزَّمان! فَلَم تَجلِس لِتَعُدَّها وتَكنِزَها، بَل نادَت خادِمَتَها وبَدَأت تُوَزِّعُها ذاتَ اليَمينِ وذاتَ الشِّمال، حَتَّى أمْسَت ولَم يَبقَ عِندَها دِرهَمٌ واحِد.
فَلَمَّا حانَ وَقتُ الإفطار، قالَت لِخادِمَتِها: هاتي فُطورَنا. فَجاءَت الخادِمَةُ بِخُبزٍ وزَيت. فَقالَت الخادِمَة مُتَعَجِّبَة: يا أُمَّ المُؤمِنين، أمَا استَطَعتِ فيما قَسَمتِ اليَومَ أن تَشتَري لَنا بِلَحمٍ بِدِرهَمٍ واحِدٍ نُفطِرُ عَلَيه؟ فَقالَت عائِشَةُ رَضيَ اللهُ عَنها بكلِّ رِضًا وسَكينَة: "لَو كُنتِ ذَكَّرتِني لَفَعَلت".
يُقَسِّمُونَ مِائَةَ ألفِ دِرهَم، ويَنسَونَ إفطارَهُم ألا يَكونَ فيهِ قِطعَةُ لَحم! أيُّ نُفوسٍ هَذِه؟ أيُّ قُلوبٍ تِلكَ الَّتي كانَت تَتَلَذَّذُ بِإطعامِ الغَيرِ أكثَرَ مِن تَلَذُّذِها بِطَعامِها؟ ويَقولُ اللهُ واصِفاً هَذا السِّرَّ العَظيم: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [سورة آل عمران: 92].
وهَذا الصَّحابيُّ الجَليل، عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ رَضيَ اللهُ عَنهُما، كانَ مِن أشَدِّ النَّاسِ حِرصاً عَلى أداءِ زَكاةِ الفِطرِ في وَقتِها وعَلى سُنَّةِ نَبيِّه. كانَ يُخرِجُها قَبلَ العِيدِ بِيَومٍ أو يَومَين، ويَبعَثُ بِها إلَى الجُباةِ الَّذينَ يَجمَعونَها لِلفُقَراء، لا يَتَأخَّرُ عَنها، ولا يَتَهاوَنُ بِها، عِلماً مِنهُ بِأنَّ خَيرَ الصَّدَقَةِ ما حَلَّ في وَقتِ الحاجَة.
إخواني في الله، صَنائِعُ المَعروفِ تَقِي مَصارِعَ السُّوء، والمُسلِمُ في ظِلِّ صَدَقَتِهِ يَومَ القِيامَة. وأنتَ تَمشي في الأَسواقِ هَذِهِ الأيَّام، تَشتَري حَلواءَ العِيد، وتَختارُ لِأبنائِكَ جَديدَ الثِّياب، وتَستَعِدُّ لِاستِقبالِ المَهَنِّئين، تَذَكَّر أنَّ هُناكَ مَن يَمشي في نَفسِ السُّوق، يَقِفُ أمامَ نَفسِ الدَّكاكين، يَعُدُّ قُروشاً قَليلَةً في جَيبِه، ويَنظُرُ في أعيُنِ أطفالِهِ الَّتي تَرتَقِبُ مِنهُ كِسوَتَهم وطَعامَهُم، فَيَبتَلِعُ غُصَّتَهُ ويَعودُ إلَيهِم بِيَدَينِ خاوِيَتَين.
كَيفَ سَيَكونُ حالُ ذَلِكَ الأَبِ صَبيحَةَ العِيدِ إن لَم تَصِلهُ زَكاتي وزَكاتُك؟ إنَّ زَكاةَ الفِطرِ هِيَ الرِّسالَةُ الرَّبَّانيَّةُ الَّتي تُرسَلُ عَن طَريقِ يَدِكَ لِتَمسَحَ دَمعَةَ ذَلِكَ الأَب، ولِتَرسُمَ البَسمَةَ عَلى وَجهِ طِفلِه. فَمَن بَخِلَ باليَسيرِ في يَومِ الفَرَح، حُرِمَ الكَثيرَ في يَومِ الحِساب. ومَن أنفَقَ ابتِغاءَ وَجهِ الله، فَإنَّ اللهَ يُخلِفُه، كَما وعَدَ سُبحانَهُ في كِتابِه: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سورة سبأ: 39].
أقولُ قَولي هَذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنب، فاستَغفِروهُ إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
🕌 الخطبة الثانية
الحَمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيهِ كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورَسولُه، صلَّى اللهُ عَلَيهِ وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بَعدُ:
عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأُولى مَعَ المَعنى العَميقِ لِزَكاةِ الفِطر، وكَيفَ أنَّها رُقعَةٌ شَرعيَّةٌ تَجبُرُ نَقصَ صيامِنا وتُطَهِّرُهُ مِن اللَّغوِ والرَّفَث. ورَأينا كَيفَ شَرَعَها الإسلامُ لِتَكونَ طُعمَةً لِلمَساكين، تَسُدُّ جُوعَهُم في يَومِ الفَرَح، حَتَّى لا يَبقى في الأُمَّةِ مُنكَسِرٌ في يَومِ العِيد. وعَرَفنا مِن سِيَرِ السَّلَفِ كَيفَ كانُوا يَتَلَذَّذونَ بالعَطاءِ ويُسارِعونَ في التَّطَهُّر. والآن، ونَحنُ نودّع شَهرَنا هَذا، كَيفَ نُتَرجِمُ هَذا المَعنى إلى واقِعٍ نَعيشُهُ في هَذِهِ الأيَّامِ المُتَبَقِّيَة؟
أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري:
الأُولى (قَلبيَّة): استَحضِر نِيَّةَ الانكِسارِ والافتِقارِ وأنتَ تُخرِجُ زَكاتَك. لا تُخرِجها كَعادَةٍ سَنَويَّةٍ تَتَخَلَّصُ مِنها، بَل أخرِجها وأنتَ تَرجو وتَتَضَرَّعُ أن يُطَهِّرَ اللهُ بِها قَلبَكَ وصِيامَك، فَاللهُ يَقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [سورة المائدة: 27].
