🕌 طَيُّ الصَّحائف... عِبرةُ الأيَّامِ والأعمار
#خطبة_جمعة #نهاية_العام #محاسبة_النفس #التفكر_في_الزمن #الاعتبار_بالأيام #رقائق #إيمانيات
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ اللَّيلَ والنَّهارَ خِلفَةً لِمَن أرادَ أن يَذَّكَّرَ أو أرادَ شُكورًا، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يُقَلِّبُ الأيَّامَ والشُّهور، ويَطوي السِّنينَ والأعوام، لِيَرفَعَ أقوامًا ويَضَعَ آخَرين. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أزهدُ النَّاسِ في دُنيا فانِية، وأرغَبُهم في آخِرَةٍ باقِية، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ، ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين، وسَلَّمَ تَسليمًا كثيرًا.
أمَّا بعدُ:
فيا عبادَ الله، ما أعجَبَ حالَنا ومآلَنا! نَفرَحُ بمُرورِ الأيَّام وانقضائها، وكُلُّ يومٍ يَمضي إنَّما يُدنينا من حُفَرِ القُبور. نَطوي صَحائفَ عامٍ كاملٍ، ولَو سُئِلنا عمَّا كُتِبَ فيها لَوَقَفنا حَيارى. أنَبكي على ما فاتَ أم نَفرَحُ بما آت؟ والجوابُ على هذه المُفارَقة، وميزانُ هذا الشُّعور، يَحتاجُ مِنَّا إلى وَقفةٍ تَهُزُّ غَفلةَ القلوب... بعدَ قليل.
أَيُّها المُؤمِنون، هِيَ سُنَّةُ اللهِ المَاضية، وقانُونُهُ الذي لا يَتَبَدَّل. السَّاعاتُ تَأكُلُ الأيَّام، والأيَّامُ تَطوي الشُّهور، والشُّهورُ تَبتَلِعُ السِّنين، والسِّنونَ تُنهي الأعمار. وفي كُلِّ عامٍ نُزيلُ تَقويمًا قَديمًا لِنُعَلِّقَ آخَرَ جَديدًا. نَرمي الأوراقَ في سَلَّةِ النِّسيان، لكِنَّنا نَنسى حَقيقَةً مُفزِعة: نَحنُ نَرمي الوَرَق، لكِنَّ المَلائِكَةَ لا تَرمي الصَّحائف!
يَقولُ اللهُ تبارَكَ وتَعالى في مُحكَمِ كِتابِه، واصفًا هذا السِّباقَ المَحمومَ نَحوَ النِّهاية: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: 24].
تَأمَّلوا هذه الآيةَ العَظيمة! ﴿كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾. كأنَّها لم تَكُن! هذا العامُ الذي مَضى بآلامِهِ وأفراحِه، بِصَلَواتِكَ وغَفَلاتِك، بِمَكاسِبكَ وخَسائِرِك... كَيفَ تَشعُرُ بهِ الآن؟ ألَيسَ كَأنَّهُ طَيفُ خَيال؟ ألَيسَ كَأنَّهُ حُلمٌ استَيقَظتَ مِنه؟ هكَذا هِيَ الدُّنيا بِرُمَّتِها يَومَ القِيامة. يَسألُ الجَبَّارُ جَلَّ جَلالُه: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون: 112-113].
عُمرُكَ الطَّويل، سِتُّونَ أو سَبعونَ سَنة، يَتقلَّصُ يومَ الحِسابِ لِيَبدُوَ كَسُوَيعاتٍ من نَهار. واسمَعوا لِما يَقولُه أصدَقُ مَن نَطَقَ بالضَّاد، حِينَ مَسَكَ بِمَنكِبَي عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رضي الله عنهما وقال: «كُنْ في الدُّنْيا كَأَنَّكَ غَريبٌ أو عابِرُ سَبيلٍ» (رواه البخاري).
