ضَرُورَةُ الدِّينِ لِحَيَاةِ المُجتَمَعَاتِ وَعِمَارَةِ الأَرضِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن حَاجَةِ البَشَرِيَّةِ الفِطرِيَّةِ وَالاجتِمَاعِيَّةِ إِلَى دِينِ اللهِ وَشَوَاهِدِ التَّارِيخِ وَالوَاقِعِ
الحَمدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ الإِنسَانَ وَعَلَّمَهُ البَيَانَ، وَفَطَرَ القُلُوبَ عَلَى الإِقرَارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ وَالإِذعَانِ لِعَظَمَتِهِ وَالسُّلطَانِ، وَلَم يَترُكِ الخَلقَ فِي هَذِهِ الأَرضِ سُدًى هَمَلًا بِلَا أَمرٍ وَلَا نَهيٍ وَلَا مِيزَانٍ، بَل أَرسَلَ إِلَيهِم رُسُلَهُ الكِرَامَ بِالبَيِّنَاتِ وَالهُدَى وَالفُرقَانِ، وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالقِسطِ وَيَعمُرَ الكَونُ بِالعَدلِ وَالإِحسَانِ، فَسُبحَانَ مَن جَعَلَ الدِّينَ القَيِّمَ رُوحَ الحَيَاةِ الإِنسَانِيَّةِ، وَعِمَادَ العُمرَانِ البَشَرِيِّ، وَصِمَامَ الأَمَانِ لِلمُجتَمَعَاتِ مِنَ الفَوضَى وَالتَّوَاحُشِ وَالطُّغيَانِ.
وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةَ حَقٍّ وَيَقِينٍ، قَامَت عَلَيهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرضُ، وَلِأَجلِهَا خُلِقَتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ، وَبِهَا أُرسِلَتِ الرُّسُلُ وَنَزَلَتِ الكُتُبُ وَشُرِعَتِ الشَّرَائِعُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، بَعَثَهُ رَبُّهُ عَلَى حِينِ فَترَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَالبَشَرِيَّةُ تَتَخَبَّطُ فِي ظُلُمَاتِ الجَاهِلِيَّةِ وَتَهوِي فِي سَحِيقِ الوَثَنِيَّةِ وَشَرِيعَةِ الغَابِ، فَأَخرَجَ اللهُ بِهِ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَمِن عِبَادَةِ العِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ رَبِّ العِبَادِ، وَمِن جَورِ الأَديَانِ وَالأَهوَاءِ إِلَى عَدلِ الإِسلَامِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الأَطهَارِ، وَأَصحَابِهِ الغُرِّ الأَبرَارِ الَّذِينَ أَقَامُوا بِالدِّينِ أَعدَلَ مُجتَمَعٍ عَرَفَهُ التَّارِيخُ، وَعَلَى التَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا عِبَادَ اللهِ: أُوصِيكُم وَنَفسِي المَقَصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، وَالاعتِصَامِ بِدِينِهِ المَتِينِ، وَالعَضِّ عَلَى شَرِيعَتِهِ الغَرَّاءِ بِالنَّوَاجِذِ؛ فَإِنَّ العِزَّةَ وَالسَّعَادَةَ وَالأَمنَ وَالاستِقرَارَ لِلأَفرَادِ وَالمُجتَمَعَاتِ إِنَّمَا هِيَ فِي طَاعَةِ اللهِ وَإِقَامَةِ دِينِهِ، يَقُولُ اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي مُحكَمِ كِتَابِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٢-١٠٣].
أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: إِنَّ مِنَ الحَقَائِقِ الكُبرَى الَّتِي أَطبَقَ عَلَيهَا عُلَمَاءُ الشَّرِيعَةِ، وَحُكَمَاءُ التَّارِيخِ، وَعُقَلَاءُ الاجتِمَاعِ البَشَرِيِّ فِي كُلِّ عَصرٍ وَمِصرٍ: أَنَّ الإِنسَانَ مَدَنِيٌّ بِالطَّبعِ، لَا يُمكِنُ أَن يَعِيشَ مُنفَرِدًا وَحدَهُ فِي فَلَاةٍ مِنَ الأَرضِ، بَل لَا بُدَّ لَهُ مِن مُجتَمَعٍ يَتَعَاوَنُ فِيهِ مَعَ بَنِي جِنسِهِ عَلَى جَلبِ المَصَالِحِ وَدَفعِ المَفَاسِدِ.
