من مكتبة مِداد الخطيب

الموت ليس نهاية القصة

مشاركة
🕌 الموتُ ليسَ نِهايةَ القِصَّة #خطبة_جمعة #الموت #الدار_الآخرة #التوبة #قصر_الأمل #حسن_الخاتمة #رقائق #المظالم الحمدُ للهِ الذي قَهَرَ عِبادَهُ بالموت، وجَعَلَهُ بابًا مَحتومًا يَعبرُ منه كُلُّ حَيٍّ إلى الدَّارِ الباقية، الحمدُ لله الذي لم يَجعَلِ الموتَ نِهايةَ الوجود، بل جَعَلَهُ بدايةَ الحَياةِ الحقيقيَّةِ التي لا فناءَ فيها. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يَطوي السَّماواتِ بيمينِه، وتَعنو له الوجوه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أزهَدُ الناسِ في الفانية، وأرغَبُهم في الباقية، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليمًا كثيرًا. أمَّا بعدُ: تَخَيَّلوا لحظةً يَسكُتُ فيها النَّبض، وتَتَوَقَّف الأنفاس، ويَظُنُّ الحاضرون أنَّ كُلَّ شيءٍ قد انتَهى، وأنَّ القِصَّةَ قد خُتِمَت. لكنَّ الحقيقةَ المُفزِعَةَ والمُبَشِّرةَ في آنٍ واحد: أنَّ تلكَ اللحظةَ هي سَطرُ البدايةِ الحقيقيَّة! هناكَ حقيقةٌ كُبرى تَنتَظِرُ كُلَّ إنسانٍ عند أوَّلِ ليلةٍ في قَبره، ومُفارَقَةٌ عَجيبةٌ تَفصِلُ بينَ مَن يَرى قَبرَهُ رَوضةً، ومَن يَراهُ حُفرةً من نار. ما هي هذه الحقيقة؟ وكيف نُعيدُ ترتيبَ أوراقنا قَبلَ أن يُرفَعَ القَلَم؟ هذا ما سَنَقِفُ عليه في خُطبتنا اليوم، فاستَعيروا لي قُلوبَكم. أيها المسلمون، إنَّ أصدَقَ حقيقةٍ نُشاهِدُها كُلَّ يوم، وأكثَرَ حقيقةٍ نَغفُلُ عنها في ذاتِ الوقت، هي حقيقةُ قِصَرِ هذا العُمُر. الأيَّامُ تَنطَوي طَيَّ السِّجِلِّ، والسِّنونَ تَتَسَرَّبُ من بَين أيدينا كحَفنَةِ رَمل. يَفتَحُ أحَدُنا عَينَيهِ شابًّا طَموحًا، ثُمَّ يُغمِضُها ليَفتَحَها وقَد اشتَعَلَ الرَّأسُ شَيبًا، ودَنا الرَّحيل. واسمَعوا لِهذه الآيةِ العظيمة، التي إذا تَأمَّلتُموها لَن تَبقى نَظرتُكم للحياةِ كما كانَت. يَقولُ ربُّنا تَبارَكَ وتَعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس: 24]. تأمَّلوا الخِتام: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾! كأنَّك لم تَضحَك، كأنَّك لم تَجمَع، كأنَّك لم تَبنِ. كأنَّها كانت حُلمًا قَصيرًا استَيقَظتَ منه. وقد وَقَفَ الإمامُ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ اللهُ يَصِفُ هذه الحقيقةَ بِكَلِماتٍ تُكتَبُ بماءِ الذَّهَب، فقال: "يا ابنَ آدَم، إنَّما أنتَ أيَّامٌ، فإذا ذَهَبَ يَومُكَ، ذَهَبَ بَعضُك". سُبحانَ الله! كُلُّ شَمسٍ تَغيب، هي قِطعَةٌ من لَحمِكَ ودَمِكَ تَسقُطُ في مِحرَقَةِ الزَّمَن، وأنتَ لا تَشعُر. ونحنُ في عَصرنا هذا، نُمسِكُ بِهواتِفنا، فَنُقَلِّبُ صُوَرَ السَّنَواتِ الخَمسِ أو العَشرِ الماضيةِ في عَشرِ ثَوانٍ. نَرى كيفَ كَبِرَ الصِّغار، وكيف شابَ الكِبار، وكيف رَحَلَ مَن رَحَل. فهل سَألتَ نَفسَكَ يَومًا: ماذا سَأقولُ لِرَبِّي حين أَقِفُ بَينَ يَدَيهِ وحيدًا عَن هذه الأيَّامِ التي تَبَخَّرَت؟ يَقولُ النَّبيُّ ﷺ في الحديثِ الصَّحيح: «لا تَزولُ قَدَما عَبدٍ يَومَ القِيامَةِ حَتَّى يُسأَلَ عَن عُمُرِهِ فيمَا أفنَاهُ...» (رواه الترمذي). عِبادَ الله، والمَوتُ ليسَ مُجَرَّدَ نَومٍ عَميق، بَل هو بَدءُ الرِّحلَةِ الكُبرى. لَهُ سَكَراتٌ تَتَهاوى أمامَها صَلابَةُ الرِّجال، ولَهُ غَمَراتٌ تُنسي الإنسانَ كُلَّ لَذَّةٍ ذاقَها في حَياتِه. يَقولُ سُبحانَهُ مُصَوِّرًا تلكَ اللحظةَ الحاسمة: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: 19]. دَعونا نَنتَقِلُ الآن إلى غُرفَةٍ في مِصر، قَبلَ أكثَرَ من ألفٍ وأربَعِمِائَةِ عام، حيثُ يَرقُدُ رَجُلٌ ليسَ كَالرِّجال. إنَّهُ عَمرو بنُ العاص رَضيَ اللهُ عنه، داهيَةُ العَرَب، وفاتِحُ الأمصار، وصاحِبُ رَسولِ الله ﷺ. يَنامُ على فِراشِ المَوتِ، فَيُحَوِّلُ وَجهَهُ إلى الجِدارِ ويَبكي بُكاءً طَويلًا. يَقولُ لَهُ ابنُهُ: يا أبتِ، أمَا بَشَّرَكَ رَسولُ الله ﷺ بِكَذا وكذا؟ فَالتَفَتَ إليهِم وقال: "إنِّي كُنتُ على أطباقٍ ثَلاث (أي ثَلاثِ مَراحِل). لَقَد رَأيتُني وما أحَدٌ أشَدَّ بُغضًا لِرَسولِ الله ﷺ مِنِّي... فَلَو مُتُّ على تِلكَ الحالِ لَكُنتُ مِن أهلِ النَّار. فَلَمَّا جَعَلَ اللهُ الإسلامَ في قَلبي، أتَيتُ النَّبيَّ ﷺ، فَما كانَ أحَدٌ أحَبَّ إلَيَّ مِنه، ولَو مُتُّ على تِلكَ الحالِ لَرَجَوتُ أن أكونَ مِن أهلِ الجَنَّة. ثُمَّ وُلينَا أشياءَ (أي مِنَ الإمارَةِ والدُّنيا)، فَما أَدري ما حَالي فيها!". إذا كانَ هذا خَوفَ عَمرو بنِ العاصِ رَضيَ اللهُ عنه — وهو مَن هو — فَكيفَ بِنا نَحن، وقد غَرِقنا في الدُّنيا حَتَّى أذقانِنا، ونَسينا أنَّ الخاتِمَةَ قَريبَة؟ ولقد كانَت أُمُّ المؤمنين عائشةُ رَضيَ اللهُ عنها تَقول بعدَ أن رَأَت شِدَّةَ الموتِ على النَّبيِّ ﷺ وهو يُدخِلُ يَدَهُ في رَكوَةِ الماءِ ويَمسَحُ وَجهَهُ ويَقول: «لا إلهَ إلَّا الله، إنَّ لِلمَوتِ لَسَكَرات» (رواه البخاري)، كانَت تَقول: "فَلا أكرَهُ شِدَّةَ المَوتِ لِأحَدٍ بَعدَ رَسولِ الله ﷺ". ولَكِن، ما الذي يَجعَلُنا نَغفُلُ عَن هذا كُلِّه؟ إنَّهُ الجُنديُّ الأخفى من جُنودِ إبليس: التَّسويف. نَقول: غَدًا سَأتوب. غَدًا سَأُصَلِّي الفَجرَ في المَسجد. غَدًا سَأَرُدُّ المَظالِم. إذا تَزَوَّجتُ، إذا كَبِرتُ، إذا حَجَجتُ. يَقولُ الإمامُ ابنُ الجَوزيِّ رَحِمَهُ الله: "إيَّاكَ والتَّسويفَ، فَإنَّهُ غَرَقٌ في بَحرِ الأماني، وإنَّما الدُّنيا أنفاسٌ مَعدودَة". كَم مِن شابٍّ فَرِشَ ثَوبَ زِفافِهِ ليَلبَسَهُ غَدًا، فَلَبِسَ الكَفَنَ قَبلَهُ! وكَم مِن مُذنبٍ حَدَّثَ نَفسَهُ بالتَّوبةِ بَعدَ المَعصيَةِ الأخيرة، فَكانَت هي القاضيَة! المَوتُ — يا إخوَتي — لا يَطرُقُ البابَ ليَستَأذِن، ولا يَنظُرُ في هُوِيَّتِكَ لِيَرى كَم عُمُرُك. يَقولُ الحَقُّ تَبارَكَ وتَعالى واصِفًا حالَ المُسَوِّفِ حينَ تَأتيهِ الصَّدمَة: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ۝ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 99-100]. تأمَّلوا! لا يَطلُبُ الرُّجوعَ لِيُنهِيَ صَفقَةً تِجاريَّة، ولا لِيَبنيَ قَصرًا، بل يَطلُبُ الرُّجوعَ لِيَركَعَ رَكعَةً، ولِيَتَصَدَّقَ بِتَمرَة. ولَكِن قُضِيَ الأمر. ومِن أخطَرِ ما سَنَلقى اللهَ بِهِ — وهنا المَزَلَّةُ الكُبرى — المَظالِمُ وحُقوقُ العِباد. تَأمَّلوا مَعي هَذا المَشهدَ العظيم. الإنسانُ قَد يَأتي يَومَ القِيامَةِ بِصَلاةٍ كَالجِبال، وصِيامٍ كَالبِحار، ويَظُنُّ أنَّهُ مِنَ النَّاجين. لَكِنْ لِلّهِ سُبحانَهُ ميزانٌ لا يُخطيء: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: 47]. بَينَكَ وبَينَ اللهِ؛ مَبنيٌّ على المُسامَحَةِ والعَفو، لَكِن بَينَكَ وبَينَ الخَلقِ؛ مَبنيٌّ على المُشاحَّةِ والمُقاصَّة. واسمَعوا لِهَذا الحَديثِ الذي زَلزَلَ قُلوبَ الصَّحابَة. يَسألُ النَّبيُّ ﷺ أصحابَه: «أتَدرونَ مَا المُفلِس؟» قالوا: المُفلِسُ فينا مَن لا دِرهَمَ لَهُ ولا مَتاع. فَقالَ ﷺ كَشِفًا عنِ الإفلاسِ الحَقيقي: «إنَّ المُفلِسَ مِن أُمَّتي يَأتي يَومَ القِيامَةِ بِصَلاةٍ، وصِيامٍ، وزَكاةٍ، ويَأتي قَد شَتَمَ هَذا، وقَذَفَ هَذا، وأكَلَ مالَ هَذا، وسَفَكَ دَمَ هَذا، وضَرَبَ هَذا، فَيُعطى هَذا مِن حَسَناتِه، وهَذا مِن حَسَناتِه، فَإن فَنِيَت حَسَناتُهُ قَبلَ أن يُقضى ما عَلَيهِ أُخِذَ مِن خَطاياهم فَطُرِحَت عَلَيهِ، ثُمَّ طُرِحَ في النَّار» (رواه مسلم). أيُّ حَسرَةٍ أعظَمُ مِن هَذه؟ تَتعَبُ سِنينَ طَويلَةً في قيامِ اللَّيلِ وصِيامِ النَّهار، ثُمَّ تَأتي يَومَ القِيامَةِ لِتُهديَ حَسَناتِكَ لِأعدائِكَ ومُبغِضيك، لِأنَّكَ اغتَبتَهُم في مَجلِس، أو سَخِرتَ مِنهُم، أو أخَذتَ ميراثَ أُختِك، أو مَنَعتَ أجيراً أجرَه! يَقولُ سُفيانُ الثَّوريُّ رَحِمَهُ الله: "لَأَن تَلقى اللهَ بِسَبعينَ ذَنباً بَينَكَ وبَينَهُ، أهوَنُ مِن أن تَلقاهُ بِذَنبٍ واحِدٍ بَينَكَ وبَينَ العِباد". فَتَدارَكوا المَظالِمَ قَبلَ يَومٍ لا دِينارَ فيهِ ولا دِرهَم، بَل حَسَناتٌ وسَيِّئات. ولَعَلَّ قائِلاً يَقول: "إذا كُنَّا سَنَموت، وسَنُحاسَب، والقَبرُ قَريب، فَهَل نَترُكُ الدُّنيا ونَجلِسُ نَنتَظِرُ المَوت؟" هَذا فَهمٌ خاطِئٌ لِدِيننا العظيم. الإسلامُ لَم يَجعَل ذِكرَ المَوتِ سَبَباً للإحباطِ واليَأس والسَّلبيَّة. كَلَّا! بَل ذِكرُ المَوتِ في الإسلامِ هو أَعظَمُ دافِعٍ للإنتاجِ والإعمارِ ولَكِن بِبوصلَةٍ صَحيحَة. الذي يَذكُرُ المَوتَ لا