الغَريبُ يا عِبادَ الله لا يُؤَسِّسُ وَطَنًا في الغُربَة، بَل عَينُهُ مُعَلَّقَةٌ بِيَومِ عَودَتِهِ إلى دِيارِه. وعابِرُ السَّبيلِ لا يَحزَنُ على مَحَطَّةِ استِراحَةٍ فاتَته، لأنَّهُ يَعلَمُ أنَّ المَقصِدَ هُناكَ... في الأمام.
مَعاشِرَ المُصَلِّين، إنَّ اختِلافَ اللَّيلِ والنَّهار ليسَ مُجَرَّدَ ظاهِرةٍ فَلَكيَّةٍ تَدورُ في الفَراغ، بَل هُوَ "حِزامٌ ناقِلٌ" يَنقُلُنا بِسُرعَةٍ مُذهِلَةٍ إلى وُقوفِنا بَينَ يَدَيِ الله. يَقولُ تبارَكَ وتَعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 190].
آياتٌ لِمَن؟ لأُولي الألباب، لأصحابِ العُقولِ الحَيَّة. أمَّا الغافِل، فَتَطلُعُ الشَّمسُ وتَغرُب، ويَبدأُ عامٌ ويَنتَهي عام، ولا يَزيدُهُ ذلِكَ إلا قَسوَةً.
وإذا أردتُم أن تَعرِفوا كَيفَ كانَ أُولُو الألبابِ يَقرَؤونَ مُرورَ الأيَّام، فتَأمَّلوا مَعي هذا المَشهَدَ الدَّراميَّ المُهيب. رَجُلٌ بَلَغَ السِّتِّينَ من عُمُرِه، يَجلِسُ أمامَ الإمامِ العابِدِ الفُضَيلِ بنِ عِياض رَحِمَهُ الله.
يَسألُهُ الفُضَيل: كم أتى عَليكَ؟
قال الرَّجُل: سِتُّونَ سَنة.
فقالَ الفُضَيلُ كَلِمَةً زَلزَلَت كَيانَه: "فأنتَ مُنذُ سِتِّينَ سَنةً تَسيرُ إلى رَبِّك، يُوشِكُ أن تَبلُغ!".
فانصَعَقَ الرَّجُلُ من هَولِ العِبارَة، وقال بِلِسانِ المُنكَسِر: "إنَّا للهِ وإنَّا إلَيهِ راجِعون".
فقال الفُضَيل: أوَتَعرِفُ تَفسيرَها؟ مَن عَلِمَ أنَّهُ للهِ عَبد، وأنَّهُ إلَيهِ راجِع، فَليَعلَم أنَّهُ مَوقوف، ومَن عَلِمَ أنَّهُ مَوقوف، فَليَعلَم أنَّهُ مَسؤول، ومَن عَلِمَ أنَّهُ مَسؤول، فَليُعِدَّ لِلسُّؤالِ جَوابًا.
فبَكى الرَّجُلُ وسأل: فما الحِيلة؟
قال الفُضَيل: يَسيرة.
قال الرَّجُل: وما هي؟
قال: "تُحسِنُ فيما بَقِي، يُغفَرُ لَكَ ما مَضى وما بَقِي. فإنَّكَ إن أسَأتَ فيما بَقِي، أُخِذتَ بما مَضى وما بَقِي!".
يا سُبحانَ الله! سِتُّونَ سَنةً من السَّيْر، وهُوَ يَظُنُّ أنَّهُ مُقيم. ألا يُشبِهُ هذا حالَ كَثيرٍ مِنَّا؟ كم مِنَّا أتمَّ الأربَعين، والخَمسين، والسِّتِّين، وهُوَ ما زالَ يَبني طُموحاتِهِ كَأنَّهُ مُخَلَّد؟
يَقولُ الإمامُ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ الله، في جُملَةٍ لَو كُتِبَت بِماءِ الذَّهَبِ لَكانَ قَليلًا: "يا ابنَ آدَم، إنَّما أنتَ أيَّام، فَإذا ذَهَبَ يَومٌ ذَهَبَ بَعضُك".