وَلَكِنْ يَا عِبَادَ اللهِ: إِذَا اجتَمَعَ النَّاسُ فِي مَدِينَةٍ أَو قَريَةٍ أَو دَولَةٍ، وَتَشَابَكَت مَصَالِحُهُم، وَتَنَازَعَت شَهَوَاتُهُم، وَطَمِعَ القَوِيُّ فِي الضَّعِيفِ، وَالغَنِيُّ فِي الفَقِيرِ؛ فَمَا الَّذِي يَضبِطُ حَرَكَتَهُم؟ وَمَا الَّذِي يَحمِي دِمَاءَهُم وَأَموَالَهُم وَأَعرَاضَهُم؟ وَمَا المَرجِعِيَّةُ العُليَا الَّتِي يَحتَكِمُونَ إِلَيهَا عِندَ التَّنَازُعِ وَالاختِلَافِ؟
إِنَّ التَّارِيخَ الإِنسَانِيَّ مِن عَهدِ آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ إِلَى يَومِنَا هَذَا يَشهَدُ شَهَادَةً قَاطِعَةً لَا تَقبَلُ الجَدَلَ: أَنَّهُ لَا يُمكِنُ لِأَيِّ مُجتَمَعٍ بَشَرِيٍّ أَن يَعِيشَ بِلَا دِينٍ يَدِينُ بِهِ! فَكَمَا أَنَّ الأَبدَانَ لَا تَحيَا بِلَا هَوَاءٍ تَتَنَفَّسُهُ وَلَا مَاءٍ تَشرَبُهُ، فَكَذَلِكَ المُجتَمَعَاتُ البَشَرِيَّةُ لَا تَقُومُ وَلَا تَتَمَاسَكُ إِلَّا بِدِينٍ وَعقِيدَةٍ وَشَرِيعَةٍ تَجمَعُ قُلُوبَهَا وَتَحكُمُ أَخلَاقَهَا وَتَرسُمُ لَهَا الحَلَالَ وَالحَرَامَ وَالحَقَّ وَالبَاطِلَ!
لِمَاذَا يَا عِبَادَ اللهِ؟ لِأَنَّ التَّدَيُّنَ لَيسَ طَارِئًا عَلَى الإِنسَانِ، بَل هُوَ مَغرُوسٌ فِي أَصلِ فِطرَتِهِ وَخِلقَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللهُ عَلَيهَا! يَقُولُ الحَقُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الرُّومِ: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠]. وَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسلِمٍ عَن عِيَاضِ بنِ حِمَارٍ المُجَاشِعِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِيمَا يَروِيهِ عَن رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ: «وَإِنِّي خَلَقتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُم، وَإِنَّهُم أَتَتهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجتَالَتهُم عَن دِينِهِم، وَحَرَّمَت عَلَيهِم مَا أَحلَلتُ لَهُم، وَأَمَرَتهُم أَن يُشرِكُوا بِي مَا لَم أُنزِلْ بِهِ سُلطَانًا». وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِن مَولُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَو يُنَصِّرَانِهِ، أَو يُمَجِّسَانِهِ».
وَلِذَلِكَ مُنذُ اللَّحظَةِ الأُولَى الَّتِي أَهبَطَ اللهُ فِيهَا أَبَوَيِ البَشَرِ آدَمَ وَحَوَّاءَ إِلَى الأَرضِ لِتَبدَأَ قِصَّةُ المُجتَمَعِ الإِنسَانِيِّ، أَعلَنَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى القَانُونَ الأَزَلِيَّ الَّذِي يَحكُمُ تَارِيخَ المُجتَمَعَاتِ سَعَادَةً وَشَقَاءً، فَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ طه: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٣-١٢٤].
وَبيَّنَ سُبحَانَهُ أَنَّ النَّاسَ حِينَ تَكَثَّرُوا عَلَى الأَرضِ وَاشتَبَكَت مَصَالِحُهُم وَاختَلَفُوا، لَم يَكُنِ العَقلُ البَشَرِيُّ المُجَرَّدُ قَادِرًا عَلَى حَسمِ النِّزَاعِ بَينَهُم لِأَنَّ عُقُولَ البَشَرِ تَتَفَاوَتُ وَأَهوَاءَهُم تَتَصَادَمُ، فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكُتُبَ لِيَحكُمَ الدِّينُ بَينَ النَّاسِ بِالقِسطِ! يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، وَيَقُولُ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الحَدِيدِ: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥].
إِخوَةَ الإِيمَانِ: وَهَاهُنَا نَضَعُ أَيدِيَنَا عَلَى قَاعِدَةٍ عَقَدِيَّةٍ وَاجتِمَاعِيَّةٍ بَالِغَةِ الخُطُورَةِ قَرَّرَهَا القُرآنُ الكَرِيمُ وَبَسطَهَا أَئِمَّةُ الإِسلَامِ: إِنَّ كَلِمَةَ «الدِّينِ» فِي لِسَانِ العَرَبِ وَفِي كِتَابِ اللهِ تَعنِي: الطَّاعَةَ وَالانقِيَادَ وَالخُضُوعَ وَالنِّظَامَ وَالشَّرِيعَةَ الَّتِي يَسِيرُ عَلَيهَا القَومُ وَيُحَاسَبُونَ بِمُقتَضَاهَا؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ يُوسُفَ: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦]؛ أَي فِي حُكمِ المَلِكِ وَنظَامِهِ وَقَانُونِهِ، وَمِنهُ قَولُهُ تَعَالَى لِلكَافِرِينَ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]؛ فَسَمَّى مَا هُم عَلَيهِ مِنَ البَاطِلِ وَالأَهوَاءِ دِينًا لِأَنَّهُم يَدِينُونَ بِهِ وَيَنقَادُونَ لَهُ!