يَسرِق، ولا يَظلِم، ولا يَغُشُّ في عَمَلِه، بَل يُتقِنُ صَنعَتَهُ لِأنَّهُ يَعلَمُ أنَّهُ سَيُحاسَبُ عَلَيها. المُسلِمُ يَبني الدُّنيا، لَكِنَّهُ يَبنيها لِتَكونَ قَنطَرَةً للآخرَة. يَقولُ اللهُ تَعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: 77]. ويَقولُ النَّبيُّ ﷺ بِمُنتَهى الإيجابيَّة: «إن قامَتِ السَّاعَةُ وفي يَدِ أحَدِكُم فَسيلَةٌ، فَإنِ استَطاعَ أَلَّا تَقومَ حَتَّى يَغرِسَها فَلْيَغرِسها» (رواه أحمد). السَّاعَةُ تَقوم، والكونُ يَنهار، والنَّبيُّ ﷺ يَأمُرُكَ أن تَزرَعَ نَبتَة! لِماذا؟ لِأنَّكَ مُتَعَبَّدٌ بالعَمَلِ الصَّالِحِ حَتَّى آخِرِ رَمَق. المَوتُ لا يُوقِفُنا، بَل يُرَتِّبُ أولويَّاتِنا. عِبادَ الله، إنَّ الهَدَفَ الأسمى الذي يَطمحُ إليهِ كُلُّ مُؤمِن، والغايَةَ التي تَتَقاطَعُ عِندَها كُلُّ أمنِيَّاتِنا، هي: حُسنُ الخاتِمَة. قالَ تَعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]. وفي الحَديثِ الصَّحيح: «إنَّما الأعمالُ بِالخَواتيم» (رواه البخاري). لَكِن، كَيفَ نَحصُلُ على حُسنِ الخاتِمَة؟ هَل هيَ ضَربَةُ حَظّ؟ يُجيبُنا الإمامُ ابنُ كَثيرٍ رَحِمَهُ اللهُ بِقاعِدَةٍ ذَهَبيَّةٍ بَديعة، يَقول: "لَقَد أجرى اللهُ الكَريمُ عادَتَهُ بِكَرَمِهِ أنَّ مَن عاشَ على شيءٍ ماتَ عَلَيه، ومَن ماتَ على شيءٍ بُعِثَ عَلَيه". لا يُمكِنُ لِمَن أمضى عُمُرَهُ في الغَفلَةِ والخِداعِ وتَضييعِ الصَّلَوات، أن يُوَفَّقَ لِنُطقِ الشَّهادَةِ في آخِرِ لَحظَةٍ إلَّا بِمَشيئَةِ الله. وفي المُقابِل، مَن عاشَ ساجِداً قَرَّت عَينُهُ في سُجودِه، ومَن عاشَ ذاكِراً خُتِمَ لَهُ بِذِكرِه. من يَزرَع الشَّوكَ لا يَحصُدُ التُّفَّاح. رأينا مَن كانَ مُؤذِّناً فَماتَ وهو يُرَدِّدُ الأذانَ في غُرفَةِ العِنايَةِ المُرَكَّزَة، ورأينا مَن عاشَ حافِظاً لِكِتابِ اللهِ فَفاضَت رُوحُهُ وهو يَقرَأُ سُورَةَ يس. الخَواتيمُ مَواريثُ السَّوابِق! دَقيقَةٌ واحِدَةٌ في قَبرِك، لَحظَةٌ توضَعُ فيها الصَّخرَةُ عَلَيك، ويَنصَرِفُ عَنكَ الأهلُ والأحباب، وتَسمَعُ قَرعَ نِعالِهِم... ماذا تَتَمَنَّى لَو قَدَّمتَ قَبلَها؟ بادِروا أعمارَكُم، واستَيقِظوا مِن رَقدَتِكُم قَبلَ أن يُسدَلَ السِّتار. فَكُلُّ لَحظَةٍ تَمُرُّ وأنتَ غافِل، هِي لَحظَةٌ لَن تَعودَ أبَدًا. أقولُ قَولي هَذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورَسولُه، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بَعدُ: عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عَن حَقيقَةِ قِصَرِ أعمَارِنا، وعَن سَكَراتِ المَوتِ التي لا مَفَرَّ مِنها، ووَقَفنا بِخَوفٍ أمامَ حُقوقِ العِبادِ التي تُفلِسُ المَرءَ يَومَ القِيامَة. والآن، ونَحنُ نَستَعِدُّ لِمُغادَرَةِ هَذا المَجلِس، بَقِيَ السُّؤالُ العَمَليُّ الأَهَمّ: كَيفَ نُتَرجِمُ هَذا الخَوفَ الإيجابيَّ إلى خُطَّةِ عَمَلٍ تُنجينا بَينَ يَدَيِ الله؟ أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، لا تُؤَجِّلوها لِلغَد: الأولى (قَلبيَّة): جَدِّدوا التَّوبَةَ اليَوم. في هَذِه اللَّيلَة، قَبلَ أن تَضَعَ رَأسَكَ على وِسادَتِك، اعقِد نِيَّةً صادِقَةً في قَلبِكَ على العَودَةِ إلى الله، والتَّخَلُّصِ مِن ذَنبٍ خَفيٍّ أثقَلَك، فَإنَّ اللهَ يَفرحُ بِتَوبَةِ عَبدِه، وبابُهُ مَفتوح. الثانية (لِسانيَّة): استَغفِروا لِمَن اغتَبتُموهُم وطَعَنتُم فيهِم ولَم تَستَطيعوا التَّحَلُّلَ مِنهُم. مَن كانَ بَينَهُ وبَينَ أخيهِ مَظلَمَةٌ في عِرضٍ أو مال، فَلْيَطلُب مِنهُ السَّماحَ اليَوم — أو يَدعو لَهُ في الغَيبِ لَعَلَّ اللهَ يُرضيهِ عَنكَ يَومَ الحِساب. الثالثة (عَمَليَّة): اكتُبوا وَصاياكُم وصَفُّوا دُيونَكُم. لا تَدَع دَيناً عَلَيكَ إلَّا وَثَّقتَه، ولا حَقّاً لِلنَّاسِ إلَّا بَيَّنتَه لِأهلِك. رَدُّوا الحُقوقَ إلى أهلِها وأنتُم في زَمَنِ الإمهال، قَبلَ زَمَنِ الحِساب. الرابعة (اجتِماعيَّة): صِلوا رَحِماً مَقطوعَة. بادِر اليَومَ بِالاتِّصالِ بِأخيكَ، أو أُختِك، أو قَريبِكَ الذي هَجَرتَه. كُن أنتَ الأكبَرَ خُلُقاً. لا تَدَعِ المَوتَ يَقطَعُ الفُرصَةَ قَبلَ أن تَصِلَ حَبلَ المَوَدَّة. الخامسة (مَوضوعيَّة): اجعَل لِقَبرِكَ زِيارَة، أو لِلمَوتِ ذِكراً في يَومِك. خَصِّص خَمسَ دَقائِقَ يَومياً تَتَفَكَّرُ فيها أنَّ هَذِه الدُّنيا مُجَرَّدُ مَمَرّ، لِيَعتَدِلَ مِيزانُ أولَويَّاتِكَ ولِتَهونَ عَلَيكَ مَصائِبُ الدُّنيا. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ مَن جَعَلَ الآخِرَةَ هَمَّهُ جَمَعَ اللهُ لَهُ شَملَهُ، وأتَتهُ الدُّنيا وهِيَ راغِمَة. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيه، فَقَد قالَ سُبحانَهُ قَولاً كَريماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على نَبِيِّنا مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن إذا ذُكِّرَ تَذَكَّر، وإذا ابتُليَ صَبَر، وإذا أذنَبَ استَغفَر. اللَّهُمَّ ارزُقنا قَبلَ المَوتِ تَوبَة، وعِندَ المَوتِ شَهادَة، وبَعدَ المَوتِ جَنَّةً ونَعيماً. اللَّهُمَّ لا تَتَوَفَّنا إلَّا وأنتَ راضٍ عَنَّا، واجعَل خَيرَ أعمارِنا أواخِرَها، وخَيرَ أعمالِنا خَواتيمَها، وخَيرَ أيَّامِنا يَومَ نَلقاك. اللَّهُمَّ اقضِ عَنَّا الدَّين، وسَدِّد عَنَّا المَظالِم، ولا تَفضَحنا بِسَرائِرِنا بَينَ يَدَيك. اللَّهُمَّ أصلِح أحوالَ المُسلمينَ في كُلِّ مَكان، وارحَم أمواتَنا وأمواتَ المُسلمين، ونَوِّر لَهُم قُبورَهُم، وافسَح لَهُم فيها مَدَّ أبصارِهِم. عِبادَ الله، إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.