🕌 السَّبقُ إلى الصُّفوفِ الأُولَى... كَرَامَةُ الدُّنيَا وَالآخِرَة
#خطبة_جمعة #الصفوف_الأولى #صلاة_الجمعة #آداب_المسجد #فضل_الصلاة #التبكير_للمسجد #أخلاق_المسلمين
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ بيوتَهُ في الأرضِ المساجِد، وأكرَمَ عُمَّارَها بأعظمِ الفضائِلِ والمَحامِد، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يُدني مَن سارَعَ وتَقَرَّبَ إليه، ويُؤَخِّرُ مَن تَكاسَلَ وتَأخَّرَ عن طاعَتِه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، إمامُ السَّابِقين، وقُدوةُ المُتَّقين، الذي عَلَّمَنا كيفَ نَصُفُّ للصَّلاةِ كما تَصُفُّ الملائكةُ عندَ رَبِّها، صَلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين، وسَلَّمَ تَسليمًا كَثيرًا. أمَّا بَعد:
أَيُّهَا الإِخْوَةُ الأَحِبَّةُ، تَخَيَّلُوا مَعِي مَشْهَدًا يَتَكَرَّرُ فِي حَيَاتِنَا الْيَوْمِيَّةِ بِلَا انْقِطَاعٍ: لَوْ أُعْلِنَ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ عَنْ تَوْزِيعِ هَدَايَا ثَمِينَةٍ، أَوْ عَنْ مَقَاعِدَ أَمَامِيَّةٍ فِي احْتِفَالٍ مَهِيبٍ يَحْضُرُهُ عُظَمَاءُ الدُّنْيَا، أَوْ عَنْ تَرْقِيَةٍ فِي وِظِيفَةٍ لِمَنْ يَصِلُ أَوَّلًا؛ كَيْفَ سَيَكُونُ حَالُنَا؟ وَاللَّهِ لَبِتْنَا عَلَى الأَبْوَابِ، وَلَتَدَافَعْنَا بِالْمَنَاكِبِ، وَلَغَضِبْنَا أَشَدَّ الْغَضَبِ إِنْ سَبَقَنَا أَحَدٌ إِلَى الْمَقْعَدِ الأَوَّلِ! هَذَا فِي دُنْيَا فَانِيَةٍ، وَمَتَاعٍ زَائِلٍ. لَكِنْ، لِنَتَأَمَّلْ حَالَنَا الْيَوْمَ وَنَحْنُ ضُيُوفٌ فِي بَيْتِ مَلِكِ الْمُلُوكِ، وَجَبَّارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْمَسَاجِدِ، وَتُبْسَطُ مَوَائِدُ الرَّحَمَاتِ، وَتَتَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ بِالسَّكِينَةِ، لِنَجِدَ عَجَبًا عُجَابًا: صُفُوفًا خَلْفِيَّةً مُزْدَحِمَةً مُتَكَدِّسَةً عِنْدَ الأَبْوَابِ، وَصُفُوفًا أَمَامِيَّةً خَاوِيَةً تَبْكِي هَجْرَ أَهْلِهَا! خَلَلٌ عَجِيبٌ فِي فَهْمِنَا لِلْأَوْلَوِيَّاتِ، وَمُفَارَقَةٌ مُؤْلِمَةٌ تَسْتَدْعِي مِنَّا فِي هَذِهِ الْجُمُعَةِ وَقْفَةَ مُحَاسَبَةٍ وَمُكَاشَفَةٍ مَعَ أَنْفُسِنَا.
عِبَادَ اللهِ، إِنَّ القضيَّةَ لَيست مُجَرَّدَ مَكانٍ تَجلِسُ فيهِ يَمينًا أو شِمالًا، أو خَلفًا أو أَمامًا. القضيَّةُ في دينِنا هي قضيَّةُ "سَبْقٍ"، قضيَّةُ قَلبٍ يَتَعَطَّشُ للقُربِ مِن رَبِّه. استَمِعوا إلى ربِّكُم تَبارَكَ وتَعالى وهو يُؤَصِّلُ لِهذا المَعنى العظيمِ في سورةِ الواقعة، حيثُ قَسَّمَ النَّاسَ يَومَ القيامةِ إلى أصنافٍ، فَجَعَلَ أعلاهُم وأكرَمَهُم صِنفًا واحِدًا، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: 10-11].