فَالخِيَارُ أَمَامَ أَيِّ مُجتَمَعٍ بَشَرِيٍّ لَيسَ بَينَ «أَن يَكُونَ لَهُ دِينٌ أَو لَا يَكُونَ لَهُ دِينٌ»؛ إِذْ لَا يُوجَدُ عَلَى وَجهِ الأَرضِ مُجتَمَعٌ بِلَا دِينٍ يَدِينُ بِهِ قَطُّ! وَإِنَّمَا الخِيَارُ الحَقِيقِيُّ هُوَ: إِمَّا أَن يَدِينَ المُجتَمَعُ بِدِينِ اللهِ الحَقِّ الَّذِي أَنزَلَهُ العَلِيمُ الخَبِيرُ الرَّحِيمُ بِعِبَادِهِ، فَيَنَالَ العَدلَ وَالحُرِّيَّةَ الحَقِيقِيَّةَ وَالكَرَامَةَ وَالسَّعَادَةَ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ؛ وَإِمَّا أَن يَرفُضَ دِينَ اللهِ، فَيَبتَلِيَهُ اللهُ بِأَن يَدِينَ لِأَربَابٍ مُتَفَرِّقِينَ مِنَ الأَهوَاءِ، وَالشَّهَوَاتِ، وَالمَادَّةِ، وَالعَصَبِيَّاتِ، وَالطَّوَاغِيتِ الَّذِينَ يَشرَعُونَ لَهُ مِن دُونِ اللهِ!
اسمعُوا إِلَى هَذَا التَّأصِيلِ البَدِيعِ الَّذِي سَطَّرَهُ شَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ فِي مَجمُوعِ الفَتَاوَى وَالسِّيَاسَةِ الشَّرعِيَّةِ حَيثُ يَقُولُ: «إِنَّ بَنِي آدَمَ لَا تَتِمُّ مَصلَحَتُهُم لَا فِي الدُّنيَا وَلَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا بِالاجتِمَاعِ وَالتَّعَاوُنِ وَالتَّنَاصُرِ، وَلَا بُدَّ لَهُم فِي اجتِمَاعِهِم مِن أَمرٍ يَجتَمِعُونَ عَلَيهِ وَدِينٍ يَدِينُونَ بِهِ؛ فَالنَّاسُ لَا يَصلُحُونَ إِلَّا بِدِينٍ، فَمَن لَم يَدِنْ للهِ وَرَسُولِهِ دَانَ لِغَيرِ اللهِ وَرَسُولِهِ مِنَ الأَهوَاءِ وَالشُّرَكَاءِ!». وَصَدَقَ رَحِمَهُ اللهُ؛ فَمَا أَصدَقَ هَذَا الكَلَامَ لِقَولِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ الشُّورَى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، وَقَولِهِ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الجَاثِيَةِ: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]، وَقَولِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ المُؤمِنُونَ مُبَيِّنًا أَنَّ اتِّبَاعَ الأَهوَاءِ هُوَ خَرَابُ العَالَمِ وَفَسَادُهُ: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٧١].
وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو الحَسَنِ المَاوَردِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ السَّائِرِ أَدَبِ الدُّنيَا وَالدِّينِ: «اعلَمْ أَنَّ مَا بِهِ تَصلُحُ الدُّنيَا حَتَّى تَصِيرَ أَحوَالُهَا مُنتَظِمَةً وَأُمُورُهَا مُجتَمِعَةً سِتَّةُ أَشيَاءَ هِيَ قَوَاعِدُهَا: أَوَّلُهَا دِينٌ مُتَّبَعٌ! لِأَنَّ الدِّينَ هُوَ الَّذِي يَصرِفُ النُّفُوسَ عَن شَهَوَاتِهَا، وَيَعطِفُ القُلُوبَ عَن أَهوَائِهَا، حَتَّى يَصِيرَ قَاهِرًا لِلسَّرَائِرِ، زَاجِرًا لِلضَّمَائِرِ، رَقِيبًا عَلَى النُّفُوسِ فِي خَلَوَاتِهَا، نَصُوحًا لَهَا فِي مُلِمَّاتِهَا؛ وَهَذِهِ الأُمُورُ لَا يُوصَلُ إِلَيهَا بِغَيرِ الدِّينِ، فَلِذَلِكَ كَانَ الدِّينُ أَقوَى قَاعِدَةٍ فِي صَلَاحِ الدُّنيَا وَاستِقَامَتِهَا، وَأَجدَى شَيءٍ عَلَى أَهلِهَا وَسَلَامَتِهَا!».
عِبَادَ اللهِ: وَلِكَي نَرَى هَذِهِ الحَقِيقَةَ الكُبرَى مَاثِلَةً أَمَامَ أَعيُنِنَا رَأْيَ العَينِ، تَعَالَوا نَستَعرِضْ أَربَعَ قِصَصٍ خَالِدَةٍ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ وَالسِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ وَالتَّارِيخِ وَالوَاقِعِ؛ لِنَرَى كَيفَ يَكونُ المُجتَمَعُ حِينَ يُضَيِّعُ الدِّينَ الحَقَّ، وَكَيفَ يَنقَلِبُ إِلَى جَنَّةٍ وَارِفَةِ الظِّلَالِ حِينَ يَحكُمُهُ دِينُ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى!
