من مكتبة مِداد الخطيب

القناعة.. كيف تملك الدنيا ولا تملكك؟

مشاركة
🕌 القناعة.. كيف تملك الدنيا ولا تملكك؟ #خطبة_جمعة #القناعة #الرضا #الزهد #مقارنة_الذات #الأسرة #رقائق الحمدُ للهِ الذي بَسَطَ الرِّزقَ لِمَن يَشاءُ وقَدَر، وجَعَلَ القَناعَةَ كَنزًا في قُلوبِ مَن رَضِيَ وشَكَر، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يُعطي لحِكمَةٍ، ويَمنَعُ لرَحمَةٍ، ولا يُسألُ عمَّا يَفعَلُ وهُم يُسأَلون، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أزهَدُ النَّاسِ في الدُّنيا، وأقنَعُهُم بِما قَسَمَ الله، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، تَخيَّلوا مَعي رَجُلاً يَركُضُ طَوالَ عُمُرِهِ خَلفَ سَراب، كُلَّما اقترَبَ منهُ ابتَعَد، وكُلَّما شَرِبَ مِنهُ ازدادَ عَطَشاً. يَلهَثُ في نَهارِهِ، ويَسهَرُ في لَيلِهِ، يَظُنُّ أنَّ السَّعادَةَ في المَحَطَّةِ القادِمَة، فإذا وَصَلَها وَجَدَها فارِغَة! هذا هو حالُ أغلَبِنا اليومَ في سِباقِ الدُّنيا. هُناكَ لِصٌّ خَفِيٌّ يَسرِقُ فَرحَتَنا بِما نَملِك، ويُعَلِّقُ قُلوبَنا بِما نَفقِد.. فمَن هو هذا اللِّص؟ وكيفَ نَطرُدُهُ مِن بُيوتِنا وقُلوبِنا؟ هذا ما سَنَعرِفُهُ اليوم. أيها الإخوةُ الأحبَّة، لقد خَلَقَنا اللهُ في هذهِ الدُّنيا لِنَعمُرَها، لا لِتَعمُرَ هيَ قُلوبَنا. وجَعَلَ السَّعادَةَ الحَقيقيَّةَ مَربوطَةً بِمَعنىً عظيمٍ، تَجاهَلَهُ كَثيرٌ مِنَ النَّاسِ في زَحْمَةِ المادِّيَّات، ألا وهو "القَناعَة". استَمِعوا إلى هذا الوَعدِ الرَّبَّانيِّ العظيم، يَقولُ رَبُّنا تبارَكَ وتَعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة النحل: 97]. تَوَقَّفوا مَعي هُنا لَحظَة.. ما هيَ الحَياةُ الطَّيِّبَة؟ هل هيَ القُصورُ الفارهَة؟ هل هيَ الأرصِدَةُ المُمتَلِئَة؟ هل هيَ المَناصِبُ العُليا؟ لقد سُئِلَ حَبرُ الأُمَّةِ ابنُ عبَّاسٍ وعَلِيُّ بنُ أبي طالبٍ رَضيَ اللهُ عنهُم عن تفسير "الحياة الطيبة" في هذه الآية، فقالوا كَلِمَةً واحِدَة: "هيَ القَناعَة". نَعَم، القَناعَةُ هيَ الحَياةُ الطَّيِّبَة. لأنَّ الغَنِيَّ الشَّرِهَ فَقيرٌ في قَلبِهِ، لا يَشبَعُ أبداً. والفَقيرَ القانِعَ غَنِيٌّ في روحِهِ، لا يَحتاجُ أحَداً. ويُؤكِّدُ النَّبيُّ ﷺ هذا المَعنى بِكَلِماتٍ تُكتَبُ بِماءِ الذَّهَب، فيَقول: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ» (رواه مسلم). الكفافُ: هو ما يَكفيكَ ويُغنيكَ عن سُؤالِ النَّاس، بلا إفراطٍ يُطغيك، ولا تَفريطٍ يُرديك. فمَن رُزِقَ هذا، ورُزِقَ مَعَهُ الرِّضا، فقد حازَ الدُّنيا بِحَذافيرِها. واسمَعوا لِتَصحيحِ المَفاهيمِ مِن فَمِ أصدَقِ مَن نَطَق، يَقولُ ﷺ: «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» (متفق عليه). إخوتي الكِرام، دَعونا نَقِف وقفةَ مُصارَحَةٍ مع