أنتَ لَستَ سِوى مَجموعَةٍ من الأيَّام! كُلَّما مَزَّقتَ وَرقَةً من التَّقويم، فاعْلَم أنَّكَ يُمَزَّقُ جُزءٌ من جَسَدِكَ ويُدفَنُ في الماضي.
ومُصيبَتُنا اليَومَ في هذا العَصر — عَصْرِ الشَّاشاتِ واللَّهْوِ السَّريع — أنَّنا صِرنا نَحتَفِلُ بِنُقصانِ أعمارِنا! تَجِدُ النَّاسَ في نِهايَةِ كُلِّ عامٍ يَحتَشِدون، ويُطلِقونَ الألْعابَ النَّاريَّة، ويُضِيئونَ المَيادين، ويَعُدُّونَ الثَّوانيَ الأخيرَةَ من العامِ بِصَيحَةِ فَرَح.
أيُّها المِسكين! أتَفرَحُ بِانقِضاءِ سَنةٍ من رَصيدِك؟ أتَفرَحُ بِأنَّكَ اقتَرَبتَ من قَبرِكَ ثَلاثَمائَةٍ وخَمسَةً وسِتِّينَ يَومًا؟
لَو أنَّ تاجِرًا كانَ لَهُ رَأسُ مال، وفي كُلِّ يَومٍ يَضياعُ مِنهُ جُزءٌ ولا يَربَحُ شَيئًا، هَل كانَ سَيُقيمُ حَفلَةً في نِهايَةِ السَّنة؟ أم كانَ سَيَجلِسُ يَبكي عَلى إفلاسِه؟ وأيُّ رَأسِ مالٍ أغلى من العُمُر؟
يَقولُ رَسولُ الهُدى ﷺ مُحَذِّرًا من هذا الغَبن: «نِعْمَتانِ مَغبونٌ فِيهِما كَثيرٌ مِنَ النَّاس: الصِّحَّةُ والفَراغ» (رواه البخاري).
ومَغبونٌ أي مَخدوع، باعَ الغاليَ بِالرَّخيص. تَراهُ يَجلِسُ أمامَ الشَّاشَةِ السَّاعاتِ الطِّوال، يَتصَفَّحُ حَياةَ الآخَرين، ويُبَعثِرُ أيَّامَه، ثُمَّ يَتَذَمَّرُ من المَلَل! المَلَلُ يا أخي هُوَ صَرخَةُ روحِكَ التي تَشعُرُ بِضَياعِ رَأسِ مالِها دونَ رِبح.
يا عِبادَ الله، قِفوا مَعَ أنفُسِكم وَقفَةَ مُحاسَبة. السُّنَّةُ النَّبَويَّةُ تَدعونا للتَّدقيقِ في حِساباتِنا قَبلَ أن يَدقِّقَها الدَّيَّان. يَقولُ جَلَّ في عُلاه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: 18].
ولْتَنظُر نَفسٌ! انظُر ماذا جَمَعتَ في حَقيبَةِ سَفَرِك.
لَو طُلِبَ مِنكَ اليَومَ أن تُقَدِّمَ جَردًا بِأعمالِكَ في العامِ المُنصَرِم:
كم خَتمَةً لِلقُرآنِ خَتَمت؟
كم صَلاةَ فَجرٍ في وَقتِها أدرَكت؟
كم صَدَقَةَ سِرٍّ أخرَجت؟
كم رَحِمًا مَقطوعَةً وَصَلت؟
كم غَضبَةً لِوَجهِ اللهِ كَظَمت؟
وفي المُقابِل: كم مَعصِيَةً في الخَلَواتِ اقتَرَفت؟ كم غيبَةً في المَجالِسِ خُضتَ فيها؟ كم صَلاةً أخَّرتَها عَن وَقتِها بِعُذرٍ واهٍ؟
سُؤالٌ مُؤلِم، أَلَيسَ كَذلِك؟ لكِنَّهُ أَلَمٌ يُحيي القَلب، خَيرٌ من خَدَرٍ يُميتُه.