تَأمَّلوا... لم يَقُل "المُصَلُّون"، ولم يَقُل "الْمُؤْمِنون" فَحَسب، بَل قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾. السَّبْقُ بِالأبدانِ إلى الصُّفوفِ الأُولى في الدُّنيا، هو انعكاسٌ للسَّبْقِ بِالقلوبِ إلى مَرضاةِ الله، وهو الَّذي يُورِثُ السَّبْقَ إلى مَنازِلِ الجنَّةِ يَومَ القيامة.
ولقد أدركَ النَّبيُّ ﷺ هذا السِّرَّ العظيم، فأرادَ أن يَهُزَّ وِجدانَ الأُمَّةِ، لِتَتَسابَقَ نحوَ هذه الكَرامة، فقالَ في الحديثِ المتَّفقِ عليهِ، فاسمعوا وتَدَبَّروا: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا».
اللهُ أكبَر! هل تَساءَلتُم يَومًا: ما هو هذا الشَّيءُ المَخفيُّ الذي "لَوْ يَعْلَمُهُ النَّاسُ" لَتَقاتَلوا عليهِ حتى يَضطَرُّوا لِإجراءِ قُرعَةٍ (قُرعة بالأسماء) لِيُحَدِّدوا مَن يَجلِسُ في الصَّفِّ الأوَّل؟! إنَّهُ المَغفرةُ المُؤكَّدة، والبرَكةُ المُتَنَزِّلَة، ومُحاذَاةُ مَلائِكةِ السَّماء.
واسمَعوا لِهذا الفَضلِ الذي يُضَيِّعُه مَن يَجلِسُ عِندَ البابِ مُتَكاسِلًا! قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصُّفُوفِ الْأُوَلِ» [رواه أبو داود بإسناد صحيح].
هَل تُدرِكونَ مَعنى أن يُصَلِّيَ اللهُ عليك؟ قال الإمامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "صَلاةُ اللهِ رَحمَتُهُ ورِضوانُهُ وثَناؤُهُ على العَبدِ في المَلَأِ الأعلَى، وصَلاةُ الملائكةِ الدُّعاءُ والاستغفار". أَيُعقَلُ يا عبدَ اللهِ أن تَدخُلَ المسجِد، وبَينَكَ وبَينَ أن يَذكُرَكَ اللهُ باسمِكَ في المَلأِ الأعلى، وأن تَستَغفِرَ لكَ مَلائكةُ الرَّحمنِ، خَطَواتٌ مَعدوداتٌ تَتَقَدَّمُ بِها إلى الأمام، فتَرفُضَ هذه الهَديَّةَ الرَّبَّانيَّة، وتَختارَ الجلوسَ في الخَلفِ مُستَنِدًا إلى الجِدارِ لِتَخرُجَ سَريعًا؟! أيُّ حِرمانٍ أَعظَمُ مِن هذا الحِرمان؟!
يا مَعاشِرَ المُصَلِّين، إنَّ المُشكِلَةَ التي نُعاني مِنها في مَساجِدِنا اليَومَ، وخاصَّةً في يَومِ الجُمُعَة، لَيست مُجَرَّدَ تَفريطٍ في فَضلٍ، بل هي داءٌ قَلبيٌّ، ومَرَضٌ خَطيرٌ حَذَّرَ مِنهُ النَّبيُّ ﷺ أشدَّ التَّحذير.
كانَ النَّبيُّ ﷺ يَخطُبُ يَومًا، فَرأى قَومًا يَتَأخَّرونَ في المَجلِسِ، ويَجلِسُونَ في الصُّفوفِ الخَلفيَّة، فماذا قال لهم؟ قال كَلِمَةً تَرتَجِفُ مِنها القُلوبُ الحَيَّة: «تَقَدَّمُوا فَأْتَمُّوا بِي، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّهُ» [رواه مسلم].
قفوا معي عند هذه الجملة: «حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّهُ». سُئِلَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ عن مَعنى هذا التَّأخير، فَقالَ كَلامًا نَفيسًا: "يُؤَخِّرُهُمُ اللهُ في رَحمَتِه، ويُؤَخِّرُهُم في فضلِه، ويُؤَخِّرُهُم في رَفعِ دَرَجاتِهِم، ويُؤَخِّرُهُم عَن مَنازِلِ السَّابِقينَ يَومَ القيامة".
نعم، الجَزاءُ مِن جِنسِ العَمَل. أنتَ رَضيتَ لِنَفسِكَ أن تَكونَ في آخِرِ الصُّفوفِ في بَيتِ الله، فَرَضِيَ اللهُ لكَ التَّأخيرَ في عَطائِه! وقد قال ربُّنا سُبحانَهُ في سورة المدثر: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر: 37]؛ فالإنسانُ في هذه الحَياةِ كَمَن يَقِفُ عَلى مُنحَدَرٍ، إمَّا أن يَصعَدَ ويَتَقَدَّم، وإمَّا أن يَنزِلَ ويَتَأخَّر، ولا يُوجَدُ وُقوفٌ في مَكانٍ واحِد.
دَعُونِي أَقْتَرِبُ مِنْ وَاقِعِنَا الْيَوْمِيِّ خُطْوَةً أُخْرَى. انْظُرُوا إِلَى حَالِ هَذَا الْمَسْجِدِ الْمُبَارَكِ، يَتَّسِعُ لِمِائَتَيْ مُصَلٍّ فَقَطْ. يَدْخُلُ الرِّجَالُ مُبَكِّرِينَ، فَبَدَلًا مِنْ أَنْ يَمْلَأُوا الصُّفُوفَ الأُولَى كَمَا أَمَرَ الْمُصْطَفَى ﷺ، يَجْلِسُونَ عِنْدَ الْبَابِ الْخَلْفِيِّ! يَتَكَدَّسُونَ كَالْجِدَارِ الْبَشَرِيِّ سَادِّينَ الْمَدْخَلَ، وَمُخَلِّفِينَ أَمَامَهُمْ فَرَاغَاتٍ وَمَسَاحَاتٍ وَاسِعَةً!
مَاذَا يَحْدُثُ حِينَئِذٍ؟ يَأْتِي أَخٌ لَكَ مُسْلِمٌ، يَدْفَعُ بَابَ الْمَسْجِدِ، فَيَرَى زِحَامًا شَدِيدًا عِنْدَ الْمَدْخَلِ، وَلَا يَكَادُ يَرَى مَا فِي الأَمَامِ، فَيَظُنُّ أَنَّ الْمَسْجِدَ قَدِ امْتَلَأَ عَنْ آخِرِهِ، فَيَسْتَحْيِي أَنْ يَتَخَطَّى الرِّقَابَ، وَيَرْجِعُ أَدْرَاجَهُ لِيُصَلِّيَ فِي حَرَارَةِ الشَّمْسِ خَارِجًا، أَوْ يَعُودَ إِلَى بَيْتِهِ مَحْرُومًا مِنْ أَجْرِ الْجُمُعَةِ!
يا عبدَ اللهِ الذي جَلَسَ عِندَ البابِ وسَدَّ المَدخَل: هَل سَألتَ نَفسَكَ يَومًا عن حَجمِ الجريمَةِ التي ارتَكَبتَها دُونَ أن تَشعُر؟ أنتَ لم تَكتَفِ بِحِرمانِ نَفسِكَ مِن فَضلِ الصَّفِّ الأوَّل، بَل كُنتَ "حَجَرَ عَثْرَةٍ" صَدَّ أخاكَ المُسلِمَ عَن بَيتِ الله! أنتَ بِمَنعِكَ إيَّاهُ مِن الدُّخولِ قَد آذَيتَه أذيَّةً عَظيمَةً. واللهُ جَلَّ جَلالُهُ يَقولُ في مُحكَمِ تَنزيلِه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58].
واسمَعوا لِهذا المَشهَدِ المَهِيبِ مِن سِيرَةِ النَّبيِّ ﷺ. كانَ ﷺ يَخطُبُ الجُمُعَةَ على المِنبَر، فَدَخَلَ رَجُلٌ المسجِدَ مُتأخِّرًا، وأخَذَ يَتَخَطَّى رِقابَ النَّاسِ لِيَجِدَ لَهُ مَكانًا، فَقَطَعَ النَّبيُّ ﷺ خُطبَتَه، ونَظَرَ إلى الرَّجُلِ نَظرَةَ حَزمٍ وقالَ له كَلِمَةً صارِمَةً حاسِمَة: «اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ وَآنَيْتَ» [رواه أحمد وأبو داود بإسناد صحيح].
أي: آذَيتَ المُسلِمينَ بِتَخَطِّيكَ رِقابَهُم، وآنَيتَ أي أبطَأتَ وتَأخَّرتَ عَنِ المَجيءِ مُبَكِّرًا.
قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رَحِمَهُ اللهُ مُعَلِّقًا عَلى أذيَّةِ المُسلِمينَ في المَساجِد: "ومَن آذى المُسلِمينَ في مَساجِدِهِم بِتَضييقٍ أو تَخَطٍّ، فَقَد أذهَبَ أَجرَهُ، وأَثِمَ بِفِعلِه".
فَكيفَ بِمَن يَجلِسُ عِندَ البابِ قَصدًا، فَيَضطَرُّ مَن يَأتي بَعدَهُ إمَّا أن يَتَخَطَّى رِقابَ النَّاسِ فَيَأثَم، وإمَّا أن يَنصَرِفَ فَيَحرِمَهُ أجرَ الجُمُعَة؟! أليسَ الجالِسُ عِندَ البابِ هو المُتَسَبِّبَ الأوَّلَ في هذه الأذيَّة؟!
يا أُمَّةَ مُحمَّدٍ ﷺ، إنَّ يَومَ الجُمُعَةِ هو عيدُ الأسبوعِ، ومُؤتَمَرُ المُسلِمين، فيهِ تَتَنَزَّلُ المَلائكةُ بِسِجِلَّاتِ المَغفِرَة. قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَقَفَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ... فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ، وَيَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» [متفق عليه].
المَلائكةُ تَكتُبُ الأوَّلَ فالأوَّل، وأنتَ تَأبى إلَّا أن تَكونَ في آخِرِ الصَّحيفَة! اللهُ تَعالى يَدعوكَ لِلتَّنافُسِ في الخيراتِ فَيَقول: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: 26]، وأنتَ تَتَنازَلُ عَنِ المُنافَسَةِ طَواعِيَةً!
لِنَأخُذ دَرسًا عَمليًّا مِن سَلَفِنا الصَّالح. هذا الإمامُ العظيمُ، سَيِّدُ التَّابعين، سَعيدُ بنُ المُسَيِّبِ رَحِمَهُ الله، يَقولُ عَن نَفسِه: "ما أذَّنَ المُؤذِّنُ مُنذُ ثَلاثينَ سَنَةً إلَّا وأنا في المسجِد". ويَقولُ: "ما نَظَرتُ في قَفا رَجُلٍ في الصَّلاةِ مُنذُ أربَعينَ سَنَةً"! هل تَعلَمونَ ماذا تَعني هذه العِبارة؟ تَعني أنَّهُ لمدَّةِ أربَعينَ سَنَةً لَم يُصَلِّ إلَّا في الصَّفِّ الأوَّل، فَلَم يَرَ أقفِيَةَ الرِّجالِ أمامَه!
أينَ نحنُ مِن هذه الهِمَمِ العاليات؟ نأتي إلى الجُمُعَةِ والإمامُ يَخطُبُ الخُطبَةَ الثَّانية، ثُمَّ نَجلِسُ عِندَ البابِ، ثُمَّ نَتَشَكَّى مِن ضِيقِ المَكانِ، ونَحنُ مَن صَنَعَ الضِّيقَ بِأيدِينا.
عِبَادَ اللهِ، إِنَّ اللهَ جَلَّ جَلَالُهُ يُرِيدُ لِلْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ الْمُتَلَاحِمِ، لَا فَجَوَاتٍ فِيهِ وَلَا تَبَاعُدَ. اسْمَعُوا إِلَى هَذَا النِّدَاءِ الْقُرْآنِيِّ الرَّقِيقِ فِي سُورَةِ الْمُجَادَلَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المجادلة: 11].
يَا لَهَا مِنْ مُعَادَلَةٍ رَبَّانِيَّةٍ عَظِيمَةٍ! تَتَقَدَّمُ خُطْوَةً لِلْأَمَامِ، تَمْلَأُ فَرَاغًا، تُفْسِحُ مَكَانًا لِأَخِيكَ الْمُسْلِمِ لِيَدْخُلَ الْمَسْجِدَ؛ فَمَا هُوَ الْجَزَاءُ؟ ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾... يُفْسِحُ اللهُ لَكَ فِي رِزْقِكَ، يُفْسِحُ لَكَ فِي انْشِرَاحِ صَدْرِكَ، يُفْسِحُ لَكَ فِي قَبْرِكَ يَوْمَ الضِّيقِ، وَيُفْسِحُ لَكَ فِي مَقْعَدِكَ فِي الْجَنَّةِ! كُلُّ هَذَا بِخُطْوَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَى الْأَمَامِ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ!