أَمَّا القِصَّةُ الأُولَى: فَهِيَ تِلكَ المُنَاظَرَةُ التَّارِيخِيَّةُ العُظمَى الَّتِي وَقَعَت فِي بَلَاطِ النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الحَبَشَةِ، كَمَا رَوَى الإِمَامُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ وَابنُ هِشَامٍ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا؛ حِينَ هَاجَرَ الصَّحَابَةُ إِلَى الحَبَشَةِ، فَأَرسَلَت قُرَيشٌ عَمرَو بنَ العَاصِ وَعَبدَ اللهِ بنَ أَبِي رَبِيعَةَ بِالهَدَايَا لِيَستَرِدُّوهُم، فَسَأَلَ النَّجَاشِيُّ الصَّحَابَةَ قَائِلًا: «مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي فَارَقتُم فِيهِ قَومَكُم، وَلَم تَدخُلُوا فِي دِينِي وَلَا فِي دِينِ أَحَدٍ مِن هَذِهِ الأُمَمِ؟».
فَقَامَ خَطِيبُ المُهَاجِرِينَ جَعفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَقَدَّمَ أَعظَمَ مُقَارَنَةٍ تَارِيخِيَّةٍ بَينَ مُجتَمَعِ الجَاهِلِيَّةِ الَّذِي كَانَ يَدِينُ بِدِينِ الأَصنَامِ وَالأَهوَاءِ، وَبَينَ المُجتَمَعِ الجَدِيدِ الَّذِي صَنَعَهُ دِينُ الإِسلَامِ! استَمِعُوا إِلَى كَلِمَاتِ جَعفَرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَأَنَّكُم تَسمَعُونَهَا السَّاعَةَ؛ قَالَ: «أَيُّهَا المَلِكُ! كُنَّا قَومًا أَهلَ جَاهِلِيَّةٍ؛ نَعبُدُ الأَصنَامَ، وَنَأكُلُ المَيتَةَ، وَنَأتِي الفَوَاحِشَ، وَنَقطَعُ الأَرحَامَ، وَنُسِيءُ الجِوَارَ، يَأكُلُ القَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ! فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللهُ إِلَينَا رَسُولًا مِنَّا، نَعرِفُ نَسَبَهُ وَصِدقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعبُدَهُ، وَنَخلَعَ مَا كُنَّا نَعبُدُ نَحنُ وَآبَاؤُنَا مِن دُونِهِ مِنَ الحِجَارَةِ وَالأَوثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدقِ الحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسنِ الجِوَارِ، وَالكَفِّ عَنِ المَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنِ الفَوَاحِشِ، وَقَولِ الزُّورِ، وَأَكلِ مَالِ اليَتِيمِ، وَقَذفِ المُحصَنَاتِ، وَأَمَرَنَا أَن نَعبُدَ اللهَ وَحدَهُ لَا نُشرِكُ بِهِ شَيئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ!».
تَأَمَّلُوا يَا عِبَادَ اللهِ! لَقَد كَانَ العَرَبُ قَبلَ الإِسلَامِ يَملِكُونَ الفَصَاحَةَ وَالبَلَاغَةَ وَالذَّكَاءَ وَالشَّجَاعَةَ، وَلَكِنْ لَمَّا فَقَدُوا الدِّينَ الحَقَّ كَانَ مُجتَمَعُهُم كَمَا وَصَفَهُ جَعفَرٌ: «يَأكُلُ القَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ»؛ حُرُوبٌ تَطحَنُ القَبَائِلَ أَربَعِينَ سَنَةً مِن أَجلِ نَاقَةٍ أَو فَرَسٍ، وَأدٌ لِلبَنَاتِ، وَرِبًا يُضَاعِفُ الدُّيُونَ حَتَّى يُستَرقَّ الحُرُّ، وَفَوَاحِشُ تُعلَنُ عَلَى رُؤُوسِ الأَشهَادِ؛ فَلَمَّا دَخَلَ دِينُ الإِسلَامِ قُلُوبَهُم حَوَّلَ رُعَاةَ الشَّاءِ المُتَنَاحِرِينَ فِي بِضعِ سِنِينَ إِلَى قَادَةِ الدُّنيَا وَسَادَةِ الأُمَمِ وَأَبرِّ النَّاسِ قُلُوبًا وَأَعدَلِهِم حُكمًا!
وَأَمَّا القِصَّةُ الثَّانِيَةُ: فَهِيَ قِصَّةٌ قُرآنِيَّةٌ تَردُّ عَلَى مَن يَزعُمُ فِي عَصرِنَا أَنَّ الدِّينَ عِلَاقَةٌ شَخصِيَّةٌ مَحصُورَةٌ فِي المَسجِدِ لَا عَلَاقَةَ لَهَا بِحَيَاةِ المُجتَمَعِ وَلَا بِأَسوَاقِهِ وَمُعَامَلَاتِهِ وَأَخلَاقِهِ! إِنَّهَا قِصَّةُ أَهلِ مَديَنَ مَعَ نَبِيِّ اللهِ شُعَيبٍ عَلَيهِ السَّلَامُ؛ كَانَ أَهلُ مَديَنَ أَصحَابَ تِجَارَةٍ وَثَروَةٍ وَأَيكَةٍ خَضرَاءَ، وَلَكِنَّهُم أَقصَوا دِينَ اللهِ عَن حَيَاتِهِمُ الاجتِمَاعِيَّةِ وَالاقتِصَادِيَّةِ، فَاتَّخَذُوا لِأَنفُسِهِم دِينًا جَاهِلِيًّا مَبنِيًّا عَلَى الجَشَعِ وَتَطفِيفِ المِكيَالِ وَالمِيزَانِ وَبَخسِ النَّاسِ أَشيَاءَهُم؛ فَلَمَّا قَامَ فِيهِم شُعَيبٌ عَلَيهِ السَّلَامُ يَدعُوهُم إِلَى تَوحِيدِ اللهِ وَإِقَامَةِ العَدلِ فِي المُجتَمَعِ وَالسُّوقِ، قَالُوا لَهُ تِلكَ المَقُولَةَ الَّتِي هِيَ أَوَّلُ شِعَارٍ لِعَزلِ الدِّينِ عَنِ المُجتَمَعِ فِي التَّارِيخِ، كَمَا حَكَى اللهُ عَنهُم فِي سُورَةِ هُودٍ: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]!