يَقولُ النَّبيُّ ﷺ: «لا تَزولُ قَدَما عَبْدٍ يَومَ القِيامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَن عُمُرِهِ فِيمَا أَفْناهُ، وعَن عِلْمِهِ فِيمَا فَعَلَ فِيهِ، وعَن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفِيمَا أَنْفَقَهُ، وعَن جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلاهُ» (رواه الترمذي وقال حسن صحيح).
أربَعَةُ أسئِلَةٍ حَتمِيَّة، نِصفُها عَن الزَّمَن: "عُمُرِهِ فيما أفناه" و"جِسمِهِ فيما أبلاه". لَن تَتَحَرَّكَ من مَكانِكَ بَينَ يَدَيِ اللهِ حَتَّى تُجيب. فماذا نَحنُ قائِلون؟
ومِن أبلَغِ ما وَقَفتُ عَلَيهِ في شأنِ الزَّمَن، ما سَطَّرَهُ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ حينَ عَقَدَ مُقارَنَةً عَجيبَة، قال: "إضاعَةُ الوَقتِ أَشَدُّ مِنَ المَوت؛ لأنَّ إضاعَةَ الوَقتِ تَقطَعُكَ عَنِ اللهِ والدَّارِ الآخِرَة، والمَوتُ يَقطَعُكَ عَنِ الدُّنيا وأهلِها!".
تَأمَّلوا هَذا العُمق! المَوتُ يُنهي عَلاقتَكَ بِطينِ الدُّنيا، لَكِنَّ ضَياعَ العُمُرِ يُنهي عَلاقتَكَ بِرَبِّ العالَمين.
ويَزيدُنا الإمامُ ابنُ الجَوزيِّ بَصيرةً حينَ يُحَذِّرُنا قائِلًا: "مَواسِمُ العُمُرِ لا تَقبَلُ التَّعويض، فَمَن ضَيَّعَ زَمَنَ الشَّبابِ لَم يَقدِر على استِدراكِه في الشَّيخوخة".
أَيُّها الأَحِبَّة، هَل تَظُنُّونَ أنَّ اللهَ غافِلٌ عَمَّا نَفعَلُ بِأعمارِنا؟ ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: 37].
العُمُرُ حُجَّة، والشَّيبُ نَذير، وتَوالِي الأيَّامِ بُرهان. نُوحٌ عَليهِ السَّلامُ عاشَ ألفَ سَنَةٍ إلَّا خَمسينَ عامًا يَدعو قَومَه، ومَعَ ذلِكَ حينَ حَضَرَتهُ الوَفاة، قيلَ لَهُ: كَيفَ وَجَدتَ الدُّنيا؟ قال: "كَبَيتٍ لَهُ بابان، دَخَلتُ من أحَدِهِما وخَرَجتُ من الآخَر!". هذا وَهُوَ قَد عاشَ ألفَ عام، فَكَيفَ بِنا وأعمارُ أُمَّتِنا بَينَ السِّتِّينَ والسَّبعين؟
يَقولُ أميرُ المُؤمِنينَ عَلِيُّ بنُ أبي طالِبٍ رَضيَ اللهُ عَنه: "ارتَحَلَتِ الدُّنيا مُدبِرَة، وارتَحَلَتِ الآخِرَةُ مُقبِلَة، ولِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما بَنون، فَكونوا من أبناءِ الآخِرَة، ولا تَكونوا من أبناءِ الدُّنيا، فَإنَّ اليَومَ عَمَلٌ ولا حِساب، وغَدًا حِسابٌ ولا عَمَل".