وفي المُقابِل، مَن جَلَسَ خَلفًا وتَرَكَ الفُرَجَ والفَراغاتِ أمامَهُ، فَقَد قَطَعَ الصَّفَّ. وقد حَذَّرَ النَّبيُّ ﷺ مِن قَطْعِ الصُّفوفِ أشَدَّ التَّحذيرِ فَقال: «مَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ» [رواه أبو داود وصححه الألباني]. هل يَرضى مُسلِمٌ عاقِلٌ أن يَقطَعَهُ اللهُ مِن رَحمَتِه وعِنايَتِه، بِمُجَرَّدِ كَسَلٍ عَن التَّقَدּُمِ لِمَلءِ صَفٍّ؟!
أيها المؤمنون، إنَّ اصطِفافَنا في المَساجِدِ في الدُّنيا، هو تَدريبٌ صَغيرٌ على وُقوفِنا صُفوفًا بَينَ يَدَيِ اللهِ جَلَّ جَلالُهُ يَومَ القيامة. قالَ تَعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: 22]. الذي يَحرِصُ على الصَّفِّ الأوَّلِ في الدُّنيا، سيَكونُ بإذنِ اللهِ في طَليعَةِ السَّابِقينَ المُقَرَّبينَ على حَوضِ النَّبيِّ ﷺ ويَومَ العُبورِ على الصِّراط.
فهل تَقبَلُ على نَفسِكَ أن تَكونَ آخِرَ مَن يَدخُلُ الجنَّةَ لأنَّكَ ارتَضَيتَ أن تَكونَ آخِرَ مَن يَدخُلُ المسجِد؟ هل تَرضى أن تَكونَ دائمًا في الهامِشِ والظِّلِّ، بَينَما أبوابُ السَّبْقِ مَفتوحَةٌ أمامَك؟
﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: 21].
لا تَكُونُوا يا إخوَتي سَبَبًا في حِرمانِ أخٍ مُسلِمٍ مِنَ الصَّلاة. تَقَدَّمُوا بِأجسادِكُم، لِتَتَقَدَّمَ قُلوبُكُم إلى الله. املَؤوا الصُّفوفَ الأُولى، واجعَلُوا المَلائِكةَ تَفرَحُ بِاصطِفافِكُم، فاللهُ عَزَّ وجَلَّ يُباهي بِكُمُ المَلائكَة، و﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: 4]، فكيفَ بِمَن يَقِفونَ بَينَ يَدَيهِ في أطْهَرِ البِقاعِ صَفًّا كالبُنيانِ المَرصوص؟!
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيهِ كما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، صَلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بَعد:
عبادَ الله، تحدثنا في خطبتنا الأولى عن شرفِ الصفوفِ الأولى وعظيمِ أجرها بصلواتِ الله وملائكتهِ، ووقفنا مع خطرِ التأخرِ وإعاقةِ المصلينَ عند الأبواب، وكيف أنَّ هذا السلوك يَحرِمُ صاحبَهُ الأجرَ ويُوقِعُ عليه إثمَ أذيَّةِ إخوانِه ومنعِهم من الصلاة. والآن، كيف نترجم هذا السَّماع إلى واقعٍ عمليٍّ في جُمُعتنا هذه وفي كلِّ صلواتنا؟
أوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن أنزلَ مِن مُصَلَّايَ هذا:
الأولى (قَلبيَّة): استَحْضِرْ دائمًا أنَّكَ حينَ تَقصِدُ المسجدَ، فإنَّكَ تَقْصِدُ بَيْتَ مَلِكِ المُلُوكِ، واللهُ يُكْرِمُ ضِيفَانَهُ السَّابِقِينَ. فَانْوِ اللَّيْلَةَ قَبْلَ نَوْمِكَ أَنْ تَبْكُرَ إِلَى كُلِّ صَلَاةٍ، حَتَّى وَإِنْ غَالَبَكَ الْكَسَلُ أَوْ تَعَبُ الْعَمَلِ، فَإِنَّ صِدْقَ النِّيَّةِ دَافِعٌ لِلْجَوَارِحِ نَحْوَ التَّقَدُّمِ بِلَا تَرَدُّدٍ.