قَالُوا لَهُ: مَا شَأنُ صَلَاتِكَ وَعِبَادَتِكَ بِأَموَالِنَا وَأَسوَاقِنَا وَمُجتَمَعِنَا؟ نَحنُ أَحرَارٌ نَفعَلُ فِي أَموَالِنَا مَا نَشَاءُ! فَمَاذَا كَانَت عَاقِبَةُ هَذَا المُجتَمَعِ الَّذِي أَبَى أَن يَحكُمَهُ دِينُ اللهِ فِي مُعَامَلَاتِهِ؟ تَقَوَّضَت أَركَانُهُ، وَانتَشَرَ فِيهِ الفَسَادُ، حَتَّى جَاءَهُم أَمرُ اللهِ فَأَخَذَتهُمُ الرَّجفَةُ وَالصَّيحَةُ وَعَذَابُ يَومِ الظُّلَّةِ فَأَصبَحُوا فِي دِيَارِهِم جَاثِمِينَ كَأَن لَم يَغنَوا فِيهَا!
وَأَمَّا القِصَّةُ الثَّالِثَةُ: فَهِيَ شَاهِدٌ بَاهِرٌ عَلَى أَنَّ الدِّينَ الحَقَّ هُوَ الوَحِيدُ القَادِرُ عَلَى صِنَاعَةِ «الرَّقِيبِ الدَّاخِلِيِّ» فِي قَلبِ الإِنسَانِ، حَيثُ تَعجَزُ جَمِيعُ قَوَانِينِ الأَرضِ وَشُرطَتِهَا وَأَجهِزَتِهَا! استَمِعُوا إِلَى هَذِهِ القِصَّةِ النَّبَوِيَّةِ العَجِيبَةِ الَّتِي رَوَاهَا البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «اشتَرَى رَجُلٌ مِن رَجُلٍ عَقَارًا لَهُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ الَّذِي اشتَرَى العَقَارَ فِي عَقَارِهِ جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ، فَقَالَ لَهُ الَّذِي اشتَرَى العَقَارَ: خُذْ ذَهَبَكَ مِنِّي، إِنَّمَا اشتَرَيتُ مِنكَ الأَرضَ، وَلَم أَبتَعْ مِنكَ الذَّهَبَ! وَقَالَ الَّذِي لَهُ الأَرضُ: إِنَّمَا بِعتُكَ الأَرضَ وَمَا فِيهَا! فَتَحَاكَمَا إِلَى رَجُلٍ، فَقَالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيهِ: أَلَكُمَا وَلَدٌ؟ قَالَ أَحَدُهُمَا: لِي غُلَامٌ، وَقَالَ الآخَرُ: لِي جَارِيَةٌ، قَالَ: أَنكِحُوا الغُلَامَ الجَارِيَةَ، وَأَنفِقُوا عَلَى أَنفُسِهِمَا مِنهُ وَتَصَدَّقَا!».
بِاللهِ عَلَيكُم يَا عِبَادَ اللهِ! فِي أَيِّ نِظَامٍ مَادِّيٍّ أَو قَانُونٍ وَضعِيٍّ يَقِفُ خَصمَانِ أَمَامَ القَاضِي، لَا يَتَنَازَعَانِ عَلَى اختِلَاسِ كَنزِ الذَّهَبِ، بَل يَتَدَافَعَانِ الذَّهَبَ كُلٌّ مِنهُمَا يَخشَى أَن يَدخُلَ جَوفَهُ دِينَارٌ وَاحِدٌ لَا يَحِلُّ لَهُ عِندَ اللهِ، مَعَ أَنَّ المُشتَرِيَ وَجَدَ الجَرَّةَ وَحدَهُ فِي بَاطِنِ الأَرضِ حَيثُ لَا يَرَاهُ بَشَرٌ؟! إِنَّهُ سُلطَانُ الدِّينِ وَالإِيمَانِ بِاليَومِ الآخِرِ!
وَهِيَ الرُّوحُ نَفسُهَا الَّتِي صَنَعَت تِلكَ القِصَّةَ المَشهُورَةَ المَأثُورَةَ فِي عَهدِ الفَارُوقِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا أَورَدَهَا ابنُ الجَوزِيِّ فِي مَنَاقِبِ عُمَرَ وَصِفَةِ الصَّفوَةِ؛ حِينَ كَانَ عُمَرُ يَعُسُّ بِاللَّيلِ فِي سِكَكِ المَدِينَةِ، فَسَمِعَ امرَأَةً تَقُولُ لِابنَتِهَا فِي جَوفِ اللَّيلِ: «يَا بُنَيَّةُ، قُومِي إِلَى ذَلِكَ اللَّبَنِ فَامذُقِيهِ بِالمَاءِ، فَإِنَّكِ بِمَوضِعٍ لَا يَرَاكِ فِيهِ عُمَرُ وَلَا مُنَادِي عُمَرَ!»، فَأَجَابَتهَا الفَتَاةُ الَّتِي تَرَبَّت فِي مُجتَمَعِ الإِيمَانِ وَالقُرآنِ: «يَا أُمَّتَاه! إِن كَانَ عُمَرُ لَا يَرَانَا، فَإِنَّ إِلَهَ عُمَرَ يَرَانَا! وَاللهِ مَا كُنتُ لِأُطِيعَهُ فِي المَلَأِ وَأَعصِيَهُ فِي الخَلَاءِ!».