واقِعِنا اليَوم. نحنُ نَعيشُ في عَصرٍ غريب، عَصرٍ أصبَحَت فيهِ "الصِّناعَةُ الأولى" هي صِناعَةَ الشُّعورِ بِالنَّقص! انظُروا إلى هواتِفِكُم، إلى الشَّاشاتِ التي بَينَ أيديكُم. أنتَ تَجلِسُ في بَيتِكَ آمِناً مُعافىً، بَينَ زَوجَتِكَ وأولادِك، عِندَكَ عِشاءُ لَيلَتِك، تَشعُرُ بِالرِّضا.. ثُمَّ تَفتَحُ هاتِفَك! تَرى صُورَةَ مَشهورٍ في أطرافِ الأرضِ يَأكُلُ طَعاماً فاخِراً، وتَرى آخَرَ يَستَعرِضُ سَيَّارَتَهُ الفارهَة، وتَرى مَن يَلتَقِطُ الصُّوَرَ في قُصورٍ ومُنتَجَعات. فيَتَسَلَّلُ الشَّيطانُ إلى قَلبِك، وتَبدأُ المُقارَنَة: لِماذا هُم هَكَذا وأنا هَكَذا؟ لِماذا بَيتي صَغير؟ لِماذا مَعيشَتي ضَيِّقَة؟ في تِلكَ اللَّحظَة.. تُسرَقُ مِني وتَسخَطُ على رِزقِك، وتَنسى نِعَمَ اللهِ التي تَغمُرُك! لقد حَذَّرَنا اللهُ مِن هذا الفَخِّ قَبلَ ألفٍ وأربَعِمِائَةِ عام، فَقالَ مُخاطِباً نَبِيَّهُ ﷺ ومُخاطِباً إيَّانا مِن بَعدِه: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [سورة طه: 131]. تَأمَّلوا الدِّقَّةَ القُرآنيَّة: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾.. لَم يَقُل "ولا تَنظُر"، بَل تَمُدُّ عَينَيكَ، أي تُطيلُ النَّظَرَ وتُتابِعُ وتُقارِن وتَتَحَسَّر. ولِماذا سَمَّاها اللهُ ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؟ لأنَّ الزَّهرَةَ — مَهما كانَ شَكلُها جَميلاً ولَونُها زاهِياً — فإنَّها سَريعَةُ الذُّبول، عُمرُها قَصير. هَكَذا هيَ مُتَعُ الدُّنيا الزَّائِفَة، تَبدو مِن بَعيدٍ بَرَّاقَة، لَكِنَّها تَذبُلُ وتَذْهَب. ولِكَي يُعطِيَنا النَّبيُّ ﷺ الدَّواءَ النَّاجِعَ لِهَذا المَرَضِ العَصرِيّ، وَضَعَ لَنا قاعِدَةً ذَهَبِيَّة، يَقولُ فيها: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ» (متفق عليه). إذا نَظَرتَ إلى مَن يَملِكُ سَيَّارَةً أفضَلَ مِن سَيَّارَتِك، انظُر في المُقابِلِ إلى مَن يَمشي عَلى قَدَمَيهِ في الشَّمس. وإذا نَظَرتَ إلى مَن يَسكُنُ قَصراً، انظُر إلى مَن لا يَجِدُ سَقفاً يُؤويه. وإذا استَثقَلتَ زَحمَةَ بَيتِكَ بِأولادِك، فتَذَكَّر مَن يَطوفُ المُستَشفَياتِ يَبكي طَلَباً لِطِفلٍ واحِد. حِينَها سَتَعرِفُ أنَّكَ تَغْرَقُ في نِعَمٍ لا تُقَدَّرُ بِثَمَن. أيها الإخوةُ المؤمنون، دَعوني أروي لَكُم مَشهَداً مِن حَياةِ أعظَمِ رَجُلٍ وَطِئَت قَدَماهُ الأرض، لِنَرى كَيفَ كانَت القَناعَةُ تَمشي بَينَ النَّاس. يَستَأذِنُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عنهُ عَلى رَسولِ اللهِ ﷺ، فَيَدخُلُ عَليهِ غُرفَتَهُ الصَّغيرَة. يَنظُرُ عُمَرُ في الغُرفَة، فَلا يَجِدُ فيها خَزائِنَ ولا مَتاعاً. يَرى النَّبيَّ ﷺ وقَد نامَ عَلى حَصيرٍ مِن خُوص (أي مِن سَعَفِ النَّخلِ اليابِس)، وقَد أثَّرَ الحَصيرُ في جَنبِهِ الشَّريف. تَخَيَّلوا المَشهَد.. رَسولُ الله، خَيرُ خَلقِ الله، الذي دانَت لَهُ الجَزيرَةُ العَرَبيَّة، يَنامُ عَلى حَصيرٍ يُؤلِمُ جَسَدَه! لَم يَتَمالَك عُمَرُ نَفسَهُ، فَبَكى، فاضَت عَيناهُ بِالدَّمع. فَقالَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ: «مَا يُبْكِيكَ يَا عُمَرُ؟» فَقالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ (مِنَ النَّعيمِ والحَريرِ والقُصور)، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ هَكَذا؟! هُنا، أرسى النَّبيُّ ﷺ مَبدأَ القَناعَةِ الكُبرى، وَقالَ كَلِمَةً كَتَبَت تاريخَ الزُّهْد: «أَمَا تَرْضَى يَا عُمَرُ أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ؟» (متفق عليه). نَعَم، "أمَا تَرضى؟".. السِّرُّ كُلُّهُ في الرِّضا. الدُّنيا مَمرٌّ ولَيسَت مَقَرّاً، ومَن جَعَلَها مَقَرّاً شَقِيَ بِها وماتَ وهو يَلهَثُ خَلفَها. يَقولُ ﷺ: «لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ» (متفق عليه). الإنسانُ بِطَبعِهِ طَمَّاع، ولا يُهَذِّبُ طَمَعَهُ إلا الإيمانُ والقَناعَة. وهُنا نَقِفُ لِنُعالِجَ إشكالاً يَدورُ في أذهانِ البَعض: هل يَعني هذا أنَّ الإسْلامَ يَدعونا إلى الفَقر، ويُحَرِّمُ عَلَينا الطُّموحَ وتَحسينَ مَعِيشَتِنا؟ هل القَناعَةُ تَعني التَّكاسُلَ والخُمول؟ الجوابُ: قَطعاً لا. هناكَ فَرقٌ هائِلٌ — يا كِرام — بَينَ "الطُّموح" وبَينَ "الطَّمَع". وبَينَ "الزُّهد" وبَينَ "الفَقر". الطُّموحُ: أن تَسعى في الدُّنيا، وتَتَعَلَّم، وتَنجَح، وتَجمَعَ المالَ الحَلال، وتَبنِيَ شَرِكَة، وتَرتَقيَ في عَمَلِك.. لَكِنَّ الدُّنيا في "يَدِكَ" لَيست في "قَلبِك". إذا جائَت شَكَرت، وإذا ذَهَبَت صَبَرت. الطُّموحُ طاقَةٌ إيجابيَّة. النَّبيُّ ﷺ قال: «نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ» (رواه أحمد). وكانَ مِنَ الصَّحابَةِ أثرياءُ مِثلُ عُثمانَ بنِ عَفَّان وعبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوف رضي الله عنهما. أمَّا الطَّمَعُ: فَهوَ أن تَجعَلَ الدُّنيا في "قَلبِك". لِتُصبِحَ هيَ الهَمَّ الأوَّل. إن زادَ رِزقُكَ طَغَيت، وإن نَقَصَ سَخِطتَ واكتَأبت. أن تَحسِدَ غَيرَك، وتَتَذَمَّرَ مِن حالِك، وتَنسى شُكرَ المُنْعِم! ولِذَلك عَرَّفَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ — رَحِمَهُ اللهُ — الزُّهْدَ تَعريفاً دَقيقاً بَليغاً، فَقال: "الزُّهدُ لَيسَ بِتَحريمِ الحَلالِ ولا تضييعِ المال، ولَكِنَّ الزُّهدَ أن تَكونَ بِما في يَدِ اللهِ أوثَقَ مِنكَ بِما في يَدِك". وعَرَّفَهُ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ الله بِقولِه: "الزُّهدُ في الدُّنيا أريَحُ لِلقَلبِ والبَدَن". إذا امتَلَكتَ الملايينَ، لَكِنَّها لَم تَجعَلكَ تَتَكَبَّرُ أو تَعصي