الثانية (لِسانيَّة): اشْغَلْ لِسَانَكَ بِالذِّكْرِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَأَنْتَ تَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقُولُ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ" مَا دُمْتَ فِي مُصَلَّاكَ. ابْدَأْ بِذَلِكَ الْيَوْمَ، وَدَعْ عَنْكَ الِانْشِغَالَ بِالْهَاتِفِ أَوِ الْأَحَادِيثِ الْجَانِبِيَّةِ الَّتِي تُفْسِدُ خُشُوعَكَ وَسَكِينَةَ الْمَسْجِدِ.
الثالثة (عَمَليَّة): بِمُجَرَّدِ دُخُولِكَ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ، امْشِ مُبَاشَرَةً إِلَى أَبْعَدِ نُقْطَةٍ خَالِيَةٍ فِي الْأَمَامِ، وَامْلَأْهَا فَوْرًا. افْعَلْ هَذَا مِنْ هَذِهِ اللَّحْظَةِ، فَكُلُّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا تَرْفَعُكَ دَرَجَةً وَتَحُطُّ عَنْكَ خَطِيئَةً. وَإِيَّاكَ أَنْ تَسْتَسْلِمَ لِعَادَةِ الْجُلُوسِ بِجِوَارِ الْبَابِ أَوْ تَحْتَ مُكَيِّفِ الْهَوَاءِ، مُضَيِّعًا أَجْرَ السَّبْقِ.
الرابعة (اجتماعيَّة): إِذَا رَأَيْتَ أَخَاكَ الْمُسْلِمَ يَبْحَثُ عَنْ مَكَانٍ، فَابْتَسِمْ لَهُ وَأَفْسِحْ لَهُ الْمَجَالَ فِي الصَّفِّ، لِيُفْسِحَ اللهُ لَكَ فِي الْجَنَّةِ. وَإِنِ اسْتَأْذَنَكَ أَحَدٌ لِلْمُرُورِ لِسَدِّ فُرْجَةٍ أَمَامَكَ، فَأَفْسِحْ لَهُ بِطِيبِ خَاطِرٍ، وَلَا تَغْضَبْ مِنَ الزِّحَامِ، فَنَحْنُ إِخْوَةٌ يَجْمَعُنَا بَيْتٌ وَاحِدٌ وَرَبٌّ وَاحِدٌ.
الخامسة (موضوعيَّة): تَدَارَكُوا طَاقَةَ هَذَا الْمَسْجِدِ الْمَحْدُودَةَ بِالْمِائَتَيْ مُصَلٍّ، وَكُونُوا مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ، مُسَهِّلِينَ لِإِخْوَانِكُمْ دُخُولَهُمْ. مَنْ يَسَّرَ عَلَى مُسْلِمٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ؛ فَتَقَدَّمُوا الْيَوْمَ قَبْلَ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ إِلَى أَقْصَى الصُّفُوفِ، وَلَا تَكُونُوا سَبَبًا فِي صَلَاةِ أَحَدٍ خَارِجَ الْمَسْجِدِ تَحْتَ حَرَارَةِ الشَّمْسِ لِضِيقٍ أَنْتُمْ صَنَعْتُمُوهُ بِتَأَخُّرِكُمْ.
فاتقوا الله عباد الله، فإن تقوى الله هي التي تحملكم على المسارعة في الخيرات وتجنب أذية المسلمين، وبها تُعْمَرُ القلوب قبل أن تُعْمَرَ المساجد.
ثم صلوا وسلموا على إمام المتقين وسيد المرسلين، كما أمركم بذلك رب العالمين القائل في كتابه المبين: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم اجعلنا من السابقين إلى الخيرات، ومن المسارعين إلى الصلوات، ومن المحافظين على الصفوف الأول والبركات.
اللهم طهر قلوبنا من الكسل، وأجسادنا من الفتور، واجعلنا ممن يسعون إلى مرضاتك بخطى ثابتة ونفوس مطمئنة.
اللهم اجعلنا ممن يصلون الصفوف فيصلهم الله برحمته، ولا تجعلنا ممن يقطعون الصفوف فيقطعهم الله من فضله.
اللهم لا تجعلنا حجر عثرة في طريق طاعتك، ولا سببا في أذية أحد من خلقك المؤمنين.
اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.
اللهم أصلح أحوال المسلمين عامة في كل مكان، وانشر بينهم المودة والأمان، واجعلهم صفا واحدا كالبنيان المرصوص يا رب العالمين.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون، وأقم الصلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.