وَأَمَّا القِصَّةُ الرَّابِعَةُ مِن شَوَاهِدِ التَّارِيخِ الحَدِيثِ وَالوَاقِعِ المُعَاصِرِ: فَانظُرُوا مَاذَا حَدَثَ فِي القَرنِ العِشرِينَ حِينَ قَامَتِ الإِمبرَاطُورِيَّةُ الشُّيُوعِيَّةُ المَادِّيَّةُ عَلَى دَعوَى إِقصَاءِ الأَديَانِ كُلِّهَا مِنَ المُجتَمَعِ وَإِعلَانِ الإِلحَادِ الرَّسمِيِّ؛ فَهَل استَطَاعُوا أَن يَعِيشُوا يَومًا وَاحِدًا بِلَا دِينٍ؟ كَلَّا وَاللهِ! لَقَد هَدَمُوا المَسَاجِدَ وَالكَنَائِسَ، ثُمَّ صَنَعُوا لِلمُجتَمَعِ «دِينًا وَثَنِيًّا مَادِّيًّا جَدِيدًا»! فَجَعَلُوا المَادَّةَ وَالطَّبِيعَةَ إِلَهًا خَالِقًا، وَجَعَلُوا زُعَمَاءَ الحِزبِ أَربَابًا مَعصُومِينَ تُعلَّقُ تَمَاثِيلُهُم فِي كُلِّ سَاحَةٍ، وَحَنَّطُوا جُثَّةَ زَعِيمِهِم فِي ضَرِيحٍ زُجَاجِيٍّ يَطُوفُ حَولَهُ المَلَايِينُ بِخُشُوعٍ وَصَمتٍ، وَجَعَلُوا كِتَابَاتِ مَاركِسَ وَحَياً مُقَدَّسًا مَن خَالَفَ حَرفًا مِنهُ رُمِيَ بِالكُفرِ وَالخِيَانَةِ وَأُلقِيَ فِي مُعَسكَرَاتِ الجَلِيدِ! فَلَم يَخرُجُوا مِنَ التَّدَيُّنِ، بَل خَرَجُوا مِن عِبَادَةِ اللهِ إِلَى عِبَادَةِ الأَوثَانِ البَشَرِيَّةِ، حَتَّى انكَسَرَت تَجرِبَتُهُم وَانهَارَت دَولَتُهُم مِنَ الدَّاخِلِ لِمُصَادَمَتِهَا لِلفِطرَةِ الإِنسَانِيَّةِ!
وَانظُرُوا إِلَى المُجتَمَعَاتِ المَادِّيَّةِ الغَربِيَّةِ المُعَاصِرَةِ الَّتِي تَفاخَرَت بِإِقصَاءِ الدِّينِ عَنِ الحَيَاةِ العَامَّةِ وَزَعَمَت أَنَّ «القَانُونَ الوَضعِيَّ وَالكَامِيرَاتِ وَالشُّرطَةَ» تَكفِي وَحدَهَا لِضَبطِ المُجتَمَعِ! فِي الثَّالِثَ عَشَرَ مِن شَهرِ يُوليُو عَامَ سَبعَةٍ وَسَبعِينَ وَتِسعِمِائَةٍ وَأَلفٍ لِلمِيلَادِ، انقَطَعَ التَّيَّارُ الكَهرَبَائِيُّ عَن مَدِينَةِ نيُويُوركَ الكُبرَى لِسَاعَاتٍ مَعدُودَةٍ فِي اللَّيلِ، فَتَوَقَّفَت كَامِيرَاتُ المُرَاقَبَةِ وَأَجهِزَةُ الإِنذَارِ؛ فَمَاذَا حَدَثَ لِلمُجتَمَعِ «المُتَحَضِّرِ» حِينَ غَابَ رَقِيبُ الكَهرَبَاءِ وَهُوَ خَالٍ مِن رَقِيبِ الدِّينِ وَالإِيمَانِ؟ تَحَوَّلَتِ المَدِينَةُ فِي لَيلَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَى غَابَةٍ مُتَوَحِّشَةٍ! نُهِبَ وَسُرِقَ أَكثَرُ مِن أَلفٍ وَسِتِّمِائَةِ مَتجَرٍ، وَأُضرِمَ أَكثَرُ مِن أَلفِ حَرِيقٍ، وَاعتُقِلَ فِي لَيلَةٍ وَاحِدَةٍ نَحوُ أَربَعَةِ آلَافِ لِصٍّ وَمُعتَدٍ، وَقُدِّرَتِ الخَسَائِرُ بِمِئَاتِ المَلَايِينِ فِي بِضعِ سَاعَاتٍ! لِمَاذَا؟ لِأَنَّ القَانُونَ الَّذِي لَا يَحرُسُهُ دِينٌ فِي الضَّمَائِرِ وَخَوفٌ مِنَ اللهِ فِي السَّرَائِرِ، يَنتَهِي مَفعُولُهُ فَوْرَ انطِفَاءِ المِصبَاحِ! وَمَا أَصدَقَ مَا قَالَهُ الشَّاعِرُ الحَكِيمُ فِي هَذَا المَعنَى:
إِذَا الإِيمَانُ ضَاعَ فَلَا أَمَانٌ ... وَلَا دُنيَا لِمَن لَم يُحيِ دِينَا
وَمَن رَضِيَ الحَيَاةَ بِغَيرِ دِينٍ ... فَقَد جَعَلَ الفَنَاءَ لَهَا قَرِينَا
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، وَبِهَديِ سَيِّدِ المُرسَلِينَ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ وَخَطِيئَةٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🕌 الخطبة الثانية
