🕌 التنمر الإلكتروني: أذى لا يصير مباحًا لأننا خلف شاشة
#خطبة_جمعة #التنمر_الإلكتروني #حفظ_اللسان #أخلاق #وسائل_التواصل #الأسرة #دعوة
الحمدُ للهِ الذي عَصَمَ دماءَ المسلمين وأموالَهم وأعراضَهم، وجَعَلَ حُرمَةَ المؤمنِ عندَهُ أعظَمَ من حُرمَةِ الكعبةِ المُشَرَّفة، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يَعْلَمُ خائنَةَ الأعينِ وما تُخفي الصُّدُور، ويَكتُبُ ما تَلفِظُ به الألسِنَةُ وما تَخُطُّهُ الأيادي، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أطْهَرُ الناسِ قلبًا، وأعَفُّهُم لسانًا، القائلُ: «المسلمُ مَن سَلِمَ المسلمونَ من لسانِهِ ويَدِه»، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ:
أيها الإخوةُ الأفاضل، تَخَيَّلوا معي هذا المشهدَ الذي يَتَكَرَّرُ في بيوتنا كلَّ ليلة: شابٌّ أو فتاة، بل ربما رجلٌ كبير، يَجلِسُ في غرفتهِ وَحدَه، تُضيءُ وجهَهُ شاشةُ هاتفه، يَنظُر إلى صورةِ إنسانٍ آخر، أو يقرأُ له مقطعًا، فيَكتُبُ تَعليقًا ساخرًا، أو يُطلِقُ شتيمةً لاذعة، أو يُشارِكُ في وسمٍ (هاشتاج) يَسخَرُ من عَيبٍ في خِلقتهِ أو خطأٍ في تصرُّفه. يَضغطُ زِرَّ الإرسال، ثم يَضَعُ هاتِفَهُ ويَنامُ قَريرَ العين!
لكن، في الجانبِ الآخر من المدينة، أو ربما في الجانب الآخر من العالَم، هناك إنسانٌ وَصَلَتهُ تلك الكلمة... فباتَ ليلَهُ يَبكي، وضاقت عليه الأرضُ بما رَحُبَت، واهتَزَّت ثِقتُهُ بنفسه، وانكَسَرَ قلبُه، وربَّما فكَّر في إنهاءِ حياته هربًا من هذا العذاب!
والسؤالُ الذي يَطرحُ نفسَهُ بقوةٍ اليوم: هل الشاشةُ الزجاجيةُ التي بينك وبين الناس، تَجعَلُ الحرامَ حلالاً؟ هل غيابُ وجهِ الضحيَّةِ عن عَينَيك، يُغَيِّبُ فِعلَكَ عن عَينِ اللهِ الذي يرى كلَّ شيء؟
عبادَ الله، إنَّنا نَعيشُ في زمنٍ غريب، انكَشَفَت فيه أخلاقُ الكثيرين خلفَ شاشاتِ الأجهزةِ الذكيَّة. تجدُ الرجلَ في المسجدِ هيِّنًا ليِّنًا، وتجدُ المرأةَ في مجلسِها صالحةً عابدة، ولكنْ ما إن يَدخُلوا إلى وسائلِ التواصلِ الاجتماعي، حتى تَتَحَوَّلَ ألسنتُهم إلى سياطٍ، وأصابعُهم إلى خناجر، يَطعنونَ في الأعراض، ويَسخرونَ من الأشكال، ويَشتِمونَ المُخالفين، تحتَ مُسَمَّى "حرية الرأي" أو "المزاح".
واسمعوا لهذه الآيةِ التي إذا تأمَّلتموها لَن تَبقى أفعالُنا على الشاشاتِ كما كانت. يقولُ ربُّنا تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [سورة الأحزاب: 58].
تأمَّلوا! لم يُحَدِّدِ اللهُ عزَّ وجلَّ نوعَ الأذى. فالأذى باليدِ أذى، والأذى باللسانِ أذى، والأذى بلوحةِ المفاتيحِ والتَّعليقاتِ أذى! كلُّ كلمةٍ تَكتُبها لتَكسِرَ بها قلبَ مسلمٍ، أو لتُهينَ كرامتَه، أو لتَفضَحَ سِرَّه، هي إثمٌ مُبينٌ تَحتَمِلُهُ على ظَهرِكَ يومَ القيامة.
وقد بيّنَ رسولُ الله ﷺ ذلك بياناً قاطعاً يومَ حجةِ الوداع، حين خطبَ في الأمةِ خطبةً جامعة، فماذا قال؟ قال: «إنَّ دِماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم عليكم حَرامٌ، كحُرمةِ يَومِكم هذا، في شَهرِكم هذا، في بَلَدِكم هذا» (متفق عليه). العِرضُ مَعصوم، والسُّخريةُ من الناسِ اعتداءٌ مُباشرٌ على هذا الحِمى الذي حَرَّمَهُ الله.
أيها المسلمون، إنَّ الإشكاليةَ الكبرى في "التنمر الإلكتروني" أنَّ الإنسانَ يَستَخِفُّ بالكلمةِ المكتوبة. يظنُّ أنَّ ما يَكتُبُهُ في العالمِ الافتراضي، لا حِسابَ عليه في العالمِ الحقيقي! يقولُ في نفسه: "مجرد تعليق عابر"، أو "أنا أمزح معه"، أو "الجميع يسخرون فكتبت مثلهم".
ولكن، اقرؤوا معي هذا التَّحذيرَ المُرعِبَ من قُرآنِكم: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [سورة النور: 15].
تَحسبونَهُ هَيِّنًا! هذا هو مَرَضُ العصر. تَحسَبُ التَّعليقَ السَّاخرَ هَيِّنًا، وتَحسَبُ تتبُّعَ العَثَراتِ هَيِّنًا، وتَحسَبُ الإعجابَ (اللايك) على مَنشورٍ يَفضَحُ مسلماً هَيِّنًا... ﴿وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾.
وقد نَسِيَ هؤلاءِ المتنمرون أنَّ القَلَمَ أحَدُ اللِّسانَين. وأنَّ ما تَكتُبُهُ أصابعُكَ، يُعامَلُ يومَ القيامةِ مُعامَلَةَ ما نَطَقَ به لسانُك. يقولُ الله تعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [سورة ق: 18].
قال الإمامُ ابنُ القيِّم رحمه الله: "إنَّ العبدَ ليأتي يومَ القيامةِ بحسناتٍ أمثالِ الجبال، فيَجِدُ لسانَهُ قد هَدَمَها عليه كُلَّها، ويأتي بسيئاتٍ أمثالِ الجبالِ، فيَجِدُ لسانَهُ قد هَدَمَها مِن كَثرَةِ ذِكرِ اللهِ وما اتَّصَلَ به".
ولعلكم تسألون: ما هو مدى خطورةِ هذه الكلمةِ التي نَكتُبها؟
اسمعوا لهذا الموقف النبويّ العظيم. جَلَسَت السيدةُ عائشةُ رضي الله عنها مع النبي ﷺ، وتَحَدَّثَت عن صَفِيَّةَ رضي الله عنها، وقالت كلمةً واحدةً فقط تُشيرُ إلى قِصَرِ قامتها. فقالت: حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا (تعني قصيرة).
ماذا كان الرد؟ هل ضحك النبي ﷺ؟ هل اعتبرها مُزاحاً؟
انتَفَضَ رسولُ الله ﷺ وقال كلمتَهُ التي تَهُزُّ القلوب: «لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ» (رواه أبو داود).
يا الله! كلمةٌ واحدةٌ وصَفَت بها خِلقَةَ إنسان... لو وُضِعَت في البحرِ لأفسَدَت ريحَهُ وطَعمَه!
فكيفَ بمن يَسخَرُ اليومَ من صُوَرِ الناسِ وأشكالهم وألوانهم وأوزانهم؟ كيفَ بمن يُصَمِّمُ المقاطعَ الضَّاحكةَ (الميمز) ليَهزأَ من شَخصيَّةٍ أو عَثرةِ إنسان؟ إذا كانت كلمةُ عائشةَ تُمزِجُ البحر، فبِربِّكم، كم بَحرًا أفسَدت تعليقاتُنا في وسائلِ التواصل؟!
يا عباد الله، إننا نعيش ظاهرةً خطيرةً تُسمى "التنمر الجماعي" (Mob Mentality). يسقط شخصٌ في خطأ، أو تَنزلُ له صورةٌ غيرُ موفَّقة، فيَتَجَمَّعُ عليه آلافُ الناسِ في وسائلِ التواصل، يَنهشون لحمَه، ويَسخرون منه، ويُحَطِّمون نفسيتَه. كأنهم ذئابٌ اجتمعت على فريسة!
وكلُّ واحدٍ منهم يَختَبئُ خلفَ اسمٍ مُستَعار، أو شاشةٍ تُخفي وَجهَه. ظَنّاً منه أنه قد نجا من المحاسبة.
