🕌 جبالٌ تتحول إلى رماد.. احذروا مُحبطات الأعمال!
#خطبة_جمعة #محبطات_الأعمال #الإخلاص #حفظ_العمل #الرياء #يوم_عرفة #عشر_ذي_الحجة #رقائق
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الإخلاصَ شَرطاً للقَبول، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يَقبَلُ من العَمَلِ ما كانَ خالصاً لوجهِه وصَواباً على سُنَّةِ نبيِّه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، أصدَقُ مَن عَبَدَ، وأخلَصُ مَن قَصَدَ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ:
تَخيَّلوا معي رجلاً بَنى قَصراً عظيماً، أنفَقَ في بِنائِه خمسينَ عاماً من عُمرِه، جَمَعَ لَبِناتِه لَبِنةً لَبِنة، وزَيَّنَهُ بأبهى الحُلل، وأحاطَهُ بأجملِ البساتين. وفي ليلةِ انتقالِه إليه ليَرتاحَ فيه بَعد طولِ عَناء، أمسَكَ بعودِ ثِقابٍ صغير، فرماهُ في القصر، فاشتعلَت فيه النِّيران، وتحوَّل جُهدُ الخمسينَ عاماً في ليلةٍ واحدةٍ إلى كومةٍ من الرَّماد! هل تَعُدُّون هذا الرجلَ عاقلاً؟ ستَقولون: هذا في غايةِ السَّفهِ والجُنون. إذن، فما بالُنا نَبني قُصوراً من الحَسَناتِ في الصيامِ والقيامِ والصَّدقات، ثم نُحرِقُها بعودِ ثِقابٍ من الغَفلَةِ والذُّنوب؟ كيف نَحمي أعمَالَنا من الاحتراق؟ هذا ما سنَعرِفُه اليوم.
أيها الإخوةُ الكرام، دَعونا نَسأل أنفُسَنا بسؤالٍ يُخيفُ القلوبَ الحيَّة: هل يَكفي أن نَعمَلَ الصَّالحاتِ حتى نَدخُلَ الجنة؟ الجوابُ الصادم: لا! لا يَكفي أن تَعمَلَ العَمَل، بل يجبُ أن تُحافِظَ عليه حتى تَلقى اللهَ به. فالعَمَلُ الصَّالحُ كَرأسِ المال، والمُحافَظَةُ عليهِ من المُحْبِطاتِ كَحفظِ رَأسِ المالِ من اللُّصوص.
يقولُ ربُّنا تباركَ وتعالى، في مشهدٍ تَرتَجفُ له القلوب: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23]. تأمَّلوا كلمة "عملوا".. هُم عمِلوا وتَعِبوا وسَهِروا وبَذَلوا، لكنَّ الخَلَلَ كان في الدَّواخلِ لا في الظَّواهر، فصارَت الأعمالُ كالغُبارِ المتطايِرِ في شُعاعِ الشمس، لا قِيمةَ لها ولا وَزن.
إنَّ أعظَمَ مُصيبةٍ قد تَحِلُّ بالعبدِ يومَ القيامةِ ليست في أن يأتيَ فقيراً من الحَسَنات، بل أن يأتيَ بجبالٍ من الحَسَنات، فيَراها تَتبَخَّرُ أمامَ عينيه، فلا يَستطيعُ أن يَتدارَكَ منها شيئاً. وقد بيَّنَ لنا الوحيُ المُطَهَّرُ جملةً من "المُحبِطات" والمُبطِلات، التي يَقَعُ فيها كثيرٌ من الناسِ اليومَ، وهم يَحسَبونَ أنهم يُحسِنونَ صُنعاً.
المُحبِطُ الأول والأخطر: الشِّركُ والرياء.
أما الشركُ الأكبرُ فهو النَّارُ التي تأكلُ الأخضرَ واليابس، يقولُ المولى جَلَّ وعَلا مخاطِباً أكرَمَ خَلقِه ﷺ: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: 65].
ولكن، لعلَّك تقول: "الحمدُ لله نحنُ موحِّدون، لا نَسجُدُ لصَنَم". نعم، ولكن ماذا عن "الشركِ الأصغر"؟ ماذا عن الرِّياء؟ واسمعوا لهذا الحديثِ العظيمِ الذي قاله رسولُ الله ﷺ: «إنَّ أخوَفَ ما أخافُ عليكم الشِّركُ الأصغر». قالوا: وما الشِّركُ الأصغرُ يا رسولَ الله؟ قال: «الرِّياءُ؛ يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ لَهُم يومَ القِيامَةِ إذا جُزِيَ النَّاسُ بأعمالِهِم: اذهَبوا إلى الذين كُنتُم تُراؤونَ في الدُّنيا، فانظُروا هَل تَجِدونَ عِندَهُم جَزاءً؟» (رواه أحمد).
