من مكتبة مِداد الخطيب

نهايةُ المُجرمين... ويَومَئِذٍ يَفرَحُ المُؤمِنون

مشاركة
🕌 نهايةُ المُجرمين... ويَومَئِذٍ يَفرَحُ المُؤمِنون #خطبة_جمعة #نهاية_الظالمين #فرح_المظلومين #الظلم #عاطف_نجيب #سنن_الله #سياسة_شرعية الحمدُ للهِ قاصِمِ الجبابرة، ومُبيرِ الأكاسِرَة، ومُذِلِّ الفراعِنة. الحمدُ لله الذي حَرَّمَ الظُّلمَ على نفسهِ وجَعَلَهُ بينَ عبادِهِ مُحَرَّمًا، الذي يُمهِلُ ولا يُهمِل، ويُملي للظَّالمِ حتى إذا أخَذَهُ لم يُفلِته، بِيَدِهِ مَقاييدُ السَّماواتِ والأرض، يَخفِضُ ويَرفَع، ويُعِزُّ ويُذِلّ، ويَنتَقِمُ للمظلومينَ ولو بعدَ حين. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، العَدلُ الحَكَم، الذي لا يَضيعُ عندَهُ حَقٌّ، ولا يَسقُطُ في ميزانِهِ مِثقالُ ذَرَّة. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عبدُهُ ورسولُه، إمامُ المُتَّقينَ وقائدُ الغُرِّ المُحَجَّلين، الذي بَعَثَهُ اللهُ رحمةً للعالمين ونقمةً على المُجرمين المُستَكبِرين، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعد: عبادَ الله، في لحظةٍ من اللحظات، يَظنُّ الطَّاغيةُ ومَن عاوَنَه أنَّ الأرضَ دانَت لهم، وأنَّ المَشانِقَ التي نَصَبوها للأبرياءِ ستَظلُّ تَلتَهِمُ الرِّقاب، وأنَّ صَرَخاتِ المُعَذَّبين في أقبيةِ السُّجون قد ضاعَت سُدًى ولن يَسمَعَها أحد. يَظُنُّ المُجرمُ أنَّ مَناصِبَه ومُخابَراتِه وجُنودَهُ ستَحْميهِ من بَأسِ السَّماء. ثمَّ، وفي ثانيةٍ واحدةٍ لم يَحسَب لها حِسابًا، تَأتي صَيحةُ الحقِّ، وتَدورُ الدَّوائر، فيَسقُطُ الصَّنَم، ويُساقُ الجَلَّادُ إلى المَشنقةِ صاغِرًا ذليلًا. في تلك اللحظة التي تَنهمر فيها دموعُ الأمَّهاتِ المَكلوماتِ فَرَحًا بخبرِ إعدامِ جَلَّادٍ كعاطف نجيب وأمثاله، تَتَجَلَّى لنا حقيقةٌ قُرآنيَّةٌ طالما نَسيناها في زَحمةِ الألَم. فما هي هذه الحقيقة؟ ولماذا يُؤَخِّرُ اللهُ انتِقامَه؟ وكيف نَقرَأُ مَشهدَ سُقوطِ المُجرمين؟ الجَوابُ — يا عبادَ الله — في خُطبتنا هذه، فاستَعيروني قُلوبَكم وأسماعَكم. أيُّها المؤمنون، عَجَبًا لقلبٍ يَقرَأُ كتابَ الله، ثم يَتَسَرَّبُ إليه اليأسُ إذا طالَ ليلُ الظَّالمين! وعَجَبًا لعَينٍ تَبكي من قَهرِ الجَلَّادين، وتَنسى أنَّ فَوقَ سَقفِ الزِّنزانةِ رَبًّا يَسمَعُ دَبيبَ النَّملة، ويُحصي أنَّاتِ المُعَذَّبين، ويَرى الدِّماءَ التي سُفِكَت والأظافِرَ التي اُقتُلِعَت! إنَّنا نَعيشُ في زمانٍ رَأينا فيه طُغيانًا جاوَزَ طُغيانَ الأوَّلين، دِماءٌ تُسفَك، وأعراضٌ تُنتَهَك، وشُعوبٌ تُهَجَّر على يَدِ مُجرمينَ ظَنُّوا أنَّهم آلِهةٌ يُعبَدون. هل سألتُم أنفسَكم يومًا: هل غَفَلَ اللهُ عن هؤلاء؟ هل يَنامُ الجَلَّادُ قَريرَ العَينِ وربُّ العِزَّةِ غافلٌ عن إجرامِه؟ اسمعوا إلى الجَوابِ الرَّبَّانيِّ الذي يَهُزُّ أركانَ الجِبال، يَقولُ اللهُ تباركَ وتعالى في مُحكَمِ تَنزيلِه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ۝ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ۖ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [سورة إبراهيم: 42-43]. تَأمَّلوا... اللهُ عزَّ وجَلَّ لم يَقُل "ولا تَحسَبَنَّ اللهَ تارِكًا للظَّالمين"، بل قال: ﴿غَافِلًا﴾. لأنَّ المظلومَ في ذُروةِ ألَمِه، حين يَرى المُجرمَ يَتمَتَّعُ بصِحَّتِه وسُلطَتِه ومُتَعِه، قد يَهمِسُ لَه الشَّيطانُ: "أينَ الله؟ لماذا لا يُعاقِبُه؟". فيَأتي القُرآنُ ليَمسَحَ على قَلبِ المظلوم: اللهُ يَراه، اللهُ يَسمَعُه، اللهُ يُسَجِّلُ عليه كُلَّ قَطرةِ دَم، وكُلَّ صَرخةِ طِفل، وكُلَّ دَمعةِ أُمٍّ.. لكنَّهُ لا يُعاجِلُه، بل يُؤَخِّرُه ليكونَ السُّقوطُ مُدَوِّيًا، ولتَكونَ النِّهايةُ عِبرةً للعالمين. واسمَعوا لهذا الحديثِ العَظيم، الذي يُلَخِّصُ لنا فِقهَ السُّقوط. قال رسولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»، ثمَّ قَرَأَ ﷺ: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (متفق عليه). الظَّالمُ المُجرم — كعاطف نجيب ومَن فَوْقَهُ ومَن تَحتَه — يُعطيهِ اللهُ الصِّحَّة، ويَفتَحُ له أبوابَ السُّلطة، ويُمَكِّنُه من الرِّقاب.. هذا ليَس كرامةً له، بل هو "الاستِدراج". يقولُ سُبحانه: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ۝ وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [سورة الأعراف: 182-183]. كُلَّما اقتَلَعَ أُظفُرَ طِفلٍ، كُتِبَت عليه لَعنة، وكلَّما سَفَكَ دَمًا، ازدَادَ حِملُه في جَهَنَّم. اللهُ يَترُكُه ليَتَضَخَّمَ في ظُلمِه، حتى إذا بَلَغَ ذُروةَ الغُطرسة، وقال "أنا رَبُّكُمُ الأعلى" بفِعلِه ومُمارساتِه — هَوَى بهِ في قاعِ الذُّلِّ، وجَعَلَهُ آيةً لِمَن خَلفَه. قال الإمامُ ابنُ القَيِّم رحمه الله: "ومِن
سُنَّتِه سُبحانه أنَّهُ يُملي للظَّالمِ حتى يَغترَّ ويَظُنَّ أنَّهُ لا يُؤخَذ، ثمَّ يَأخُذُهُ أخذَ عَزيزٍ مُقتَدِر". أيُّها الإخوةُ الأحبَّة، تَخَيَّلوا مَعي مشهدًا طالما انتَظَرَتهُ القُلوبُ الحَرَّى.. خَبرٌ عاجلٌ يَهُزُّ الآفاق، يَتَناقَلُهُ النَّاسُ في الشَّوارعِ والأسواق: "لقد تَمَّ إعدامُ المُجرم". تَخَيَّلوا لحظةَ إعدامِ رجلٍ كعاطف نجيب، ذلك الذي شَعَّلَ شَرارةَ القَهرِ حين عذَّبَ أطفالَ دَرعا، وسَخِرَ من شُيوخِها، واستَهانَ بدِماءِ الأبرياء. تَخَيَّلوا ذلك الوجهَ المُتَغَطرِسَ الذي كان يَنظُرُ للمظلومين باحتقار، وهو يُساقُ الآن مَكشوفَ الرَّأس، مَرجوفَ الفُؤاد، مُكَبَّلَ اليَدَينِ إلى حَبلِ المِشنقة. أين حَرَسُه؟ أين مُخابَراتُه؟ أين أسلِحَتُه؟ تَبَخَّرَت كُلُّها في لحظةِ القَصاص! يَنظُرُ إلى حَبلِ المَوتِ فيَكادُ قَلبُهُ يَنخَلِعُ رُعبًا قَبلَ أن يَلُفَّ حَولَ عُنُقِه. في تلك اللحظة بالذَّات، ماذا يَحدُثُ في بُيوتِ المظلومين؟ في تلك اللحظة، تَسجُدُ أُمُّ الشَّهيدِ باكيةً على سَجَّادَتِها، تَتَذَكَّرُ دِماءَ وَلَدِها وتَقول: "الحمدُ للهِ الذي بَرَّدَ قَلبي". وفي تلك اللحظة، يَتَهانَأُ الآباءُ الذين انتُهِكَت كَرامَتُهم. يَتَعانَقُ النَّاسُ في الشَّوارعِ، ويَتَبادَلونَ التَّهاني، ويَبكونَ فَرَحًا. فهل هذا الفَرَحُ بمَوتِ إنسانٍ شَرعيٌّ أم مَذموم؟ هل يَجوزُ للمسلمِ أن يَفرَحَ بهلاكِ ظالمٍ أو إعدامِ مُجرم؟ اسمعوا إلى الجَوابِ من كتابِ الله، يقولُ سُبحانه واصفًا نِهايةَ الجَبابرة: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنعام: 45]. نعم.. الحمدُ للهِ ربِّ العالَمين! هَلاكُ المُجرمينَ نِعمةٌ تَستَوجِبُ الحَمد، وتَستَحِقُّ الفَرَح. ويقولُ جَلَّ شأنُه: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ۝ بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة الروم: 4-5]. مُرورُ جِنازةٍ على النَّبيِّ ﷺ فيهِ الدَّرسُ الأعظم. واسمعوا لهذا الحديثِ العجيب، فإنَّ فيهِ كَنزًا يَشفي الصُّدور. عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ، فَقَالَ: «مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ فَقَالَ: «الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ (وفي رِوايةٍ: الظَّالِمُ) يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ» (متفق عليه). يا لَعَظَمةِ هذا الدِّين! العَبدُ الظَّالمُ المُجرم، إذا أُعدِمَ أو مات، لا يَفرَحُ بِمَوتِهِ البَشرُ المظلومون فَحَسب، بل تَستَريحُ مِنهُ الأرضُ التي داسَ عليها بِطُغيانِه، وتَستَريحُ الشَّجَرُ والدَّوابُّ من شَرِّهِ وفَسادِه! الكَونُ كُلُّهُ يَلفِظُهُ ويَلعَنُه، فكيفَ لا تَفرَحُ قُلوبُ المُؤمنين؟! يُذكَرُ أنَّهُ لَمَّا جاءَ خَبَرُ مَوتِ الحَجَّاجِ بنِ يُوسُفَ الثَّقَفي — الذي أسْرَفَ في القَتلِ وسَفَكَ دِماءَ العُلماءِ والأبرياءِ كَسَعيدِ بنِ جُبَير — بَلَغَ الخَبرُ الإمامَ الحَسنَ البَصريَّ رحمه الله، وكانَ مُختَفِيًا من ظُلمِه، فَماذا فَعَل؟ هل قالَ "اذكُروا مَحاسِنَ مَوتاكم"؟ كَلَّا، بل خَرَّ ساجِدًا للهِ شُكرًا، وبَكى وقال: "اللَّهمَّ أمَتَّهُ، فاقطَع عَنَّا سُنَّتَه". ولَمَّا بُشِّرَ التَّابِعيُّ الجَليلُ إبراهيمُ النَّخَعيُّ بِمَوتِ الحَجَّاج، سَجَدَ للهِ وبَكى من الفَرَحِ حتى غُشِيَ عليه! نعم يا عبادَ الله.. الفَرَحُ بإعدامِ طُغاةِ العَصرِ ومُجرميه ومُعَذِّبي الأطفال هو فَرَحٌ بعَدلِ الله، وانتِصارٌ للمَظلومين، وعَقيدةٌ نَتَقَرَّبُ بها إلى الله. قال بعضُ السَّلَف: "مَن لم يَفرَح بِهَلاكِ أعداءِ اللهِ وظَلَمَةِ عِبادِه، فَفي قَلبِهِ دَخَنٌ (أي مَرَض)". ولعلَّكم تَسألون: لماذا إذن طالَ لَيلُ الظُّلم؟ لماذا تَركَ اللهُ هؤلاءِ المُجرمين في سُوريَّا وفِلسطين وغيرِها يَسفِكونَ الدِّماءَ سَنواتٍ طِوالًا دونَ أن يَقسِمَ ظُهورَهم من أوَّلِ يوم؟ ألم يَكُن قادِرًا على أن يُرسِلَ عليهم صاعِقةً فَتُبيدَهم؟ بلى والله، إنَّهُ على كُلِّ شَيءٍ قَدير. ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾. لكنَّ للهِ سُنَنًا في خَلقِه. اللهُ يُريدُ أن يَمتَحِنَ المُؤمنين، ويُمَحِّصَ قُلوبَهم، ويَرفَعَ شُهداءَهم، وفي ذاتِ الوَقت، يُريدُ أن يَفضَحَ المُجرمين، ويُكَمِّلَ صَحيفَةَ إجرامِهم حتَّى لا يَبقى لهم يومَ القِيامةِ عُذر. قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [سورة آل
عمران: 178]. كُلُّ يَومٍ إضافيٍّ في عُمُرِ الطَّاغيةِ ليسَ انتِصارًا له، بَل هو وَقودٌ إضافيٌّ يُكدِّسُهُ لِنارِه! دعونا نَنتَقِل الآنَ آلافَ السِّنين للوَراء، إلى أطغى طاغيةٍ عَرَفَتهُ الأرض.. فِرعَون. كم سَنةً حَكَم؟ كم طِفلًا ذَبَح؟ ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [سورة البقرة: 49]. هل انتَقَمَ اللهُ مِنهُ بَعدَ أوَّلِ طِفلٍ ذَبَحَه؟ لا. بَعدَ ألفِ طِفل؟ لا. تَرَكَهُ سُبحانَهُ يَطغى، ويَتَجَبَّر، حتَّى بَلَغَ من الغَباءِ والكِبرِ أن وَقَفَ وراءَ البَحرِ يَظُنُّ أنَّهُ سَيُدرِكُ موسى. دَخَلَ البَحرَ بغُرورِه، وفي اللحظةِ الحَرِجة.. في ذُروةِ انتِصارِهِ المَوهوم، أصدَرَ الجَبَّارُ جَلَّ جَلالُهُ أمرَهُ للبَحرِ فَأطبَقَ عليه! ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة القصص: 40]. هكذا هي النِّهايات. لا تَأتِي إلَّا في الوَقتِ الذي قَدَّرَهُ الحَكيمُ الخَبير. أَيُّها الإخوةُ الأفاضِل، دَعوني أَطرحُ عليكم سؤالًا وُجوديًّا عَميقًا: لو أُعدِمَ المُجرمُ الذي قَتَلَ ألفَ إنسان، وعَذَّبَ مِئةَ طِفل.. مِثلَ عاطف نجيب أو مَن هو أطغى مِنه.. هل هذا الإعدامُ المادِّيُّ في الدُّنيا يَكفي لِتَحقيقِ العَدلِ الإلهيِّ المُطلَق؟ رَجُلٌ قَتَلَ مِئةَ ألف، ثُمَّ أُعدِمَ على مِشنقة.. هو سَيَموتُ مَيتةً واحِدة! أين حَقُّ التِّسعةِ وتِسعينَ ألفًا وتِسعِمئةٍ وتِسعَةٍ وتِسعينَ الآخَرين الذين ذَبَحَهم؟ هل يَتَساوى أَلَمُ شَنقِهِ لِدَقيقةٍ مع آلامِ سَنَواتٍ من التَّعذيبِ للحَوامِلِ والأطفالِ في أقبِيَتِه؟ العَقلُ البَشريُّ المَحضُ يَصرَخُ: هذا ليسَ عَدلًا كامِلًا! وهنا.. هنا بالذَّات، يَتَجَلَّى الإيمانُ بِاليَومِ الآخِر. هذا القُصورُ في عَدلِ الدُّنيا هو أكبرُ دَليلٍ عَقليٍّ على حَتميَّةِ وُجودِ يَومِ القِيامة! اللهُ العَدلُ لم يَخلُق هذا الكَونَ عَبَثًا ليَهرُبَ المُجرمُ بِمَوتةٍ واحِدة. بل جَعَلَ إعدامَهُ في الدُّنيا مُجرَّدَ "دُفعةٍ أولى" من العَذابِ، لِيَشفيَ صُدورَ المُؤمنين الدُّنيَويَّة، أَمَّا الحِسابُ الحَقيقيُّ، والمَحكَمةُ الكُبرى، والميزانُ الدَّقيق، فَيَومَ العَرضِ الأكبر. يقولُ اللهُ تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [سورة الأنبياء: 47]. ويقولُ سُبحانَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [سورة النساء: 56]. هناكَ يَموتُ المُجرمُ مِلايينَ المَرَّات، ويَذوقُ العَذابَ عن كُلِّ صَرخةِ أَلَمٍ تَسَبَّبَ بها. هُناكَ تَتَعَلَّقُ الأُمُّ المَكلومةُ بِرَقَبةِ قاتِلِ وَلَدِها أمامَ عَرشِ الرَّحمن، وتَقول: "يا رَبِّ، سَل هذا فيمَ قَتَلَ وَلَدي؟". واسمَعوا لِتَصويرِ النَّبيِّ ﷺ لِهذا المَشهد. قال ﷺ: «يُجَاءُ بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ... فَيُذْبَحُ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ» (رواه البخاري). لا خُروجَ للمُجرمين، ولا راحَةَ لهم، ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ [سورة الأحزاب: 66]. ولكن.. وقَبلَ أن أختِمَ خُطبَتي الأولى، دَعوني أَقِفُ مَعكم وَقفَةَ صِدقٍ ومُحاسَبةٍ لِلنَّفس. نَحنُ نَفرَحُ بِهَلاكِ الظَّالمين، ونَدعو على الجَبابِرة، ونَتَمَنَّى إعدامَ المُجرمين.. وهذا حَقٌّ ودِين. لكن، هل سألَ أحَدُنا نَفسَه: هل أنا ظالِمٌ في دائرَتي الصَّغيرة؟ هل أنا "فِرعَونٌ صَغير" في بَيتي؟ أَظلِمُ زَوجَتي وأَحرِمُها حُقوقَها؟ هل أنتَ "جَلَّادٌ صَغير" في عَمَلِك؟ تَأكُلُ عَرَقَ العُمَّالِ وتَمنَعُهُم رَواتِبَهم؟ هل أنتِ ظالمةٌ لأخَواتِكِ في الميراث؟ هل أنتَ مُتَجَبِّرٌ بِلِسانِك تَغتابُ النَّاسَ وتَنهَشُ أعراضَهم؟ قال رسولُ الله ﷺ: «اتَّقُوا الظُّلْمَ؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (رواه مسلم). احذَر أن تَلعَنَ الظَّالمينَ في العَلَن، وأنتَ تُمَارِسُ أفعالَهُم في السِّرِّ مع مَن هُم أضعَفُ مِنك. فَإنَّ اللهَ الذي سيُعاقِبُ طُغاةَ الأرضِ على دِماءِ الشُّعوب، سيُعاقِبُ كُلَّ ظالمٍ على دَمعةِ زَوجةٍ مَقهورة، أو حَقِّ يَتيمٍ مَسلوب، أو مالِ عامِلٍ مَنهوب! فطَهِّروا قُلوبَكم وأيادِيَكم من الظُّلمِ دِقِّهِ وجِلِّه، فإنَّ الدَّيَّانَ لا يَنام، والعَدلَ لا يَتَجَزَّأ. أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم
ولِسائِرِ المسلمينَ من كُلِّ ذَنب، فاستَغفِروهُ إنَّهُ هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيهِ كما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، مَلجَأُ المَظلومين ومُجيبُ دَعوَةِ المُضطَرِّين، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تَسليمًا كَثيرًا. أمَّا بَعد: عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عن سُنَّةِ اللهِ الجاريَةِ في المُجرمين، ووَقَفنا مع حَتميَّةِ سُقوطِ الجَبابِرة مَهما طالَ أَمَدُهم، وكيفَ أنَّ إعدامَهُم أو هَلاكَهُم هو مَدعاةٌ لِفَرَحِ المُؤمنينَ وشُكرِهِم لله. وعَرَفنا أنَّ العَدلَ المُطلَقَ لا يَتَحَقَّقُ إلَّا يومَ تَقومُ المَوازينُ القِسط. والآن، إخوَتي، أمامَ هذه الحقائقِ الرَّبَّانيَّة، كيفَ نَتَرجِمُ هذا الفَهمَ إلى واقِعٍ نَعيشُه؟ أُوصيكم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ من مِنبَري: الأولى (قَلبيَّة): جَدِّدوا يَقينَكُم بوَعدِ الله. لا يَتَسَلَّلَنَّ اليأسُ إلى قُلوبِكُم مهما رَأيتُم من تَمَدُّدِ الباطلِ وبَطشِ الطُّغاة. اليَقينُ بأنَّ اللهَ يَرى ويَسمَعُ ويُمهِلُ ولا يُهمِل هو عِبادةٌ قَلبيَّةٌ تَربِطُكم بالسَّماء. اجعَل قلبَكَ مُطمَئِنًّا أنَّ نِهايةَ كُلِّ ظالمٍ مَحتومة. الثانية (لِسانيَّة): لا تَفتُروا عن الدُّعاءِ للمَظلومينَ والمُستَضعَفينَ في كُلِّ مَكان، في سُوريَّا، وفِلَسطين، والسُّودان، وغيرها. الدُّعاءُ سِلاحُ المُؤمنِ القاصِم. وفي المُقابل، ادعُوا بالهَلاكِ وقَصمِ الظُّهورِ على طُغاةِ العَصرِ ومُجرميه. سِهامُ اللَّيلِ لا تُخطِئ. الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): إذا بَلَغَكم خَبرٌ يَسُرُّ المُسلمين — كَهَلاكِ ظالمٍ، أو إعدامِ مُجرمٍ سامَ النَّاسَ سُوءَ العَذاب — فَخِرُّوا للهِ سُجَّدًا! سَجدَةُ الشُّكرِ عِندَ المَسَرَّاتِ وهَلاكِ المُفسِدينَ سُنَّةٌ مَهجورةٌ، أحيُوها في بُيوتِكم وأمامَ أبنائِكم. الرابعة (اجتماعيَّة): تَفَقَّدوا أنفُسَكم في بُيوتِكم وأعمالِكم ومُحيطِكم. لا تَكونوا ظَلَمةً لِمَن تَحتَ أيديكم. كُفَّ أذاكَ عن النَّاس، ولا تَستَطِل على ضَعيفٍ بِسُلطَتِك أو مالِك أو لِسانِك، فَإنَّ دَعوةَ المَظلومِ يَرفَعُها اللهُ فَوقَ الغَمام ويَقول: "وَعِزَّتي وجَلالي لَأنصُرَنَّكِ وَلَو بَعدَ حِين". الخامسة (مَوضوعيَّة): رَبُّوا أبناءَكم على هذه العَقيدة. عَلِّموهم أنَّ الظُّلمَ عاقِبَتُهُ وَخيمة، وأنَّ المُجرمَ مَهما طارَ وتَعالى فَإنَّ مَردَّهُ إلى حَبلِ الدُّنيا ومِشنَقَتِها، أو إلى سَلاسِلِ الآخِرةِ وأغلالِها. لا تَترُكوهم فريسَةً للإعلامِ الماديِّ الذي يُصَوِّرُ المُجرمينَ كأبطال. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، فَإنَّ التَّقوى هي العِصمةُ من الظُّلم، وهي المَنجاةُ يومَ لا يَنفَعُ مالٌ ولا بَنون إلَّا مَن أتَى اللهَ بِقَلبٍ سَليم. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عليه، عَمَلًا بِقَولِ رَبِّكُم: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ التَّابِعينَ لَهُم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين. 🤲 الدعاء اللَّهمَّ اجعَلنا مِمَّن يَأتي يومَ القِيامةِ صَحيفَتُهُ بَيضاءَ نَقيَّةً من ظُلمِ العِباد، ومِمَّن تَرتاحُ قُلوبُهُم بِرُؤيةِ عَدلِكَ في الدُّنيا والآخِرة. اللَّهمَّ اقصِم ظُهورَ الجَبابِرةِ، وطَواغيتِ العَصر، والمُجرمين الذين طَغَوا في البِلادِ فأكثَروا فيها الفَساد. اللَّهمَّ صُبَّ عليهم سَوطَ عَذاب، إنَّكَ لَبِالمِرصاد. اللَّهمَّ أرِنا في ظَلَمَةِ هذا الزَّمانِ ومُجرميهِ عجائبَ قُدرَتِك، وعاجِلَ نَقِمَتِك، واجعَلهُم عِبرَةً لِلمُعتَبِرين، ومَوعِظةً لِلمُتَّقين. اللَّهمَّ اشفِ صُدورَ قَومٍ مُؤمنين. اللَّهمَّ بَرِّد قُلوبَ الأمَّهاتِ الثَّكالى، والزَّوجاتِ الأرامِل، والأبناءِ الأيتام، بِرُؤيةِ القَصاصِ العادِلِ من جَلَّاديهم في الدُّنيا قَبلَ الآخِرة. اللَّهمَّ فَرِّج هَمَّ المَهمومين من المُسلمين، ونَفِّس كَربَ المَكروبين، وفُكَّ أسرَ المَأسورين، وارحَم شُهداءَنا، واشفِ جَرحانا، واحقِن دِماءَ المُسلمينَ في سُوريَّا، وفِلَسطين، والسُّودان، وفي كُلِّ بِقاعِ الأرضِ يا رَبَّ العالَمين. اللَّهمَّ ولِّ على المُسلمينَ خِيارَهم، واكفِهِم شَرَّ شِرارِهم، واجعَل وِلايَتَهُم فيمَن خافَكَ واتَّقاك واتَّبَع رِضاك. اللَّهمَّ آتِ نُفوسَنا تَقواها، وزَكِّها أنتَ خَيرُ مَن زَكَّاها، أنتَ وَلِيُّها ومَولاها. عبادَ الله،
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.