الله، فَأنتَ زاهِدٌ وقانِع. وإذا كُنتَ فَقيراً لا تَملِكُ شَيئاً، لَكِنَّ قَلبَكَ يَلتَهِبُ حَسَداً وحِقداً عَلى الأغنياء، فأنتَ طَمَّاعٌ ولَستَ بِزاهِد! عِبادَ الله.. القَناعَةُ لا تَأتي مِن فَراغ، إنَّما تَأتي مِن شَيئَين: اليَقينُ بِالقَدَر، والشُّكرُ عَلى النِّعَم. يَقولُ اللهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [سورة الزخرف: 32]. الأرزاقُ مَقسومَةٌ مِنَ الخالِقِ الحَكيم. إذا رَأيتَ شَخصاً قَد فُضِّلَ عَلَيكَ في المال، فاعلَم أنَّكَ قَد فُضِّلتَ عَلَيهِ في الصِّحَّة، أو في بَرَكَةِ الأولاد، أو في سَكينَةِ البال، أو في الهِدايَة. اللهُ عَدلٌ، قَسَّمَ الأرزاقَ بِحِكمَةٍ بالِغَة. والمُؤمِنُ الفَطِنُ هُوَ مَن يَقول: "رَضيتُ بِما قَسَمَ اللهُ لي". أمَّا الشُّكر.. فَهوَ المِفتاحُ السِّحرِيُّ لِلزِّيادَة. ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [سورة إبراهيم: 7]. الشُّكرُ لَيسَ فَقَط كَلِمَةً تُقالُ بِاللِّسان، بَل هُوَ رِضاً في القَلب. أن تَدخُلَ بَيتَكَ المُتَواضِع، فَتَرى عائِلَتَكَ بِخَير، فَيَميِلَ قَلبُكَ إلى اللهِ حُبّاً وامتِناناً، وتَقولَ مِن أعمَاقِك: الحَمدُ لله. هذا الشُّعورُ هُوَ الذي يَجعَلُ الرَّجُلَ البَسيطَ يَنامُ مِلءَ جَفنَيه، بَينَما يَستَلقی الغَنِيُّ الجَشِعُ عَلى فِراشٍ مِن حَريرٍ ويَأكُلُهُ القَلَقُ والأَرَق. وقد صَدَقَ مَن قال: "لَو يَعلَمُ المُلوكُ وأبناءُ المُلوكِ ما نَحنُ فيهِ مِنَ السَّعادَة، لَجالَدونا عَلَيها بِالسُّيوف". السَّعادَةُ التي يَقْصِدونَها هيَ "سَكينَةُ القَناعَة". وَلْنَقِف — لَحظَةً — مَع رَجُلٍ طَبَّقَ هذا المَعنى في أَقسى لَحظاتِ الحَياة. إنَّهُ التَّابِعيُّ الجَليل عُروَةُ بنُ الزُّبَير رضي الله عنه. ابتُليَ هذا الرَّجُلُ في سَفَرٍ لَهُ ابتِلاءً زَلزَلَ الجِبال.. أُصيبَت رِجلُهُ بِـ"الآكِلَة" (الغَرغَرينا)، فَقَرَّرَ الأطِبَّاءُ قَطْعَها قَبلَ أن يَمري المَرَضُ إلى جَسَدِه. وفي نَفسِ اليَوم، وفي نَفسِ السَّفَر، ذَهَبَ ابنُهُ — أحَبُّ أبنائِهِ إلَيهِ — لِيَلعَبَ في الخَيل، فَرَفَسَتْهُ فَرَسٌ فَماتَ مِن سَاعَتِه! تَخَيَّلوا.. فَقَدَ رِجلَهُ، وفَقَدَ ابنَهُ، في يَومٍ واحِد! بِماذا نَطَقَ هذا الجَبَلُ الشَّامِخُ عِندَما أفاقَ مِن قَطْعِ رِجلِه وعَلِمَ بِمَوتِ ابنِه؟ هل تَسَخَّط؟ هل شَكا؟ قالَ كَلِماتٍ لا تَخرُجُ إلَّا مِن قَلبٍ قَد مُلِئَ قَناعَةً ورِضاً بِالله، قال: "اللَّهُمَّ لَكَ الحَمد.. كانَ لي أطرافٌ أربَعَة، فأخَذتَ واحِداً وأبقَيتَ ثَلاثَة. وكانَ لي أبناءٌ سَبعَة، فأخَذتَ واحِداً وأبقَيتَ سِتَّة. اللَّهُمَّ لَئِنِ ابتَلَيتَ لَقَد عافَيت، ولَئِن أخَذتَ لَقَد أبقَيت، فَلَكَ الحَمدُ عَلى ما أَعطَيتَ وعَلى ما أَخَذت". يا سُبحانَ الله! نَحنُ اليَومَ نَمْلِكُ الأطرافَ الأربَعَة، والأبناء، والأمن، والصِّحَّة.. وإذا تَعَطَّلَت مُكَيِّفُ سَيَّارَتِنا، أو قَلَّ دَخلُنا شَهراً، أو رَأَينا صُورَةً لِشَخصٍ يَعيشُ أفضَلَ مِنَّا، سَخِطنا وتَذَمَّرنا وكَأَنَّنا سُلِبنا كُلَّ شَيء! كالَّذي يَمْلِكُ وَرَقَةً بَيضاءَ كَبيرَة، فيها نُقطَةٌ سَوداءُ صَغيرَة، فَلا يَرى البَياضَ الشَّاسِع، بَل يُرَكِّزُ عَلى النُّقطَةِ السَّوداءِ حَتَّى تُعمِيَه. أيُّها المُسلِمون، إنَّ السَّعادَةَ قَرار. والقَناعَةَ نَظَّارَةٌ إذا لَبِستَها رَأَيتَ أبسَطَ الأشياءِ نِعَماً عَظيمَة. وكما يَقولُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ الله: إذا ما كُنتَ ذا قَلبٍ قَنوعٍ فَأنتَ ومالِكُ الدُّنيا سَواءُ. أسألُ اللهَ العَظيمَ أن يَملأَ قُلوبَنا رِضاً، وأياديَنا قَناعَة، وأن يُعِيذَنا مِن نَفسٍ لا تَشبَع، ومِن قَلبٍ لا يَخشَع، ومِن عَينٍ لا تَدمَع. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً كثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عَن حَقيقَةِ القَناعَة، وكَيفَ أنَّها الغِنى الحَقيقيُّ لِلنَّفس، ووَقَفنا مَع وهمِ الشَّاشاتِ والمُقارَناتِ الذي يَسرِقُ رِضانا، وعَرَفنا الفَرقَ بَينَ الطُّموحِ المَشروعِ والطَّمَعِ المَذموم. والآن، ونَحنُ نَتَأهَّبُ لِلعَودَةِ إلى مُعتَرَكِ الحَياة، بَقِيَ السُّؤالُ الأَهَم: كَيفَ أُطَبِّقُ هَذا الكَلامَ؟ كَيفَ أَغْرِسُ شَجَرَةَ القَناعَةِ في قَلبي اليَوم؟ أوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن أَنزِلَ مِن مِنبَري، مَن حَفِظَها وعَمِلَ بِها عاشَ مَلِكاً: الأولى (قَلبيَّة): طَهِّر قَلبَكَ مِنَ الحَسَدِ بِالدُّعاء لِغَيرِك. إذا رَأَيتَ نِعمَةً عَلى أخيكَ (في صِحَّتِهِ، أو مالِهِ، أو زَوجَتِهِ، أو أولادِه) فَقُل في نَفسِك: "اللَّهُمَّ بارِك لَهُ، وارزُقني خَيراً مِنه". الحَسَدُ يأكُلُ قَلبَ الحاسِدِ قَبلَ أن يَمَسَّ المَحسود، أمَّا الدُّعاءُ بِالبَرَكَةِ فَيُنَظِّفُ صَدرَكَ ويَجلِبُ لَكَ استِجابَةَ المَلائِكَة: "ولَكَ بِمِثل". الثانية (لِسانيَّة): اجعَل حَمدَ اللهِ حاضِراً عَلى لِسانِكَ دائِماً بِوَعْي، لا مُجَرَّدَ عادَة. إذا استَيقَظتَ ومَشَيتَ عَلى قَدَمَيك.. قُل: الحَمدُ لله. إذا جَلَستَ عَلى مائِدَتِكَ مَع عائِلَتِك.. قُل: الحَمدُ لله. وعِندَما تَرى ما يُعجِبُكَ في الدُّنيا، ذَلِّل لِسانَكَ بِقَول: "ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إلَّا بِالله"، فَإنَّها تَصرِفُ عَنكَ حَسرَةَ القَلب. الثالثة (عَمَليَّة): صُم صِياماً "رَقْمِيّاً" عَن الشَّاشات. خَفِّف مِن مُتابَعَةِ أولَئِكَ الذين لا وظيفَةَ لَهُم إلَّا استِعراضُ رَفاهيَتِهِم وتَصديرُ الوَهْم. الغِ مُتابَعَةَ كُلِّ حِسابٍ يَجعَلُكَ تَشعُرُ بِالضِّيقِ مِن حَياتِكَ أو بيئَتِك. واعلَم أَنَّ ما يُعرَضُ في الشَّاشاتِ لَيسَ الحَقيقَةَ الكامِلَة، بَل هُوَ جُزءٌ مُنتَقى ومُزَيَّفٌ غالِباً. بيئةٌ سَميَّةٌ لا تَجلِبُ إلَّا نَقصَ الشُّكر، فاقطَع مَنابِعَها اليَوم. الرابعة (اجتماعيَّة): زُرِ المَرضى في المُستَشفَيات، أو سِر خَلفَ جَنازَةٍ إلى المَقابِر. لا شَيءَ يَغسِلُ هُمومَ الدُّنيا، ويُقَزِّمُ مَشاكِلَنا المادِّيَّة، كَرُؤيَةِ مُتَألِّمٍ يَتَمَنَّى نِصفَ عافِيَتِك، أو مَيِّتٍ لا يَأخُذُ مَعَهُ إلَّا كَفَناً. عِندَها سَتَعودُ إلى بَيتِكَ وتَشعُرُ أنَّكَ أغنى أهْلِ الأرض. الخامسة (موضوعيَّة): اسمَح لِنَفسِكَ بِالطُّموحِ، واسْعَ في مَناكبِ الأرضِ بَحثاً عَن رِزقٍ حَلالٍ أفضَل لَكَ ولِأُسرَتِك، لَكِن.. اربِط قَلبَكَ بِالرَّزَّاقِ لا بِالرِّزق. اِعمَل بِكُلِّ جُهدِك، فَإذا جائَت النَّتيجَةُ بِعَكسِ ما تُريد، فَقُل بِيَقين: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [سورة البقرة: 216]. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾، وعَلِّقوا قُلوبَكُم بِالدَّارِ الآخِرَة، فَإنَّها وَاللهِ خَيرٌ وأَبقى. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَلَيه، القائِل: «إنَّ البَخيلَ مَن ذُكِرتُ عِندَهُ فَلَم يُصَلِّ عَلَيّ». اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك عَلى عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحَمَّد، وعَلى آلِهِ الطَّيِّبين، وصَحابَتِهِ الغُرِّ المَيامين، ومَن تَبِعَهُم بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين. اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ نَفساً مُطمَئِنَّة، تُؤمِنُ بِلِقائِك، وتَرضى بِقَضائِك، وتَقنَعُ بِعَطائِك. اللَّهُمَّ قَنِّعنا بِما رَزَقتَنا، وبارِك لَنا فيه، واخلُف عَلى كُلِّ غائِبَةٍ لَنا بِخَير. اللَّهُمَّ لا تَجعَل الدُّنيا أكبَرَ هَمِّنا، ولا مَبلَغَ عِلمِنا، ولا إلى النَّارِ مَصيرَنا. اللَّهُمَّ طَهِّر قُلوبَنا مِن الحَسَد والطَّمَع، واملأها شُكراً ورِضاً ومَحَبَّةً لَك. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن إذا أُعطِيَ شَكَر، وإذا ابتُليَ صَبَر، وإذا أذنَبَ استَغفَر. اللَّهُمَّ أغنِنا بِحَلالِكَ عَن حَرامِك، وبِطاعَتِكَ عَن مَعصِيَتِك، وبِفَضلِكَ عَمَّن سِواك. اللَّهُمَّ فَرِّج هَمَّ المَهمومين، ونَفِّس كَربَ المَكروبين، واقضِ الدَّينَ عَنِ المَدينين، واشفِ مَرضانا ومَرضى المُسلِمين، واحقِن دِماءَ المُسلِمينَ في كُلِّ مَكان، وَكُن لِلمُستَضعَفينَ عائِناً ونَصيراً يا رَبَّ العالَمين. عبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمرُ بالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عَنِ الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون. وأَقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.