انظروا إلى حالِنا اليوم! في عَصرِ وسائلِ التَّواصُلِ الاجتماعي، باتَ الرِّياءُ أسهلَ من شُربِ الماء. الرجلُ يَتصَدَّقُ بيمينِه، ويُصَوِّرُ بشِمالِه ليَنشُرَها للناس! يَجلِسُ في المَسجدِ يَقرأُ القرآن، فيَلتَقِطُ صورةً ليُخبِرَ العالَمَ أنَّه في خَلوةٍ مع الله! أيُّ خَلوةٍ هذه وقد أَدخَلتَ فيها الآلاف؟
يقولُ الإمامُ الفُضيلُ بنُ عياض رحمه الله في ميزانٍ دقيق: "تَركُ العَمَلِ مِن أجلِ النَّاسِ رِياء، والعَمَلُ مِن أجلِ النَّاسِ شِرك، والإخلاصُ أن يُعافيَكَ اللهُ مِنهُما". كم من صَدَقةٍ حَبِطَت بسَبَبِ (صورة)؟ وكم من قِيامِ لَيلٍ التَهَمَهُ (منشورٌ) في الفضاءِ الأزرق؟
المُحبِطُ الثاني: انتِهاكُ مَحارِمِ اللهِ في الخَلَوات.
وهذه طامَّةُ العَصرِ وكارثةُ الأجيال. اسمعوا لكلماتِ النَّبيِّ ﷺ وهي تَقَعُ كالسِّياطِ على القلوبِ الغافلة، يقولُ ﷺ: «لأعلَمَنَّ أقواماً مِن أمَّتي يَأتونَ يومَ القيامَةِ بحَسَناتٍ أمثالِ جِبالِ تِهامَةَ بِيضاً، فَيَجعَلُها اللهُ عَزَّ وجَلَّ هَباءً مَنثوراً». قال ثوبان رضي الله عنه: يا رسولَ اللهِ، صِفهُم لنا، جَلِّهِم لنا، أن لا نَكونَ منهم ونحنُ لا نَعلَم! فقال ﷺ: «أما إنَّهم إخوانُكم، ومِن جِلدَتِكم، ويأخُذونَ من اللَّيلِ كَما تأخُذون، ولَكِنَّهم أقوامٌ إذا خَلَوا بمَحارِمِ اللهِ انتَهَكوها» (رواه ابن ماجه وصححه الألباني).
يا الله! حسناتٌ كالجبال، أين ذَهَبت؟ طيَّرَتها ذُنوبُ الخَلَوات.
تأمَّلوا في واقعِنا: الشابُّ أو الرَّجلُ يَمشي بينَ النَّاسِ بوَقار، ويُصَلِّي في الصَّفِّ الأول، حتى إذا أَوى إلى غُرفتِه، وأُغلِقَ بابُه، وأُطفِئَت أنوارُه، وبَقيَ وَحدَهُ مع شاشةِ هاتِفِه المضيئة، نَسيَ نَظَرَ اللهِ إليه! أطلَقَ بَصَرَهُ في الحَرام، وتَجَرَّأَ على المَعاصي التي كانَ يَستَحي أن يَراها عليهِ طفلٌ صغير، لكنَّه لم يَستَحِ من رَبِّ العالمين!
نحنُ لا نَتحدَّثُ عن مَن ضَعُفَ فَزَلَّ وتاب، بل نَتحدَّثُ عن الاستِهانَةِ بنَظَرِ الله، عن الذي يَجعَلُ اللهَ أهوَنَ النَّاظِرينَ إليه.
قال ابنُ رجب رحمه الله: "خاتِمَةُ السُّوءِ تكونُ بسَبَبِ دَسيسَةٍ باطِنةٍ للعبدِ لا يَطَّلِعُ عليها النَّاس".
وقديماً قالَ الشاعرُ يُحَذِّرُ نفسَهُ وإيَّانا:
إذا ما خَلَوتَ الدَّهرَ يَوماً فلا تَقُل ... خَلَوتُ، ولكِن قُل عَلَيَّ رَقيبُ
ولا تَحسَبَنَّ اللهَ يَغفَلُ ساعَةً ... ولا أنَّ ما يُخفى عَلَيهِ يَغيبُ
المُحبِطُ الثالث: المَنُّ والأذى.
بعضُ النَّاسِ لا يُبطِلُ عَمَلَهُ في السِّر، بل يُبطِلُه في العَلَن بلسانِه. يَقولُ اللهُ تباركَ وتَعالى صراحةً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [البقرة: 264].
والمَنُّ: أن تُعطيَ العَطاءَ، ثم تُذَكِّرَ المُعطى بِفَضلِكَ عليه. والأذى: أن تَشمَلَهُ بالكَلماتِ الجارحة.
هذا نَراهُ كثيراً في البيوت؛ زَوجٌ يُنفِقُ على زَوجَتِه، ثم عِندَ أوَّلِ خِلافٍ يَقولُ لها: "أنا الذي صَنَعتُكِ، أنا الذي أكسوكِ وأُطعِمُكِ، لولايَ لكُنتِ كذا وكذا!" هنيئاً لك.. لقد أَطعَمتَها وكَسَوتَها، ثُمَّ أحرَقتَ أجرَكَ كُلَّه بكلماتِك!
ونراهُ في مَن يُساعِدُ قَريباً له أو يَتيماً، ثم يَتَفضَّلُ عليه في المجالس. اعلموا أنَّ المَنَّ مُمحاةُ الحَسَنات. قال ﷺ: «ثلاثةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يومَ القيامةِ ولا يَنظُرُ إليهِم ولا يُزَكِّيهِم ولَهُم عَذابٌ أليم». وعَدَّ منهم: «المَنَّانُ الذي لا يُعطي شيئاً إلا مَنَّه» (رواه مسلم).
المُحبِطُ الرَّابع: تَركُ صَلاةِ العَصرِ تَعَمُّداً.
وهذه مِنَ المُحبِطاتِ اليَوميَّة التي يَغفَلُ عنها الكثيرون. صَلاةُ العَصرِ لها في الشَّريعَةِ مَقامٌ مهيب، فهي الصَّلاةُ الوُسطى. وقد شَدَّدَ فيها النَّبيُّ ﷺ تَشديداً عَجيباً فقال: «مَن تَرَكَ صَلاةَ العَصرِ، فقد حَبِطَ عَمَلُه» (رواه البخاري).
يُعَلِّقُ الإمامُ ابنُ القَيِّم رحمه الله على هذا الحَديثِ مُبيِّناً أنَّ التَّركَ الكُلِّيَّ يُحبِطُ العَمَلَ الكُلِّي، وتَركَها في يومٍ مُعَيَّنٍ يُحبِطُ عَمَلَ ذلكَ اليَوم.
أيُعقَلُ أن يَكدَحَ أحدُنا في الصَّباحِ، ويَعمَلَ الخَيرات، ويَصوم، ويَذكُرَ الله، ثم تأتي صلاةُ العَصرِ، فيُلهيهِ بَيعُهُ وشِراؤُه، أو نومُهُ ورَاحتُه، أو جَلسَتُهُ على المَقهى، حتى تَغرُبَ الشَّمس، فيَطيرَ ثَوابُ يَومِه كُلِّه بسَبَبِ هذه الكَبيرَة؟ ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238].
المُحبِطُ الخامِس: التَّألِّي على الله (الحَلفُ بابتِعادِ رَحمَةِ اللهِ عَن غَيرِك).
بعضُ النَّاسِ، لِشِدَّةِ إعجابِهِ بعَمَلِه، واغتِرارِهِ بِطاعَتِه، يَنظُرُ إلى العُصاةِ والمُقصِّرين بنَظرةِ استِعلاء، فَيَصدُرُ مِن فَمِه حُكمٌ قاطِعٌ بأنَّ اللهَ لن يَغفِرَ لهم!
واسمَعوا لِهذه القصَّةِ المُرعِبَة التي يَرويها لنا الصادقُ المصدوق ﷺ، قال: «كانَ رَجُلانِ في بَني إسرائيلَ مُتَواخِيَين، فكانَ أحدُهُما يُذنِب، والآخرُ مُجتَهِدٌ في العِبادَة. فكانَ لا يَزالُ المُجتَهِدُ يَرى الآخرَ على الذَّنبِ فيقول: أَقصِر. فَوَجَدَهُ يوماً على ذَنبٍ، فقال له: أَقصِر، فقال: خَلِّني ورَبِّي، أبُعِثتَ عَلَيَّ رَقيباً؟ فقال: واللهِ لا يَغفِرُ اللهُ لك، أو لا يُدخِلُكَ اللهُ الجَنَّة».