الثَّانيَة (لِسانيَّة): إذا أخرَجتَ هَذِهِ الزَّكاة، فَأتبِعها بِلِسانٍ يَلهَجُ بالدُّعاءِ والاستِغفار. قُل: "اللَّهُمَّ تَقَبَّل مِنِّي، واجعَلها طُهرَةً لِصِيامي". فَاللِّسانُ الذَّاكِرُ يَربِطُ العَمَلَ المادِّيَّ بالسِّرِّ الإيمانيّ، وقَد كانَ السَّلَفُ يَسألونَ اللهَ سِتَّةَ أشهُرٍ أن يَتَقَبَّلَ مِنهُم رَمَضان.
الثَّالِثَة (عَمَلِيَّة فِعليَّة): أخرِجها في وَقتِها الشَّرعِيّ، أي قَبلَ صَلاةِ العِيد، ولا تُؤَخِّرها تَكاسُلاً أو تَهَوُّراً، ولا تُخرِجها لِغَيرِ مُستَحِقِّيها. فَإنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَن أدَّاها قَبلَ الصَّلاةِ فَهِيَ زَكاةٌ مَقبولَة، ومَن أدَّاها بَعدَ الصَّلاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقات». احرِص أن تَصِلَ إلى يَدِ الفَقيرِ أو مَن يَنوبُ عَنهُ في وَقتِها لِيَنتَفِعَ بِها يَومَ العِيد.
الرَّابِعَة (اجتِماعيَّة): ابحَث عَن أقارِبِكَ وذَوي أرحامِكَ المُحتاجين، فَهُم أولى بِزَكاتِكَ وصَدَقَتِكَ مِن غَيرِهِم. فَالصَّدَقَةُ عَلى ذِي الرَّحِمِ القَريبِ المِسكينِ لَها أجران: أجرُ صَدَقَةٍ، وأجرُ صِلَةٍ، وفيها جَبرٌ لِلقُلوبِ وتَأليفٌ للأرواحِ الَّتي قَد يُفَرِّقُها جَفاءُ الزَّمان.
الخامِسَة (مَوضوعيَّة): لا تَقتَصِر عَلى الزَّكاةِ الواجِبَة، بَل أتبِعها بِصَدَقَةِ تَطَوُّع. وسِّع عَلى جيرانِكَ المُحتاجين، واشتَرِ لِأبنائِهِم مِنَ الثِّيابِ أو الحَلوى ما تُدخِلُ بِهِ السُّرورَ عَلَيهِم، فَإنَّ أحَبَّ الأَعمالِ إلى اللهِ سُرورٌ تُدخِلُهُ عَلى مُسلِم. اجعَل نِهايَةَ شَهرِكَ مِسكاً يَفيضُ عَطاؤُهُ عَلى كُلِّ مَن حَولَك.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، فَإنَّ التَّقوى هِيَ الغايَةُ العُظمى مِنَ الصِّيامِ والزَّكاةِ وكُلِّ طاعَة، وهِيَ الزَّادُ الَّذي لا يَبلى عِندَ لِقاءِ الله.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَلَيه، القائِل: «البَخيلُ مَن ذُكِرتُ عِندَهُ فَلَم يُصَلِّ عَلَيَّ»، اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك عَلى نَبيِّنا مُحمَّدٍ وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين.
اللَّهُمَّ طَهِّر صيامَنا وقيامَنا مِن اللَّغوِ والرَّفَثِ والنِّفاقِ والرِّياء، وتَقَبَّل مِنَّا زَكاتَنا وصَدَقاتِنا، واجعَلها قُربَةً تُدنينا مِن رِضوانِك، وحِجاباً لَنا مِن نارِك.
اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن يُعطي فَيَشكُر، ويُبتَلى فَيَصبِر، واجعَلنا مَفاتيحَ لِلخَيرِ مَغاليقَ لِلشَّرّ.
اللَّهُمَّ أغنِ فُقَراءَ المُسلِمين، واجبُر كَسرَ المُحتاجين، وامسَح دَمعَةَ المَحزونين، ولا تَجعَل فينا ولا مَعَنا شَقِيّاً ولا مَحرُوماً يَومَ العِيدِ ولا في سِواهُ مِنَ الأيَّام.
اللَّهُمَّ كَما بَلَّغتَنا رَمَضان، فَبَلِّغنا يَومَ الفِطرِ ونَحنُ مِن عُتَقائِكَ مِن النَّار، ومِمَّن غَفَرتَ لَهُم ما تَقَدَّمَ مِن ذُنوبِهِم.
اللَّهُمَّ احفَظ أُمَّةَ مُحمَّدٍ ﷺ، وارحَم ضَعفَها، واجمَع كَلِمَتَها عَلى الحَقّ، وارفَع البَلاءَ عَن إخوانِنا المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ في كُلِّ مَكان، ثَبِّت أقدامَهُم، وأفرِغ عَلَيهِم صَبراً، وانصُرهُم بِنَصرِكَ المُؤَزَّرِ يا قَويُّ يا عَزيز.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون.
وأَقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
مختارات للخطيبزكاة الفطر: طهرة للصائم ورحمة بالمحتاج
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.