ولكن، أين تَذهبون من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ﴾ [سورة العلق: 14]؟
أين تَذهبون من قوله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [سورة ق: 16]؟
إنَّ الخوضَ مع الخائضين في الإنترنت هو مِن أسرَعِ الطُّرقِ إلى النار. وقد ذَكَرَ اللهُ عزَّ وجلَّ صفاتِ أهلِ سَقَر، فكان منها اعترافُهم: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [سورة المدثر: 45]. والخوضُ اليومَ هو المُشارَكةُ في حملاتِ السُّخرية، وتَناقُلِ الإشاعات، وإعادةِ نَشرِ المقاطعِ التي تَنتَقِصُ من المسلمين.
وهنا نصل إلى الأمر الأخطر في هذا الموضوع.
خطيئةُ العالمِ الرَّقميِّ أنَّ الذَّنبَ فيه لا يَموت!
في الماضي، كان الرَّجُلُ يَغتَبُ الرَّجُلَ في مَجلس، فَيَسمَعُهُ خمسةٌ أو عشرة، ثم تَتَفَرَّقُ المَجالس، ويُمكِنُهُ أن يَندَمَ ويَذهَبَ ليَعتَذِرَ منهم ويَستَسمِحَ صاحِبَه.
أمَّا اليوم... تَكتُبُ التَّعليقَ السَّاخر، أو المقطعَ المُسيء، فَيُعادُ نَشرُهُ آلافَ المَرَّات! يَراهُ مئةُ ألفِ إنسان.
فكيفَ تَتوب؟ مِن أينَ ستَأتي بمئةِ ألفِ شَخصٍ لِتُخبِرَهم أنَّكَ كُنتَ كاذبًا أو مُتَجَنِّيًا؟ كيف ستُوقِفُ هذا السَّيلَ من السيِّئاتِ الجارية؟
يقولُ الإمامُ الغزالي رحمه الله: "طُوبى لِمَن إذا ماتَ ماتَت مَعَهُ ذُنوبُه، والوَيلُ الطَّويلُ لِمَن يَموتُ وتَبقى ذُنوبُهُ مئةَ سَنَةٍ ومئتَي سَنَة... يُعَذَّبُ بها في قَبره ويُسأَلُ عنها إلى آخِرِ انقراضِها".
وهكذا المتنمِّرُ اليوم، يَموتُ ويُقبَر، وصَحيفَتُهُ لا تزالُ تَمتَلِئُ بالسيِّئاتِ لأنَّ المَقطَعَ الذي صَمَّمَهُ للسُّخريةِ من إنسان، لا يزالُ يُتَداوَلُ في الهواتف!
﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ ۖ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [سورة العنكبوت: 13].
ألا تُشبه هذه الحالة العجيبة، قصةً رَواها لنا الحبيبُ المصطفى ﷺ؟
استمعوا معي لهذا المشهد العظيم، الذي صَوَّرَهُ النبي ﷺ تَصويراً بليغاً.
قال ﷺ لأصحابه: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟». قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللهِ مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ.
فَقَالَ ﷺ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ...».
قفوا هنا لحظة. هذا رَجُلٌ مُصلٍّ، صائمٌ، مُزَكٍّ. ظاهِرُهُ الصَّلاح، ومَلَفُّ عباداتِهِ مُمتَلِئ. لكن ماذا حَدَث؟
يُكمِلُ النبي ﷺ: «وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» (رواه مسلم).
أيُعقل أن يصومَ أحدُنا النهار ويقومَ الليل في رمضان، ويَتَصَدَّق من حرِّ ماله... ثم يأتي يوم القيامة، فتُؤخَذُ صلاتُه وصيامُه وتُعطى لرجلٍ لا يَعرِفُه، لأنَّه سَخِرَ منه بتعليقٍ في تويتر أو فيسبوك أو إنستجرام؟
أيُّ حَسرةٍ هذه، أن تَعمَلَ كدحاً لله، ثم تُوَزِّعَ حسناتِكَ على الناسِ مجاناً بسبب "لوحة مفاتيح" لم تَستَطِع أن تَضبِطَ أصابعَكَ عليها!
قال يحيى بن معاذ رحمه الله كلمةً تُكتَب بماء الذهب: "ليكن حظُّ المؤمنِ منك ثلاث: إن لم تَنفَعهُ فلا تَضُرَّه، وإن لم تُفرِحهُ فلا تُغِمَّه، وإن لم تَمدَحهُ فلا تَذُمَّه".
يا مَن غرَّته الشاشةُ وظنَّ أنَّ الأسماءَ الوهمية تَحجِبُه عن رقابة الجبار... تذكَّر أنَّ الأصابعَ التي تَطبعُ الحروف اليوم للطعن في المسلمين، ستَشهدُ عليك يومَ تُختَم الأفواه. ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [سورة يس: 65].