فماذا حَدَث؟ هل نَفَعَتهُ عِبادَتُه؟
«قَبَضَ أرواحَهُما، فاجتَمَعا عِندَ رَبِّ العالَمين. فقالَ للمُجتَهِد: أكُنتَ بي عالِماً؟ أو كُنتَ على ما في يَدي قادِراً؟ وقالَ للمُذنِب: اذهَب فادخُلِ الجَنَّةَ برَحمَتي، وقالَ للآخر: اذهَبوا به إلى النَّار» (رواه أبو داود وصححه الألباني).
كلمةٌ واحدة! قال أبو هُريرة رضي الله عنه: "تَكَلَّمَ بكَلِمَةٍ أوبَقَت دُنياهُ وآخِرَتَه". فلا تَغتَرَّ بصَلاتِك، ولا تَحتَقِر عاصياً، فلَعَلَّ في قَلبِهِ من الانكِسارِ للهِ ما يَسبِقُ به صَلاتَكَ وصيامَك.
المُحبِطُ السادس: ظُلمُ العِبادِ والاعتِداءُ على حُقوقِهم.
هل سَأَلتُم أنفُسَكم يوماً عن مصيرِ حَسَناتِ الذي يَصومُ ويُصَلِّي، ولكِنَّهُ يَأكُلُ أموالَ النَّاس، أو يَخوضُ في أعراضِهم، أو يَظلِمُ إخوانَهُ في الميراث؟
يُجيبُنا النَّبيُّ ﷺ حين سَألَ أصحابَه: «أتَدرونَ ما المُفلِس؟» قالوا: المُفلِسُ فينا مَن لا دِرهَمَ له ولا مَتاع. فقال ﷺ مُصَحِّحاً المَفاهيم: «إنَّ المُفلِسَ مِن أُمَّتي يَأتي يومَ القيامَةِ بصَلاةٍ وصِيامٍ وزَكاة، ويأتي قَد شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأَكَلَ مالَ هذا، وسَفَكَ دَمَ هذا، وضَرَبَ هذا، فَيُعطى هذا مِن حَسَناتِه، وهذا مِن حَسَناتِه، فإن فَنِيَت حَسَناتُهُ قبلَ أن يُقضى ما عَلَيهِ، أُخِذَ من خَطاياهم فَطُرِحَت عَلَيهِ، ثم طُرِحَ في النَّار» (رواه مسلم).
أيُّها المسلم، أنتَ حينَ تَشتِمُ أخاكَ، أو تَغتَابُ مُسلماً، أو تَسخَرُ من عِرضِهِ في رسالةِ (واتساب) أو مجلسِ مقهى، فإنَّكَ في الحقيقةِ تَأخُذُ من رَصيدِ صَلاتِكَ في الفجر، ورَصيدِ صيامِكَ في رَمضان، وتُحَوِّلُها إلى حِسابِ هذا الشَّخصِ الذي تَكرَهُه! فهل رَأيتُم أشدَّ غَباءً مِمَّن يُهدِي حسناتِهِ لأعدائِه؟
يقول تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10]، فكيف يُرفَعُ عَمَلٌ صالِحٌ غَلَّفَهُ صاحِبُهُ بالكَلِمِ الخَبيثِ وظُلمِ العِباد؟
يا عبادَ الله، المُحبِطاتُ كَثيرة، والعَمَلُ عَزيز. والمُؤمِنُ الفَطِنُ هو الذي لا يَكتَفي بَغرسِ الأشجارِ، بل يَبني حولَها سُوراً يَمنَعُ عنها الآفات.
تفقَّدوا نِيَّاتِكم في كلِّ يوم، حاسِبوا أنفُسَكم قَبل أن تُحاسَبوا، وإياكم والعُجب، فإنه سُمٌّ قاتل.
أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً كثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين. أمَّا بعدُ:
عبادَ الله، تَحدَّثنا في خُطبتِنا الأولى عن تِلكَ المُحبِطاتِ المُدَمِّرَة: الشِّركِ والرِّياء، وذُنوبِ الخَلَوات، والمَنِّ والأذى، وتَركِ العَصر، وظُلمِ العِباد. وعَرَفنا كيفَ يُمكِنُ للجِبالِ أن تُصبِحَ رَماداً في طَرفَةِ عَين. والآن، والسؤالُ الذي يَطرَحُ نَفسَهُ: هل مِن فُرصَةٍ لنَغسِلَ ما أفسَدناه؟ هل مِن مَحَطَّةٍ نُعيدُ فيها تَرميمَ ما تَهَدَّمَ مِن أعمَالِنا ونُضاعِفُ فيها الرَّصيد؟
إنَّنا اليومَ على عَتَباتِ فُرصةٍ لا تَأتي في العُمرِ إلَّا مَرَّةً كلَّ عام. فُرصةٍ لاستِردادِ كُلِّ خَسائِرِكَ الرُّوحيَّة.. إنَّهُ يومُ عَرَفة.