يا مَن غَرَّتْهُ الشَّهَوات، ويا مَن ألهَتْهُ الصَّفَقات! حَتَّى مَتى التَّسويف؟ نَقولُ: غَدًا أتوب، غَدًا أُصَلِّي، غَدًا أَتَغيَّر. وهَل ضَمِنتَ أن تُشرِقَ شَمسُ غَدٍ وأنتَ تَتَنَفَّس؟ ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 99-100].
"كَلَّا"! حَرفٌ واحِدٌ يَحسِمُ كُلَّ تَمَنِّياتِ المُفَرِّطين. البابُ أُغلِق، ولا رُجوع.
إنَّ انقِضاءَ العامِ يَجِبُ أن يَكونَ ناقوسَ خَطَرٍ يَدُقُّ في زَوايا أرواحِنا، يُوقِظُها مِن رُقادِها، ويَنتَشِلُها مِن غَفلَتِها. لا تَجعَلوا مُرورَ الزَّمَنِ عَلَيكم كَمُرورِهِ عَلى البَهائِمِ لا تَعقِلُ سِوى مَرعاها، بَلِ اجعَلوهُ مُرورَ المُتَيَقِّظينَ المُتَأَهِّبين.
أقولُ قَولي هَذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنب، فاستَغفِروهُ وتوبوا إليه، إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمَدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيه كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، صَلَّى اللهُ وسَلَّمَ وبَارَكَ عَلَيهِ وعَلى آلِهِ وصَحبِه. أمَّا بعدُ:
عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عَن سُرعَةِ انقِضاءِ الأيَّام، وكَيفَ أنَّها مَطايا تَنحَدِرُ بِنا نَحوَ الدَّارِ الآخِرَة. ووُقَفنا مَعَ قِصَّةِ الفُضَيلِ، وعَرَفنا أنَّ العُمُرَ لَيسَ سِوى رِحلَةِ قُدومٍ عَلى الله. والآن، والسَّنَةُ تَطوي بِساطَها، والسِّجِلَّاتُ تُرفَع، بَقِيَ السُّؤالُ العَمَليُّ الأَهَمّ: كَيفَ نَستَقبِلُ ما بَقِيَ مِن أعمارِنا لِنُعوِّضَ ما فات؟
إنَّ مَن أرادَ النَّجاةَ في عامِهِ الجَديد، فَلْيَأخُذ بِهذِهِ الخَمس قَبلَ أن يَنزِلَ من مَقعدِهِ هذا:
الأولى (قَلبيَّة): جَدِّدِ التَّوبَةَ في قَلبِكَ الآن. انْوِ نِيَّةً صادِقَةً أن تَكونَ في عامِكَ الجَديدِ أقربَ إلى الله. قالَ النَّبيُّ ﷺ: «بادِروا بِالأعْمالِ سَبْعًا، هَل تَنتَظِرونَ إلا فَقْرًا مُنْسِيًا، أو غِنًى مُطْغِيًا، أو مَرَضًا مُفْسِدًا، أو هَرَمًا مُفَنِّدًا، أو مَوْتًا مُجْهِزًا...» (رواه الترمذي). لا تَنتَظِر البَلايا لِتَتوب، بَل عُدْ إليهِ في عافِيَتِك.
الثانية (لِسانيَّة): رَطِّب لِسانَكَ بِالاستِغفارِ عَمَّا ضاعَ من عُمُرِك. كُلَّما تَذَكَّرتَ أوقاتًا نُحِرَت أمامَ الشَّاشاتِ دونَ نَفع، قُل: "أستَغفِرُ الله". فَإنَّ الاستِغفارَ يَغسِلُ صَدَأَ الغَفلَة، ويُعيدُ لِلقَلبِ نَبضَه، وهوَ دَرَجَتُكَ حينَ يَقِلُّ العَمَل.
الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): اتَّخِذ في يَومِكَ عَمَلًا صالِحًا ثابِتًا لا تَترُكُهُ أبدًا، مَهما كَثُرَت مَشاغِلُك. رَكعَتَا الضُّحى، أو وِترٌ قَبلَ النَّوم، أو وِردٌ مِن القُرآنِ ولو صَفحَةً واحِدَة. المائَةُ خَطوةٍ المُتَواصِلَة، أبلَغُ مِن ألفِ خَطوَةٍ مُنقَطِعَة. لا تَدَعْ يَومًا يَمضي بِلا رَصيد.
الرابعة (اجتماعيَّة): صِل مَن قَطَعت، واعفُ عَمَّن ظَلَمَك. المَوتُ لا يُعطي إنذارًا! فَبادِر بالاتِّصالِ بِرَحِمٍ هاجَرتَها، أو أخٍ قاطَعتَه. قُل: سامَحتُكَ لله. فَواللهِ لَتَجِدَنَّ بَردَ العَفوِ في صَدرِكَ قَبلَ أن تَضَعَ الهاتِف.
الخامسة (موضوعيَّة): حاسِب نَفسَكَ كُلَّ لَيلة قَبلَ نَومِك. لِمُدَّةِ دَقيقَتَينِ فَقَط، اسأل نَفسَك: "ماذا أودَعتُ في صَحيفَةِ هَذا اليَوم؟". مَن حاسَبَ نَفسَهُ كُلَّ لَيلة، هانَ عَلَيهِ حِسابُ يَومِ القِيامة، ومَن أهْمَلَها اليَوم، عَضَّ أصابِعَ النَّدامَةِ غَدًا.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ العُمُرَ قَصير، وأنَّ رِحلَةَ الآخِرَةِ قَد بَدَأتْ مُنذُ خُروجِكُم من بُطونِ أُمَّهاتِكُم، ولا نَجاةَ إلَّا لِمَنِ اتَّقى واهتَدى.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَلَيه، فَإنَّ اللهَ قالَ في مُحكَمِ التَّنزيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك عَلى عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعَلى آلِهِ الطَّيِّبينَ الطَّاهِرين، وصَحابَتِهِ الغُرِّ المَيامين، ومَن تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ بارِك لَنا في أعمارِنا وأوقاتِنا، واجعَلها عامِرَةً بِطاعَتِكَ، مُسَخَّرَةً في مَرضاتِك.
اللَّهُمَّ اغفِر لَنا ما مَضى مِن ذُنوبِنا وتَقصيرِنا في الأعوامِ السَّابِقَة، واجعَل عامَنا القادِمَ خَيرًا مِمَّا مَضى.
اللَّهُمَّ إنَّا نَعوذُ بِكَ مِن زَوالِ نِعمَتِك، وتَحَوُّلِ عافِيَتِك، وفُجاءَةِ نِقمَتِك، وجَميعِ سَخَطِك.
اللَّهُمَّ اجعَل خَيرَ أعمارِنا أواخِرَها، وخَيرَ أعمالِنا خَواتيمَها، وخَيرَ أيَّامِنا يَومَ نَلقاك.
اللَّهُمَّ لا تَطْوِ صَحائِفَنا إلَّا وقَد غَفَرتَ لَنا، وعَتَقتَ رِقابَنا مِن النَّار.
اللَّهُمَّ ارزُقنا قَبْلَ المَوتِ تَوبَة، وعِندَ المَوتِ شَهادَة، وبَعدَ المَوتِ جَنَّةً ونَعيمًا.
اللَّهُمَّ احفَظِ المُسلِمينَ المُستَضعَفينَ في كُلِّ مَكان، اللَّهُمَّ اربُط عَلى قُلوبِهِم، واحقِن دِماءَهُم، واستُر أعراضَهُم، وكُن لَهُم ناصِرًا ومُعينًا، واجزِهِم عَن صَبرِهِم عَظيمَ الأجرِ والمَثوبَة.
عِبادَ الله، إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
فاذكُروا اللَّهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللَّهِ أكبَر، واللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُون.
وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.