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً كثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين. أمَّا بعدُ:
عبادَ الله، تحدثنا في خطبتنا الأولى عن خطورةِ التنمر الإلكتروني والتساهلِ في إيذاء الناس عبر الشاشات، وكيف أنَّ هذه الأجهزة لا تسقط الحرمات المعصومة، ووقفنا مع حقيقةِ أن الكلمة المكتوبة في ميزان الله كالكلمة المنطوقة، وكيف أن السخرية قد تحبط أعمالنا وتجعلنا من المفلسين يوم القيامة. والآن، نحن أمام السؤال الأهم: كيف نحمي أنفسنا ومجتمعنا من هذا الوباء؟ وكيف نترجم هذا المعنى إلى واقع في حياتنا اليومية؟
أوصيكم بخَمسٍ قبلَ أن أنزلَ من مَنبري:
الأولى (قَلبيَّة): استشعِر مراقبةَ الله لك وأنتَ وحدَك مع هاتفك. فإن الله يرى ويسمع، وقبل أن تضغط زر "النشر" الليلة، اسأل نفسك: هل يُرضي هذا ربي؟ حتى لو كنت باسم مستعار، فالله يعرف اسمك الحقيقي، وعنده تُكشف السرائر.
الثانية (لِسانيَّة وإصبعيَّة): احبس أصابعك عن كل ما لا يرضي الله. قال ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت». اليوم، قف مع نفسك وقفة جادة، إن لم تجد تعليقاً ينفع، فاصمت، ولا تجعل لوحة مفاتيحك باباً لك إلى النار، فإمساكك عن الشر صدقة.
الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): كن مُدافعاً عن المظلومين ولا تكن متفرجاً. إن رأيت حملة سخرية أو تنمراً على إنسان في مجموعة واتساب أو منصة عامة، فدافع عنه بالحق، ولا تسكت. قال ﷺ: «مَن رَدَّ عن عِرضِ أخيه رَدَّ اللهُ عن وجهِهِ النَّارَ يومَ القيامة». هذه الليلة، كُن سداً منيعاً أمام كل أذى يطال أخاك المسلم.
الرابعة (اجتماعيَّة): اعتذر وسامح. إن كنت قد سخرتَ من أحدٍ، أو نشرتَ صورةً تستهزئ به، فاحذفها فوراً هذا اليوم، واطلب العفو منه إن أمكنك، أو استغفر له بالسر. فلا تكابر، فإن محكمة القيامة ليس فيها دينار ولا درهم، بل حسنات وسيئات.
الخامسة (موضوعيَّة): راقبوا أبناءكم وعلموهم أخلاق الفضاء الرقمي. التربية اليوم لم تعد محصورة في الشارع أو المدرسة، بل في هذه الهواتف المفتوحة. علّموا أبناءكم أن التنمر خِسّة، وأن إيذاء الضعفاء جبن، وأن الله مع المظلوم. احموا أطفالكم من أن يكونوا ضحايا، واحموا قلوبهم من أن تصبح قاسية تتلذذ بتعذيب الآخرين.
فاتقوا الله عباد الله، فإن تقوى الله هي التي تحملكم على ضبط جوارحكم وألسنتكم، والوقوف عند حدود الله في سركم وعلنكم.
ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، القائل في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدِك ورسولِك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسانٍ إلى يوم الدين.
اللهم طَهِّر ألسنتَنا من الكذب، وأقلامَنا من الأذى، وقلوبَنا من النفاق.
اللهم اجعلنا مفاتيحَ للخير، مغاليقَ للشر، ولا تجعلنا ممن يستهينون بأعراض عبادك فيبوؤون بغضبك.
اللهم احفظ أبناءنا وبناتنا من فتن الشاشات، واحفظ قلوبهم من قسوة الزمان، واجعلهم رحماء بينهم.
اللهم استر عوراتنا، وآمِن روعاتنا، ولا تفضحنا بين خلقك، ولا يوم العرض عليك.
اللهم من آذى مسلماً فاهده ورده للحق رداً جميلاً، ومن ظُلم واعتُدي عليه فاجبر كسره، واربط على قلبه، وعوضه خيراً في الدنيا والآخرة.
اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا، وما أنت أعلم به منا.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون.
فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
وأقم الصلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
مختارات للخطيبالتنمر الإلكتروني: أذى لا يصير مباحًا لأننا خلف شاشة
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.