يومُ عَرَفة ليسَ يوماً للحُجَّاجِ فَحَسب، بل هو يَومٌ للأمَّةِ كُلِّها. يَقولُ النَّبيُّ ﷺ: «صِيامُ يومِ عَرَفَة، أَحتَسِبُ على اللهِ أن يُكَفِّرَ السَّنَةَ التي قَبلَه، والسَّنَةَ التي بَعدَه» (رواه مسلم). هل تُدرِكون حَجمَ العَطاء؟ يَومٌ واحِدٌ، واثنَتا عَشرَةَ ساعَةً مِنَ الجوعِ والعَطَشِ لله، تَمسَحُ سِجِلَّ ذُنوبِ سَنتَينِ كامِلَتَين!
ولكَي نَستَثمرَ هذا اليومَ العظيمَ ونَخرُجَ منهُ أطهاراً أنقياء، وأوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري:
الأولى (قَلبيَّة): جَدِّد نِيَّتَكَ مِن الآن. انوِ صِيامَ هذا اليومِ إيماناً واحتِساباً، واعقِد صُلحاً معَ اللهِ أن تَجعَلَ هذا اليومَ بِدايةً لِتَركِ الذُّنوبِ، خاصَّةً ذُنوبَ الخَلَواتِ التي دَمَّرَت حَسَناتِك.
الثانية (لِسانيَّة): أَلِحَّ بالدُّعاءِ عَشيَّةَ عَرَفة. قال ﷺ: «خَيرُ الدُّعاءِ دُعاءُ يَومِ عَرَفة». فَرِّغ نفسَكَ من بَعدِ صَلاةِ العَصرِ في هذا اليوم، ضَع هاتِفَكَ مغلَقاً بَعيداً عنك، وارفَع يَدَيك، وادعُ رَبَّكَ بيَقين. اطلُب مِنهُ العَفوَ، واطلُب مِنهُ حِفظَ أعمالِكَ من الرِّياءِ والظُّلم.
الثالثة (عَمَليَّة): صُم هذا اليومَ وَحُثَّ أهلَ بَيتِكَ وزَوجَتَكَ وأولادَكَ على صيامِه. أيقِظهم للسَّحور، واجعَلوهُ يوماً استثنائياً في بَيتِكم، لا شاشات فيه ولا لَغو، بل ذِكرٌ وقُرآن.
الرابعة (اجتماعيَّة): طَهِّر قَلبَكَ من الشَّحناءِ والمُقاطعَة. كيفَ تَطلُبُ مَغفرَةَ اللهِ وأنتَ قاطِعٌ لرَحِمِك، أو مُخاصِمٌ لأخيك، أو مُمْسِكٌ بِظُلمِ جارِك؟ ارفَع هاتفَكَ وتَسامَح، لِيَرفَعَ اللهُ قَدرَكَ في يومِ العِتقِ الأكبر.
الخامسة (موضوعيَّة): أَكثِر في يومِ عَرَفة مِن قَول: "لا إلهَ إلَّا الله وحدَهُ لا شَريكَ له، لهُ المُلكُ ولهُ الحَمدُ، وهوَ على كُلِّ شيءٍ قَدير"؛ فهذا أفضَلُ ما قالَهُ الأنبياءُ، وهو أعظَمُ حِصنٍ تَبنيهِ لِتَوحيدِكَ ضِدَّ شِركِ الرِّياء.
فاتقوا الله عباد الله، وحافِظوا على ميزانِكم أن يَخِف، وعلى صَحائِفِكم أن تُطوى على المَظالم.
ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، القائل: «مَن صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشراً». اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم اجعلنا ممن إذا ذُكِّروا تذكروا، وإذا أُعطوا شكروا، وإذا أذنبوا استغفروا.
اللهم احفظ أعمالنا من الرياء، وقلوبنا من النفاق، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة.
اللهم إنا نسألك الإخلاص في القول والعمل، وفي السر والعلن.
اللهم لا تجعلنا من المفلسين يوم القيامة، ولا من الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
اللهم بلّغنا يوم عرفة، وارزقنا فيه صيامه وقيامه والدعاء فيه، واجعلنا فيه من عتقائك من النار.
اللهم تب على شباب المسلمين، واحفظ بيوت المسلمين، وارحم ضعف المستضعفين والمظلومين في كل مكان، يا رب العالمين.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
وأقم الصلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.