الحَمدُ للهِ الَّذِي أَكمَلَ لَنَا دِينَنَا، وَأَتَمَّ عَلَينَا نِعمَتَهُ، وَرَضِيَ لَنَا الإِسلَامَ دِينًا، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الحَقُّ المُبِينُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ الصَّادِقُ الأَمِينُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا عِبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى، وَاعلَمُوا أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ بِالبُرهَانِ القَاطِعِ أَنَّ كُلَّ مُجتَمَعٍ بَشَرِيٍّ لَا بُدَّ لَهُ مِن دِينٍ يَدِينُ بِهِ، فَإِنَّ الدِّينَ الحَقَّ الوَحِيدَ الَّذِي ارتَضَاهُ خَالِقُ الكَونِ لِلبَشَرِيَّةِ كُلِّهَا وَلَا يَقبَلُ مِن أَحَدٍ سِوَاهُ هُوَ دِينُ الإِسلَامِ العَظِيمِ! يَقُولُ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وَيَقُولُ سُبحَانَهُ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥].
لِمَاذَا كَانَ دِينُ الإِسلَامِ هُوَ الدِّينَ الوَحِيدَ الكَفِيلَ بِصَلَاحِ المُجتَمَعِ البَشَرِيِّ وَسَعَادَتِهِ؟
لِأَنَّ شَرِيعَةَ الإِسلَامِ الغَرَّاءَ قَد جَاءَت بِحِفظِ «الكُلِّيَّاتِ وَالضَّرُورِيَّاتِ الخَمسِ» الَّتِي لَا تَقُومُ حَيَاةُ أَيِّ مُجتَمَعٍ إِلَّا بِهَا، وَهِيَ: حِفظُ الدِّينِ مِنَ الشِّركِ وَالإِلحَادِ وَالبِدَعِ، وَحِفظُ النَّفسِ مِنَ القَتلِ وَالاعتِدَاءِ، وَحِفظُ العَقلِ مِنَ المُسكِرَاتِ وَالمُخَدِّرَاتِ وَالخُرَافَاتِ، وَحِفظُ النَّسلِ وَالعِرضِ بِتشريعِ الزَّوَاجِ وَتَحرِيمِ الزِّنَا وَالشُّذُوذِ وَالفَوَاحِشِ وَالقَذفِ، وَحِفظُ المَالِ بِتشريعِ الكَسبِ الحَلَالِ وَتَحرِيمِ السَّرِقَةِ وَالرِّبَا وَالغِشِّ وَأَكلِ أَموَالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ!
وَفي الإِسلَامِ تَتَكَامَلُ القُوَّتَانِ اللَّتَانِ يَقُومُ بِهِمَا المُجتَمَعُ: قُوَّةُ الإِيمَانِ وَالقُرآنِ فِي القُلُوبِ، وَقُوَّةُ العَدلِ وَالنِّظَامِ وَالحِسبَةِ فِي الوَاقِعِ؛ كَمَا قَالَ الخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ عُثمَانُ بنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي كَلِمَتِهِ المَأثُورَةِ: «إِنَّ اللهَ لَيَزَعُ بِالسُّلطَانِ مَا لَا يَزَعُ بِالقُرآنِ»، وَكَمَا صَوَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مَسؤُولِيَّةَ المُجتَمَعِ المُسلِمِ فِي حِرَاسَةِ حُدُودِ الدِّينِ بِتِلكَ الصُّورَةِ البَلِيغَةِ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنِ النُّعمَانِ بنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَومٍ استَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعضُهُم أَعلَاهَا وَبَعضُهُم أَسفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسفَلِهَا إِذَا استَقَوا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَن فَوقَهُم، فَقَالُوا: لَو أَنَّا خَرَقنَا فِي نَصِيبِنَا خَرقًا وَلَم نُؤذِ مَن فَوقَنَا! فَإِن يَترُكُوهُم وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِن أَخَذُوا عَلَى أَيدِيهِم نَجَوا، وَنَجَوا جَمِيعًا».
فَالمُجتَمَعُ كُلُّهُ سَفِينَةٌ وَاحِدَةٌ تَعبُرُ عُبَابَ البَحرِ، وَإِطَارُهَا الحَامِي لَهَا مِنَ الغَرَقِ هُوَ دِينُ اللهِ وَشَرِيعَتُهُ وَأَخلَاقُهُ! فَمَا وَاجِبُنَا نَحنُ اليَومَ يَا عِبَادَ اللهِ؟
أَوَّلًا: أَن نَعتَزَّ بِدِينِنَا العَظِيمِ اعتِزَازَ الوَاثِقِ المَرفُوعِ الرَّأسِ، وَأَن نَعلَمَ أَنَّ البَشَرِيَّةَ المُعَذَّبَةَ اليَومَ بِانفِصَامِ الرُّوحِ وَانهِيَارِ الأُسرَةِ وَطُغيَانِ المَادَّةِ لَا طَوقَ نَجَاةٍ لَهَا إِلَّا فِي الإِسلَامِ الَّذِي أَنعَمَ اللهُ بِهِ عَلَينَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الجَاثِيَةِ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ١٨]، وَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ المَائِدَةِ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].
ثَانِيًا: أَن نُقِيمَ دِينَ اللهِ فِي وَاقِعِنَا العَمَلِيِّ؛ فِي صَلَاتِنَا وَعِبَادَتِنَا، وَفِي بُيُوتِنَا وَتَربِيَةِ أَبنَائِنَا وَبَنَاتِنَا، وَفِي أَمَانَتِنَا وَصِدقِنَا فِي الأَسوَاقِ وَالوَظَائِفِ وَالمُعَامَلَاتِ؛ حَتَّى يَرَى النَّاسُ جَمَالَ الإِسلَامِ وَعَدلَهُ فِي أَفعَالِنَا قَبلَ أَقوَالِنَا.
ثَالِثًا: أَن نَحذَرَ مِن دَعَوَاتِ التَّغرِيبِ وَالانحِلَالِ الَّتِي تُرِيدُ نَزعَ الدِّينِ وَالحَيَاءِ مِن قُلُوبِ الشَّبَابِ وَالفَتَيَاتِ تَحتَ شِعَارَاتٍ زَائِفَةٍ؛ فَإِنَّ الأُمَّةَ إِذَا فَرَّطَت فِي دِينِهَا خَسِرَت دُنيَاهَا وَآخِرَتَهَا، كَمَا قَالَ الفَارُوقُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي كَلِمَتِهِ الخَالِدَةِ الَّتِي أَخرَجَهَا الحَاكِمُ فِي المُستَدرَكِ وَصَحَّحَهَا عَلَى شَرطِ الشَّيخَينِ: «إِنَّا كُنَّا أَذَلَّ قَومٍ فَأَعَزَّنَا اللهُ بِالإِسلَامِ، فَمَهمَا نَطلُبُ العِزَّةَ بِغَيرِ مَا أَعَزَّنَا اللهُ بِهِ أَذَلَّنَا اللهُ»! وَمَا أَحسَنَ مَا قَالَهُ الشَّاعِرُ المُسلِمُ فِي الاعتِزَازِ بِشَرعِ اللهِ وَدِينِهِ:
بِالدِّينِ تَحيَا فِي الزَّمَانِ شُعُوبُنَا ... وَبِنُورِهِ يَسمُو البِنَاءُ وَيَرتَقِي
فَإِذَا تَخَلَّينَا عَنِ الوَحيِ الهُدَى ... تَاهَت سَفِينَتُنَا بِبَحرٍ مُغرِقِ
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى الهَادِي البَشِيرِ وَالسِّرَاجِ المُنِيرِ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، كَمَا أَمَرَكُم بِذَلِكَ رَبُّكُم فِي مُحكَمِ التَّنزِيلِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ الأَئِمَّةِ المَهدِيِّينَ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُم بِعَفوِكَ وَجُودِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ.
اللَّهُمَّ أَصلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصمَةُ أَمرِنَا، وَأَصلِحْ لَنَا دُنيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي فِيهَا مَعَادُنَا، وَاجعَلِ الحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيرٍ، وَاجعَلِ المَوتَ رَاحَةً لَنَا مِن كُلِّ شَرٍّ. اللَّهُمَّ رُدَّ المُسلِمِينَ إِلَى دِينِكَ رَدًّا جَمِيلًا، وَحَكِّمْ فِينَا كِتَابَكَ وَسُنَّةَ نَبِيِّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَاحفَظْ مُجتَمَعَاتِنَا وَشَبَابَنَا وَفَتَيَاتِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا مِن فِتَنِ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ وَدَعَوَاتِ الإِلحَادِ وَالانحِلَالِ يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّركَ وَالمُشرِكِينَ، وَانصُرْ إِخوَانَنَا المُستَضعَفِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَفرِّجْ كَربَهُم، وَاحقِنْ دِمَاءَهُم، وَآمِنْ رَوعَاتِهِم، وَاجعَلْ بِلَادَنَا وَبِلَادَ المُسلِمِينَ آمِنَةً مُطمَئِنَّةً مَحكُومَةً بِشَرعِكَ وَهُدَاكَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
ضَرُورَةُ الدِّينِ لِحَيَاةِ المُجتَمَعَاتِ وَعِمَارَةِ الأَرضِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن حَاجَةِ البَشَرِيَّةِ الفِطرِيَّةِ وَالاجتِمَاعِيَّةِ إِلَى دِينِ اللهِ وَشَوَاهِدِ التَّارِيخِ وَالوَاقِعِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.